Uncategorized

ريان القسم ال7

ضغطت ليان على كفه تناظره بحب قبل ان تميل نحوه تقبله في ضعف تحاولي السيطرة على مشاعرها المختلطة فبادلها قبلتها حتى همست أمام شفتيه: -أنت مش فاقد لأي شيء يا أحمد أنت احن إنسان قابلته في حياتي ومعنديش شك ولو واحد في المية انك مش حنين أو سوي،
ومتأكدة مليون في المية أنك هتكون احسن أب في الدنيا. ابتسمت في ضعف مستكمله: -وهتساعدني أكون احسن أم،
اخفضت عيونها قبل ان تستجمع شجاعتها قائلة بابتسامه مجبرة:

-أنا أسفة اني بقلقك على الفاضي، تقريبا كده دي الهرمونات. همست في اعتذار صريح بينما تقبل باطن كفه ليربت احمد بحنو ورقة لا متناهيه فوق خصلاتها مؤكدًا: -كفاية كلام ويلا عشان منتأخرش على معادنا.

هزت رأسها بموافقة وتركته يحمل الحقيبة قبل أن تتبع خطواته في بطء بينما شعر أحمد باضطراب شديد وخوف كبير من فقدانها، رمق ليان يراقب نظراتها للمكان ولحق عيناها بنظراته يتذكر كيف نجحا في بناء حياة شبه مستقرة في عامين فقط.
انتقلت به ذكرياته إلي اليوم الذي تلا زيارته للطبيب واكتشافه لمأساته وانه المخطئ الأول في حق نفسه ذلك اليوم عندما أتى والده إلي المنزل يطالبه بكل جحود وقسوة أن يترك المنزل معلنًا إنه قد وجد مشتري للمنزل والمتجر سويًا.

تذكر كيف وقف ليان بكل شجاعة وبسالة أمام والده رافضة ان تظهر ضعف أو ألم، وتذكر كيف ساندته كأنها تُسقيه من قوتها واصرارها حتى استطاع ان يواجه والده بذات القوة والتعالي وبدون إلحاح منه أو إظهار أي نقطة ضعف أو حزن لوالده المعتوه.
هبط على الدرج وهو يتذكر وقتها كيف دلف كلاهما برضا يلملمان ما يحتاجان إليه من ملابس وما يملكه من أموال في حقائب قليلة ليتخذا من السيارة مسكنًا لهما حتى وجدا منزل صغير حددته ليان مسبقًا لاستأجره.

أمسكت ليان أصابعه ما أن فتح باب السيارة لها لتحيي داخله تلك اللحظات حين تمسكت به وتعلقت بذراعه بينما هو يجلس منهارًا باكيًا داخل السيارة فتركته يخرج أخر مكنوناته المضطربة المذعورة من القادم بين أحضانها لتكون تلك أخر مرة يستسلم فيها لضعفه. -أحمد متخافش. همست ليان تطمأنه وقد هالها شحوب وجهه ونظراته المتعلقة بها فأجابها في صدق: -مش خايف طول ما انتي جنبي.

ابتسمت ليان له ما ان ركبا السيارة الصغيرة نسبيًا عن سيارته التي باعها في بداية الطريق لتكون نواة مستقبلهما الحائر المبني بثقه ودون خوف بواسطتهما.
ظل أحمد طوال الطريق ممسكًا بكفها الصغير وكل ثوان يرمق عيونها المغلقة ورأسه المسنود للخلف بتفحص وقلق،
لقد اثبتت ليان بانها السحر في حياته فلكل منا تميمة خاصة قادرة على دفعه للأمام ليكيل من خلالها جهوده بالإنجازات والنجاح وليان كانت التميمة خاصته التي استعاد بها نفسه الضالة قبل مستقبله.

