الفصل الأول عصرًا .. في القاهـرة …
كـان يسيـر بخطى هادئـة حتى أصبح امام باب منزلهـم، بحث بعينيه عن مكان المفتاح الذي أخبرتـه به إبنـة عمته منذ قليل ” المفتاح تحت المشايه يا حمزة، اوعى تنسى ترجعه لما تدخل وانا خلاص جاية اهوو ”
ابتسامـة ساحـرة زينت ثغـره الأسمـر وهو يفتـح الباب بهدوء .. وما إن أغلق الباب وإلتفت حتى وقعت عينـاه على مشهد أثـر فؤاده ..
تلك المعشوقـة تتمدد على الأريكة وعلى ما يبدو أنها نامت أثناء جلوسها .. إبتلع ريقه وهو يقترب منها ببطئ .. يشعـر بأنذارات تتدفق بين تشابك مشاعره التي تفيض ما إن يقترب منها !!
اصبح امامها تمامًا .. وتلقائيًا كانت يده تستجيب لنـداء بعيد عن مرمى ذاك العقل الذي يحتم عليه بالإبتعاد .. ليتحسس خصلاتها السوداء المتمردة على وجههـا الأبيض ..
والعقل تقريبًا تخـدر تحت إطراب وشغف تلك اللمسة لوجهها الناعم .. وأصابعه التي تحسست شفتاها دون ان يشعر !!!
كانت مستكينـة تمامًا .. ملامحها الجذابة ساكنـة تحت سكنات النوم المُرهق …
ليجد نفسه يقترب ببطئ حتى جلس لجوارهــ,ـا .. ولا يدري ماذا حدث إلا أنه اخيرًا تذوق شهد شفتاهـا الذي حُرم عليه منذ أن أخترقـت هالات جديته المعتادة !!!!!
بدأت تتململ تحاول الفكاك من بين أسـره ..
ليتردد صـ,ـوت ما ** شعوره بالنشوة للحظات ” دي حنين بنت بنت عمتك يا حمزة ” .. !
لينتفض هو في ثوانٍ يحدق بها مصدومًا من نفسه قبل أي شيئ !!
لم يكـن اقترابها بتلك الطريقة في الحسبان ابدًا !؟
بينما فتحت هي عينيها باتـزان .. لتهمس ببلاهه :
-أنت بتعمل إية هنا يا حمزة ؟!!
ثم استـدركت نفسها سريعًا تتابـع :
-قصدي .. كنت بحلم، انت ازاي جيت يا أنكل حمـزة ؟
أغمـض عينـاه بضيق يحاول مقـع تلك الرفرفة التي تعتلي دقاته وهو يسمع اسمه منهت بتلك الطريقة ..
ليصدح صوته الرجولي مغمغمًا بضيق :
-قولت لك مليون مرة انا مش نيييلة انكل يا حنين .. وإنتِ مابقتيش صغيرة عشان تقولي انكل دي !! إنت أنسة محترمة هتكملي 20 سنة دلوقتي !!
نهـضت بكسل تحاول الفرار سريعًا قبل أن ينكشف وحش عصبيته المفرطة معها، فهمست وهي تسير :
-اسفة .. بس أنت كمان ابن خالة ماما يعني في مقام خالو، بغض النظر عن أنك لسة اعزب 31 سنة !
كلمـا ذكرته بتلك الفروق من دون قصد .. شعر أن قلبه يزداد تصدعًا وإنكسـارًا تحت هجـوم الطبيعة !!!
كادت تدلف لغرفتها إلا أنه زمجر بغضب ربما إنفرط منه دون قصد متضاربًا بغضبه من نفسه :
-اية اللي إنتِ لابساه ده !! إنتِ كنتِ في الكلية بالمنظر ده ؟
نظـرت لبنطالهـا الضيق والتيشيـرت – نصف كم الذي ترتديـه – لتمط شفتيها مغمغمة بحنق :
-على فكره عادي أنا كنت لابسه بورلو بس قلعته ونمت وانا مش حاسه هنا !! وبعدين يا انكل أنت بتحب تزعق لي وخلاص !؟
صرخ بحدة نفضـت اطراف المرح التي كادت تتسحب بين حروفها :
-لا يا هانم مش بتلكك بس ده مش منظر تنزلي بيه، وبعدين إنتِ سمعتك من سمعتي يعني لازم تحاولي تكوني محترمة شوية !! على الاقل مثلي الاحترام انا مش ناقص كلمة من حد !!
صمت برهه ينظر لوجهها الذي امتقع ليكمل بحدة متزايدة :
-واساسًا امك قالت إنك في الكلية اية اللي جابك بدري ؟
هجـوم كاسـح من البكـاء وتشققـات الصمود شعرت بها تهفـو على أفـق عينيهـا الزيتونيـة .. لتجيب بصوت مبحوح :
-المحاضرة الاخيرة إتلغت فـ جيت وملحقتش اكلم ماما اقولها
استدارت وكادت تسيـر ولكنه اوقفها باستمرار زمجرته المخيفة :
-لما اكون بتنيل واكلمك تقفي زي مابكلمك، ولا إنتِ مابتعرفيش تحترمي صغير ولا كبير !؟
بدأت تبكي وهي تخبره بصوت عالي الى حدًا ما :
-لا انا محترمة جدًا .. وطالما ماما عايشة وموافقة خلاص، انا مابقتش صغيرة وحاضر هحترم نفسي .. ما اصل بابا لو كان عايش مكنش حد قالي كدة، عن اذنك يا استاذ حمزة
وغـزات متتاليـة إنقضـت تُمـزق إطار الأحتواء الذي كان يحيطها به منذ أن كبرت على يديـه بعد وفاة والدها !!
الان هو من تسبب في لفحة مرارة اليُتم لها مرة اخرى ؟!
اقترب خطوتان وكاد يندفع لها يجذبها لأحضانه ..
ولكنه تمالك نفسه يجبر نفسه بصعوبة على المغادرة حتى لا يأخذها في احضانه كما تمنى دومًا !!
وبالطبع هذا الاقتراب لا يجـوز … ولن يجوز !؟ <!–nextpage–>
على الطـرف الاخـر في احـدى المدن ” الواحـات ”
كان يقف هو .. ” مُهاب عز الدين حماد ”
يتحسس خصلاتـه السوداء القصيرة، وصـوت أنفاسه الخشنة تعلو بوضوح كموسيقى لرفضًا مأسـور بين دائـرة الإصرار !!!
نظـر لوالده الذي يقف امامه عاقدًا ذراعيه ومنتظرًا رده :
-أنا مُش هفضـل مستني زي خيبتها كدة كتير يا مُهاب !! الناس مستنين بره يلا ؟
إلتفت له اخيرًا بمنكبيـه العريضين، لتحتـد نبرته وتُحيا خواطـره المعُاكسة وهو يخبره بنزق حاد :
-بابا أنت متخيل الموقف ؟!
أنت جبتني في محافظة تانية ومن غير ما تقولي عشان تفاجئني عايزني اكتب كتابي دلوقتي !!! لا ومتفق مع الناس ماشاء الله
تنهـد والده بقـوة .. قبل أن يتجلى صوته وهو يحاول إقناعه :
-اسمـع يا مهاب .. أنت عارف إن دي صفقة عمل لو ده اللي هيخليك توافق، لو مافيش بيننا وبين الناس دي علاقة تربطنا عمرها ما هيتنازلوا لنا عن الارض اللي عاوزين نبني عليها المشروع !
وعندمـا لم يجد ردًا منه أكمل في حماس :
-ثم إن البنت مش وحشـة..
