Uncategorized

جمر الهيام بقلم نورهان محسن

معرفش ليه حاسة بنعسان…؟ انطفأ صوتها تدريجيًا، وغرقت في عتمة ثقيلة، تاركة خلفها آخر ما تتذكره ابتسامة باردة على وجه والدها. ❊❊بقلم نورهان محسن❊❊ لمح جلال الطفلين جالسين على عتبة السلم أمام العمارة، عيونهم متوجسة ووجوههم شاحبة، توقّف عندهم وسأل بضحك: إيه يا واد إنت وهو، قاعدين مابتلعبوش زي عوايدكو، اكيد ماحلتوش كويس في الامتحان؟ رفع عاصم عينه، وقال بصوت متوتر: مستنيين شهد تيجي. قطّب جلال حاجبيه، ونظر للساعة في معصمه، ثم سأل باستنكار: ليه هي فين دا كله؟ الساعة داخلة على خمسة بعد المغرب!

أجاب هشام وهو يحرك قدميه باضطراب: مانعرفش… المفروض خلصت امتحانها من بدري ورجعت على البيت، بس بنتصل عليها مابتردش قبل أن يستوعب جلال الكلام، نزلت سندس مسرعة، صدرها يعلو ويهبط من اللهاث، وخلفها زينب بملامح يكسوها الانزعاج. أشارت زينب للأطفال بسرعة وقالت بحزم: وله يا عاصم، خد أخوك واطلعوا فوق اقعدوا مع ضي لحد مانرجع، مـ,,ــاتنزلوش غير وإحنا موجودين… سامعين؟ رمقهم جلال باستفهام وقلق وسأل: خير يا جمـ,,ــــاعة؟ ايه الحكاية؟ أجابته زينب بصوت يقطر توترً: مش خير يا جلال… مش خير خالص، البت شهد لحد دلوقتي ما رجعتش، والدنيا قربت تعتم

رفع جلال يده مهدِّئًا: استهدوا بالله، طب ماجربتوش تكلموها على تليفونها؟ ردت سندس، والدموع بتلمع في عينيها: مقفول من الضهرية يا جلال! اتصلنا فوق الألف مرة… ولما كلمنا صحبتها نوارة، قالت إن خليل أبوها جه وخدها بالعربية، ومن ساعتها مفيش منها لا حس ولا خبر! تجمد جلال لبرهة متعجبًا، لكنه تماسك قبل أن يقول بجدية: طيب اهدوا شوية، مافيش حاجة تخوّف، هي راحت مع أبوها خلا…ص

قاطعته سندس بسرعة: لا يا بني! الموضوع مايطمنش، أبوها دا بقاله سنين لا حس ولا خبر، لا بيرفع سماعة التليفون يطمن، ولا بيسأل عليها، ما انت عارف كل حاجة دلوقتي، فجأة ياخدها من غير ما حد يعرف؟! أنا مش هقعد على قلبي… أنا رايحة أشوفها عنده التفتت لسلالم البيت وهتفت: واد يا عاصم! روح هات لنا تاكسي من عالناصية بسرعة جلال بحزم: استهدوا بالله… أنا هوصلكم بلاش بهدلة التاكسيات تنهدت سندس محاولة الاعتراض: لا يا بني، كتر خيرك مش عايزين نتعبك معانا

ارتسمت الجدية على وجه جلال، وهو يفتح الطريق أمامهم: مافيش تعب ولا حاجة… اتفضلوا بينا ❊❊بقلم نورهان محسن❊❊ في مكان مجهول أفاقت شهد على سرير غريب تفوح منه رائحة عطر رجولي نفاذ، حاولت أن تنهض، لكن رأسها مثقل كأنها خرجت من دوامة. رمشت بعينيها لتجد نفسها في غرفة فخمة، ستائرها مسدلة، وأثاثها يشي بثروة فاحشة، بالكاد تتذكر آخر شيء… سيارة والدها… المشروب… لكن أين هى! قفزت من السرير، وتوجهت نحو الباب، محاوِلة فتحه، لكن الصدمة شلتها حيث كان الباب كان مغلقًا من الخارج!

❊❊بقلم نورهان محسن❊❊ كان بيت خليل غارقًا في سكونٍ مريب، بينما وقفت سندس أمامه بعينين متقدتين، وإلى جوارها زينب التي تحاول تهدئة أختها، بينما ظل جلال يراقب كل حركة وكل ارتعاشة في ملامح خليل، لكن سندس هدرت بنفاذ صبر: فينها يا خليل، عملت ايه في شهد؟ تصاعد دخان سيجارته أمام وجهه في دوائر متكاسلة، وصوته المتهكم يخرج بغلظة كريهة: جرا ايه يا سندس! فاكرة الروباطية للي داخلالي بيها دي هتهتني ولا ايه؟ هكون مخبيها بقولك بنتك مش هنا…

جلال لم يقتنع بحديثه لكنه ظل صامتًا، بينما قامت زينب بالرد عليه بتهديد: يارجل يا شايب عيب علي شيبتك، وبطل شغل اللف و دوران بتاعك ده، والا ورحمة ابويا لا نكون طالعين علي اقرب قسم وعمليلك محضر بخطف البت قهقه خليل بضحكة مستفزة، ثم هتف بملامح لا تخلو من خب.ثٍ ساخر: مـ,,ــاتعقلي الكلام يا ام عاصم وهو في حد هيخطف بنته برده..

تشنج فكّ جلال، وصمته لم يدم طويلًا، فجأة مدّ يده وأمسك ياقة خليل بعنــ,,ـــــفٍ كاد يخنقه، ممَ ارتبك خليل الذى حاول أن يصرخ ليداري خوفه، لكن صوت جلال زلزل كيانه: لو ماجبتش من الاخر وقولت عملت فيها ايه… قسمًا عظما ما هخلي الحكومة تعرف تسلك جتتك من سنان كلاب الشوارع ارتجفت شفتا خليل، وابتلع ريقه بصعوبة لأن غلاظة ق*بضتين جلال على صدره جعلت قلبه يتسارع كطبلٍ مكسور، ليتمتم بصوت متقطع: هي… هي دلوقتي مع جوزها

شهقت سندس بفزع: جوزها؟! لمع الغضب في عيني جلال، فضر*به بلكمة مدوية أسقطته أرضًا مع الكرسي الذي انقلب به، بينما هدرت سندس وهي تكاد تختنق بدموعها: جوزت بنتي لشمام من للي تعرفهم يا راجل يا ناقص؟! ق*بض على ياقة خليل وجرّه بعنــ,,ـــــف ليقف علي قدميه بصعوبة، فابتسم خليل برعب كمن وقع في الفخ: شمام ده ايه يا وش الفقر!! بنتك اتكتبلها السعد كله واتكتبلنا كلنا السعد والبغددة معاها علي يد راجل عنده بحر عز و فلوس مابتخلصش

اشتعل الغضب في عينيها كجمرتين متوهجتين، ثم صرخت بخوف وهي تشير بيدها المرتجفة نحوه: بعت بنتك بفلوس يا خسيس؟! بينما جلال شد ق*بضته أكثر حتى كاد يخنقه، وصاح بصوت كالرعد:
الراجل ده مكانه فين؟ انطق بسرعة قبل ما أفرمك دماغك تحت رجلي انهار خليل تمامًا، وأخذ يلهث بتلعثم: فيلا… فيلا مختار الفهد… تركه جلال يسقط على الأرض كخرقة بالية، واندفع نحو الباب، تتبعه سندس وزينب وقلوبهنّ ترتجف بين الخوف والرجاء. ❊❊بقلم نورهان محسن❊❊ فيلا مختار

سمعت ضحكة غليظة تتردّد خلفها، كصفير وحش خرج لتوّه من جحره. تصلّبت عروقها من الذعر، واستدارت لتجد رجلاً في الخمسين من عمره، جسده ممتلئ، يجرّ خطواته الواثقة خارجًا من الحمام الملحق بالغرفة، يلف جسده روبًا أبيض، وعيناه تبرقان بجوعٍ مفترس. اقترب منها ببطء، ثم انبثق صوته المبحوح كالسوط على روحها: يا سلااام… أخيرًا صحيت العروسة يتبع…
[١‏/٩، ٦:٣٩ م] نورهان محسن: رواية جمر الهيام
بقلم نورهان محسن الجمرة الثالثة فيلا مختار سمعت ضحكة غليظة تتردّد خلفها، كصفير وحش خرج لتوّه من جحره.

تصلّبت عروقها من الذعر، واستدارت لتجد رجلاً في الخمسين من عمره، جسده ممتلئ، يجرّ خطواته الواثقة خارجًا من الحمام الملحق بالغرفة، يلف جسده روبًا أبيض، وعيناه تبرقان بجوعٍ مفترس. اقترب منها ببطء، ثم انبثق صوته المبحوح كالسوط على روحها: يا سلااام… أخيرًا صحيت العروسة احتضنت جسدها بذراعيها المرتجفتين بهلع، وتراجعت خطوة بعد أخرى، وهي تتلعثم بخوف: انت مين؟! أنا… أنا إزاي جيت هنا؟! ابتسم بخب.ث، ومد يده الغليظة ليمسح على خدها المرتعش وهو يجيبها باستمتاع: أنا جوزك يا قطة… لسه جوازنا طازة… ماعدّاش عليه ساعتين زمن، تعالي في حضـ,,ــــني عشان نقول احلي كلام

دفعته شهد بعنــ,,ـــــف، ودموعها ترقرق بعينيها، ثم صرخت بشراسة ممزوجة بالقهر: جوز مين يا راجل إنت؟! خرجني من هنااا! قهقه بصوت خشن: القطة طلعت بتخربش… ماشي هعذرلك عشان لسه ماخدناش على بعض، اسمعي يا بت أنا جوزك، وابوكي هو اللي مجوزك ليا يا قمر بعقد عرفي واتنين شهود انتفضت في مكانها، وجسدها يرتجف كغصن في مهب ريح، لتصرخ بعدم تصديق: كداب! مستحيل أبويا يعمل كده… مستحيل! خطا نحوها بلا اهتمام لصدمتها، بينما أخذت أصابعه تحاول أن تنتزع طرحتها، فارتدّت للخلف تصرخ بفزع وهي تدفعه عنها، لكن ق*بضته التفت حول معصميها، ليحاصر جسدها كأنها طريدة وقعت في مخالب صيّاد.

قال مختار بلذة وهو يلهث، ووجهه قريب من وجهها، خانقًا أنفاسها برئحة عطره القوية: ياااه… بموـ,,ــــت في النوع الشرـ,,ــــس ده… بس بقولك ايه مـ,,ــاتزوديش في الفرهدة… مفعول الحباية لسه شغّال ومش عاوز أضيّعه عالفاضي صذحت منها صرخة مكتومة بالذعر، كأنها تستنجد بالجدران، بعينيها المبللتين تترجّى أي معجزة تنقذها، بينما قلبها يخبط في صدرها كطبول حرب، وهي تحاول بكل قوتها أن تفلت، بينما هو يزداد اقترابًا وضراوة، ليدفعها نحو السرير بعنــ,,ـــــف، ويجبرها على الاستلقاء اسفله. ❊❊بقلم نورهان محسن❊❊

ترجل جلال من السيارة بخطواتٍ ثابتة، يتبعه رجاله الذين انبثقوا من السيارات الأخرى، قبل أن يتقدموا خلفه صوب البوابة الحديدية لفيلا مختار الفهد، يحملون العصي الغليظة كأنها امتدادٌ لذراع الغضب، ليقتحمون المكان كالطوـ,,ــــفان بإشارة واحدة من جلال، فارتطمت العصي برؤوس وأكتاف رجال مختار الذين تهاووا واحدًا تلو الآخر. شق طريقه كالإعصار، وعيناه تقدحان شررًا، يضر*ب كل من يواجهه بق*بضة غليظة أو ضر*بة عصا، وحينما اخترق دهاليز الفيلا، لاحت له خادمة مذعورة، التصقت بالجدار، جسدها يرتجف كغصنٍ في ريحٍ عاتية.

رفع يده القوية وأمسك بذراعها، بينما صوته خرج أجشًّا مخـ,,ــــيفًا: مختار فين؟ أشارت بيدٍ مرتجفة نحو الدرج العلوي، متلعثمة بدموع تتلألأ في عينيها: ف… فوق… فوق… الأوضة الكبيرة آخر الطرقة لم يترك لها فرصة لالتقاط أنفاسها، دفعها جانبًا وصعد الدرجات بخطوات متسارعة. ❊❊بقلم نورهان محسن❊❊ في الطابق العلوى _يخربيت جنان ابوكي، نزلي البتاع ده من ايدك

صرخ بها مختار بقلق الذى كان ملتصقًا بالجدار بينما ينظر إلى الغرفة المدمرة رأسًا على عقب، فيما كانت شهد تتحرك بشعرها المبعثر وعينيها دامعتان، وملامحها متصلبة كصخرة تتحدى البحر، بينما تمسك بالسكـ,,ــــين كأنها سيف موروث من معركة قديمة، وصوتها المبحوح من الغضب خرج مهددًا: قرب خطوة واحدة مني… والله لأخلّي وشّك خريطة! ارتجف جسد مختار لحظة، لكنه حاول أن يتماسك، ملوّحًا بيده في الهواء كمن يريد تهدئة وحشٍ ثائر: يا بنتي إهدي… إيه لازمة العنــ,,ـــــف ده خلينا نتفاهم؟!

ضحكت شهد ضحكة قصيرة ساخرة، وعينها تلتمع بجنونٍ قائلة بإستهزاء: بنتك؟! دلوقتي بقيت بنتك!! هو انت فاكرني عيلة صغيرة هتضحك عليها؟ لا فوق لنفسك مش كل الطير للي يتاكل لحمه يا نطع يا عرة… اقتربت منه نصف خطوة، ورفعت السكـ,,ــــين أمام وجهها، ولمعة الحديد انعكست على عينيها الجريئتين، وصوتها ازداد حدة وشراسة: افتح الباب ده بقولك، والا ورحمة رجولة ابويا للي باعني ليك ما هخلي فيك حته الدكتور يعرف يخيطها

ارتبك مختار من تهديدها، وأخذت عيناه تتقلبان في جنون، وهو يتراجع خطوة للخلف، محاولًا أن يخفي ارتباكه بابتسامة واهنة: طب خلاص… خلاص يا ستي… سيبي السكـ,,ــــينة دي لا تعورك وانا هعملك كل للي يرضيكي _مش هسيبها، افتح الباب… يلا ربنا ياخدك صرخت فيه بعناد، وهي تشهر السكـ,,ــــين فى وجهه، فابتلع مختار ريقه بصعوبة، وهو يرفع يديه مستسلمًا. في تلك اللحظة اخترق صوته أركان الغرفة من خلف الباب المغلق، ذلك الصوت الذي سكن روحها قبل أن يسكن أذنها، فاهتزت كل ذرة في كيانها: شـــهــــد!

اتسعت عيناها بفرح غامر، دموعها لم تعد دموع رعب بل تحوّلت إلى بريق مكرٍ غامض، وابتسامة صغيرة خبيثة تسللت إلى شفتيها. هتف مختار بتعجب: صوت مين للي بره ده؟ وفى لحظة مباغتة اندفعت بخطوات سريعة نحو مختار المذعور، ودفعت جسده بكل ما تملك من قوة، فتهاوى عليها فوق السرير.

انت في الصفحة 2 من 4 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى