-أهدي يا دينا، مراد هيعدي منها إن شاء الله.
-مـ.. مش قاا.. قادرة، تـ.. تعبانة ـأوي. أنهمرت دموعهـا بقهر بنفس لحظة خروج الطبيب من الداخل وهو يزفر بتعب، أنتفض جسدهما مع خروج صوت “دينا” المتحشرج بالبكاء وهي تهرع عليه متسائلة:
-مراد كويس صح؟!.. طمني عليه أرجوك. كسى الحزن على وجه الطبيب الشاب وهو ينظر لهما مشفقًا على حالهما:
-للأسف حالته بتتدهور، قلبه كان هيقف لولا ستر ربنا. هدر “أدهم” بعصبية وهو يشير بيده:
-يعنـي إيـه؟!.. أعمل أي حاجة، أجبله أحسن داكترة أجانب هنا، أو أسفره برا، المهم يكون كويس.
قال الطبيب بوجوم:
-للأسف هو مش بيعاني في الجسم أكتر من حالته النفسية، الصدمة إللي واخدها هو مش قادر يتقبلهـا، إحساسه بالندم مخليه مستسلم في الحالة دي، فهو حاليًا بإيده يخرج نفسه بنفسه أو يستسلم. كلمــ,,ـاته ترددت بسرعة وعـ,ـنف بداخلهمـا، فزع سيطر عليهمـا، جعل كل منهما يتصنم في مكانه، شعرت “دينا” أنها ستقع في إغماءة طويلة، فأستندت بيدها على ذراع “أدهم” رغمًا عنها، أنتبه لها فأسرع بإمساكها وهو ينطق بخوف:
-دينا.
فغرت شفتيها وهي تنظر أمامها بـ عينين مُتسعتين ذاهلتين.. دامعتين، أرتجف جسدهـا بصورة مُقلقة وهي تبكي بصمت، بدأت تدور بها الدنيا، وضعت كف يدهـا على جبهتهـا، أقترب منها الطبيب وهو يُصيح على إحداهن لتلحق بها:
-يا nurse تعالي بسُرعة. أقتربت منه ممرضة شابة سريعًا وهي تجيبـه بإهتمام، أشار بيده نحو “دينا” وهو يقول:
-خديهـا، خليهم يقيسولها الضغط لتقع مننا.
وبالفعل أستندت عليها “دينا” بتعب، راقبهـا “أدهم” بعينين حزينتين وألم عنـ,ـيف يضـ,ـرب قلبـه، هو بين نــ,,ـارين لا يعلم أي طريق يتخذه، أنتشله الطبيب من تفكيره وهو يربت على كتفـه قائلًا بوجوم حزين مقدرًا ما يمر به:
-أنا عارف إحساسك، مــ,,ـاتقلقش كله هيعدي بأمر الله.
أومئ رأسه بالإيجاب وهو يبلع ريقه بمرارة، غادر الطبيب من أمامه، وقف “أدهم” جوار باب الغرفة الشبه مغلق، رأى”مراد” المسطح على الفراش يتصل به الكثير من الأجهزة الطبية، مغلق العينين، جسده ساكن بطريقة مخيفة، هنا لمعت عيونه بالدموع وهو يقول بصوتٍ خائف مرتعش:
-إنت مش صاحبي وبس، إنت أخويا يا مراد، عملنا كل حاجة مع بعض، عشنا كل حاجة سوا، مش هقدر أشوفك كدا، هقع معاك، مش هستحمل.
ولكن عقل “مراد” يذهب إلى تلك الذكرى مجددًا، وقوفه بجبروتــه.. قوتـــه المخيفة بعض الشئ، يرفع يده مصوبًا سـ,ـلاحه نحوها، كلمــ,,ـاتٍ سامة ينطقهـا تطعــ,,ـن قلبهـا المسكيــ,,ـن، ونقطة النهاية حينما أطلق عليهـا رصاصتـه مع وداعه البارد، وكلمتها قبل أن تفقد وعيها تتردد في عقلــه حتى أنه نطقها على أرض الواقع دون شعور:
-هتندم!!.
*****
بعد هروبه إلى إحدى البلاد الأوروبية، تحرك “آريان” بخطى واثقة، وإبتسامة جادة تزين وجهه، أنتقل إلى غرفة الأستقبال الخاصة بالفندق الذي يود المكوث فيه مؤقتًا، توقف أمام الطاولة الرخامية العالية، أستند بكلتا يديه عليها وهو ينظر لموظفة الأسقبال قبل أن يقول باللكنة الإنجليزية.
-في حجز نازل بإسم “آريان واكد”، مظبوط؟!.. أومأت موظفة الأستقبال برأسهــا وهي تنظر لشاشة الحاسوب، لم ينتبه إلى تلك العيون المتسعة بإنبهار نحوه، ألتوى ثغرهـا بإبتسامة صغيرة وهي تقول بلكنها العربية المصرية:
-ياربي هو في كدا، ده كأنه بطل من أبطال الروايات إللي دايمًا بقرأهـا، يا خرابي على الحلاوة.
أتسعت عيونه للحظة ولكن تمالك ذاتــه بصعوبة مكافحًا أن لا تخرج ضحكته، في حين تابعت وهي تقول في شئ من الخوف مع مرحها:
-لألأ نقول ماشاء الله لا يجراله حاجة، بس ده جــ,,ـنسيته إيه طيب، ياخرابي على الفضول، شكلي هرجع متجوزة. بنفس اللحظة أعطت موظفة الأستقبال لكل منهما مفتاح غرفتـه، وقع من تلك الفتاة ورقتين على الأرضية، وقبل أن تنحني بجسدها، وجدتـه ينحني بجذعه يجلبـه ثم أعطاها بكل هدوء، شكرته باللكنة الإنجليزية، ليجيبهــا بإبتسامة جذابة باللكنة المصرية:
-مفيش داعي للشكر، عن إذنك.
تركها متسعة العيون ودقات قلبهــا تتعالى، خبأت وجهها بالأوراق وهي تتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعها من شدة الحرج، تمتمت بإرتباك وهي تنظر حولهـا:
-أتفضحت، يارب تكوني أتبسطتي. *****
وصلت “لينـا” أخيرًا إلى شقتهـا، أبدلت ملابسهـا ثم مددت جسدها على الفراش، وقبل أن تغمض عينيهـا وجدت رنين هاتفها يرتفع معلنًا عن إتصال، سحبته من على الكومود وهي تعتدل بجلستها ثم أجابت بإهتمام:
-أيوة يا سيادة اللواء… آه وصلت بالسلامــة الحمدلله… الله يسلمك.
صمتت قليلًا قبل أن تسأله بجدية وقلبهـا ينبض بخوف دون إيجاد لسبب ذلك:
-طيب هو أنا عايزة أعرف أخبار مراد؟!..
-للأسف مراد فاكر إنك ميتة، وأول ما عرف جتله جلطة في القلب أعدت معاه 3 أيام، وأول ما فاق وأستوعب الحقيقة بردو رجع تعب تاني، ومستسلم لحالة فيها خطورة على حياته. كلمــ,,ـات وكلمـــات ولكن بمثابة صفعات تلقتهـا على وجنتيهـا، توسعت عيونها السوداء بصدمة، مع هلع قلبهـا عليه، فـ مع ذكر إسمه تشعر أن عاطفتهـا بحرًا لا يهدئ أبدًا، فهو عالق في ذكرياتها؛ كالذنب لا يغتفر، كلما بحثت عن طريق لنسيانه، وجدته وإليـه المفر.
ظن اللواء “سامي” أنها أغلقت الإتصال، ولكن تفاجئ بصوتهــا الشرس وهي تقول بقوة وكأنها صيغة آمرة:
-مراد لازم يعرف إني عايشة، مش هسمح أنه يجراله حاجة، حتى لو حياتي أنا في خطر لازم يعرف، لأنه لو عاش حتى هيعيش قلبـه ميت.
-مينفعش يا لينا، إنتي كدا بترميه هو نفسه في النــ,,ـار. قاطعـتــــه بحدة عنيفة جعلت الذهول يتمكن منه:
-مفيش خطر عليه، لو هو متسرع، فهو دلوقتي هيقدر خطورة الموقف، ولو حضرتك مخلتوش يعرف، أنا هوصله المعلومة بطريقتي، وأظن حضرتك عارف “لينا الصاوي” لما بتقول كلمة بتنفذهـــا.
وهناك من يمـ,ـوت شنقًا بالفراق، ستقاتل حتى لا يحدث ذلك، فهي ستختاره في كل مَرّة ومُرّة. *****