دي بنت ناس ومحترمة وألف من يتمناها
هنا لم يتمالك نفسه عند تلك النقطـة التي يحور حوله رفضه المطلق :
-دي مش أي واحدة، دي طفلة !! أنت عايزني أتجوز طفلة عندها 16 سنة لسة ؟!
رفـع الاخر كتفيـه هامسًا بقلة حيلة :
-دي اكبر بنت، مفيش اكبر منها، وبعدين مالها 16 سنة .. ده أنت حتى هتربيها وتكبرها على طريقتك ؟
أغمـض عينـاه بقهـر .. لأول مرة يُجبـر على شيئ .. !!
ولكن إن كانت مجرد صفقة .. فهو من سيُحركها كيفما شاء ..
بل ويُبدل خيوطها إن اراد …
نظر لوالده يهتف في هدوء يشبه هدوء ما قبل العاصفة :
-موافق .. بس افتكر إنك قولت إنها مجرد صفقة، محدش هيعرف إني اتجوزتها ابدا ؟؟
اومـأ والده يتنهد باستسلام :
-ماشي، المهم ننزل دلوقتي عشان المأذون مستني، وماتنسـاش يا مهاب أنا فهمتهم إنك كنت مسافر وإنك عايز تكتب الكتاب عشان تبقى براحتك ولو محصلش نصيب خلاص
تقـوس فمه بابتسامة ساخرة تنـم عن صـراع مُربك يدور بين ثنايـاه، قبل أن يسأله :
-والطفلة بقا اية اللي هيجبرها على واحد زيي ؟
ظهرت ابتسامة مُتنامية على ثغره المجعد وهو يخبره بثقة :
-اهلها كمان عاوزين يتمموا المشروع، أنا عرفت أصلاً إن ابوها اتوفى، وعمها هو اللي مسؤل عنها، وانتم هتقعدوا في القاهرة اساسا، فالموضوع امان ماتقلقش
اومأ موافقًا بضيق ..
-اما نشوف اخرتها، بس يا انا يا هي !!
هبطـوا جميعهم بهدوء يحاولوا رسم تلك البسمة على وجوههم ..
وما هي ألا دقائق حتى هبطت زوجته المستقبلية … عفوًا طفلته المستقبلية !
فرحـة بحـياة العزوبيـة تُسن تحـت ضغط والـده !!
لو والدته معهم الان فلن يتم هذا الزواج، ولكن اسفًا سلبها المـ,ـوت منه !!!
وعلى أي حال .. هو لم ولن يخسر، سيتزوج مرة واثنان وثلاثة وعشـر … !
اخيرًا تم عقـد .. ليصـدح صوت عمها مهللاً بابتسامة هادئة :
-الف مبروك يا ولاد
اشـار للفتـاة التي تنكس رأسها ارضًا، وكأنها تخفى عنهم رفضها المبطن لتلك الزيجـة الخانقـة !
وتخفي حُفر كان من المفترض أن يشقها قمـر السعادة .. ولكن صدمتها شمس الحياة القاسية فصـارت تنزف السعادة كـدماء الخسارة !!!!
لتسمع عمها يقول :
-تعالي يا سيلين سلمي على جوزك يلا يا حبيبتي
ابتلعت ريقها بازدراء هامسة :
-حاضر
اشـار لها مهاب قبل أن تصل له، لتخترق جملته الرجولية التي زينتها نبرته الجادة الرجولية :
-بعد اذنكم انا عايز اقعد انا وهي لوحدنا، اعتقد احنا كتبنا الكتاب عشان نبقى على راحتنـا بقا
اومأ عمها في حبور :
-طبعًا .. وأنت محل ثقة أنت ووالدك، احنا هنخرج بره وانتوا خدوا راحتكم
وبالفعل ما هي إلا ثواني حتى خرج الجميع لتبدأ هي في فرك اصابعها وهي تراه يجلس لجوارهـا تمامًا .. بل يكاد بكون ملتصقًا بها !!