
أخذ باسم نفساً عميقاً وهو يحاول تمالك نفسه ، وهو يدلك مكان ضربتها له ، ثم قال بسخط : فوقي واوعي للي بتعمليه في صباحك الزفت دا لكنها لم تستمع ، اقتربت منه تضربه على كتفه وصدره بيديها ، وهي تصرخ بضراوة غاضبة وأنفاس متلاحقة : وكمان ليك عين تزعق فيا! بعد ما كنت بتعتدي عليا؟!
وضع باسم ذراعيه أمام صدره ، يحاول تفادي ضرباتها التي تنهمر عليه بلا توقف ، تعاقبه على خطأ لم يرتكبه ، ليزأر بصوت مشدود ، يحاول الدفاع عن نفسه أمام هجومها الشرس : إنتِ اجننتي ولا إيه؟ أنا إمتى قربتلك أساساً؟ وهعتدي عليكي إزاي وأنا نايم جمبك وصحيت على صريخك؟!
بلمح البصر اقتنص معصميها ، رافعاً ذراعيها إلى الهواء ، ليحبسها بينه وبين طاولة السفرة ، حيث تلاقت أعينهما ، ووجهه قريب منها ليحتوى فكّها بين أصابعه بحزم ، وهمس بصوت هادئ يحمل نبرة صارمة ، كأنه ينقش كلماته الجادة في أعماق عقلها المتشتت : اللي شوفتيه دا كان كابوس يا ابريل .. فاهمة؟! _كابوس؟… تلاشت اضطرابات أنفاسها رويدًا ، وكلماته قد أزاحت الغشاوة عن عقلها ، فخفضت عينيها تتفقد ذاتها ، ثم هزت رأسها ورفعت بصرها إليه بتردد ، هامسة بخفوت مشوب بخجل وندم : صح .. كان كابوس .. حتى بيجامتي سليمة..
أغمض باسم عينيه لحظة ، مستجمعًا أنفاسه المتناثرة بعد عراكٍ ، ثم فتحهما ببطء وأرخى قبضته عنها ، ليتمتم بصوت مُثقَل بضيقٍ ما زال عالقًا في صدره : هربتي دمي بجنانك يا شيخة! عاد أدراجه نحو غرفة النوم ، تبعته بخطواتها الحافية إلى غرفة الملابس الزجاجية ، حيث عبّرت عن استيائها بنبرة متجهمة ، وقد عقدت ذراعيها على صدرها : كل ده بسببك .. انت اللي خليتني مرعوبة .. أعمل إيه يعني؟ أدار باسم وجهه نحوها ، وسألها بحيرة يتخللها التوجس ، بعد أن أخرج ثيابه من الخزانة : عملتلك إيه عشان تكوني مرعوبة مني للدرجة دي؟
تلاعبت ابريل بأطراف أكمامها بتوتر واضح ، تبحث عن إجابة في ثنايا عقلها ، ثم اعترفت بهدوء متقطع : مفيش .. بس .. كنت خايفة منك بالليل .. وافتكرتك هتقرب مني غصب عني .. عشان كده فضلت شاكة فيك.. تطلع باسم إليها بصرامة نابعة من قسوة لم تتوقعها ، ثم قال بجدية حادة كالسيف : لا اطمني .. مش انا اللي هقبل علي نفسي اني ابقي حيوان واجبر مراتي عليا غصب عنها .. خلي الكلمتين دول دايما في دماغك .. ويلا جهزي نفسك عشان نلحق نروح المطار في معادنا
أنهى باسم حديثه ببرود حاسم ، ثم انصرف نحو الحمام ليغتسل ، تاركًا وراءه صمتًا ثقيلاً ومشاعر متلاطمة تملأ الأجواء. أدارت ابريل وجهها بحزن ، تدرك تمامًا كم كانت قاسية معه ، وللحظة كادت تتبعه لتعتذر عن كلماتها وأفعالها ، إذ استعاد عقلها صفاءه بمجرد أن خرجت من الغرفة ، ومع ذلك ، تابعت تمثيلها بإتقان ، فكل ما أبدته من مشاعر لم يكن مجرد تمثيل ، بل كان نابعًا من أعماق روحها المعذبة.
لا تنكر أنها تعمدت ان تضربه بقوة لترد جزءا مما يفعله معها ، ابتسمت ابتسامة تحوى دهاءً خبيثً ، عازمة على استعادة حقها منه بحيل أنثوية ، ومهارة عاشقة تعرف كيف تنتقم لقلبها المغرم بكل تفاصيل ذلك الذئب الوقح الذى تغلغل عشقه فى أوصالها ☼بـ-ـقـ-❥ـلـ-ـم نـ-❥-ـورهـ-❥ـان مـ-ـحـ-❥-ـسـ-ـن☼ في منزل فهمي الهادي
دخلت سلمى إلى غرفة نوم ريهام ، التي ما زالت تجلس على السرير ، مرتديةً فستان السهرة الذي كان يلمع بألوانه الزاهية ، لكنه بدا الآن كأنما فقد بريقه ، ووجهها كان شاحبًا ، ووجنتيها ملطخة بالدموع ، ولم تعرف طعم النوم منذ الليلة الماضية ، حيث استمر عقلها في دوامة من التفكير المتواصل ، من جهة تخشى ما سيفعله أهلها بهار، ومن جهة أخرى داغر يلوح في مخيلتها كظل ثقيل ، فهي تدرك تماماً أن ما تعيشه الآن هو مجرد بداية لمحنة قد لا تنتهي على يديه ، شعور بالخوف رهيب يعتصر قلبها ، يختلط بقلق عميق حول مستقبلها الذي
يتجه نحو المجهول ، ويجعلها تترقب ما سوف تعانيه من عذاب لا مفر منه. تطلعت ريهام إلى والدتها بترقب ، وعكست ملامحها الضعف والألم ، لكن صوت سلمى كان حازمًا حالما بادرت بالقول : طلبتي أسيبك للصبح وسبتك .. حالاً تفهميني كل حاجة!! _أفهمك إيه بس يا ماما؟ أجابت ريهام بتحشرج ، وقد تاهت كلماتها بين الخوف والتوتر. _اسمعي هنا .. لولايا كان دلوقتي باباكي وأخوكي دفنوك .. فإياكي تلاوعي معايا أنا يا ريهام قالتها سلمى بصرامة ، لتتحرك في الغرفة ، وتلقي نظرات حادة على ابنتها كصخرة ثقيلة سقطت على قلب ريهام ، فأثارت مشاعر مختلطة من الخوف والحزن.
شعرت ريهام بدموعها تنفجر بيأس وضعف ، فاندفعت تقول بسرعة مرتعشة : ماما .. عشان خاطري هحكيلك على كل حاجة وبصراحة والله .. بس اقفي جنبي .. أنا مش هقدر أعيش من غير عمر ولازم يرجعلي بأي شكل يا ماما خرجت كل كلمة من فمها تفوح معها رائحة الألم والندم والخوف من المجهول. ☼بـ-ـقـ-❥ـلـ-ـم نـ-❥-ـورهـ-❥ـان مـ-ـحـ-❥-ـسـ-ـن☼ في قلب الطائرة
جلست إبريل بجوار النافذة ، حيث امتزجت أضواء النهار المنعكسة على الزجاج بتجاعيد السحب الرفيعة ، وبجانبها باسم يجلس عاقدًا ذراعيه على صدره ، مظهره هادئ ولكنه متوتر ، عينيه تتجولان بين الوجوه من حولهما ، كمن يبحث عن الأمان وسط زحام الأدرينالين. لم يكن باستطاعته تجاهل السكون الذي يحيط بهم ، ذلك السكون الذي كان يبعث فى نفسه القلق. استدار نحو إبريل ، محاولًا ك.سر جدار الصمت الثقيل بينهما : إيه؟ أول مرة تركبي الطيارة؟
سألها بفضول ، وعيناه تعكسان شعور الترقب ، أبعدت بصرها عن نافذة الطائرة وردت بلهجة عادية : لا مش أول مرة .. بتسأل ليه؟ لاحت ابتسامة جذابة علي فمه ، ليقرب رأسه منها ، ورد بمداعبة : يعني تكوني بتخافي من ركوب الطيارات وعايزاني أخدك في ح.ضني لمعت فيروزيتها بشقاوة ، ومالت نحوه بجرأة ، وأردفت بنعومة مفعمة بالدلال : ولانك حنين مو.ت .. وقلبك قلب خساية ماهتصدق طبعا مش كدا!!! _بس معلش مضطرة اخيب املك واقولك اني تمام علي الاخر..
هكذا اضافت بإبتسامة عذبة ، بينما أغمضت عينيها بإرتخاء فسألها باسم بلهجة تشي بالدهشة : إيه.. هتنامي؟ أومأت برأسها ، وهي تلتفت إليه ، وفتحت عينيها ، لتسأله بهدوء : أيوه.. وانت مش هتنام؟ _مش جايلي نوم
خرجت تنهيدة متقطعة من جوفه عبرت عن قلق مستتر ، ولكنها لمحت الظل الذي كان يلوح في عينيه ، كمن يخفي سرًا مؤلمًا ، ففهمت أنه يعاني من خوف داخلي ، ومع علمها بدوار البحر اعتقدت أنه يصيبه عند ركوب الطائرات أيضاً ، فتحدثت بلطف عفوى : تعرف .. افتكرت اول مرة اركب طيارة .. كنت حاسة بتوتر رهيب .. بس اول ما الطيارة بقت في السما نسيت دا كله
حدقت في عينيه ، وأكملت بحماس صادق : وكل مرة بيحصلي كدا .. حتى المرة دي .. بس لما بقينا في السما .. حسيت إني مبسوطة ومتحمسة أوي أشوف الجزيرة اللي هنروحها ونسيت الخوف تجلت نظراته نحوها بدفء عاطفي ، مبتسمًا بخفة وأخذ يتأمل جمالها البريء الممزوج بنفحات مشاكستها ، ثم سمع صوتها ينطلق بسؤال مليء بالفضول : بس اشمعنا اخترت الجزيرة دي بالذات؟ _إيبيزا من أجمل جزر إسبانيا .. وجوها دلوقتي مناسب أوي ليكي .. وكمان فيها مناظر حلوة كتير هتحبيها وتنبهري بجمالها
هكذا إجابها بنبرة تنم عن مدى إهتمامه بها ، بينما عيناها تألقتان بحماس طفلة : حمستني اكتر .. بس ليه ماروحناش برشلونة مثلا كان نفسي ازورها؟ وافقها بضحكة خافتة : برشلونة روحتها أكتر من مرة .. وهي كمان حلوة أوي طبعًا .. بس مش غريبة كنت فاكراك مسافرة معايا بالغصب .. وعاصرة على نفسك لمونة كمان
قالها بنبرة غمرها المرح ، رافعًا حاجبه بمكر ، مما أطلق ضحكة ناعمة من شفتيها ، لتجيبه بمزاح مشاكس يحمل لمحة من الدلال : ولسه عاصرة على نفسي اللمونة .. بس مين ابن المجنونة اللي هيفوت على نفسه سفرية زي دي .. إلا لو كان فقري واهبل أوي بقي! قرص باسم مقدمة أنفها بخفة مشاغبًا إياها : طيب يا مصلحجية هانم .. يكش يعجب بس! ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نهاية الفصل الرابع الفصل الخامس (واحدة بواحدة) جوازة ابريل ج3
مثل قطة برية ، تخشين الهمسات،
ترتعدين من لهب شغفي، ومن قسوة الخوف،
لكن مهما تراجعتِ،
فأنا هنا، مصممٌ على امتلاكك،
لا مكان للهرب من هذا العشق الفتاك،
فتمردكِ لن يعني شيئًا،
أنتِ لي، وانتهى الأمر،
لن تفري من ذهني،
استسلمي لموجات الشوق التي تلتف حولك،
فالقلب قد قرر،
ولن يُسمح لأي عائقٍ بالوقوف في طريقنا. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تحت الماء المنهمر وقفت ريهام متشبثةً بألمها كالغريق الذي لم يعد يبحث عن قشة لينقذ نفسه ، بل يتماهى مع قاع البحر المظلم ، علّه يجد في ظلمته ملجأً من عواصف داخل قلبها المليء بالندم.
دفنت وجهها في كفّيها المبللتين ، مغلقةً عينيها بشدة وكأنها تحاول عبثًا أن تردع الدموع عن الانسلال لتنحدر دون إرادة ، مختلطة بالماء الساخن ، لكنه غير قادر على غسل روحها المثقلة بالخطايا.
تردد في رأسها صدى الذكريات بعنف لا يرحم ، يأخذها إلى تلك اللحظات التي تخلت فيها عن كل شيء لأجل رجلٍ لم يكن أكثر من وهم ، عادت إلى بداية حكايتها البغيضة التى تشهد على كل خطوة أخطأتها ، حين كانت تبحث عن مخرج من سجن حياتها مع أسعد ، الذي كان لا يشعر بوجودها ، يعيش في عالمه الخاص المليء بالأبحاث والأوراق ، بينما هي كظلٍ شاحبٍ يتبع خطواته بلا حياة ولا نور. أحست بتلاشيها بكونها مجرد إضافة هامشية في حياة رجل مشغول ، فرّ من حبها منذ زمن دون أن يُعيرها أي اهتمام.
تعرفت على زوجة داغر خلال عرض أزياء حضرتْه بمفردها، ومنذ تلك اللحظة، نسجت بينهما صداقة ودودة ، كانت منفسًا لها بعيدًا عن قيود حياتها الزوجية ، حرصت على إخفاء حقيقة زواجها ، راغبةً في تذوق طعم الحرية ، ولو لوهلة عابرة. ومع مرور الوقت ، لاحظت اهتمام داغر بها ، نظراته المعجبة التي كانت تلمع بمزيجٍ من الفضول والإعجاب ، تشعرها بأنها موجودة ، تُرى ، تلامَس ، بعكس حياتها الرمادية مع أسعد. غزلت خيوط سرية من مشاعر لم تدرِ كيف نبتت في قلبها ، مشاعر ملطخة بالخطيئة ، غامضة كأطياف ليل بلا قمر.
وبدأت علاقتهما تتوطد شيئًا فشيئًا مع لقاءاتهما المختبئة بعيدًا عن الأنظار ، حيث حرص داغر على أن تظل اللقاءات في أماكن بعيدة ، لا يجرؤ فيها أحدٌ على الاقتراب منهما ، كان حذره ينبع من خوفه ، وليس من حبٍّ أو رغبةٍ حقيقية ، خوفه من أن ينكشف السر ، من تلك المرأة المريضة بالقلب التي كانت تحتل قلبه برغم كل شيء ، لكنها لم تفهم في البداية أن خوفه كان أكبر من مجرد عواقب اجتماعية ، كان قلقه ينبع من التزام قديم ، من إحساسه بالواجب تجاه زوجةٍ على شفا المو.ت.
وكلما اقتربت من حافة الهاوية في علاقتها ، كانت تتوهم أنها على وشك التحرر ، أنها ستك.سر قيود حياتها مع أسعد وتُلقِي بنفسها في عالم من الحرية الخادعة. طلبت الطلاق ، وأعطاها أسعد الوقت للتفكير ، لكنها كانت ترى في هذا الوقت فرصةً للتخلي عنه دون أن تُلقي نظرةً إلى الوراء. تمسكت بمقبض الدش تعتصره بقبضة يائسة ، كمن يسعى لتمسك بآخر خيوط النجاة في عاصفة من القهر الذي يعتصر قلبها ، حيث في لحظة صدقٍ مشؤومة ، اعترفت لداغر بكل شيء ، فبادرها بصراحة لم تتوقعها ، معلنًا عدم نيته الزواج بها ، لكن كان الأوان قد فات؛
فقد كانت حاملاً بعمر ، ابنها الذي لم يكن في حسبانها ، جمعت بقايا شجاعتها لتصارحه بما تحمله من طفل ، ظنًا منها أن تلك الحقيقة قد تلين قلبه ، لكنها اصطدمت بنظرة باردة قاسية كالصخر ، زمَّ شفتيه ، وعيناه تتقدان بالاشمئزاز ، كأنها صدمته بأقسى ما يمكن أن يُقال ، قاطع حديثها بشراسة ، ووجه إليها الاتهام الذي ك.سر روحها بالكامل ، قال لها بحدة : ابني؟ إنتي بتهزري يا ريهام مش كدا؟ فاكرة انك هتضحكي عليا تاني؟ إنتي أساسًا خبتي عني إنك متجوزة … إيه اللي يخليني أصدق إن الطفل ده يكون ابني أصلًا؟
ده ميخصنيش … زيك بالظبط! كانت كلماته كصفعة قاسية ، أيقظت فيها إدراكًا مُرًا للحقيقة ، كشف لها كم كانت غارقة في غفلة العشق ، تغلق عينيها عن كل شيء ، ترفض الاستماع إلى صوت عقلها الذي كان يحذرها من الاقتراب من عاشق يذوب في حب محبوبته حتى الثمالة ، وهذا ما جعله يدير ظهره لها بجمود ، متجاهلًا بقساوة قلب كيانًا كاملًا ينبض بحياة جديدة داخلها. وفي خضم هذا القهر ، لم تجد أمامها ملاذًا سوى أسعد ، فأخبرته بحملها ، فاستقبلها بقبول غريب رغم اعتراضاته المتكررة في الماضي على هذه الفكرة ، وكثيرًا ما أمرها بتأجيلها.
شهقت بصوت عالٍ ، بينما تدفقت المياه فوق رأسها بقوة ، مجبرةً إياها على رفع وجهها نحو الأعلى ، حيث تلتقط أنفاسها بعنف. في تلك اللحظة ، تبلورت أمامها معالم الحقيقة بشكلٍ صارخ ، كان قبول أسعد فخًا محبوكًا من داغر هو من دفعه لقبول الأمر ، ومن ثم تسجيل الطفل على الأوراق بإسمه ، وما إن وجد نفسه وحيدًا ، حتى انقض عليها ليستعيد طفله ، ويقصي أسعد من اللعبة بشكلٍ نهائي كأنه قطعة شطرنج تافهة فى مخططه.
لكن كيف حدث ذلك ، وهى حين زارت زوجته في المستشفى وجدتها على علمٍ بكل تفاصيل علاقتهما ، واجهتها بتهديد صريح ، محذرةً إياها بأنها ستفضح سرها إن لم تبتعد عن داغر نهائيًّا حتى لا تتسبب فى هدم سمعته.
حينذاك اتخذت قرارها بترك كل شيء ، وانتقلت مع أسعد إلى بلد آخر ، حيث أنجبت عمر هناك ، محاولةً بدء حياة جديدة ، لكن الماضي كان كظل لا يفارقها ثقيلًا ومُلحًّا ، حتى عاد ليُطاردها مجددًا يذكرها بخطيئتها البشعة ، فى يوم خطبة إبريل وباسم ، حينما رأت داغر مجددًا ، عيناها تنضحان بالألم الذي اختبأ طويلاً ، وسرٌ خفيٌ يسكن قلبها ، يلتف حوله كخيوط شبكة عنكبوتية لا يمكنها الفرار منها. ☼بـ-ـقـ-❥ـلـ-ـم نـ-❥-ـورهـ-❥ـان مـ-ـحـ-❥-ـسـ-ـن☼
هبطت الطائرة بهما في “إيبيزا”، تلك الجنة المخبأة في أحضان جزر إسبانيا ، حيث تلتقي الأزرق العميق للبحر الأبيض المتوسط برمال الشواطئ الذهبية. عندما نزلت إبريل من الطائرة ، احتواها الهواء الدافئ كعناق حميمي من الجزيرة ، وتراقصت حبات الرمل تحت خطواتها مرحبة بها. تحركت إبريل بجانب باسم ، وعينيها تلمعان بإعجاب ، مندهشة بالطبيعة الساحرة ، بينما كانت رائحة البحر تداعب أنفاسها ، والأشجار الخضراء تتراقص مع نسيم البحر، والأمواج تتلاعب بمرح على الشاطئ ، كأنها ترسم لوحة فنية لا تنسى.
توجهوا إلى المنتجع الرائع ، الذي كان يطل على البحر ، وكأنما هو قطعة من الجنة ، كل وحدة سكنية تتزين بشرفات فسيحة، مفروشة بأناقة ، وكأنها تدعو كل نزيل للجلوس فيها والاستمتاع بجمال المنظر الخلاب بخصوصية تامة. كان في استقبالهم زوجان يشرفان على إدارة المنتجع ، وبدا على ملامحهما بشاشة وألفة عميقتين. ابتسم نيكولاس ، وهو رجل ذو قامة مهيبة ، وعينين تعكسان الدفء والترحاب ، وهتف بصوت عميق بلكنة أسبانية متقنة : مرحباً سيد باسم ، سعدنا كثيراً بتكرار زيارتك لمنتجعنا ، لقد اشتقنا لك
رد باسم بلطف ، يعلو صوته بذات اللكنة بمزيج من الثقة والمودة : شكراً لك عزيزي نيكولاس ، اقدم لكِ هذا “نيكولاوس ويلز” ، زوجته “ماغى” ، أقدم لكم زوجتي إبريل وما إن نطق باسم اسمها ، توجهت نظراتهما إليها بإبتسامة مرحبة : أهلاً وسهلاً ، ومبارك زواجكما قالتها ماغي بابتسامة عذبة وعينين تتألقان بوميض دافئ ، بينما تحدق إبريل بهما بسعادة ، مشدوهة ببشاشة ماغي المتألقة ، وبصعوبة إستطاعت فهم مايقال. اقتربت ماغي من إبريل ، تنطق بلغتها الأم بنبرة يكسوها الإعجاب : تبدين رائعة الجمال حبيبتي
_عفواً ، إنها لا تتحدث الإسبانية سيدة ويلز تدخل باسم بهدوء ، لكن ماغي بكل رقتها، لم تدع ذلك يحبطها ، فأكملت بالإنجليزية : لا بأس ، سررت بلقائك عزيزتي ، كما أنكِ جميلة للغاية _شكراً لك ، يسعدني معرفتك أيضاً سيدة ماغي ردت إبريل بتردد خجول ، محاولة أن تبدو واثقة ، لكن الرهبة كانت لا تزال تساورها. توجه الجميع إلى ركن هادئ داخل الهول الفسيح ليجلسوا ، وما إن استقرت إبريل في مقعدها حتى شعرت بأنامل باسم الدافئة تمسّد خصلات شعرها برقة ، فيما مال نحو أذنها هامساً بصوت خفيض : خليكي هنا .. هروح معاه وراجعلك
_طيب راقبت ابريل خطواته وهو يبتعد ، مستشعرة حنينًا لوجوده بجانبها ، قبل أن تتحدث إلى ماغى ببسمة هادئة : هذا المكان بديع حقاً، سيدة ويلز _شكراً عزيزتي ، ناديني ماغي ، أرجوك ، فإني لا أحب الرسمية ردت ماغي ابتسامة دافئة تعكس روحها الودودة ، فأومأت إبريل برأسها موافقة ، لتردف ماغي بحماس ، وقد تخللت نبرتها بهجة صادقة وعاطفة متدفقة تشع من طبيعتها الرومانسية : تهنئاتنا الحارة لكم بمناسبة زواجكم _خالص الشكر قالتها إبريل بحبور ، بينما عيناها تتيهان في اتجاه باسم الذى يقف بجانب نيكولاس ، فأضافت ماغي بنظرة محببة : تبدين مغرمة به يا عزيزتي
تألقت عينا إبريل من الدهشة بزغت فى قولها الهامس : عفواً ماغي أكدت ماغي بثقة : أعني أنتي وزوجك ، الحب يشع من نظراتكم لبعض _حقاً ، أنتِ على صواب ردت إبريل بخجل ، وقد ارتسمت على وجنتيها حمرة كزهرة نضرة تعكس جمالها ، بينما استحضر عقلها نظراته التى تُحيط بها كعناق دافئ. _بحبه اوي همست بعفوية في سرها ، بينما عيناها تتلألأان بوميض يشع توقًا وعشقًا يعكسان أعماق قلبها المليء بالشغف. _تفضلوا معنا ، الوحدة جاهزة في انتظاركما.
اختتم نيكولاس حديثه بإبتسامة لبقة ، مشيراً برأسه نحو الوحدات بحماس. ☼بـ-ـقـ-❥ـلـ-ـم نـ-❥-ـورهـ-❥ـان مـ-ـحـ-❥-ـسـ-ـن☼ دلف الجميع إلى الوحدة المزينة بأبهى الأزهار، حيث ارتسمت على وجه إبريل ملامح من الإعجاب العفوي الذي لم يكن بوسعها إخفاؤه ، حيث الجدران المطلية بلونين أبيض وبيج يشعان بالهدوء والسكينة ، وعبير الأزهار الذي يملأ الأركان برائحة منعشة تفيض النفس بالراحة. كان المكان يتكون من غرفة نوم رئيسية تتوسطها حمام فسيح، ومطبخ مفتوح على صالة واسعة ، ومرحاض صغير يضيف لمسة من الفخامة.
قُطع هذا الهدوء نيكولاس ، الذي وقف في منتصف الصالة قائلاً بالأسبانية بنبرة تتسم بالود والإيجابية : أرجو أن ينال المكان إعجابكم

