Uncategorized

ملاذ القـ,ـاسي مايا خالد

ملاذ القاسي بقلم مايا خالد
الدنيا كانت ليل، والمطر نازل يغسل الشوارع والحيطان الباردة. قدام باب ملجأ “دار الأمان” —اللي ما كان فيه لا أمان ولا رحمة— كانت ليلى واقفة، جسمها النحيل بيرجف من البرد ومن الخوف.
​ليلى ما كانتش هاربة عشان جعانة، هي هربت من “الست مديحة” اللي كانت بتعاملها كأنها حشرة، ومن الإهانات اللي كانت بتوجع روحها أكتر من الضر.ب. وهي ماشية في الزقاق المظلم، لمحت عربية سوداء ضخمة مركونة وصاحبها نزل منها يدخل محل بسرعة.

وبدون تفكير، فتحت الباب اللي ورا واتسحبت زي القطة، واستخبت تحت بالطو جلد تقيل كان مرمي على الكرسي، وكتمت نفسها وهي بتدعي إن محدش يشوفها.
​بعد دقايق، ركب صاحب العربية. ليلى كانت سامعة صوت أنفاسه الهادية والتقيلة. العربية مشيت، وهي بدأت تطلع راسها من تحت البالطة براحة، وشافت وشّه في المراية. كان راجل ملامحه حادة زي السكين، عيونه فيها برود غريب، وكأنه مش من البشر. ده كان عاصي.
​فجأة، وبدون ما يلف وشه، صوته الخشن رجّ العربية وهو بيقول:
​”اطلعي.. أنا مبحبش حد يستغفلني في عربيتي.”
​ليلى اتجمدت، وطلعت براحة وهي بتعيط من غير صوت: “أرجوك..

أرجوك متودنيش هناك تاني. اعمل فيا أي حاجة بس بلاش الملجأ.
​عاصي داس فرامل فجأة، وبص وراه. شاف طفلة وشها شاحب، وهدومها مقطعة، وفي عينيها كمية وجع لا تناسب سنها الصغير. ملامحه متفردتش، فضل قاسي زي ما هو، وقال ببرود:مايا خالد
انتي مين؟ وهربانة من إيه؟
قالت وهي بتشهق: هربانة من القسوة.. هربانة من ناس بتكرهني وأنا معرفش ليه.
​عاصي سكت لحظة، وبص للطريق قدامه، وبصوت واطي وكأنه بيكلم نفسه قال: “كلنا هربانين يا صغيرة.”
​أخدها عاصي لبيته، بيت كبير وفخم بس فاضي وموحش، زيه تماماً.

كانت بتمر الأيام وهو مبيكلمهاش، بيحط لها الأكل ويسيبها، ويغيب بالساعات ويرجع وشه شاحب وهمومه تقيلة. ليلى كانت بتخاف منه، بس في نفس الوقت كانت حاسة إنه “الأمان” الوحيد اللي لقيته.
​في ليلة، كان عاصي قاعد بيشرب قهوته في الضلمة، ليلى قربت منه براحة وقعدت على الأرض جنبه. بص لها بحدة وقال: روحي نامي.. ليه قاعدة جنبي؟
قالت بلهجة بريئة: عشان أنت شكلك حزين.. وفي الملجأ كانوا بيقولوا إن اللي بيقعد جنب الحزين بيشيل عنه شوية.
​عاصي ضحك ضحكة مكتومة كلها وجع، وقال لها: أنا قلبي حجر يا ليلى، الحجر مش بيحزن.

ردت عليه وهي بتمسك طرف كمه: “لا.. الحجر بيسند البيوت. وأنت ساندتني لما مكنش ليا حد.”
​في اللحظة دي، البرود اللي في عين عاصي بدأ يدوب. لأول مرة يحس إن في كائن حي مهتم بوجوده مش خايف منه بس. الطفلة اللي كانت فاكرة إنها محتاجة حماية، كانت هي اللي بترمّم شروخ قلبه من غير ما تحس.
​بعد كام يوم، الدنيا بدأت تهدى وليلى بدأت تتعود على صمت البيت، لحد ما في يوم الباب خبط بعنف. عاصي فتح الباب ولقى قدامه مديرة الملجأ “الست مديحة” ومعاها اتنين رجالة ضخام وشايلين ورق رسمي.
​مديحة بصت لعاصي بمنتهى القذارة وقالت:

“إحنا عرفنا إن البنت عندك، ودي جريمة خطف.. سلمنا البنت بالذوق بدل ما نبلغ البوليس ونخرب بيتك.”
​ليلى أول ما سمعت صوتها، استخبت ورا ضهر عاصي وهي بتمسك في قميصه وبترجف، دموعها كانت نازلة وصوتها مش طالع. عاصي بص للمديرة بنظرة خلت الست ترجع خطوة لورا من الرعب، وقال بصوت واطي ومرعب:
​”البنت دي مش هتمشي من هنا.. والورق اللي معاكي ده بليّه واشربي م.يته.”
​المديرة زعقت: “أنت فاكر نفسك مين؟ دي عيلة يتيمة ومالهاش حد، والقانون معايا!”
​عاصي ببرود شديد طلع تليفونه، وعمل مكالمة واحدة مكملتش دقيقة، وقال جملة واحدة:

“عايز ملف (دار الأمان) يبقى على مكتبي الصبح، وشوف لي الثغرات اللي تقفل المكان ده بالشمع الأحمر.”
​بص للمديرة وكمل كلامه: “أنا مش بس قانوني، أنا اللي بكتب القانون في المنطقة دي. البنت دي دخلت حمايتي، واللمسة اللي على إيدها والكدمات اللي في جسمها توديكي ورا الشمس بتهمة تعذيب قاصر.”
​المديرة وشهّا جاب ألوان، ولما شافت نظرة القتـ,ـل في عين عاصي، عرفت إنها بتلعب مع الشخص الغلط. لمت نفسها واختفت هي والرجالة اللي معاها في ثواني.
​
​لما الباب اتقفل، ليلى فضلت ماسكة في عاصي ومنهارة من العياط.

عاصي اللي كان “حجر”، نزل لمستواها على الأرض، ولأول مرة في حياته، مد إيده وطبطب على راسها بحنان غريب عليه.
​ليلى سألته وهي بتشهق: “هتمشيني يا عاصي بيه؟”
عاصي بص في عينيها وقال بلهجة فيها وعد:
“محدش هيقدر يلمس شعرة منك طول ما أنا عايش.. ومن النهاردة مفيش (بيه)، أنا اسمي عاصي.. وأنتي بنتي.”
​من اليوم ده، البيت البارد بدأ يدفا. عاصي بطل يرجع مخرشم أو شايل هموم غامضة، وبدأ يهتم بلبسها ودراستها. ليلى مكنتش مجرد بنت هربانة، كانت هي “النور” اللي دخل حياة عاصي وطهرها من سواد السنين.

​والراجل اللي كان الكل بيخاف من ملامحه، بقى مبيضحكش غير لما ليلى تجري عليه وتستقبله عند الباب.
أول يوم لليلى في المدرسة كان “حدث عسكري” بالنسبة لعاصي. دخل المدرسة ببدلته السوداء وهيبته اللي بتوقف الكل انتباه، وليلى كانت ماسكة في إيده، لابسة مريولها الجديد وشنطتها، وعينيها بتلمع بفرحة مخلوطة بخوف.
​عاصي قعد مع مدير المدرسة، وحط مفاتيح عربيته على المكتب وبص له بتركيز وقال:
​”البنت دي أمانة عندك، أي حد يضايقها، أو يخلي دمعة تنزل من عينها، المدرسة دي كلها هتتحول لركام في يوم وليلة.. مفهوم؟”
​المدير بلع ريقه وصار يهز راسه بالموافقة وهو مرعوب.

وليلى لأول مرة كانت بتمشي في ممرات المدرسة وهي رافعة راسها، مش خايفة من حد، لأنها عارفة إن وراها “جبل” مبيتهدش.
​المواجهة الأخيرة مع الماضي
​بعد كام شهر، وليلى قاعدة بتذاكر دروسها، لقت عاصي داخل وعينه فيها نظرة انتصار هادية. رمى قدامها جريدة، وكان المانشيت الرئيسي: “إغلاق دار الأمل للرعاية والقبض على إدارتها بتهمة الفساد والتعنيف”.
​ليلى بصت للخبر، ودموعها نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة. عاصي قرب منها وقعد جنبها، ومسح دموعها بصباعه الخشن وقال:
“الماضي ما.ت يا ليلى.. مفيش حد هيقدر يأذيكي تاني.”
​ليلى رمت نفسها في حضنه وقالت له:

“أنا كنت فاكرة إن العربية اللي ركبت فيها كانت صدفة.. بس طلعت هي الطريق لعمري الجديد.”
​عاصي ابتسم بمرارة وهو بيفتكر حياته قبلها: “أنا اللي كنت تايه يا ليلى، وانتي اللي لقيتيني.. مش العكس.”

