منوعات

عاصم وهدية

حكاية عاصم وهدية
= العريس وصل
قالها واحد من أهل البلد وهو بيجري ناحية الفرح، جلابيته معفرة من التراب وصوته كان عالي. العروسة كانت قاعدة حزينة ولابسة فستان أبيض ودموعها مغرقة خدها.
فجأة الكهرباء قطعت والفرح كله بقى ضلمة ومحدش شايف التاني.. صوت صهيل حصان دخل المكان وفجأة صوت صرخة العروسة.
وبعدها هرج ومرج. وفي وسط الدوشة، صوت حوافر حصان بيخبط الأرض جاي من بعيد. الناس اتشقوا، وشافوا خيال لونه أسود داخل بسرعة، الفارس لابس قميص أسود، ووشاح على وشه، وماسك اللجام بإيد من حديد.

قبل ما حد يفهم ولا ينطق، الفرس نط قدام الكراسي، الفارس مد إيده، شد هدية (العروسة) من خصرها، رفعها وراه على الحصان في حركة واحدة، ورجّل الحصان يطير. صوت عمها وهو بيصرخ “هدية!” اتكتم تحت صهيل الفرس والزغاريد اتقلبت صويت.
بعد خروجه من المكان الكهربا رجعت تاني وكان في حالة من الفوضى بين الناس واكتشفوا إن العروسة اتخطفت. وفي ثواني… الكهربا رجعت بنفس الرعشة، والناس لسه عينيها متعودتش على النور. الحاج رجب عم العروسة أول واحد لمح الكرسي الفاضي، وهدية ماكانتش موجودة.
الصمت كسره صوت عمها وهو بيهتف: “العروسة! فين؟” لحظة، وبعدين الدوشة انفجرت.

ستات تصوت، رجالة تجري ناحية المدخل، وعيال تتلفت حواليها مش فاهمة حاجة. واحد من أهل البلد رجع يجري وهو بينهج: “خطفوها! ولاد الجبالي خطفوا العروسة!”
في وسط الزحمة ظهر العريس. بدلة سودا، ربطة عنق، وشه أحمر زي الجمر. بص على الكرسي الفاضي، وبعدين على عمها، وصوته طلع بغضب: “خطفوها؟ خطفوا عروستي ليلة الفرح قبل ما أكتب عليها؟!”
الحاج رجب عم العروسة: سيكون مين اللي عمل كده وخطفها من وسطنا؟
العريس خطى لقدام، عينه ولعت: “محدش يعملها غيره… ابن الجبالي! عاصم الجبالي!”
الاسم وقع على الناس زي صفعة. الكلام سكت ثانية. حتى الدربكة وقفت.

الكل عارف حكاية الجبالي—الأرض القديمة اللي بينهم وبين عيلة صفوان (عيلة العروسة)، الطار بينهم اللي مابردش من سنين.
وعاصم الجبالي؟ الشاب اللي ساب الصعيد من تلات سنين بعد مشكلة كبيرة بين العيلتين ورجع دلوقتي على حصانه في عز الضلمة عشان يخطف حبيبته قبل ما يجوزوها لغيره.
واحد من أهل البلد همس برعب: “هو عاصم الجبالي رجع؟”
والتاني رد: “رجع يخطف هدية… كل البلد عارفين إن عاصم الجبالي بيحب هدية من وهما عيال صغيرين ولولا المشاكل اللي بين العيلتين كان زمانه متجوزها من زمان.”
واحد تاني قال:

عم هدية كان عاوز يجوزها الليلة عشان يحرق قلب عاصم الجبالي عليها.. بس ابن الجبالي هو اللي حرق قلبهم وخطف العروسة من وسطهم.
العريس قبض إيده بغضب: “أنا هجيبه. والله لأجيبه من تحت الأرض. هدية هتبقى مراتي، والكتاب هيتكتب الليلة غصب عن عاصم وعن الجبالي كلهم.”
والناس واقفة عارفين إن الموضوع مش هيعدي على خير، وعينيهم بتروح ناحية الطريق الغربي… السكة اللي اختفى منها الحصان.
عند العروسة.
الهوا بيضـ,ـرب وشها وهي ماسكة في قميص عاصم، صوابعها مشدودة على القماش، الخوف مخليها تترعش. كل ما الحصان يطوح بيها، تضـ,ـربه على ضهره قبضة مكتومة وتقول بصوت مبحوح:

“رجعني الفرح يا عاصم… نزلني! أنت مجنون ولا إيه؟”
عاصم ما ردش، حوافر الحصان بتخبط الطريق الترابي برا البلد، القمر شاقق السما ومضوي رأس النخل البعيد. عينه ثابتة قدامه، كأنه مش سامع ولا حاسس بضـ,ـربها على ضهره ولا صوتها.
هدية زقته تاني: “أنت سامعني؟ هتوديني فين؟ عمي هيمـ,ـوتني… والعريس هيولع الدنيا!” صوتها انكسر في الآخر، بس هو شد اللجام، الحصان زاد سرعته، وهي سكتت، خايفة تقع.
بعد دقايق لفوا ناحية سور طوب عالي باين من بعيد—السرايا. بوابة حديد مصدية انفتحت على حوش واسع، وعاصم هدى الحصان، خطواته بقت تقيلة على الأرض.

هدية كانت لسه متشبثة فيه، نفسها سريع، بتتلفت يمين وشمال: الحوش ساكت، شبابيك السرايا مطفية، وشجرة نبق عجوزة رامية ضلها على الحيطة.
دخل الإسطبل، ريحة تبن وجلد مالية المكان، قنديل معلق على عمود خشب نور أصفر ضعيف. عاصم نزل الأول، وبعدين مد إيده يسندها. هي نزلت مترددة، رجليها مش ثابتة من الركوب، وزعقت فيه أول ما لمست الأرض: “أنت جايبني هنا ليه؟ أنت بتخطفني من عريسي ليلة فرحي يا عاصم!”
عاصم ربط اللجام في حلقة الحديد، وطبطب على رقبة الحصان اللي كان بينهج. بص لها أخيرًا، عينه فيها حاجة هدية نسيتها من زمان—إصرار، وعشق كمان. قال بهدوء غريب:

“كنتي عايزة تتجوزي واحد غيري؟”
عاصم خطى ناحيتها بسرعة، شدها من دراعها وصوت التبن تحت جزمته خبط سكوت الإسطبل: “إنتي مش هتكوني لحد غيري يا هدية… إنتي بتاعتي أنا من يوم ما اتولدتي.”
هدية نفضت إيده بعزم، ووشها قلب لون أحمر من الغيظ: “إبعد عني! ده كان زمان يا ابن الجبالي… ده كان زمان قبل ما تقتـ,ـل أبويا وإيدك تتغرق بدمه!”
الكلمة وقعت في الإسطبل أتقل من الحجر. عاصم إيده اتشنـ,ـجت جنبه، وعينه رمشت مرة كأنه شاف مشهد قديم.
هدية ساكتة، بتنهج، وعاصم ساكت، بس قبضة إيده اتفتحت.. واتقفلت.

عاصم ما بعدش إيده، صوابعه ضغطت أكتر حوالين دراعها، وعينيه خبطت في عينينها مباشرة. تحت النور الضعيف شاف اللمعة اللي هدية بتحاول تخبيها—خوفها منه، وأيوه، حاجة لسه عايشة رغم السنين. قرب منها أكتر، صوته واطي لكنه مشحون: “أنا ما قتـ,ـلتش أبوكي. اللي حصل ده كان كمين معمول ليا، معرفش مين اللي قـ,ـتله وعايز يلبسهالي أنا. المحكمة برأتني… عايزة إيه تاني؟”
هدية اتجمدت، اترعشت لحظة، بعدين زعقت: “أهلك اللي طلعوك براءة بفلوسهم! الورق اتزور، والقـ,ـضية اتباعت، طبعًا ومين يقدر يقف قصاد عيلة الجبالي.

أبويا مات وأنت كنت واقف هناك، وسـ,ـلاحك في إيدك.”
حاولت تنفض دراعها، وهو سابها بس ما رجعش خطوة. كملت بإنصات: “بس أنا مش هسيب تار أبويا، وهيجي اليوم اللي هاخد تاري منك يا عاصم.. وحياة العشق اللي كان في قلبي ليك.. هتندم يا عاصم.”
عاصم بص لها بعمق وبعدين سحبها من ايديها وراه وهدية بتزعق: “سيبني يا عاصم! أنت اتجننت؟”
سحبها لجوّه السرايا، وأول لما دخلت شافت المأذون قاعد بجلابية رمادي وسبحته في إيده، جنبه اتنين شهود، وشهم ساكت ومستنينهم.
هدية بصدمة: “إيه ده…

أنت جايب المأذون هنا ليه؟”
عاصم وقف قصادها بثقة، إيده لسه ماسكة دراعها، ونبرة صوته نزلت لحد التهديد اللي ما يتكسرش: “هتوافقي على كتب الكتاب ولا عايزة تودعي باقي أهلك؟”
عينيها وسعت، بصت له كأنها أول مرة تشوفه: “أنت بتهددني؟ عايز تتجوزني غصب يا ابن الجبالي؟”
عاصم بغضب، لف راسه ناحية المأذون، صوته قطع السكوت: “اكتب يا مولانا.”
المأذون فتح دفتره، طرف القلم لمس الورقة. الشهود تبادلوا نظرة سريعة، وواحد منهم مد إيده يثبت الورقة على المنضدة.
المأذون سألها: موافقة على الجواز يا بنتي؟

هدية فضلت متجمدة، صدى صرخة مكتومة في زورها، وعاصم ضغط على دراعها مرة خفيفة.
عاصم: من مصلحتك ومصلحة عيلتك توافقي يا هدية.
نطقت هدية برجفة وهي بتبص لعاصم بتحدي: موافقة.
واتكتب اسمها جنب اسمه. المأذون تمتم “بارك الله لكما”، واحد من الشهود قال “مبروك”، والصوتين رنوا في الصالة الفاضية كأنهم جايين من بعيد. عاصم ساب دراعها أخيرًا، وهدية رجعت خطوة لورا، إيدها على دراعها اللي وجعها من مسكته، وعينيها ما بتتحركش من الدفتر—بقت مرات عاصم الجبالي. رسميًا، بالورق والشهود، ابن الجبالي اتجوزها وأتحدى عمها وأهلها كلهم.

المأذون والشهود مشيوا، ودخلوا أفراد عيلة الجبالي اللي معترضين على جوازة عاصم من بنت عيلة صفوان اللي بيعتبروهم أعداء.
عيلة الجبالي: عمه سيد العم الكبير، ومرات عمه بطرحة سودا مشدودة على راسها، وابن عمه صابر واقف ورا ماسك طرف جلبابه. عينيهم كلهم متعلقة بهدية، والسكوت عندهم أتقل من أي اعتراض. أم عاصم كانت أقرب واحدة للمنضدة، شفايفها اتضغطت كأنها هتقول حاجة، لكنها بلعتها وبصت للأرض. الكل عارف: هدية دلوقتي من عيلة أعدائهم، العيلة اللي بينهم وبينها طار من أيام ما أبوها وقع غرقان في دمه قدام بيت الجبالي، والمحكمة طلعت عاصم براءة، لكن هدية وأهلها مصدقين إن هو القـ,ـاتل.

صابر همس: “أنت بتتجوزها يا عاصم، دي بنت العيلة اللي…” عمُه سيد رفع عصايته نص رفعة، ولا كلمة، بس النظرة سكتت صابر. محدش فيهم خطى خطوة. محدش فتح بقه يعترض. عاصم وقف قدامهم، وعينيه على هدية كأنه بيقولهم: أنا خدت القرار والموضوع انتهى.

السابقانت في الصفحة 1 من 3 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى