
الهدوء ده ممدش كتير، بعد كام يوم المستوصف فتح رسمياً، والبلد كلها كانت هناك بتبارك وتدعي للحاج إسماعيل وللدكتورة حور. مهران كان واقف بعيد، لابس عمامته وجلابيته الزرقا الغامقة، وعينه مبتفارقش حور اللي كانت بتتحرك وسط الستات والأطفال كأنها حتة سكر دوبت قساوة المكان. في وسط الزحمة دي، دخل راجل غريب، ملامحه شريرة وباين عليه مش من أهل القرية، وبدأ يتسحب لحد ما وصل قريب من حور وطلع مطوة من جيبه وهو بيوشوشها بتهديد: “هتيجي معايا بالذوق يا دكتورة، عيلتنا ليها تار عند الهواري، وأنتي غالية عندهم عاد!”.
حور اتجمدت في مكانها والدم هرب من عروقها، بس قبل ما تنطق أو الراجل يتحرك خطوة، كانت إيد زي المرزبة قفشت معصم الراجل ولوته لورا لحد ما عضم إيده طرقع والمطوة وقعت على الأرض. ده كان مهران، وعيونه كانت قايدة نــ,,ـــــار لدرجة تخوف بلد بحالها. زق الراجل في الأرض وداس على صدـ,,ـــره برجله وزعق بصوت زلزل المستوصف: “يا مرار طافح! تتجرأ تقرب من حريم الهواري وأنا عايش؟! ورب العزة لادفــ,,ـــــنك مكانك يا ولد الـ…”.
الرجالة جرت ولمت الراجل، ومهران لف لحور اللي كانت بترتعش ومنهارة من الخوف.
من غير ما يفكر في الأصول والعادات، وبشكل تلقائي، مسك إيديها الاتنين وضمهم بين إيديه الواسعة وقال بنبرة مليانة خوف حقيقي ورعب عليها: “أنتي زينة؟ عملك حاجة؟! واصل مش هسمح لحد يمس شعرة منك طول ما فيا نفس!”. حور بصت في عيونه ولمست فيهم صدق وخوف حقيقي، دموعها نزلت وقالت بصوت يادوب مسموع: “أنا كويسة.. متخافش”.
لما رجعوا الدوار بالليل، مهران مكنش على بعضه، والحاج إسماعيل جابه على جنب وقاله بحكمة: “الخوف اللي في عينك ده مش خوف على أمانة يا ولدي..
ده خوف على حاجة تانية عاد، مهران، البنت دي دخلت قلبك، ومبقاش ينفع تقسي على نفسك ولا عليها واصل”. مهران سكت ومقدرش ينكر، كلام أبوه كان الملاذ اللي هرب ليه من عقدة الماضي.
خرج الجنينة ولقى حور واقفة بتبص للسما، قرب منها بخطوات بطيئة، ولما لفت وبصتله، قالها بصوت رجولي دافي: “حور.. أنا عمري ما كرهتك، أنا كنت خايف.. خايف من صنفكم، بس أنتي جيتي وكسرتي كل الحصون دي. أنا مش عايزك تمشي من الصعيد واصل.. لا بعد ما المستوصف يخلص ولا بعده”. حور ابتسمت والدموع في عينيها، وقالتله بدلع ورقة: “يعني خلاص مبقتش بنت بندر وعمية وبتتطوح في السوق؟”.
مهران ضحك من قلبه وقال: “أنتي بقيتي ست البنات، وكبير الصعيد كله طوع أمرك يا دكتورة”.
مرت الشهور، والمستوصف مابقاش مجرد مكان لعلاج العيانين، ده بقى الشاهد على قصة حب كبرت على نــ,,ـــــار هادية وسط زرع الصعيد ونيله. مهران اتغير تماماً؛ الجفاء والقساوة اللي كانوا في عيونه اتمسحوا، وبقى كل ما يعدي من جنب المستوصف يلمح طيف حور، تترسم على وشه ابتسامة مفيش مخلوق في البلد كان يصدق إنها ممكن تطلع من كبير الهوارية.
وفي يوم، البلد كلها اتجمعت في ساحة الدوار، بس المرة دي مش عشان مشكلة ولا تار، الساحة كانت متزينة بالأنوار والزغاريد مالية المكان، والطبول الصعيدي بتدوي في القلوب قبل الودان. مهران كان واقف في وسط الرجالة، لابس جلبابه الأبيض الفخم والشال الكشمير، وعيونه بتلمع بفرحة مكنش قادر يدرايها وهو مستني اللحظة اللي تظهر فيها “ست البنات”.
الباب اتفتح، وخرجت حور وهي لابسة فستانها الأبيض اللامع، ومكسوفة والضحكة منورة وشها، وجنبها الحاج إسماعيل اللي كان بيبص لها بفخر كأنها بنته اللي مخلفهاش.
مهران مشي خطوتين لورا من كتر الإبهار، وتقدم نحوها بخطوات واثقة، ولما وصل عندها، الحاج إسماعيل أخد إيد حور وحطها في إيد مهران وقال بصوت كله هيبة وفرحة: “صونها يا ولدي.. دي الجوهرة اللي نورت دارنا وقلوبنا”.
مهران مسك إيدها وباسها قدام الكل، وبص في عينيها الخضرا وقال بنبرة دافية سمعتها هي بس: “أنا كنت فاكر نفسي كبير الصعيد، بس من النهاردة أنا ماليش كلمة غير كلمتك يا حور قلبي”. حور ضحكت من قلبها وقالتله بهمس: “وأنا من النهاردة مش بنت بندر غريبة، أنا بقيت ناسك وأهلك يا كبير”.
الفرح اشتعل بالتحطيب والرقص بالخيل، والكل كان فرحان للي قدر يروض قلب “الكبير” ويرجعله روحه بعد سنين من الجفاء، ليعلن الصعيد كله عن بداية حياة جديدة، قوامها العناد اللي قلب حب، والكره اللي داب في حنان الدكتورة وكبرياء الهواري.
تمت