​مرت السنين، وليلى كبرت وبقت شابة فاتنة، ملامح الطفولة الخايفة اختفت وحل مكانها ثقة وجمال هادئ. بس مع كبر ليلى، “عاصي” ملامحه زادت حدة، والبرود اللي كان في عينه اتحول لنار غيرة وتملك ملهوش حدود.
​عاصي مكنش بس بيحميها، كان بيحاول “يملكها”. مكنش بيسمح لها تخرج لوحدها، ولا تقابل حد من سنها، وحتى ضحكتها كانت ممنوعة تطلع لغيره.
​
​في يوم تخرج ليلى من الجامعة، كانت واقفة مع زميل لها بيسلم عليها ويبارك لها. من بعيد، كانت عيون عاصي زي الصقر، مراقب كل حركة. أول ما الشاب مد إيده عشان يسلم، لقى إيد تانية قوية زي الحديد بتمنعه.

​عاصي وقف بينهم، طوله وهيبته غطوا على المكان، وبص للشاب بنظرة مرعبة وقال بصوت واطي بس يخوف:
​”إيدك تلزمك.. والجميلة دي مبيسلمش عليها حد غيري.”
​سحب ليلى من إيدها بقوة ومشى بيها للعربية، وهي كانت بتحاول تلحق خطواته الواسعة وهي بتقول: “عاصي! أنت بتعمل إيه؟ ده زميلي وبس!”
​وقف عاصي فجأة عند باب العربية، وحاصرها بين جسمه والباب، وقرّب من وشها لدرجة إن أنفاسه لفت وشها، وقال بنبرة تملك جنونية:
“زميلك.. صديقك.. أي حد، ميهمنيش. أنتي ملكي يا ليلى. أنا اللي شيلتك من الشارع، وأنا اللي عملت منك الهانم اللي واقفة قدامي دي.

مفيش عين في الدنيا مسموح لها تتأملك غير عيني.”
​سجن من دهب
​ليلى بصت له بذهول، بدأت تحس إن “الأمان” اللي كانت عايشة فيه بدأ يتحول لـ “سجن” بس من دهب.
قالت بصوت بيرجف: “أنا ممتنة ليك يا عاصي، بس أنا إنسانة، مش حتة أرض أنت اشتريتها!”
​عاصي ضحك ضحكة باردة، ومسح على شعرها بحنان قاسي وقال:
“أنتي أكتر من أرض، أنتي النفس اللي بطلعه. والواحد مبيفرطش في نفسه بسهولة. أي حد هيقرب منك، همحيه من الدنيا.. مفهوم؟
​ليلى في اللحظة دي فهمت إن عاصي مكنش بيحميها من العالم، كان بيحميها “لنفسه”.

الغيرة اللي في قلبه مكنتش مجرد خوف أب على بنته، كانت غيرة راجل رافض إن أي حد يشاركه في الحاجة الوحيدة اللي “نضفت” حياته.
​الصراع
​بدأت ليلى تحاول تتمرد، تخرج من غير إذنه، تتكلم في التليفون.. وعاصي كان بيزيد في جنونه. في ليلة، لقاها بتتكلم مع حد، سحب التليفون منها وكسره مية حتة تحت رجله.
صرخت ليلى: “أنت مريض! أنت بقيت نسخة من الناس اللي هربت منهم!
​عاصي مسكها من دراعها وقربها منه بقوة، وعيونه كانت بتلمع بهوس:
“أنا الوحيد اللي حبيتِك بجد.. أنا اللي دمرت مستقبلي وحياتي عشان أخليكي في حضني.

لو عايزة تسميني مريض، سميني.. بس مفيش خروج من هنا، ومفيش حد غيري في حياتك.
​حب عاصي لليلى اتحول لمرض، بقى يشوف في كل راجل “خطر” وفي كل خروج “هروب”. ليلى بقت عايشة في قصر كبير، بس القصر ده مفيهوش شبابيك، لأن عاصي هو اللي قرر يكون هو “شمسها” و”ضلامها”.
​في يوم، ليلى كانت قاعدة في حديقة القصر، ولابسة فستان رقيق ولونه فاتح، وكانت بتضحك وهي بتلعب مع الكلب الصغير اللي عاصي جابهولها عشان “يسليها” في سجنها. عاصي كان واقف ورا شباك مكتبه، ماسك كاس قهوته وعينه عليها زي الرادار.

​لمح واحد من أفراد الأمن واقف بعيد شوية، وعينه جات “بالصدفة” على ليلى وهي بتضحك. عاصي في لحظة كان تحت في الجنينة.عاصي مشى بخطوات واثقة ومرعبة لحد ما وقف قدام فرد الأمن، وبدون مقدما.ت، ضر.به بوكس وقعه على الأرض. ليلى قامت مفزوعة: “عاصي! في إيه؟ الراجل عمل إيه؟”
​عاصي ماردش عليها، وطى على فرد الأمن ومسكه من هدومه وقال بصوت فحيح زي الأفعى:
​”لو عينك اترفعت على أسيادك تاني، هخليك تقضي بقية عمرك في الضلمة عشان متشوفش حاجة خالص.. غور من وشي!”
​التفت لليلى اللي كانت بترتعش، ومسكها من إيدها بقوة وسحبها لجوه القصر.

دخلها الأوضة ورزع الباب، وبدأ يفك كرافتته وهو بيحاول يتنفس.
ليلى صرخت: “أنت اتجننت؟ الراجل مكلمنيش أصلاً!”
​عاصي قرب منها بخطوات بطيئة، وحاصرها عند الحيطة، وحط إيديه الاتنين حواليها لدرجة إنه مسبش لها مجال تتحرك. همس قدام وشها وهو بيغلي:
“ضحكتك دي.. سنانك اللي باينة وأنتي بتهزري.. شعرك اللي الهوا بيطيره.. كل ده ملكي أنا! فاهمة يعني إيه ملكي؟ يعني حتى الهوا اللي بيلمسك أنا بغير منه!” مايا خالد
ليلى حاولت تزقه: “دي مش غيرة يا عاصي، ده مرض! أنت عايز تخنقني؟”

​عاصي مسك وشها بين إيديه بقوة، بس حنانها كان بيوجع، وقال وعينه فيها نظرة تملك مخيفة:
“أنا خبيتك عن عيون الدنيا وأنتي عيلة صغيرة عشان محدش يكسرك.. ودلوقتي بخبيكي عشان محدش يسرقك مني. أنتي “تحفتي” الخاصة يا ليلى.. مفيش راجل في الدنيا يستاهل يبصلك، ولا في حد هيعرف يقدرك زيي.”
​طلع من جيبه علبة مخملية، وفتحها، كان فيها خلخال من دهب وفيه قفل صغير جداً ومفتاحه معاه. مسك رجلها ولبسهولها وقال بتملك:
“ده عشان كل ما تمشي خطوة، الجرس الصغير اللي فيه يفكرك إنك تابعة لعاصي..

إنك مش حرة تروحي لأي مكان قلبي مش فيه.”ليلى قررت تتحدى جنونه، وفي يوم كان عنده اجتماع مهم، لبست وجهزت شنطة صغيرة وقررت تهرب. وهي لسه بتفتح باب الجناح بتاعها، لقت عاصي واقف قدامها، وكأنه كان عارف هي بتفكر في إيه قبل ما هي تعرف.
​بص للشنطة اللي في إيدها، وضحك ضحكة باردة تخوف:
“فاكرة إنك ممكن تهربي من الراجل اللي علمك يعني إيه حياة؟ ليلى.. أنا مش بس صاحب العربية اللي ركبتيها زمان، أنا بقيت القدر اللي محوطك من كل جهة.”

​شال الشنطة منها ورماها بعيد، وشالها هي بين ذراعاته وهي بتخبط في صدره وتصرخ، ودخلها جوه وقال وهو بيقفل الترباس:
“مش هتطلعي من هنا غير وأنتي مقتنعة إن العالم بره وحش.. وأنا الوحيد اللي “أمانك” حتى لو كنت أنا “سجانك”.”ليلى قررت إنها مش هتفضل العصفور اللي محبوس في قفص ذهب، وبدأت تفهم إن “عاصي” رغم قوته، نقطة ضعفه الوحيدة هي “خوفه إنه يفقدها”. فقررت تلعب على الوتر ده بذكاء وتتحداه في ملعبه.في ليلة، عاصي رجع البيت ولقى ليلى قاعدة على السفرة، لابسة فستان أحمر جريء، وحاطة مكياج كامل لأول مرة، وشكلها كان يخطف الأنفاس.

عاصي وقف مكانه، وعروق إيده برزت من كتر الغيرة اللي اشتعلت جواه بمجرد ما تخيل إن ممكن حد غيره يشوفها كدة.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى