كان المنظر الرباني حقًّا رائعاً للقلب قبل العين..قطرات الندى التي تغطي أوراق الشجر وتبدأ التلاشي بشعاع الشمس..وقفت بعد الانتهاء تنظر للزروع التي تحاوط القصر من كل مكان..تتنفس نسيم الصباح بنداها الطيب..لم تحب في هذا القصر سوى المساحات الخضراء الكثيرة التي تحاوطه..
أمسكت دفترها وبدأت تدون به بعض الجمل التي تشعر بها:
-“لا بأس أيها العاصي..مرحبًا بحياة.. نلتقي فيها..كل يومٍ ألف مرة..دون لقاء ..”
-“حقا لا شَـيء أسهَل من الكراهـيّة..
أما الحبّ فهو يحتَـاج نفوساً عظِيمة ..”
قطع اندماجها بالكتابة..
إشعار رسالة وصلت لهاتفها..أمسكت الهاتف تنظر من الذي راسلها بهذا الوقت المبكر..نهضت كالملدوغة وأحست بغصةٍ بحلقها تمنع تنفسها عندما وجدت بها:
“ليلى لو مش عايزة راكان يعرف إنك حامل، وممكن ي.ك لازم نقعد مع بعض ونتكلم..وعلى ماأعتقد إنك مؤمنة وعمرك ماتفكري تنزلي البيبي…”
لوَّنت الصدمة وجهها ونظرت حولها كالذي يُسحب على المشنقة..
جلست وعيناها تحجرت بالدموع عند ذكراها لآسر، عندما وصلت إلى سيارتها جذبها بعنــ,,ـــــف ونظر إليها:
-لازم تطلقي من راكان، أنا مكنتش أعرف جوازكم حقيقي، صدمتيني كنت مفكر إنه متجوزك عشان ابن أخوه، بس دا راكان البنداري برضو، عمره مايسيبك، واللي فهمته من حالتك دي يبقى الحمل دا جه في وقت غصب عنك، وإنك مش عايزة تعرَّفيه..
دنا يحدجها بمغزى قائلًا:
-لو مطلقتيش منه ممكن ألعب عليه ياليلى وأشككه فيكي، وقبل ماتتكلمي دا من حبي فيكي..أنا أولى واحد بيكي..
صفعته بقوة على وجهه وأشارت بسبباتها:
-إنتَ حيوان ياآسر، قالتها واستقلت سيارتها تتحرك بها ودموعها تنسدل بقوة على وجهها، وهي تقرر أول شيء ستفعله أنها تخبره بحملها..
أزالت عبراتها وتهكمت فالشخص
الذي اعتقدت أنها تستمد قوتها وحمايتها منه… واعتقدت إنه ملاذها الأول..ولكنه صفعها بشدة كما صفعها القدر..سواءً من زوجها الراحل أو من زوجها الحالي…ليظهر وجهه كذئبٍ بشري أودى بها لغيابت الجب..
مسحت عبراتها التي انسدلت على وجنتيها تحــ,,ـــــرقها كما تحــ,,ـــــرق النــ,,ـــــار سنابل القمح..أمسكت هاتفها وجسدها يترنح، تلعن اليوم الذي فعل بها ذلك، ثم هاتفته صارخةً به:
– إنتَ عايز مني إيه، مش كفاية اللي حصلي بسبك..بتهددني براكان..الله ياخدك إنتَ وهو في لحظة واحدة..
ربنا ينتقم منكم..وهنزل الولد..يارب تكون مرتاح، قالتها بقهر وعجز في آنٍ واحد..لم تعطه فرصة للرد وأغلقت الهاتف ثم وضعت يدها على أحشائها وهي تبكي بنشيح:
– أعمل إيه يا ربي في المصيبة دي..أكيد مش هيوافق يطلقني بعد مايعرف، ولَّا ممكن ياخد مني ولادي، آه قالتها عندما شعرت بعجزها..فلقد فعل بها القدر وأسقطها في بئرٍ مظلــ,,ـــــم لا نجاة منه وهي مكبلة الأيدي..
ظلت على حالتها لبعض الوقت إلى أن استمعت لطرقاتٍ خفيفة على باب غرفتها..وإن دلت خفتها فتدل على صاحبتها بحيويتها وجمال روحها وابتسامتها الخلابة، سمحت بالدخول بعدما أزالت عبراتها..
دلفت سيلين بمرحها كالفراشة وابتسامتها العذبة تُزين ثغرها:
– صباح الخير يالولة..أنا قولت أكيد صاحية..رسمت ابتسامة على وجهها لم تصل لعيونها بعدما شعرت بانهيار قواها الداخلية فأجابتها:
– صباح الخير ياسيلي..طالعتها سيلين بتقيم فتساءلت:
– إنتِ كنتي بتعيطي ياليلى؟!..هزت رأسها بالنفي وهي تتجه لبنها بعدما استيقظ وأجابتها:
– مش العياط اللي في دماغك..أنا بس بابا وماما وحشوني أوي وطبعًا أخوكي اللي معرفش مستحملينه إزاي.. محاوطني بسجــ,,ـــــن من حديد..كانت إجابة واهية كاذبة علها تهرب من تساؤلات سيلين..
ربتت سيلين على ظهرها فهي تشاطرها أحزانه، فتعثرت الكلمات عند شفتيها ولا تعلم كيف تخفف عنها..تنهدت وهي تنظر لذاك الطفل..
ظلت الثنتان صامتتين لبعض اللحظات..أخرجهما من صمتهما” أمير “الطفل الذي يبلغ من العمر سنة ونصف وهو يتحدث بكلماتٍ طفولية:
– ماما.. ماما.. سين.. سين..
اتجهت سيلين إليه تحمله وتقبله من وجنتيه:
– قولي أعمل فيك إيه، عايزة أكلك ياولا ياأمير..اتجهت بنظرها تطالع ليلى فتحدثت علها تخرجها من حالتها الحزينة فناغشتها:
– معرفش ليه حاسة أمير قلب لعمه راكان..حتى شوفي عيونه بقت تهبل وتجذب زي عمه..
برقت ليلى عينيها وهي توزع نظراتها بين سيلين وأمير، وشعرت وكأنها أسقطت دلوًا من الماء المثلج فوق رأسها بليلٍ شديد البرودة..
جذبت أمير تحدق نظراتها به وداخلها رجفة تسري بجسدها من اشتياقها الكامن له، ثم دفعت سيلين بيدها بوهن وهي تتمتم بلسانٍ ثقيل كأنها تتعلم الحديث:
– إنتِ بتفرسيني ياسيلين..وعايزاني أكره الولد..بتشبهي ابني بالتنين المجنح دا؟!..
قهقهت سيلين عليها وأمالت بجسدها تحدقها بغموض:
– بقى راكان اللي سيدات مصر كلها يتمنوا منه نظرة واحدة تشبهيه بالتنين يالولة؟..والله قلبك قاسي أوي أوي..
اشتعل غضبها من حديث سيلين، فرمقتها بنظرةٍ تحذيرية:
– بالله عليكِ مش عايزة صباحي ينتزع على الصبح..في سيرة اسم الله عليه أخوكي دا..وبلاش تجيبي سيرته مع إنه مسافر ومرتاحة منه..بس ممكن تلاقيه ناططلي هنا..بيجي على السيرة زي الشيطان لما بيجي على المزمار كدا..
ضحكة صاخبة أفلتتها سيلين من فمها حين استمعت لحديث ليلى..فجلست تمسك بطنها من كثرة ضحكاتها..
أخرجت ليلى زفرةً حادة وهي ترمق سيلين:
بطلي ضحك يابنتي..واحمدي ربنا إنه مش موجود..مش بقولك ياجمال الحياة وهدوءها..طيب تصدقي بالله أنا بشعر بالراحة زي صفاء المية في البحر الأحمر كدا..وإنتِ بتشوفي فيه جميع الشعاب المرجانية..وأخوكي مش هنا..يالهوي دا عليه تناكة إلهي يعدمها ياشيخة، وكل شوية ستات مصر بتجري عليه..
وضعت سيلين يدها على فمها حينما شعرت بتوقف قلبها من كثرة ضحكاتها..
نهضت سيلين وهي تراقص حاجبيها مردفةً مماجعلها كالكتكوت المبلول:
– لولة..راكان تحت وعايز يشوف أمير… ثم تلقفت الطفل من يديها وهي تطالعها بشقاوتها:
– هاخد أمير لراكان صحي من النوم وبيسأل عليه، وإنتِ اجهزي وانزلي يازوجة راكان البنداري اللي هتجنن بسببكم إن شاء الله..
صاعقة قوية ضــ,,ـــــربت قلبها فبعثرته لأشلاء..
وبعينين زائغتين وقلب فتته الوجع من شدة قساوة قلبه الذي بدأ يتعامل معها به طالعتها وهمست بتقطع:
– هو جه؟!..أشفقت سيلين على حالتها كثيرًا، فهزت رأسها ترأف بها وتحدثت سريعًا:
– ليلى أنا معرفش إيه اللي حصل بينكم، بس حاولي تقربي من جوزك، هو مبقاش بيقعد في البيت خالص، شوفي إيه الغلط وصححيه..
رغم كلمات سيلين البسيطة التي قالتها إلا أنها نجحت بإخراج نيرانها فأردفت:
– أخوكي عايز يدفــ,,ـــــني بالحياة وبس ياسيلين..تصدقي بقيت أكرهه، ولو اتجوز زي مابيقول صدقيني هاخد ابني واهرب، ربتت على كتف سيلين وأردفت:
– سيلين متزعليش مني بس أنا بجد بمــ,,ـــــوت من عمايل راكان، بيحاول يدوس عليا بكل قوته..
نظرت بعيونها وأكملت:
-ياريتني كنت زيك وبعدت عنه، يابختك قدرتي تبعدي عن يونس..
أشفقت عليها حينما وجدت عبرات متكورة بعينيها..
-بتحبيه ياسيلين، يعني بتحبي يونس؟..وواثقة إنه هيتخلى عن حياته عشانك؟. لو مش واثقة ابعدي،عشان هتتعذبي زيي بالظبط، مش هتقدري تتخيلي يكون قريب من واحدة غيرك.
تراجعت سيلين خطوةً للخلف وهي تهز رأسها:
– عندك حق ياليلى..علشان كدا أنا بعدت عنه فترة، بس بجد مقدرش أعيش من غيره..
سيبك من يونس وحاولي تصلحي حياتك مع راكان.
-إن شاء الله، ربنا يسهل..قالتها ليلى..
دفع الباب بقوة فدخل بهيبته وهيئته الجذابة وعطره الذي تسلل لرئتيها، ثارت زعابيب غضبها فأردفت تطالعه بعينين تطلق شزرًا:
– هتفضل لحد إمتى تدخل بالطريقة الهمجية دي؟..رمقها بنظراتٍ نــ,,ـــــارية لو تحــ,,ـــــرق لأحــ,,ـــــرقتها بالكامل..دارت عينه لأخته وتحدث بهدوء مميت:
– ساعتين عشان تجيبي الولد ياسيلين، ولا المدام رفضت..
هزت سيلين رأسها وهي تطالع ثوران ليلى وغضبها فتحدثت:
– لا ياأبيه دا كان نايم وبنصحيه..أشار بيديه وتحدث:
– سيلين انزلي بأمير..قالها من بين أسنانه، خطت سيلين وهي تحمل الطفل بين يديها، ولكنه أوقفها وتلقفه بين يديه يقبله:
– حبيب عمه عامل إيه؟…وحشتني ياأميري..أمسك أمير لحيته الكثيفة وهو يتمتم:
– بابا.. بابا.. طبع قُبلةً مطولةً وعيناه على التي تطلق شزرًا والغضب يتملكها..ناوله لأخته وأشار بعينيه للخروج..
غادرت سيلين الغرفة بينما تسمرت ليلى بمكانها، تستجدي طريقة تحاول التملص من قبــ,,ـــــضته ورائحته..
أوشكت على الالتفات فوجدت قبــ,,ـــــضته القوية التي أوقفتها بمكانها وعيناه تبحر فوق ملامحها وهو يزمجر:
– أنا مش مليون مرة أقولك ماتتكلميش معايا بالطريقة دي..نسيتي إنك لسة مراتي وأدخل في أي وقت..إيه عايزاني أستأذن قبل ماأدخل أوضتي؟..ليه دايمًا بتخليني أتعصب..
تصاعد غضبها للحدِّ الذي جعلها تنفض يديه بعيدًا عنها وتقول:
– أنا مش مرات حد..متنساش إننا هنطلق، ودي أوضتي أنا..خليك في نزواتك وابعد عني..
برقت عيناه..لقد تجرأت على كبريائه للمرة التي لم يعد يستطيع إحصاءها..فأشعلت كلماتها جحيم غضبه والذي تجلى بعينيه، فخطى إلى أن توقف أمامها ودنا منها حتى اختلطت أنفاسهم:
– لا مراتي ياهانم..لحد دلوقتي إنتِ في حكم مراتي، قدام الكل، بدل ورقة طلاقك مش في إيدك، بس طبعًا بينا ولا تهميني ودا غصب عنك مش برضاكي..ولو كنتي نسيتي أفكرك.. ودلوقتي لازم تجوبيني..
– خرجتي من يومين وكسرتي كلمتي ليه؟
قالها عندما جلس على الأريكة يضع ساقًا فوق الأخرى، وقام بإشعال تبغه الغالي ونفثه وهو يقيّم حالتها..
بللت حلقها تحاول أن تجيبه بردٍّ مقنع حتى لا يشك بها..فهي تعلم إنه
سيعلم.
– كنت تعبانة ولازم أشوف دكتور.. قالتها وهي تفرك يديها وتهرب من نظراته..
توقف يدور حولها ونظراته مثبتة يحدقها بتمعن…لهجتها المتقطعة وعيناها الزائغة..جعل الشك يتسرب لقلبه فتحدث:
– ودكتور النسا دا معرفة آسر برضو؟..
أفلتت شهقة من جوفها فلقد بلغ الغضب ذروته، فلم تعد تستطع تحمل حديثه المسموم الذي أصاب احترامها..لذا اشتد صوتها وزادت حدتها فصرخت:
– احترم نفسك، إحنا اتقابلنا صدفة وعلى ماأعتقد اللي سايبه يراقبني قالك..ألقت كلماتها بملامح مرتجفة وعينين تهتز من ثقل العبرات المحجرة بها..
– والله، والمفروض أنا الأهبل أصدق صح…بداخله نيران تغلي وتحــ,,ـــــرق أوردته حينما علم بمقابلتها بذاك الآسر الذي يود لو يخنقه ويلقيه صريعًا…
– ماهو مش معقول تقابلي الأستاذ صدفة وكمان يطلع معاكي لدكتورة نسا..دكتورة نسا مع راجل غريب يامدام..وكمان قريبتكم..قالها عندما تحولت عيناه لجحيمٍ من النيران وبدأ يركل كل مايقابله…
رمقها بنظرةٍ حارقة وأردف مسترسلًا:
– أنا مراتي تروح مع راجل غريب لدكتورة نسا!!..ليه مش متجوزة راجل، وكمان راجل بيحبها وعايز يتجوزها..جذبها من رسغها:
-إنتِ بتضحكي على مين بالضبط، أوعي تفكري إني ممكن أطلقك عشان الحقير دا، طيب مفيش طلاق وخليكي كدا في البيت هنا ولا متجوزة ولا مطلقة..
راكان لو سمحت بلاش تكرهني فيك..
أطلق ضحكةً صاخبة وأشار على نفسه:
-تكرهيني، ليه حد قالك أنا طالب حبك؟..فوقي من الوهم دا، إنتِ زيك زي أي واحدة عجبتني وقعدت معاها شوية وانتهينا، بس الفرق بينكم إنك أم لابن أخويا..
اقتربت منه تلكمه بصدره وتحدثت بنيران قلبها:
-اخرس، أنا مش زي حد، سمعت..
سحب نفسًا من تبغه ونفثه بوجهها، وهو يتلذذ بغضبها قائلًا:
طيب جاوبي يامحترمة، ابن عمك كان بيراقبك من وقت ماخرجتي من بيت أبوكي، ياترى بعلمك ولا لأ؟.
اتجهت إليه وطالعته بغضب أنثى داس بكل جبروت على شرفها:
– “أخرس” مفكرني واحدة زي نزواتك..
قالتها وهي تدفعه بكل قوة ٍوتنظر إليه باشمئزاز، فقد كانت كلماته كنصل سكــ,,ـــــينٍ بارد تبتر عنقها ليجعلها تمــ,,ـــــوت بالبطيء..
أمسك ذراعيها يعقدها خلف ظهرها، ودنا يهمس بجوار أذنها، فتقابلت عيناه التي بلون شعاع الشمس وهي تطلق كراتٍ ملتهبة بسواد ليلها الذي ألقته كتعويذةٍ على قلبه..خرج من سواد عينيها وناظرها بجمود:
-نزواتي!..على الأقل دول ستات معروفين بيعملوا إيه، إنما المدام اللي تروح مع راجل غريب عند دكتورة نسا.. نقول عليها إيه؟..
صفعة قوية هوت على خده وصرخت:
-اطلع بررررة مش عايزة أشوف وشك..
اقترب يجذبها من رسغها:
– من الآخر كدا مفيش طلاق، إلا لما يكون عندي مزاج، دا لو هطلقك، أما عن الألم اللي إيدك الحلوة دي علِّمته على وشي مش هنساه، احمدي ربنا إنك مراتي..وإنك ست..دا اللي شفعلك عندي..لأن من قوانيني ممدش إيدي على واحدة ست، فتخيلي بقى مش أي ست لا دي مراتي، وحطي تحت مراتي دي مليون خط، بس مش معنى كدا مش هعرف آخد حقي..
دنا منها وأكمل:
– إنتِ مغلطيش بس يالولا…لأ دا إنتِ اتجاوزتي حدودك…جبتي أخرك معايا يا ليلى راكان البنداري..افتكري اللقب دا كويس لأنه هو اللي بيشفعلك في كل مرة..بس احترسي رصيدك خلص بالكامل..
طالعته بأعينٍ مرتجفة وجسدٍ هاوي محاولةً استيعاب مدى قسوته وإهانته لها..
ورغم أنها في موقف الضعف إلا أنها تحدثت كقطةٍ شرــ,,ـــــسة:
– متخفش اسمك محفوظ بعيد، مش حبًّا فيك ياديستينجويشنج..لا بس علشان مش عايزة أفتكر اسمي مرتبط بشخص زيك..عايزة أفقد الذاكرة ياسوبر مان..
❈-❈-❈
صمت يطالعها بنظراتٍ كالذئب وكأنه لم يستمع لماقالته أو كأنه ادعى ذلك..
دنا مرةً أخرى إلى أن اقترب من أذنها يهمس:
– متخلنيش أوريكِي المميز والسوبر مان يعمل فيكي إيه..هنفذ كلامي اللي قولته قبل كدا وخصوصًا بحالتك دي..
شعور مقيت يجعل دقاتها تتقاذف بين ضلوعها من قرب أنفاسه التي تحــ,,ـــــرق رئتيها دون رحمة؛ تقابلت نظراتهما هو بتمنيه قربها وهي بنفورها من نفسها بسبب سيطرته الطاغية لروحها..
لحظات فقط كفيلة لتغرق كل واحدًا بجبروت عناده..أكمل وعيناه مثبتة بعينيها..
ثم سحب نفسًا وطرده حتى لفحت أنفاسه وجهها واستطرد:
– خليني بعيد عنك ياليلى لو سمحتي، مش عايز أأذيكي وترجعي تكرهيني تاني..لو سمحتي متخرجيش الوحش اللي جوايا ناحيتك..
اللعنة على صوته الذي ذبذب جسدها بالكامل..وهمسه الهادئ باسمها، ارتجفت شفتيها تحاول الحديث.. ولكن حروفها قد هربت بالكامل.. انتشلها من سيطرته الطاغية وأنفاسه القريبة ونظراته التي خدرتها بالكامل، طرقات الباب..
اعتدل تاركًا إياها..محاولًا السيطرة على نفسه، فخرج صوته متزنًا بعض الشئ:
– ادخل…دلفت العاملة وهي تتحدث بوقار لشخصه:
– توفيق باشا والعيلة كلها وصلت يافندم..والست زينب بعتتني عشان الست ليلى تنزل…أشار بكفيه بانصرافها، فتحركت العاملة سريعًا وعيناها تلازم الأرض..ثم استدار للتي جلست على الفراش تهرب بنظراتها في كافة الاتجاهات..
مسمعتيش قومي اجهزي…عشر دقايق وألاقيكي تحت وإياكي تتأخري.. وقتها هطلعلك وبلاش أكملك…
تحرك خطوتين فتوقف عندما تذكر شيئًا:
– آه بلاش تحتكي بسارة وسلمى نهائيًا..قالها وهو يغادر بخطواته المهرولة كأنه ينأى بالهروب بعيدًا عن عينيها..
أخيرًا استطاعت التنفس الذي سحبه بالكامل من حولها..وقفت تضع يدها على صدرها وهي تدــ,,ـــــادث نفسها:
-” وبعدهالك ياليلى هتفضلي لحدِّ إمتى كدا..لازم تخلصي منه ومن كل اللي يربطك بيه..وضعت يديها على أحشائها:
– وإنت كمان هخلص منك إزاي؟..يارب ساعدني..قالتها بقلبٍ يأن وجعًا..
بعد قليل هبطت إلى غرفة الطعام التي تضم العائلة بأكملها…بهيئتها الخاطفة للقلوب، بفستانها الأبيض الذي يصل لكاحلها بنقوشه الزرقاء التي بلون السماء..رمقها الجميع بنظراتٍ منها الحنينة ومنها نظرات كره وغيرة…كان الجد توفيق يترأس الطاولة وبالمقابل أسعد وبجواره أخواته وزوجاتهم وأولادهم..
– صباح الخير…قالتها ليلى بهدوء..
– صباح النور ياحبيبتي تعالي أقعدي جنب جوزك..هزة عنيفة أصابت جسدها عندما خصتها زينب بزوجته بعدما صار بينهما..رمقها الجد بسخرية وأردف:
– تعالي أقعدي شوية قبل مامراته الجديدة تستحوذ على المكان..مع إنه مش ملكك من الأول..أخذت جرعةً كبيرةً من الهواء تحبسه بداخلها، علها تهدئ من نيران الغضب الممزوج بالحزن الذي ظهر على ملامح وجهها وعيناها التي رمقته وهو يتناول طعامه بهدوء، وكأنه لم يستمع لحديث جده..
ابتسمت سلمى بحبور وهي تطالع ليلى التي مازالت واقفة وأجابت جدها:
– قولها ياجدو..وعرَّفها إن نورسين مبتحبش اللي يقرب من ممتلكاتها.. جذبت ليلى المقعد بعنــ,,ـــــف عندما شعرت بانهيارها وجلست بجوار سيلين وتحدثت:
– لا نورسين ولا غيرها، خليها تيجي وتاخد القصر بأكمله..أنا هنا عشان ابني وبس..أومأ الجد برأسه وطالعها بغموض:
– برافو عليكي خليكي دايمًا متذكرة كدا.. إنتِ هنا عشان أمير ولا إيه ياراكان؟..
استدار راكان لجده:
– عارفين الموضوع دا وحافظينه، ليه دايما بتحسسنا إننا في حصة وبتسمعلنا الدرس..
غيره ياتوفيق بيه..قولي إيه سبب الجمعة الحلوة دي، هو مكنش يوم الجمعة ولا أنا غايب بقالي سنين وغيرت النظام؟..
إذداد غضب توفيق واستشاط داخله فرمقه قائلًا:
– هشام النمساوي اتصل وقال نحدد فرحكم قبل اجتماع مجلس الإدارة.. وطبعًا أنتَ عارف يقصد إيه..إحنا عايزينه شريك للمشروع الكبير..
أنهى طعامه واتجه إلى يونس وتساءل:
– هو نوح مش بيحضر الاجتماعات ولا إيه..مال النمساوي باجتماعات الشركات؟..
وبعدين حضرتك دخلت يحيى الكومي قبل كدا ودلوقتي النمساوي..إيه ياباشا عايز تاخد اقتصاد البلد كلها..
قوس فمه وأكمل:
على فكرة تفكير غبي..لأنك كل مالحاجة تبقى بتاعتك لوحدك أحسن من الشركاء، وبعدين نسيت إنك مريض..
أظلــ,,ـــــمت أعين توفيق وارتسمت عيناه بنظرةٍ قاسية:
– أنا اللي وطدت العلاقات بينا..وكدا كدا إنت هتتجوز بنته فعادي إنه يحضر..غبي ولا غيره..إنت مش عندك شركاتك، مالك ومال شغل العيلة ولا عشان نصيبك الأكبر، هتتفرعن على جدك ياحضرة النايب زي كل مرة، وبعدين أنا متابع مع الدكتور مالكش دعوة بمرضي..
زفر بهدوء محاولًا السيطرة على غضبه عندما حثته والدته بعينيها بعدم الغضب..
– تمام ياتوفيق باشا اعمل اللي حضرتك عايزه شغلكم ماليش دعوة بيه..والفرح حدده معنديش مانع.. قالها وهو يرمق تلك التي جلست تتلاعب بطعامها بعينين تقطران ألمًا، وملامح يكسوها الحزن الذي تغلغل لروحها..
❈-❈-❈
قاطعهم دلوف نورسين:
– جود مورننج جدو..جود مورننج للجميع..
اتجهت لراكان:
– حبيبي حمدالله على سلامتك وحشتني أوي..قالتها عندما قبلته على وجنتيه..
أشار توفيق على المقعد الذي يجاور راكان:
– صباح الخير ياحبيبتي..اقعدي، بنت حلال كنا لسة بنجيب في سيرتك..
طالعت راكان وأردفت:
– إيه ياراكي..أوعى تكون كنت بتقول لجدو إني وحشتك..
ابتسم بجانب فمه بسخرية..فأجابها دون النظر إليها وتحدث:
– أيوة طبعًا ياحبيبي كنت بقوله نورسين دي مفيش زيها وحشتني، لدرجة هنعمل الفرح بعد أسبوع..
هنا رفعت ليلى عينيها سريعًا إليه فتلاقت بعينيه..شيعها بنظرةٍ خبيثة وأكمل:
– كفاية تأجيل..إحنا كنا هنتجوز من فترة لولا مــ,,ـــــوت سليم الله يرحمه..
رمقت نورسين ليلى فاستطردت قائلة:
– وياترى ليلى هتفضل معانا فوق..سوري لكن من حقي ياجدو..مش كدا ولا إيه؟..
حمحم راكان وطالع ليلى مردفًا:
– مدام ليلى أصلًا مش هتكون موجودة في إسبوع الفرح..معنديش مانع لو عايزة تقضي أسبوع الفرح في بيت المزرعة، وأكيد مش هعرَّفها الجو هناك بيكون عامل إزاي الأيام دي..
كان وقع كلماته على مسامعها كصدى صوت رعدٍ بليالي الشتاء القاسية بعواصفها…لم يرحم قلبها فأكمل:
– مش عايز الناس يفهموا علاقتنا غلط..وجودك هيثير الشك..ودا عكس شخصيتي أبين حاجة وأعمل حاجة تانية..
استقرت كلماته القاسية وسط قلبها فمزقته لأشلاء، حتى شعرت بآلام شديدة بأنحاء جسدها مما جعلها تتشبث بيد سيلين بجوارها..
طالعتها سيلين وهمست إليها:
– إنتِ كويسة؟…هزت رأسها وغشاوة من دموعها احتُجزت بعينيها منعتها من التحرر، ولكن أكمل ماهشم الباقي من كرامتها حينما أردف:
– ماما ممكن تنقلي ليلى وأمير للجناح التاني عشان حضرتك عارفة نورسين وغيرتها، وأنا مش عايز دوشة حريم..
قبلته نورسين مرةً أخرى على وجنتيه أمام الجميع..وهمست له:
– راكي خلص فطارك بسرعة، عندنا فسحة هتغير مود الشغل اللي خطفك مني بقاله أسبوعين..
❈-❈-❈
رفعت نظرها وعبرة غائرة انسدلت عبر وجنتيها، مسحتها سريعًا حتى لا يرى ضعفها..فأجابته وهي توزع نظراتها عليه وعلى نورسين:
– أنا اتكلمت مع طنط زينب من فترة كبيرة من بعد مــ,,ـــــوت سليم وحضرتك رفضت..يعني أنا اللي طلبت من الأول.. ودلوقتي مستحيل أخرج من جناحي، دا بتاع جوزي واللي مش عاجبه ممكن ينقل في مكان تاني..ووقت مايجيلي مزاج ياحضرة النايب أنقل هنقل مش هستنى حد يتأمر عليا..
ذُهل الجميع من شراسة حديثها بل شعر بصفعةٍ مدويةٍ فاتجه بنظره لوالدته:
– كلامي يُنفذ ياماما..سليم مات ومش موجود بينا ودلوقتي مينفعش.. قاطعته عندما هبت كالملسوعة توزع نظراتها بين الجميع:
– سليم مات عندكم بس..لكنه لسة عايش جوايا..عايش في ابنه دا..مش من حق حد فيكم يجبرني على حاجة مش عايزاها…أنا اتجبرت مرتين ياحضرة المستشار..المرادي لأ..دا حق ابني إحنا هنا اللي لينا الحق الأكبر..
وقف أسعد محاولًا تهدئتها:
– ليلى حبيبتي اقعدي يابنتي هنعمل اللي إنتِ عايزاه…إزاي ياأسعد؟..
أردف بها توفيق بقوة..هتسمع كلام أرملة ابنك!..رمقها الجد وأردف:
– إنتِ بأي حق تتكلمي كدا..نسيتي نفسك..
عايزة تحطي نفسك بنورسين…
إلى هنا وقد طفح الكيل وصرخت كالذي مسها جنيًّا وضــ,,ـــــربت على طاولة الطعام:
– أنا فعلًا مش زي حد..وعشان كدا خلي حفيدك المغرور دا يطلقني، ويتجوز سليلة الشرف والنسب…أنا مش عايزة أعيش هنا..أدوني ابني خلوني أمشي..
هبَّ كالملسوع ورفع سبابته أمام وجهها قائلًا بنبرةٍ آمرة:
– مفيش خروج من البيت دا بأمير إلا بأمر مني..ومتنسيش حضانة الولد معايا..عايزة تمشي اتفضلي الباب مفتوح، غير كدا مسمعش صوتك..
تساقطت دموعها بقوة عبر وجنتيها وهي ترمقه بنظراتٍ احتقارية، ثم تحدتث بصوتٍ مرتجف:
– إن شاء الله تتعذب في حياتك ياراكان وتتوجع زي ماوجعتني كدا..ضــ,,ـــــرب الجد بعصاه الأبنوسية على الأرضية:
– احترمي نفسك يابنت المحجوب، متنسيش نفسك واعرفي إن اللي بتغلطي فيهم دول يبقوا إيه..
ظلت مسلطةً بصرها تنظر إليه ببغضٍ شديد..استدار لجده والغضب استحوذ عليه كليًّا وصاح:
– متنساش إن دي مراتي ياتوفيق باشا..ومش معنى إني ساكت يبقى تهنها، اللي يغلط فيها كأنه بيغلط فيا..
صفقت ليلى بيديها فلقد فقدت السيطرة بالكامل حينما دعسوا على كبريائها..
– لا برافو..زادني شرف والله ياحضرة النايب..اتجهت إليه تدفعه بيديها:
– أنا مش مرات حد..وأعرف آخد حقي كويس..اتجهت بنظراتها لنورسين:
– هوَّ على بعضه مايلزمنيش ياحبيبتي.. ولو فعلا شايفاه راجل ويستحقك خليه يطلقني..
توقف مجرى الدم بعروقه وتثلجت أوصاله، حينما ألقت سهامها وداست على رجولته بكل جبروتها..استدارَ إليها وجذبها من رسغها:
– اقعدي واسمعي آخر الكلام يابنت الناس..أنا بحاول أتغاضى عن كلامك مش عشان أنا مش راجل..أبدًا..
تنهد وأخذ نفسًا فأكمل:
– علشان أخويا المرحوم أولًا..وعشان إنتِ مراتي…فبحاول مغضبش عليكي ياليلى، مطلعيش الغضب اللي جوايا.. صدقيني هكرَّهك في نفسك..
– إيه ياراكان مش إنتَ من شوية كنت بتقولها هعمل وأسوي ماترسى على حل يابني..قالتها فريال وهي تنظر اليه بسخرية..
نهضت ليلى من مقعدها سريعًا.. تحتضن ابنها الذي بكى من أصواتهم المرتفعة..
صاح راكان بغضبٍ على مربيته:
– خدي أمير..ضمته ليلى لأحضانها:
– لا محدش هياخده مني..سحب الطفل منها بقوةٍ وصرخ:
– خدي الولد أوضته وبعد كدا ممنوع يبات مع والدته..نفذت المربية أمره سريعًا..
انتفضت ذعرًا تقول بفزع:
– متبعدش الولد عني ياراكان لو سمحت..
جلس وكأنه لم يستمع لتوسلاتها،
اتجهت بعينيها تراقب ابنها الذي صدح بكائه بالمكان حتى اختفى، ثم استدارت تسلط أنظارها تستجديه بعينيها علها تجد بهما رأفةً لحالها.. ولكن كيف وهو الذي أوجع وأبكى قلبها وأدماه منذ لقائهما الأول..
سحب كف نورسين التي جلست تطالع الجميع بصمتٍ مريب وتحرك بعض الخطوات..
شعرت بآلام تنخر بجسدها وشيئا
مايسقط من بين ساقيها..ضغطت بقوة على يد سيلين التي تساءلت:
– ليلى مالك؟..انتبه الجميع لحديث سيلين..
اتجهت لتحركه تطالعه بنظراتٍ متألمة، رمقها سريعًا وتحرك خطوةً وهو يردف:
– ماما متعملوش حسابي النهاردة مش هرجع..
هنا شعرت بآلامٍ أشد قوة، فخار جسدها وضعُف حتى هوت جالسةً تأنُّ وجعًا وتصرخ..
دنا يونس إليها عندما وجد تعرقها وأنينها..جلس بمقابلتها وأردف متسائلًا:
مالك يامدام ليلى؟ قالها عندما تغيرت ملامح وجهها وتحولهِ لشحوب كشحوبِ المــ,,ـــــوتى…أمسك كفها ليرى نبضها..ولكن جحظت عيناه واستدار يطالع راكان الذي وقف
متصنمًا بمكانه من صرخاتها فسألها:
مدام ليلى إنتِ حامل؟..تساقطت دموعها بغزارة تحــ,,ـــــرق وجنتيها كلهيبٍ يقضي عليها..
فهمست عندما فاق الألم تحملها:
– الحقني يايونس أنا بنزف…رجفة قوية أصابت جسده، فعقد حاجبه يفهم سؤال يونس ومعنى حديثها:
– همست ليلى أنا حامل..قالتها ودموعها أغرقت وجنتيها بالكامل..
صدمات وشهقات وهمهمات من الجميع عندما استمعوا لحديثها.. بينما ذاك الذي تصنَّم جسده وكأن أحدهم سكب عليه دلوًا من المياه، التي وصلت لدرجة غليانها وحولت جسده كحممٍ بركانية..
اتجه ليونس كالضائع بغيابت الجبِّ واستمع لسؤاله، عندما ازداد سوء حالتها وبدأت قواها تتهاوى بفقدانها للوعي..
– ليلى إنتِ حامل في الشهر الكام؟..
تساءل بها يونس الذي بدأ يقيس ضغطها ونبضها..
أطبقت على جفنيه متألمة وكأن روحها تنسحب منها وغمامه سوداء تطاردها فهمست:
– التالت..لم تكمل كلمتها فسقطت بين ذراعي يونس فاقدةً للوعي..نظر يونس تحتها وجحظت عيناه من آثار الدماء التي لطخت فستانها الأبيض.. فصاح بأخته وهو يحملها متجهًا لغرفتها:
– سلمى هاتي لي شنطتي بسرعة.. بينما سيلين التي وقفت كالمتصنمة تبكي على وضعها..الكل بدأ ينظر إلى راكان..هناك نظرات شفقة وهناك نظرات شماتة..ولكن عنده، لقد هوى قلبه وزهقت روحه، تمنى لو صرخ من أعماق قلبه حتى ينقطع نفسه..أومأ رأسه رافضًا حديثها بقوة، وشعور بفقدان وعيه…نظر بضياع حينما أردفت فريال:
– إيه ياراكان أرملة أخوك اللي ميت بقاله أكتر من سنة ونص حامل إزاي؟.. وإحنا كلنا عارفين طبيعة جوازكم… هنا لم يجد كلمات تعبر عما يجيش في صدره من آهاتٍ صارخة..
تحرك يونس خطوتين وهو يحملها بين ذراعيه متجهًا لغرفتها..
هبَّ فزعًا وكأن صراخ سيلين باسمها أيقظه من صدمته، فهرول يلتقطها من بين ذراعيه وصاح بغضب:
– رايح فين؟..أنا هوديها المستشفى.. قالها وشعور الاختناق يعيق خروج تنفسه..كيف يتنفس وصفعات القدر المتوالية لم ترحمه..
خطا يونس بها للخلف وهو يضمُّها حينما وجد الغضب ونيران عينيه ووجعه بآنٍ واحد..فتحدث بهدوء:
– راكان، ليلى ممكن تمــ,,ـــــوت، ننقذها الأول..ممكن يكون الطفل مات… وممكن يكون عايش..أرجوك ابعد غضبك دلوقتي وخليني أنقذها..وبعد كدا حاسبها زي ماإنتَ عايز..
تلقفها منه بقوة وغضب..وهو يدفعه بجسده:
– ابعد عني عشان غضبي مايولعش فيك يايونس..إياك تقرَّب مني..
توقفت والدته وعمته سميحة حينما وجدا حالته، فاتجهت زينب لأسعد ووالده:
– هتسبوه ياخدها؟..
تحدثت سميحة:
– بابا…رمقها الجد بنظرةٍ غاضبة وأشار بسببابته:
– مش عايز أسمع صوت حد فيكم… اتجه بنظره لأسعد:
– شوفت مجايب ولادك؟..أهو شرفهم بقى في الطين..
هبت زينب وصاحت بغضب:
– إيه مالكم خلاص حكمتوا إن البنت خطيت..إيه أنتوا ناسيين إنها متجوزة؟..
طالعتها فريال بسخرية:
– أه وعارفين كمان إن ابنك مش طايقها، ومفيش حاجة حصلت بينهم..واللي يثبت كلامي حالته المجنونة دي..بينما جلست نورسين وهي تضع ساقًا فوق الأخرى:
– لا دي مش أشكال راكان، دا مبيكهرش في حياته أدها..وبعدين ياأنطي متنسيش إنها السبب في مــ,,ـــــوت سليم..
بالخارج عند السيارة..
تحرك بها يحاول إخفاء مزيج المشاعر التي اجتاحت كيانه مما استمع إليه..يحاول أن يحــ,,ـــــرق الأخضر واليابس وكل مايقابله، خرج سريعًا وهو ينادي على سيلين:
– الحقيني بسرعة للعربية…بينما بالداخل هناك حرب شعواء بين الجميع..
تحدثت يارا ابنة عمته:
– معقول ليلى تكون غلطت مع حد!..لا أنا مش مصدقة…بينما هز الجد رأسه وهو يردف:
– وآدي الأشكال اللي ضحكوا على أولادك يازينب قبل كدا بنت صياد، والتاني جايبلي بنت محاسب..لا وواقفة تجادلي وتقولي إنها متجوزة..
طالع زينب بسخرية:
-هي تربيتك هتجيب إيه غير كدا..قالها ساخرًا ثم أكمل:
– ادعي ربنا إن ابنك مايمــ,,ـــــوتهاش، ويدخل السجــ,,ـــــن في حاجة ماتستهلش… تحرك يونس سريعًا يستقل سيارته عله يحاول السيطرة على راكان..
أما بالسيارة..جلست سيلين بالخلف..تبكي وجسدها يرتعش عندما وجدت تغير ملامح ليلى ليصبح شاحبًا كالأموات فاهتزت شفتيها وحدثت أخاها:
– راكان بسرعة..ليلى هتمــ,,ـــــوت..
أنهت كلماتها المتألمة وأنفاسها المتقطعة بالبكاء..
هل شعر أحدكم كيف يكون حال العاشق حينما يرى مــ,,ـــــوت معشوقه أمامه وهو عاجز؛ هذا ما شعر به راكان عندما شق طريقه بسرعة جنونية، ودَّ لو يحــ,,ـــــرقها ويحــ,,ـــــرق نفسه معها…كور قبــ,,ـــــضته يضــ,,ـــــرب على قيادة السيارة، ونيران صدره تشتعل بداخله تحــ,,ـــــرقه بالكامل وهو يصيح بغضب:
– ليه…ليه ياليلى ليه..صرخ بها بغضب..نظرت سيلين إليه بالمرآة فلا تعلم كيف تهدئ من روعه وهو محقًّا في غضبه ولكن الى أي حد سيؤدي به غضبه، جراء نيران قلبه النازفة…هل حقًّا ليلى دعست على رجولته وخانته بهذه الطريقة الشنعاء؟!..
مسحت عينايها وهي تهز رأسها رافضةً حديثها مع نفسها.. ❈-❈-❈
وصل بها إلى المشفى وحملها بين يديه وصاح بالممرضة:
-شوفيلي دكتورة بسرعة، مراتي بتنزف..وصلت الطبيبة وقامت بفحصها وأمرت الممرضة:
-جهزي العمليات بسرعة..تحركت سريعًا، دلفت ليلى إلى غرفة العمليات..
وصل يونس إليه يوزع نظراته بينه وبين سيلين:
-إيه اللي حصل..هب واقفًا:
-ادخل طمني، عرَّفني اتأخرت ليه؟..دي قالت هتكشف..
أشار بيديه ليهدئه قائلًا:
-اهدى هدخل أشوف وراجعلك..مرت نصف ساعة أخرى والحال كما هو ..وقف متحركًا وهو يأكل الردهة ذهابًا وإيابًا، حتى خرج يونس إليه..سحب نفسًا طويلا وتحدث:
-ليلى فقدت الجنين..هزة عنيفة أصابت جسده حتى هوى على المقعد عندما فقد القدرة على الحركة، انزلقت عبرة غادرة وهو يهمس لنفسه:
-الولد نزل..طالع يونس بنظراتٍ حزينة وهمس بلسانٍ ثقيل وصوتٍ متقطع:
-فقدته، يعني نزل خلاص..تقدم يونس منه عندما تأكد أن الولد ابنه، ربت على ظهره:
– مالكش نصيب فيه ياراكان، والحمد لله على كدا..قاطعهم وصول الطبيبة، وقفت تنظر إلى يونس بأسف:
-فيه مشكلة عند المدام، النزيف شغال، ولو فضل الوضع على ماهو عليه مضطرين نعمل استئصال للرحم..
صاعقة نزلت على رأسه حتى شعر بانشطار جسده فأغمض جفونه، عندما شعر ببرودةٍ تجتاح جسده بالكامل..
فرفع نظره إلى يونس ليفهم ماتقوله الطبيبة..
تحركت الطبيبة بعدما أشار يونس لها:
-راكان لو فضل الوضع كدا، لازم العملية ياإما هنفقد ليلى.
هز رأسه رافضًا:
-لا يايونس اتولى إنتَ حالتها، أنا عندي ثقة كاملة فيك، أهم حاجة عندي تكون بخير، هو عقاب ربنا ولازم أتعاقب..
جلس بجسدٍ محني وكتفين متهدلين، وهو يشعر ببرودة في أطرافه كأنه ينتظر خروج روحه..وضع رأسه بين كفيه:
-بس العقاب صعب أوي، أوي يايونس مش قادر أتحمله، انقذلي ليلى يايونس عشان خاطري، اتأكد لو حصلها حاجة همــ,,ـــــوت بعدها..
مرت عدة ساعات، جلست سيلين تضمُّ أخيها الذي لم يتحدث ولا يتحرك من مكانه..ينظر فقط لتلك التي تغفو كالذي يغفو على فراش المــ,,ـــــوت..
مسح على وجهه، ولكنه هبَّ من مكانه عندما استمع إلى صوتها يهمس باسمه:
-راكان..كررتها عدة مرات..جثا على ركبتيه أمامها يمسد على خصلاتها:
-أنا هنا ياليلى افتحي عيونك..همست باسمه مرةً أخرى وهي تغلق عينيها..
تحركت سيلين تربت على كتف أخيها:
-لسة تحت المخدر ياحبيبي، سبها ترتاح..هز رأسه رافضًا:
-لا، هيَّ فاقت بس مش عايزة تكلمني، هيَّ زعلانة مني..
دلفت الطبيبة وتحدثت:
-ممكن أكشف عليها لو سمحت؟..
أومأ برأسه وتحرك للخارج ينظر إلى سيلين:
-مش تسبيها لوحدها، هشوف يونس..خرج بساقين يجرهما للخارج بصعوبة وعيناه متعلقة بها..
باليوم الثاني..
جلس أمام يونس متسائلًا:
-يعني إيه مفيش حل تاني، دلفت الطبيبة إليهم:
-لازم عملية يادكتور يونس، المدام من إمبارح والنزيف مبيوقفش، ودا خطر على حياتها، لازم استئصال للرحم..
كلمة بسيطة نزلت على قلبه كالبلور المكسور لتشحذ قلبه بل جسده كاملًا، حاول تنظيم أنفاسه وكأن الهواء سُحب من الغرفة، فتوقف بجسدٍ مترنح:
-اعملوا اللازم يايونس، المهم تكون كويسة..
أجابته الطبيبة:
-المدام رافضة تمامًا بتقولِّي سبيني أمــ,,ـــــوت..تحرك وهو يخطو بخطواته الواهنة، وكأنه يخطو على جمراتٍ من النيران قائلًا:
-مش بكيفها، حضروا نفسكم، استدار بجسده ليونس:
-مراتي عندك وصية يادكتور.. الفصل الثامن والعشرون
اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك
و قالوا : ما الوجع؟
قلت : إسألوا قلبا عشق قلبا ليس له فيه نصيب
قالوا : ما الشوق ؟
قلت : إسألوا روحا تحن لروح لقائهما مستحيل
قالوا : ما الحب ؟
قلت : إسألوا شخص يدعوا لحبيبه بالسعادة
رغم أنه لغيره حبيب
قالوا : ماالعشق ؟
قلت : إسألوا قلمًا كتب لحبيب وهو عنه بعيد
فلا سلامًا علىٰ أولئك:
الذين أطفؤوك، وفي عتمةٍ لا تزول ألقوك..
الذين سلبوكَ نبضَ القلبِ ودِفءَ الروح..
مَن جَعلوكَ في عزلةٍ، تخافُ القُرب ومنهُ تَفِرّ..
لا سلامًا عليهم..
مَن تركوكَ تحيا.. وأنتَ تمــ,,ـــــوت!
#جيهان_عبدالهادي
❈-❈-❈
وقف أمام يونس يخرج ما في جوفه من عصارة الوجع عن طريق تنهيدات متحسرة، وقلبًا مفطور ملئ بالثقوب وفاجعة أكبر من أن يخفيها من الحزن الذي يقتحم أعضائه
-مفيش أمل تاني يا يونس، شعر يونس بوجع صديقه وابن عمه، فنهض يربت على كتفه قائلا
-انا مشوفتش الحالة يا راكان، بس الدكتورة بتأكد، فلو عايزني ادخل اكشف عليها معنديش مانع، بس إنت أكيد عارف ليلى هترفض
تحرك وهو يتجه ببصره إلى يونس قائلاً:
-حضر نفسك يا دكتور، واعمل اللازم ومراتي أمانة عندك، ثم توجه إلى غرفتها..توقف أمام غرفتها ولكن قاطعه يونس الذي وصل خلفه
-استنى بلاش أنت تدخل حاليا، هدخل أشوفها وبعدين أقرر..أومأ برأسه فحالته الآن لا تستعدي أي نقاش
خانته ساقيه فجلس وجسده يرتعش وكأن الهواء ينسحب من رئتيه حينما شعر بعدم قدرتها على الإنجاب مرة أخرى
دقائق مرت كالدهر وكأن الدماء جفت من عروقه وأصبح جسده يحاكي المــ,,ـــــوتى، خرج يونس يطالعه بنظراته الحزينة
رفع نظره إليه بنظرات مشتتة وعقل تائه وقلب مفطور فتحدث بلسان ثقيل
-إيه فيه جديد؟!
ربت يونس على كتفه وجلس بجواره يتحدث بحزن على وضعه
-أول مرة أشوفك كدا يا راكان، للدرجة دي مــ,,ـــــوت الطفل مأثر فيك
مسح على وجهه وصرخ بآهة عالية خرجت من أعماق حسرته قائلا
-إحساس صعب أتمنى ماتعيشهوش يا يونس، ودلوقتي طمني بكل حاجة، أنا راضي ب اللي هيحصل
نهض يونس وهو يرمقه بهدوء من تدهور حالته لهذا الحد فاردف
-الحمد لله النزيف مالوش علاقة بالرحم، الدكتورة كانت مش منضفة الرحم كويس وفيه قطعة من الجنين هي اللي عملت النزيف دا
ودلوقتي هتدخل عمليات تاني، وفيه حاجة كمان البيبي كانت بنت كانت داخلة في الرابع تقريبا،
دا اللي شوفته في الأشعة اللي الدكتورة عملتها، أنا شوفت الأشعات بس يا راكان يعني متدخلتش في الأول، لكن دلوقتي انا اللي هدخل أعملها العملية، ولو عندك اعتراض
أطبق راكان على جفنيه متألما، وهو يشير بكفيه
-أعمل اللي أنت شايفه، حقيقي مليش حيل أتكلم مع حد وخصوصًا ليلى، مش عايز أدخلها عشان منئذيش بعض
زفرة حارة أطلقها يونس ثم تحدث
-يعني أفهم من كدا إنك مكنتش عارف إن مراتك حامل الفترة دي كلها، إزاي ملاحظتش دا، انت عبيط يا راكان
احس بضلوعه تتمزق من كلمات صديقه، كيف يخبره بما يشعر ويمر به الآن، أغمض عيناه ولم
يجب عليه، فتحرك يونس مغادرا بعدما وجد حالته
مر وقتا ومازال جالسًا وهاتفه الذي لم ينقطع عن الرنين، جلس وكأنه طائر مقصوص الجناحين، لا يستطيع الطيران ولا مواجهة ما هو آتٍ إليه، قلة حيلته كزلزال يهتز تحته فاقد المقاومة للحركة، حتى وصل إليه يونس
-هتفضل قاعد كدا، قوم شوف مراتك، هي فاقت وبقت كويسة، هتخلص المحلول وتروح
هز رأسه بالموافقة، ونهض يجر أقدامه بصعوبة، لابد من المواجهة، كانت سيلين تقوم بإسنادها
أطبقت على جفنيها من الألم الذي إجتاحها فتسائلت بصوتًا هزيل متقطع
-يعني الحمدلله معملوش عملية، ولا يونس كان بيضحك عليا ياسيلين
ربتت سيلين على ظهرها
-والله مفيش حاجة، وبعدين إنت عايزة تسوئي سمعة يونس، لا فوقي كدا دكتوري شطور والله، الدكتورة هي اللي منضفتش كويس
وضعت كفيها على أحشائها
-يعني خلاص معدش فيه بيبي، بنتي نزلت من قبل ما اشوفها واحــ,,ـــــضنها
احتضنت سيلين وجهها
-ليلى احمدي ربنا إنك بقيتي كويسة، بلاش اقولك حالة راكان ازاي، دا مش قادر يقف
ولا يتكلم مع حد
هزة عنيفة أصابت جسدها بعدما ذكرتها سيلين به، هل سيشفع لها
وصل راكان أمام باب غرفتها ولكنه توقف حينما استمع لشهقاتها
-سيلين أنا عايزة أمشي من هنا، اتصلي بدرة خليها تيجي تاخدني على بيت بابا، ارتفع صوتها بشهقات عالية وهي تستكمل آلامها
-معدش فيه حاجة تربطني بأخوكي، خلاص طرقنا اتفرقت
تنهد بقلة حيلة على ما استمع إليه ولكنه تمرد على حديثها الذي ذلذل كيانه وبدأ يدمر استقرار دواخله، دفع الباب وولج للداخل محاولا السيطرة على آلامه التي تنخر قلبه
جلس بجوارها يربت على خصلاتها
-حمدلله على سلامتك يامدام ..استدارت للجهة
الأخرى وتحدثت بصوتًا كاد أن يخرج من آحزانها
-سيلين خليه يطلع برة مش عايزة أشوفه..
جلس لبعض اللحظات وصمتًا مريبا مشحونا بالتوتر والخوف من جانب سيلين..فأقتربت تربت على كتف أخيها
-راكان سيبها دلوقتي هي تعبانة وعايزة ترتاح
لا يعلم أي جُرم فعله بحقها حتى تصل به لتلك الحالة، هو الآن روحه تأن كأنين وتر مقطوع من آلة عتيقة، وينخر الألم عظامه نخرًا عميقًا
رفع وجهه إلى أخته قائلا بصوت هادئ اكتسبه من حالتها التي رآها بها
-سيلين سبينا شوية مع بعض، روحي مع يونس
تجمدت ليلى بجسدها عندما أحست بصوته الحزين الذي يخرج بصعوبة، رفعت نظرها إلى سيلين تهز رأسها بعدم خروجها
حاول قدر المستطاع التفكير بشكل متزن حتى لا
يفقد صوابه بحالتها تلك، أشار بعينيه إلى سيلين بالخروج واتجه إليها يتأملها بشمسه الضائعة، كحالته لا يعلم ماذا يفعل بها، فحزنه ووجعه منها فاق الحد حتى أعجز عن وصفه في قاموس اللغة العربية
-جهزي نفسك عشان نمشي..ارتعشت ملامحها واحست بدموع غادرة تتجمع تحت ستار أهدابها فتحدثت بصوت متألم
-نمشي نروح فين؟! بيتك!!
انا مش هرجع البيت دا تاني مهما حصل، ودلوقتي اللي كنت بستحمل عشانه نزل، ومفيش بينا رابط، عايز عقاب من ربنا أكتر من كدا إيه عشان بقولك إننا مننفعش لبعض
صفعة قوية نزلت على قلبه كضــ,,ـــــربة سوط مشتعل، رفع نظره إليها وبآهة خفيضة، كأن كلماتها عصرت صدره ومزقت رئتيه فتحدث
-فعلا ربنا عاقبني أشد عقاب، بس عارفة عقابي إيه..
دنى من جسدها فحزنه على جنينه يحــ,,ـــــرق روحه
-عاقبني عشان كل مرة اتجوز فيها اشرط عليها ممنوع حمل عشان مش دي الست اللي قلبي يشفعلها وتكون أم لأولادي، ربنا عاقبني عشان علق قلبي بواحدة أكتر حاجة عملتها فيا، اني أعشقها بجنون وهي تدبحني كل مرة واعدي واقول مقدرش أبعد عنها حبها بيجري في عروقي، ورغم كدا كانت بتغلط وأسامح
رفع كفيه يمسد على خصلاتها وبعينين تائهتين، ولسان ثقيل طالعها حتى عانقت عينيها وأردف
-واحدة كانت في حــ,,ـــــضني وبتقولي بحبك وهي حامل في ابني ومخبية عني، تلات شهور شوفي قعدت معاها كام مرة، حــ,,ـــــضنتها كام مرة
تحول جسده
للانتفاض يضع جبينه فوق جبينها، وآهة حارقة من جوفه بأنفاسًا مرتفعة :
-واحدة متمنيتش غيرها تكون ام لأولادي، حبيبتي اللي لو طلبت روحي مكنتش هتأخر، تلات شهور وهي مخبية، إزاي قدرتي تحرميني من الفرحة دي، إزاي قدرتي تكوني قاسية أوي كدا، بتكرهيني للدرجة دي، ابتعد برأسه عنها وهو يهز رأسه
-أيوة ماهو مش معقول دا حب، لا دا انتقام على كره، معرفش انتِ مين، وليه حبيتك، تلاقيكِ فرحانة عشان الولد نزل، ويمكن كنتِ رايحة مع الحقير عشان تنزليه وتكسريني
شهقة خرجت من جوفها وهي تهز رأسها رافضة حديثه
-أنا مخبتش عنك هو..هب فزعا من مكانه وهو يصيح عندما فقد قدرته على الصمود
-اخرسي مش عايز أسمع صوتك، اقترب بمقلتين
متقدين كجمرتين من قعر جهنم وبعصبية مفرطة، ضغط على ذراعها
-ماهو أنا الراجل اللي مستاهلش اكون أب لأولادك، إزاي قدرتي تدمريني كدا، إزاي قدرتي تكسريني كداااا، قالها صارخًا وكأنه أمام عدوه وليس حبيبته
ولجت سيلين بعدما استمعت لصراخ اخيها، أسرعت إليه تحاول جذبه بعيدًا عن ليلى بعدما وجدت شهقاتها بالإرتفاع
-راكان حبيبي ابعد عنها هي لسة تعبانة، لم تقو سيلين عليه، قاطعهما دلوف يونس، الذي أسرع يجذب راكان بعيدا عنها
دفع يونس صارخًا به
-انت اتجننت ابعد عني، مفكرني هضــ,,ـــــربها
اتجه إليها بنظرات قاتمة، ووجهه عبارة عن لوحة فنية من الغضب
-أسمعك تقولي طلاق
تاني هولع فيكِ، سمعتيني، والله لادفعك تمن اللي عملتيه فيا غالي
جذبه يونس للخارج ينظر إلى سيلين ان تهدأ ليلى ..خرج متجهًا إلى مكتبه، أشفق يونس عليه كثيرا يعطيه كل الحق فالأمر صعب ومؤلم
عند ليلى ..ارتعش جسدها وقلبها انتفض ذعرًا مما رأته منه لأول مرة يكون بتلك الهيئة المؤلمة
-سيلين روحي هديه، والله ما كان قصدي والله ما كان قصدي، قالتها وشهقاتها بالأرتفاع
-اهدي حبيبتي لو سمحتِ، وصلت الطبيبة إليها
وقامت بحقنها بمهدئ بناءً على تعليمات يونس
ارتجفت اوصالها وزاد من ارتجافها وشعرت بأن قلبها سيتوقف من اتهاماته لها
-انا محاولتش ا.
بنتي، هو فاهم غلط..ظلت ترددها إلى أن غفت بسبب المهدئ
❈-❈-❈
بمنزل عاصم المحجوب
خرجت من غرفتها بهدوء وجدته نائمًا على الأريكة بالخارج.تغلغلت روحها بإبتسامة مفرحة بمجرد ما وجدته بتلك الهيئة أمامها، كفراشة جميلة تحركت متجهة إليه..جلست على عقبيها أمامه تنظر للوحته المرسومة بعناية
رفعت كفيها تمسد على خصلاته ثم أمالت تطبع قبلة على وجنتيه، ونهضت تستدير لتغادر، فوجدت من يعانق كفيها بحــ,,ـــــضن كفيه
استدارت تنظر إليه وابتسامة تشق ثغرها، فدنت منه مردفة
-صباح الخير ياحضرة الأفاكاتو..تسلطت عيناه على وجنتيها المشعة بالأحمرار، وشفتيها التي تشبه حبة الفراولة الناضجة، ورغم نضجها إلا أنها تمتاز بلذعتها المحببة
لديه
سحبها معتدلا لتجلس بجواره
-صباح الحب على درة قلبي..ابتسمت خجلا قائلة
-إيه اللي نيمك هنا، مش كنت بتقول هتروح
أدار وجهها إليه يسبح بمقلتيه على ملامحها الجميلة فتحدث
-كنتِ وحشاني ومقدرتش أمشي من غير ما اضمك لروحي
احمرت وجنتيها بحمرة الخجل، فطرقت أنظارها أرضًا هاربة من مغذى كلماته، ومس كيانها بعطر كلماته
قربها من جلوسه وحاوطها بذراعيه يدفــ,,ـــــن أنفاسه بعنقها هامسًا لها
-هو احنا لازم نستنى لما تخلصي الكلية، على فكرة كتير على قلبي
-حم.زة ابعد ماما ممكن تصحى وتشوفنا، قالتها بشفتين مرجتفتين ..ظل يقاوم نيرانه الملتهبة عاجزًا عن جمالها الذي
أذاب صمته،
-إيه رأيك تكملي السنة الجاية عندي، ونتجوز بعد ماتخلصي امتحاناتك الشهر الجاي
رفعت نظرها لعيناه المنغلقة وانفاسه التي كانت تعصف بكيانها، شعرت بفراشات تطير في معدتها من فرط السعادة، فحقا لم تتحمل ذلك فوضعت رأسها بأحضانه تحاوطه بذراعيها
-كلم بابا ولو وافق معنديش مانع، سكت هنيهة يحاول ضبط انفاعلاته التي بعثرتها بقربها المهلك ورقتها التي خطفت قلبه فلم يعد قادر على بعدها، ود لو يحطم حصونها آلان
ابتلع ريقه بصعوبه وهو يعتدل بجلوسه متخذ البعد لبعض السنتيمترات حماية لكلاهما، احتضن كفيها وتحدث
-هتكلم مع عمو عاصم وأشوفه هيقول ايه، قاطعهم رنين هاتفه..رفع ينظر بشاشته،
فقطب جبينه
-خير يونس بيتصل بدري كدا ليه..نهضت متجهة للمطبخ قائلة:
-رد عليه على ما أعملنا فطار حلو كدا وكوباية نسكافيه..أومأ برأسه موافقًا، ثم اتجه للشرفة ليجيب يونس
-صباح الخير يا دوك..استمع حديثه الذي جعله متصنمًا لبعض اللحظات يستمع إليه بقلب يأن وجعًا على صديق عمره فاجابه
-وهو عامل ايه دلوقتي..أجابه يونس على الجانب الآخر
-مش كويس خالص، هدوء ماقبل العاصفة ياريت تيجي، حاسه هيعمل مصيبة مش مرتاح لسكوته
-ارجع خصلاته للخلف ساحبًا نفسًا عميقا ثم زفره بهدوء
-هي اتمادت المرادي يا يونس، ليلى كدا اتمادت ومقدرش ادّخل في حاجة خاصة كدا، لازم راكان يفوقها، مش هتفضل تغلط وهو يعدي كفاية لحد كدا وجع له، أنا لو
مكانه مش هسكت
أغلق الهاتف بعد عدة دقائق وهو ينظر للخارج وصدره يستعير كالحمم البركانية، يتمنى ألا يصل صديقه بحياته لنهاية اللانهاية
كور قبــ,,ـــــضته بعدما تذكر ما مر به راكان كأن حياته شريط سينمائي أمامه..قاطع شروده دره حينما اقتربت تلكزه بكتفه
-حمزة بنادي عليك من بدري، مالك فيه ايه يونس قالك حاجة، نظرت للذي بيديه، فجذبتها غاضبه وألقتها بالخارج
-سجاير على الريق، ينفع كدا، مش خايف على صحتك
رمقها بهدوء ثم تسائل
-كنتِ تعرفي بحمل ليلى..أصبحت نبضاتها الهادرة تتخبط بعنــ,,ـــــف بين ضلوعها، وكأن قلبها سيتوقف من نظراته المصوبة إليها
-حمزة أنا كنت هقولك، بس
ليلى قالت مش عايزة حد يعرف قبل ماتقول لراكان
-من إمتى؟!
تسائل بها حمزة..فركت كفيها وارتجف جسدها قائلة
-عرفت قبل عملية بابا بيومين..
قبــ,,ـــــضة قوية اعتصرت قلبه وهو يطالعها بنظرات خذلان قائلا:
-أكتر من شهرين يا درة وانتِ مخبية حاجة زي كدا؟؟!
..ضغطت على كفه تستعطفه بنظراتها
-دي حاجة متخصنيش عشان اقولها يا حمزة، هي قالت فيه مشكلة بينهم ولازم يحلوها وبعد كدا هتقوله
انزل كفيها بهدوء، متجها يجمع أشيائه، متجها لباب المنزل قائلا
-واهو البيبي نزل قبل ما يعرف، تلات شهور وهو قدامها وأختك مخبية على جوزها، أنا لو مكانه هطردها من حياتي، قالها وتحرك سريعا من أمامها
بمزرعة نوح
جلس بجوارها يمسد على خصلاتها بحنان، يرسم ملامحها الجميلة، قاطعه طرق على باب غرفته
-دكتور نوح الست راندا جت وعايزة تقابلك..أومأ برأسه، خرجت العاملة وهو ظل يطالع زوجته التي تجلس تضم ركبتيها وتنظر بشرود وكأنها لم
تشعر بما يوجد حولها
نهض متحركًا للخارج، وجدها تتحدث مع العاملة بغرور وكبر
-أمشي من قدامي، معدش اللي أنتِ اللي هتعمليلي حاجة اشربها
أشار نوح لسيدة
-اعمليلي قهوة سادة ياسيدة، وجهزي فطار المدام، لحد مااشوف ضيوفنا عايزين ايه
جلست وقامت بإشعال سيجارها حتى ترى ردة فعله، ثم تحدثت وهي تنفث دخان سيجارها
-دكتور نوح الي بعد عني عشان واحدة حقيرة من بيئة زبالة..
لم تكمل حديثها بسبب صفعة قوية على وجهها وجذبها من خصلاتها
-عايزة ايه يا بت، هو انتِ مفكرة اني نايم على وداني، لا فوقي كدا واعرفي انتِ واقفة قدام مين وبتغلطي في مين
سحب نفسًا حتى يسيطر على غضبه فجذبها للخارج من خصلاتها
-البيت دا نضيف عن أمثالك، روحي كملي قرفك مع الدكتور يحيى بعيد عني، ومتفكروش هسكت عن اللي حصل، أطمن على مراتي الأول ..قالها ثم دفعها بقوة بعيدًا عنه
تماسكت بصعوبة حتى لا تسقط أمامه، واقتربت منه تضع كفيها على صدره
-نوح أنا بحبك بجد، تعالى نربي ابننا مع بعض، بدأت تتحسس صدره تنظر
لعيناه
-نوح مش عارفة أنساك من الليلة إياها، عشان خاطري تعالى نكمل حياتنا ونربي ابننا مش قادرة ابعد أكتر من كدا
نفضها بعيدًا وأشار بتحذير
إياكِ تقربي مني تاني، أنا اتجوزتك عشان الدكتور يحيى، وطلقتك عشان مراتي، شايفة العلاقة بينهم إزاي.. أما عن ابنك لما تولديه وأعمل تحليل، ولو اتأكدت انه ابني اكيد هعرف اربيه كويس..
اقتربت وهي تتحدث بغضب
-هندمك على كل حاجة، اللي كان بعدني عنك هو ابني بس وحياة ابني لأخد حقي كويس
ضحكة خرجت بسخرية وهي يشير إليها بغضب
-حياة ابنك، هو لدرجة دي غالي عشان كدا بتدخني ..روحي عند الدكتور يحيى يمكن يفيدك تعملي ايه
استدار ليدخل ولكنه توقف عندما ألقت إليه بعض الصور
-هترجعني لعصمتك تاني يانوح، ومش بس كدا هتطلق مراتك، وتمشيها من المزرعة يا إما الصور دي هتنزل في كل مكان ومتنساش القنوات الحلوة اللي الشباب بيعشقها ..وطبعا عارف الصور دي حقيقية مش مفبركة، تشااااو يانوح
❈-❈-❈ عند راكان بالمشفى
ولج بعد فترة لغرفتها، قام بخلع المحاليل من كفيها واتجه لأخته
-يلا عشان نروّح، كفاية كدا، ويونس هيتابعها هناك ..اقتربت سيلين منه
-راكان لو سمحت ممكن تهدى وبلاش تكون عصبي كدا
حملها يضمها لصدره وتحرك للخارج بساقين هلامتين دون حديث آخر، انتفض قلبه ذعرا حينما رفعت ذراعيها تحاوط عنقه وكأنها تحلم وابتسمت من بين النوم واليقظة
-رايحيين فين حبيبي
تحرك سريعا إلى السيارة حتى لا يفقد سيطرته عليها فهو آلان في حالة لا تستجدي الضعف أمام سحر عيناها
كعاصفة هوجاء تتعثر برياحها تحرك بالسيارة بشق الأنفس حتى يصل إلى غرفته ويحتمي
بنفسه حتى يداري ضعف قلبه الخائن الذي أوصله بضمها لـ يريح روحه المتألمة منها..وصل بعد رحلة شاقة إلى قصره..توقف لمدة لحظات يسحب أنفاسًا ويطردها بهدوء كي يستطع للمواجهة
اتجه للخلف يلتقطها وحملها متجهًا للداخل، وجد الجميع بإنتظاره، توقف توفيق أمامه وبنظرات نــ,,ـــــارية صاح بغضب :
-انت جايب الزبالة دي هنا ليه؟!
صعق من حديث جده، فيما توقفت عايدة مقتربة تقف بجوار توفيق تشير لليلى التي يحملها راكان
-إزاي تكون بالهدوء دا يا راكان بعد ما مرات أخوك عملته، اقتربت فريال متهكمة وهي تنظر بتشفي إلى راكان قائلة:
– يمكن صعبت عليه يا عايدة، أو يمكن عشان أم أمير، ولا يمكن عايز ينتقم منها بطريقة بعيدة عن الصحافة
اقتربت زينب وتساقطت عبراتها وهي تجدهم بتلك الخسة والندالة، في حين وصل أسعد وتوقف أمامهم
-مش عايز أسمع صوت حد فيكم، هي ليها راجل يقدر يتكلم ومتنسوش انهم متجوزين، أنا واثق في ليلى، أد ثقتي في راكان
ضــ,,ـــــرب توفيق عصاه وهو يرمق راكان بحيرة قاتلة عندما وجد هدوئه فتحدث
-مهما كان اللي حصل، مستحيل البت دي تقعد في البيت دا، ولازم ..صرخ راكان حتى استيقظت ليلى تنظر حولها بخوف، فهمست وهي تنظر إلى مقلتيه بخوف لا تعلم
ماذا يحدث حولها
-فيه إيه إحنا مش كنا في المستشفى..اتجه بها للمقعد ووضعها فوقه بهدوء واستدار يوزع نظراته بينهم ثم اقترب من توفيق
-سمعني كدا كنت بتقول ايه، أرمي مراتي برة بيتي عشان سقطت ابني
صاعقة نزلت على الجميع وشهقات مرتفعة وهمهمات بينهم..دار حولهم وهو يطالعهم بجفاء ونيران صدره تكويه بلا رحمة
-إيه..صرخ بها وصاح كزئير أسد جائع
-سمعوني كدا كنتو بتقولوا إيه؟!
، هز رأسه وهو يطالعهم بنظرات نــ,,ـــــارية
-بتعيبوا في شرف مراتي، مرات راكان البنداري قدرتوا بكل فجر ترموها بمحصناتكم
دلفت بتلك الأثناء نورسين تتحرك بخيلاء تنظر إلى ليلى التي اغرقت عبراتها وجهها، وبشماتة متأصلة في ابتسامتها، وبخــ,,ـــــبث شيطاني تحركت إلى أن وصلت إليها قائلة
-حمدلله على سلامتك يا مدام ليلى، كان نفسي أزورك في المستشفى بس خوفت راكان يزعل مني، ويلومني إزاي أزور واحدة لا مؤاخذة
بخطوة واحدة وصل إليها يدفعها بقوة بعيدًا عن ليلى، وجذبها كوحش جائع يدفعها للخارج
-برررة، إنتِ مين عشان تهيني مراتي
جحظت أعين الجميع من ردة فعله، اتجه توفيق إلى
نورسين يقف بينهما
-راكان اهدى هي متعرفش، ومحدش مننا اتوقع انك تكون على علاقة بمرات اخوك
ترنح جسده وحدقيته تتسع شيئا فشيًا وصدمة قوية هشمت قلبه، كيف لا يقرأون الوجع فوق جبهته، حرر أنفاسه المحروقة، ورفع كفه يتحسس عنقه، ثم سحب نفسا وزفره قائلا بهدوء رغم مايشعر به:
– علاقتي بمرات اخويا، متخيل بتقول ايه، استدار بجسد منتفض وعينًا زائغة وقلب مفطور ينظر إليها
-دي مراتي أنا، دي ليلى راكان البنداري، اللي حضرتك كل ماتشوفني تقولي أرملة اخوك، مرات اخوك، وكلكم ناسيين انها مراتي، فلو سكتت فسكتت عشان محسسش امي بالوجع على ابنها، ولو رفضت أعلن حملها ف دا برضو عشان موجعش قلب امي..قالها بقلبًا مفطور
أشار على نورسين وأكمل
-ومش معنى إني وافقت اتجوز نورسين يبقى بلغي ليلى، أبدًا، قالها وعيناه تفترس ملامح ليلى الصامتة، وقبل أي حاجة، ليلى اللي طلبت مني اتجوز نورسين، عشان مظلــ,,ـــــمهاش، ولولاها مكنتش وافقت على كدا
ودلوقتي الكل يعتذر
من مراتي، واللي مش هيعتذر يبقى بيعاديني انا شخصيًا..تحرك متجها إليها، وساعدها على الوقوف يحاوطها بذراعيه
-مدام عايدة، حضرتك غلطتي في مراتي وهي مستنية اعتذارك وبتقولك البيت دا بتاعها لما تدخليه تحترمي أهله ومترميهومش بالباطل، ما هي مش تربية عايدة الرفاعي
جحظت أعين عايدة ورمقتها بإحتقار خفي فاقتربت تشير إلى ليلى
-عايزني اتأسف لمراتك، طيب أنا إيه اللي عرفني انكوا كنتوا مع بعض، ماهو إنت ياراكان ماشي مع الكل..
-إخرسي، قالها راكان بغضب وأوعي تفكري عشان سكتت على عملتيه وأنا مسافر انت وتوفيق باشا هعديه، تبقي غلطانة، ومش معنى إنك مرات عمي يبقى احترم اللي يقل من مراتي
-مراتي خط أحمر ولو معتذرتيش حالًا منها، اطلعي برة البيت دا كله، وإياكِ تدخلي هنا تاني
اقتربت تنظر لليلى بحقد وتحدثت بخفوت
-آسفة مدام ليلى، اعذريني مكنتش أعرف إنك وراكان يعني..قاطعها راكان
-دورك خلص اتفضلي على بيتك، وبعد كدا وجودك يكون في مناسبات العيلة البيت دا بعد كدا ندخله بإحترام
توجهت فريال عندما وجدت نيران راكان التي تحــ,,ـــــرق الأخضر واليابس
-آسفة ياليلى، واعذروني اللي يشوفكم وانتو
بتاكلوا في بعض مايقولش انكم يعنى
-شكرا مدام فريال، علاقتنا بينا مالوش داعي تتعبي نفسك بالتفكير فيها عشان عقلك ممكن يجن
اما توفيق الذي تحرك خطوة للخروج،
-رايح فين يا توفيق باشا، إيه عندك جلسة كيماوي ولا حاجة، ترك ذراع ليلى واتجه له ووقف يضع كفيه بجيب بنطاله وهو يطالعه بصمت قائلا
-توفيق باشا يا جماعة اتجبّر على مراتي وخطف أبوها المريض، وهددها لو مطلبتش الطلاق هي.
باباها، ومش بس كدا، ركب صور لمراتي واتهمها بشرفها وهددها ياخد ابنها، وضــ,,ـــــربها، كنتوا عايزين منها إيه بعد دا كله
استدار إليها ونظر لمقلتيها
-أنا كمان أذيتها كتير وضغطت عليها كتير، اقترب منها واحتضن وجهها ثم طبع قبلة على جبينها
-آسف يا ليلى، حقك عليا، وجعتك كتير..ودلوقتي اللي عايزاه من توفيق باشا هينفذه ..قاطعهم توفيق
-والله مش أنا اللي عملت الصور، الصور دي جاتلي ولو مش مصدق شوف تليفوني أهو وشوف الصور دي جاتلي أهو
أمسك هاتف جده، وقام بفعل شيئا ما، ثم أرسله لهاتفه، واتجه لليلى يحاوطها
-أؤمري ، واللي تطلبيه ردًا لأعتبارك وأولهم
مني
أنزلت كفيه بهدوء ورجفة بقلبها وهي تحاوطه بنظراتها
-عايزة ارتاح ممكن مش عايزة حاجة من حد لو سمحت..تدخلت فريال في الحديث قائلة
-متزعليش مننا مكناش مصدقين إنك يعني إنتِ وراكان تكونوا مع بعض بعد مــ,,ـــــوت سليم، وخصوصا كلنا عارفين ارتباط راكان بنورسين
-مرات عمي ..صرخ بها ثم اتجه يرمقها شرزًا
-بلاش تقولي كلام متعرفيش معناه،
-جه الدور عليك يا توفيق باشا، حضرتك اهنت مراتي واجبرتها على حاجة غصب عنها، ودلوقتي لازم تعتذر منها..اقترب توفيق منها، وسحب راكان بعيدًا عنها ثم ضم وجهها وطبع قبلة على جبينها قائلا
-أنا آسف يا بنتي، ماهو اللي
تخلي راكان البنداري يجيب اخيرًا ولاد لازم اشيلها فوق دماغي، وحقيقي آسف على كل حاجة
صدمة نزلت على الجميع من كلمات توفيق، ابتسم أسعد لوالده، فهز توفيق رأسه
-لو كدا هتكون سعيد يا ابني فأنا اعتذرت من مراتك أهو
يا ريت كل واحد على بيته، رفع نظره لنورسين التي تقف صامتة ثم اردف
-روحي يا نور دلوقتي وزي ما قولتلك قبل كدا عن ليلى، دي مراتي وزع نظراته بين الجميع
-احترامها من احترامي، واللي هيزعلها من مجرد نظرة مش هسكتله
رفعت نظرها إليه سريعًا وكأنه صفعها بقوة على وجهها، قام بحملها دون حديث، متجهًا للأعلى
والجميع كأن على رأسهم الطير
سحب توفيق كف نورسين متجهًا للخارج وتوقف أمام سيارتها
-إيه اللي راكان قاله ومخبياه
فتحت باب السيارة ونيران الغيرة تأكل صدرها، استقلت السيارة وهي تصوب نظراتها له
-أنا مستحيل أوافق اتجوزه وهو بيعشق اللي اسمها ليلى دي، أنا كنت مفكرة بيقول اي كلام وخلاص، بس حضرتك شوفت عمل ايه عشان..
-أمشي دلوقتي يانور، واياكي تتهوري
بغرفة راكان بالأعلى، وضعها على فراشه بهدوء، كقطعة أثرية نادرة، وجلس أمامها وأنفاسه تتسارع كطبول حرب ..صمتًا ران بالمكان محاولًا كظم غيظه فتحدث بعد لحظات
– طبعا احنا قدام الكل متجوزيين، لكن بينا معرفكيش، نهض واتجه إلى الشرفة وقام بإشعال تبغه عله يضع إحراق نيرانه التي يشعر بها آلان ..ظل لبعض اللحظات ثم ولج وجلس يضع ساقًا فوق الأخرى
-بما إن الحياة بينا بقت مستحيلة، الأوضة دي هتكون بتعتك من دلوقتي، أنا هطلع فوق، والاوضة التانية هخليهم يقفلوها مش عايز أشوفك فيها