ليان هي الحياة وان حدث شيء لها سينهار ويتفتت كالصخور في مواجه الأمواج، تنهد فهو يخشى ان يعترف لها بانه لا يخشى على ابنتهما بل يخشى عليها ويريدها سالمة غانمة تنبض بالحياة والنضارة بين ذراعيه.
رفع كف ليان يقبله وقد تملكه رغبة كبيرة في إخفاءها داخل قلبه وبين ضلوعه، تنهد في توتر لا يزال يشعر بالاضطراب ما بين حماس بقدوم المولودة وخوف على سلامة زوجته.

كل هذا بالإضافة إلي محاربته لتفكيره الذي يصر على نقله إلي أسوأ وأفضل فترة مرت على حياته،
فبعد معاناه ستة أشهر ما بين علاج إدمانه وعلاج اضطراباته النفسية لأن ليان أصرت في نفس الاسبوع الذي طردهم فيه والده أن يعود لزيارة الطبيب وعليه فقد تم حجزه بغتًا لخمسة عشر يوم قضى منهم أول سبع أيام وكأنه في الجحيم، ايام سبع مروا عليه كالسنوات الشائكة وكأنه في صحراء قاحلة لا يجد فيها الماء ولا يواسيه سوى حرارة الشمس الحارقة.

ولكنه أصر على الخروج دون إكمال مدته معللًا إنه لن يوقع زوجته في تلك المأساة ويتركها وحدها وان مرارة الحياة جعلته قادرًا على المضي في علاجه بينما هو في بيته وبجوارها.
وقد أخذ عهد على نفسه بالنجاح وقد نفذه بمساعدة ليان التي تحملت تقلبات مزاجية ونفسيه منه لشهور مريرة، ولكن وجودهما معًا كان كافي لنسيانها.

كما تمكن خلال ذلك الوقت من شراء دكان صغير بمنطقة بسيطة وإقامة مشروع يتناسب مع مواردهم في تلك الفترة، أدارته ليان بشكل كامل متحججه بانه يحتاج وقت للتعافي وانها ستتركه يساعد حتى تسلمه مقاليد الأمور وقد كان.
فقد نجحا سويا في عملهم الجديد وبناء حياة شبة سعيدة في بيتهم المستأجر الخالي من معظم الأثاث.
لكن القدر له حكمته ففي اوج حماسه واستعداداته النفسية للمضي في الحياة جاءه خبر وفاة والده المفاجئ.
تذكر حالة التيه والجمود التي تملكت جسده، فقد كان في حالة من الإنكار والغضب لأنه توفى هكذا دون سابق إندار.

خاطفًا منه امل ضئيل خفي في أن يعود لصوابه ويعوضه حنان أبوي افتقده،
رحل دون أن يعتذر بل أسوأ هو رحل عنه دون ان يترك له ذكرى واحدة تجعله قادر على مسامحته لتنتقل روحه إلى ربه في سلام.

وكالعادة كانت ليان هي المحرك حين يعطل عقله عن التفكير ويخونه إدراكه وفي لحظات كانت تلملم حقيبة صغيرة مستعدة للسفر إلى بلدته حيث رأي والدته وشقيقته لأول مرة منذ سنوات ليرتميا في أحضانه وسط شلالات من العواطف المخلوطة بين لوم وعتاب وحزن لن يفهم من يراه سببه سواهم لا هي ولا مشاعر التيه التي سيطرت على عيون ثلاثتهم فقد كان والده الرجل المسيطر على حبال أقدارهم وأفعالهم طيلة حياتهم يعاملهم كدمى يحركها بخيوطه، ذهب وتركهم يواجهون الحياة كإنَس طبيعيون يملكون زمام أمورهم في تجربة مفجعة مهيبة لهم.

وقد حاول أحمد إقناع والدته ببيع المنزل والانتقال للعيش معه في نفس المدينة لكنها رفضت التزحزح من بيتها البسيط وبعد أيام تم فيها تصفيه ممتلكات والده على وجه السرعة فقد كان غير قادر على البقاء في تلك الأجواء كثيرًا.
كما انه رفض أخذ نصيبه بالكامل واكتفى بحق متجره الذي سلبه والده منه دون حق وترك الباقي في حساب بنكي لوالدته وشقيقته المقبلة على الزواج قريبا جدا، كي لا يحتاجان لأحد أبدًا.

وصلا إلى المشفى أخيرًا ليعيد كافة الذكريات في الخلف من عقله ويتجه بتركيزه بالكامل نحو ليان التي ترسل إليه ابتسامه مهتزة، فنظر لها منبهرًا لأنها حتى في خوفها تحاول بث الطمأنينة والأمان في قلبه.
تفتت أعماقه أمام قوة مشاعرها نحوه فهمس في نبرة حاسمة صريحة تفوح بريعان عشقه: -بحبك… -وأنا كمان بحبك. هبط كلاهما بعد أن ساعدها على الهبوط، واندفعا لداخل المشفى ممسكين بيد أحدهم الآخر متجهين إلي جناحها المحجوز المنتظر وعلى لسان كلاهما دعوة واحدة أن تمر الامور على خير وسلام.

***** في نفس الوقت على الجانب البعيد من المدينة قال ياسر زوج مروة صديقة وسام والمنغمس في حديثة الممل مع بيجاد: -صح يا بيجاد.. -لا لا بتهزري…

قاطعتهم صديقة وسام متدخلة على طريقتها الفكاهية فتلا هذا الحوار ضحكات عالية سمجة بينهما بينما جلست وسام تربت على ساق زوجها بيجاد الذي يشع بِطاقة من الانزعاج والغيظ، منذ بداية زيارة صديقتها وزوجها اللذان اثبتا غلاظة عالية في التعامل وجدارة في ثقل الدم خاصة مزحتهم السخيفة حول أسم زوجها فكلما نطق أحدهما أسم “بيجاد” رد الآخر سريعًا “بتهزري” ليقع كلاهما ضحكًا على مزحتهم الثقيلة المملة التي فقدت رونقها منء الأزل لكثرة استعمالها.
بينما يحارب بيجاد بصعوبة أن لا ينسى سنوات من كبح الذات وينقض عليهما فلا يتركهما إلا مكسوران العظام.

-مقولتليش يا وسام ناوية تخاوي ابنك امتى؟ -لسه مقررناش الحقيقة. رمقت زوجها المتشنج في جلسته قبل ان تخبرهم في حرج: -اه صح يا بيجاد نسيت تعملي حاجه ضروري في المطبخ عن اذنكم يا جماعة البيت بيتكم… جذبته ليتبعها رغم عضلات جسده المتصلبة الرافضة للحركة وهمست في خفة ما ان دخلا المطبخ: -أهدى يا حبيبي، حقك عليا معلش لو أعرف انهم سخيفين كده مكنتش رديت ليها العزومه وقولتلها هاتي جوزك… -سخيفين بس انا فاضلي تكه وادفنهم مكانهم في الليفنج!!

أكد بيجاد بعيون ضيقة متوعدة وهو يقبض كفه أمام وجهه في قوة، فأجابته وسام بارتباك بين ابتسامه مرغمة: -ريلاكس ريلاكس، فين الصفاء الذهني وشغل الاجتماعات اللي قضيت شهور فيها ولسه بتروحها من وقت للتاني. -ده ملعون أبو الاجتماعات اللي تخليني أهدى قبل ما اق.تل الكائنات اللي عايزة الد.بح دي!
صدقيني البشرية هتشكرني على الموضوع ده!! تشدق من بين أسنانه في انزعاج واضح ثم سألها في ملل: -هما مش اتغدوا هيمشوا امتى ؟
وياريت بعد كده لما حد يعزمك متروحيش خصوصا لو هتردي العزومه وتجلطيني انا!

-خلاص فكك أنت وانا مش هعمل كده تاني، بس اضحك كده شوية عشان منحرجش الناس. ضحك بيجاد في تهكم مؤكدًا: -يتحرجوا؟!
هما دول عندهم دم ! -معلش يا حبيبي هانت خلاص أكيد هيمشوا دلوقتي… قاطعهم صوت هاتف بيجاد فحرك عيناه داخل مقلتيه وهو يتنفس ببطء يستعد رباطه النفسي للخروج إليهم من جديد ليحضر الهاتف،
تعمد تجاهل وجوههم المتسائلة في صمت ثم أجاب هاتفه مبتعدًا عنهم مجيبًا ما ان رأى اسم ليان: -ألو يا ليان.. -بيجاد الدكتور قال لازم أولد دلوقتي ومش هولد قبل ما تيجي حالًا انت وريان لازم اشوفكم مرة اخيرة ليجرالي حاجة!

ارتعب بيجاد من نبرتها المُحطمة ليهتف في خوف: -يجرالك حاجه ليه؟
انتي مش قولتي الحمل ماشي كويس؟! -حالتي دلوقتي مش مستقرة يا بيجاد، أنا في مستشفي ******* هات ريان وتعالى ارجوك. -حاضر يا حبيبتي متقلقيش أقل من ساعة وهنكون عندك متخافيش يا ليان! أغلق بيجاد الهاتف بوجه شاحب قبل ان يتحرك راكضًا للخارج تاركًا وسام قائلًا: -ليان بتولد وحالتها حرجه مشي الناس الفقر دول وحصليني ع مستشفى *******، انا رايح ل ريان .. ذهب وترك وسام تطالع صديقتها وزوجها بعيون متسعة غارقة في حرج وصدمة من كلمات بيجاد الوقحة ….

***** انتهت المكالمة ثم وضعت ليان يدها فوق فمها باضطراب شديد فتدخل احمد هاتفًا: -ليان لو اعصابك هتبوظ بالطريقة دي بلاش تكملي الهبل ده عشان خاطري. -مينفعش يا أحمد أنا عارفة ريان كويس انا بقالي سنتين بتحايل عليه محايله يرد ع الفون او الرسايل حتى ومش مديني فرصة واحدة،
أحمد أنا بسمع صوته صدفه لما بكلم ريم الموضوع ده قاتلني،
انا محتاجه ريان، محتاجه اخواتي يرجعولي ويبقوا سندي من تاني صدقني. هز أحمد رأسه بآسى وذنب قبل ان يهمس في صدق وألم:

-أنا أسف، انا السبب في كل اللي حصل بينكم. -لا يا أحمد أنت مش السبب بالعكس انت احسن اختيار أخدته في حياتي ولو رجع بيا الزمن ألف مرة بردو هختارك للمرة الألف. جلس فوق سرير المشفى بجوارها يعانقها مصرحًا في شغف مقبلًا رأسها في عاطفة جياشة وكأنه يشكرها لوجودها في حياته: -أنتي أحسن حاجة حصلت في حياتي، وأنا معاكي في أي خيار تخديه وفي ضهرك مهما كانت العواقب. -انا لازم اتصل ب ريان دلوقتي.

انهت اتصالهم العاطفي ثم رفعت هاتفها للاتصال ب ريان في ترقب وقلبها يدق في عنف تخشى القسوة والجحود وتخشى ان تكون فقدت مشاعر الحنين والحب داخله إلي الأبد.
انتهى الرنين وكالعادة لم يجيب، فكتمت شهقة بكاء مستسلمة داخلها واعادت الاتصال في اصرار منتظرة الإجابة. ***** -ريان تلفونك بيرن! -عارف مش هرد. أجاب ريان في عنف وعناد فعضت ريم شفتيها ما ان انتهت نغمة الرنين … نظرت إلي ريان متسائلة في توتر رغم معرفتها بهوية المتصل:

-مين بيتصل بيك؟ -ليان. جاءتها اجابته المقتضبة البسيطة قبل ان يعود هاتفه للرنين من جديد فانتظرت ريم عده نبضات قبل ان تميل نحو الهاتف تجذبه في سرعة، قائلة في توجس: -انا هرد عليها، اصل هي على وش ولادة وممكن تولد في أي وقت! وقبل ان يهتف برفضه أجابت على هاتفه، عقد ريان حاجبيه في غضب وكاد يجذب الهاتف منها لإغلاقه في وجه المتصل ولكن تعابير وجه ريم المرتاعة ونبرتها المرتعشة اوقفته وجمدت الد.ماء في عروقه:

-ليان، انتي منهارة ليه كده… صمتت ريم ثوان تستمع لليان قبل ان تتقن دورها التمثيلي بوضع كفها فوق فمها مثيرة ذعر ريان الذي وقف يشير إليها بيده محاولًا فهم ما يحدث لكنها اكتفت بمد أصابعها بالهاتف نحو ريان هامسة في خوف: -الحق يا ريان! لم يقدر ريان على التحمل وقد هبت روح الأخوة منتفضه داخله مسيطرة على جوارحه هازمة العناد المستوطن شخصيته الصلبة فقال في نبرة مضطربة يشوبها اللهفة: -ألو …

لم يخرج من فمه جملة متكاملة حتى انفجرت ليان باكية وقد غلبتها مشاعرها المضطربة المكبوتة وانفجر ذلك الشعور الموحش بالقهر داخل قلبها ما أن سمعت صوت شقيقها الأكبر الغارق بالاهتمام لكنها استكملت مخططها وسط انهيارها وللمرة الثانية في حياتها لجأت له هامسة في ضعف وبكاء: -ريان الحقني يا أخويا… لخاتمة …. جزء ثاني …. -ريان ألحقني يا اخويا.

ظلت جملة ليان تتردد على مسامع ريان الذي كان يركض في غرفته يرتدي ملابسه تاركًا لريم الرد على بيجاد الذي كان يحاول التواصل معه طوال فترة مكالمته مع ليان لكنه تجاهله حتى أغلق معها.
دقائق قليلة لكنها مرت كذوبان الجليد في القطب الشمالي، وكان ريان مع ريم وأطفاله في السيارة متجهين إلى المشفى، بعد أن طلب من بيجاد الذهاب مباشرة إلى المشفى. -عيني عليكي يا ليان يارتني كنت معاكي من أول الحمل. قالت ريم في لهجه حزينة متعمدة استفزاز مشاعر ريان الذي هتف مستنكرًا:

-بطلي اسلوبك المستفز ده، ليان هتبقى كويسة ان شاء الله. -انا اللي مستفزة واللي أنت كنت فيه طول السنتين اللي فاتوا ده عادي،
كده مبسوط انت لما البنت تروح مننا واخر ذكري لينا معاها اننا كنا بنبعدها عننا. ضر.ب ريان قبضته في المقود صارخًا في غضب حارق دون اعتناء بوجود اطفاله تلك المرة: -كفاية يا ريم أنا على أخري، متخلتيش أنزل وأسيبلكم العربية واروح في تاكسي لوحدي،
ما تتكلميش معايا لحد ما نوصل المستشفى احسن لك!

ابعدت ريم وجهها عنه قبل أن تخفيه بكفيها مستحضرة أصوات بكائها وأنينها المنخفض كي تشعل وتر الذنب وتأنيب الضمير داخله بالقدر الكافي الذي يجعله يرضخ للطيبة في قلبه ويصفح عن ليان.
شعر ريان بالاختناق وكأن مشاعره تتكتل أسفل عنقه بينما الذنب يجثم فوق صدره يداهم ويشوه أسبابه ومعتقداته التي تعلق بها عندما نصب نفسه القاضي الذي يحاكم خيانة شقيقته والجلاد الذي عاقبها باستنزاف مشاعرها والحكم عليها باليُتم والوحدة. *****

جلست ليان بين أحضان أحمد الذي يحاول تهدئه فيضان المشاعر الذي أصابها ما أن أجابها ريان فمنذ اخبرها ريان المذعور بسرعة قدومه وهي لا تستطيع التوقف عن البكاء بين حزن وسعادة بينما أصابعها المتشبثة في قميص أحمد ترفض إفلاته وتقربه إليها كي يحتويها بحنانه الغامر.
كما ان توالي اتصالات ريان بها خمس مرات في أقل من ثلاثون دقيقة ليطمئن قلبها بانه آتي إليها ويطمئن قلبه هو بأنها لازالت بخير قد لاقى صداه في نفسها وكان عامل أساسي في تهدئة روعها وجعلها تستعيد رشدها لتستكمل ما بدئت به مع ريم.

-ربع ساعة ان شاء الله و…. دخل الطبيب مقاطع لحظتهم الشبة حميمية فأبتعد أحمد مكتفي بضم كفها بين أصابعه وسمح باقتراب للطبيب الذي اوقف جملته السابقة متعجبًا من عيون ليان المنتفخة وحالتها التي لا ترثى لها وكأنها مقبله على هستيريا من نوع ما لكنه ابتسم يخبرها في نبرة مشجعة: -ايه اللي جر يا مدام ليان ليه العياط ده، قولتلك الموضوع ابسط من كده ومش مستاهل خليكي مؤمنة بربنا. مسحت ليان عبراتها قائلة بصوت مبحوح:

-متأسفة يا دكتور، أنا عارفة انه بسيط وان حضرتك ربنا يباركلك هتقوم باللازم،
بس أنا محرجة من حضرتك لأني مش هقدر أدخل العمليات أبدًا قبل ما اخواتي يوصلوا. تدخل أحمد الذي أخبر الطبيب بلهجة متنقله بين الحزن والتوسل: -لو مفيش ضرر عليها ممكن نستنى شويه؟ -بس يا استاذ أحمد دي غرفة عمليات وليها توقيت وفي حالات تانية مستنية، الموضوع هيبقى صعب وخارج إردتي! -حضرتك أنا واقعة في مشكلة كبيرة مع اخواتي ومش هدخل غير لما اشوفهم افرض مُو.ت ولا جرالي حاجة!

-يا مدام بعد الشر عليكي، انتي ليه متشائمة؟ انهمرت الدموع من عيون ليان مرة أخرى وهي تتوسل في صدق: -انا اسفة يا دكتور، بس أنا عملت المستحيل عشان يرجعوا يكلموني، ومجوش غير لما قولت اني تعبانة وان الولادة فيها مشاكل. -طيب أهدي يا مدام، وانا هشوف هقدر أعمل ايه، لكن حقيقي الضغط النفسي ده مش كويس عليكي حاولي تهدي شويه لأن ضغطك لو مش مستقر هيسبب مشاكل اثناء الولادة! اخبرها الطبيب بلهجة جدية مهنية بينما ينقل نظراته بين ليان واحمد، فردت ليان امله:

-حاضر هحاول، بس ارجوك يا دكتور لما يوصلوا بلاش تقول اني كويسة وفهمهم اني حالة صعبة أرجوك يا دكتور. استمع لها الطبيب بشكل تام قبل ان يحرك رأسه في خجل يخبرها بنبرة مُحرجة: -والله يا مدام الموضوع صعب، أنا هبوظ الدنيا لاني فاشل في الكدب،
بس أنا هكون في طابق العمليات والتمريض هيوصلك لعندي تحت وبكده مش هضطر اقابل حد منهم. -متشكر أوي يا دكتور، حقيقي احنا متأسفين على اللخبطة دي. قال احمد في امتنان وهو يجاور ليان مربتً في خفة فوق ساقها المتربعة المغطاة بشرشف المشفى الخفيف، فرد الطبيب بابتسامه بسيطة:

-لا مفيش داعي، ان شاء الله خير، عن إذنكم. نظرت ليان إلى أحمد المجاور لها ما أن خرج الطبي، تشعر بالذنب لأنها السبب الرئيسي في انسحاب اللون من وجهه وشحوبه، فمالت تستند برأسها فوق كتفه هامسة: -هتعدي على خير متخافش. -مش خايف. رددت مطلبها من جديد على مسامعه فكرر هو كذبته عليها..

الخوف لا يصف الشعور والذعر الذي يتملك صدره … هو يعيش حالة من الترقب والتوجس …. وكل هذا الحديث عن القدر جعله يخشى إغماض جفنيه كي لا يخطفها منه المو.ت ويفقدها.
والأسوأ إنه يتمنى لو تعود به الأيام فيمتنع عن المضي في طريق العلاج الذي كان أغلبه نفسي نتج عنه استعادة ثقته في ذاته وفي جسده بانه شخص كامل طبيعي قادر على الخوض في حياة زوجية صحية مع ليان وها هما ينتظران ابنتهم المرتقبة.

تنفس بين خصلاتها في بطء، ينفث مشاعره المختلطة بين سعادته وانتظاره كي يحمل طفلته بين ذراعيه وخوفه ورغبته في الحفاظ على ليان من أي سوء فارتباطهما ليس مجرد ارتباط جسدي بل روحي إلى أبعد الحدود وان خسرت ليان معركتها الصغيرة الليلة لن تكون وحدها الضحية !… ***** بعد مرور ثلاثون دقيقة ثقيلة على الجميع، وصل بيجاد الذي ما أن ظهر طيفه عند الباب حتى هتفت ليان باسمه رافعه ذراعيها نحوه تطالب عناقه الأخوي. -بيجاد!

أبتعد احمد في صمت عن جسدها تاركًا لهم المساحة سعيدًا بالرضا المشع من عينيها، جلس بيجاد جوارها يقبل جبينها بالعًا منتصف جسدها بين ذراعيه، ثم قال في نبرة تكسوها التمني أكثر من التفاؤل: -عيون بيجاد يا حبيبتي، متخافيش يا ماما هتقومي بالسلامة . رفعت ليان رأسها عنه تنقل عيناها خلفه في ترقب متسائلة في نبرة متوجسة خافتة: -ريان فين، هو مش جاي؟ -جاي طبعًا، هو قال الأفضل اجيلك أنا عشان منتاخرش وانه هيحصلني.

هزت ليان رأسها في تفهم مستسلمة لأصابع بيجاد التي قربتها من صدره في حين تعلقت انظارها بزوجها الذي اتخذ ركن بعيد عنهما وكأنه يخشى إزعاج بيجاد الذي كان صريحًا في رفضه لوجود أحمد في حياتها لكنه على الأقل لم يقطعها من حياته بشكل كامل بل كان يحرص على الاطمئنان على أحوالها وسماع صوتها كل فترة بالإضافة إلى المبلغ الصغير الذي اعطاها إياه عندما كانت في أشد احتياجها…

ابتسمت متذكرة المبلغ الذي حوله إليها شقيقها الصامت وحنون شعورها آنذاك فلو كان الأمر بيدها لاحتفظت بدليل اهتمامه هذا إلى الأبد، تنهدت عندما اخرجتها ابتسامه أحمد المشجعة من افكارها المتبعثرة في كل مكان ثم رفعت يدها تطالب اقترابه منها.
ارتبك أحمد ناظرًا نحو بيجاد للحظة ثم أعاد نظره نحوها قبل أن يتخذ القرار ويقترب منها كي يلبي نداءها الصامت.

شبكت أصابعها مع أصابعه بقوة ثم التفت نحو بيجاد مستقرة برأسها فوق صدره وعيونها المرهقة من البكاء تتعلق بعينيه المراقبة لتصرفاتها،
صمت بيجاد لكنه أهداها ابتسامة ضئيلة يعبر عن احترامه لرغباتها ثم سمح ليده بالمرور على بطنها المنتفخ، قائلًا في محاولة لفض التشنج المنتشر في جسد شقيقته: -هتسميها أيه؟

انت في الصفحة 2 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى