منوعات

مودة ورسلان بقلم دودو

وتحرك سريعاً من أمامها وغادر البيت وتركها. ظلت تنظر إلى أثره بدموع، ونهضت من على الأرض وصعدت إلى الغرفة وتمددت على السرير، وظلت تنظر إلى الأعلى وتفكر برسلان. ربما معه الحق فيما فعله معها.. تذكرت سعادة زوجته عندما كانت تذهب لها زيارات المتابعة وكيف كانت تتكلم عن حنيته وحبه لها وكيف كان سعيداً بحملها هذا، ورغم أنه لم يذهب معها زيارات الفحص بسبب انشغاله الدائم بأعماله إلا أنها كانت تتمنى أن تتقابل معه لتتعرف على هذا الشخص من كثرة كلام زوجته عنه. تنهدت بحزن وأزالت عبراتها من على وجنتيها ثم أغلقت عينيها وذهبت في سبات عميق.

مرت عدة أسابيع وأصبح الوضع أكثر تعقيداً من الأول. ظل رسلان يسهر بالخارج طيلة الليل ويعود عندما تشرق الشمس وينام طيلة النهار، لم يتكلم مع مودة نهائياً. شعرت بغضب من تجاهله لها، وحاولت مراراً وتكراراً أن تتحدث معه لكنه لم يجب عليها قط. وذات يوم، استيقظت على صوت رنين الجرس. نظرت بجوارها إلى رسلان النائم وزفرت بضيق، نهضت من على فراشها وهبطت إلى الأسفل وفتحت الباب فوجدته والدها. نظرت له بغضب شديد وقالت: أنت إيه جابك هنا؟! وليك عين توريني وشك بعد اللي عملته فيّ؟! دفعها من أمامه ودلف إلى الداخل ونظر حوله بالمكان وقال:

وأنا عملت فيكي حاجة وحشة؟! ما أنتِ عايشة في فيلا ولابسة أحلى لبس وواضح إنك عايشة حياتك وسعيدة معاه! المفروض تاخديني بالحضان وتشكريني على المعروف اللي عملته معاكي! ابتسمت له بغضب وقالت: أخدك بالحضان؟! وأنت كنت عملتها معانا قبل كده عشان أعملها معاك دلوقتى؟! أنت ماينفعش تكون أب، أنت واحد أناني، أهم حاجة عندك الفلوس والشرب! بس أنا عمري ما هسامحك على اللي عملته فينا، اطلع برة ومشوفش وشك هنا تاني، أنا اعتبرتك مت من زمان أوي!

جلس على المقعد وحرك يده على الأثاث بإعجاب وقال: أنا مش هتحرك من هنا غير لما أقابل جوزك، القرشين اللي أخذهم خلصوا خلاص وأنا محتاج فلوس! تعالت ضحكاتها بغضب وقالت: قول كده بقى! ما أنا قلت مش معقول تكون بقيت حنين فجأة كده، طلعت جاي عشان مصلحتك! نظر لها بنفاذ صبر وقال: أنا ماسك أعصابي عليكِ بالعافية، متنسيش إن أنا أبوكي، ولولا إن غصبت عليكِ تتجوزيه مكانش زمانك عايشة في العز ده كله! هدرت به بغضب وقالت:

أنت عارف أنا عايشة إزاي؟! بيعاملني إزاي؟! طيب أنت تعرف هو اتجوزني ليه أصلاً؟! طبعاً متعرفش أي حاجة غير الفلوس، أهم حاجة عندك مزاجك وبس! ياريت تقوم تمشي ومشوفش وشك هنا تاني، انسى إن ليك بنت زي ما أنا نسيت إن ليا أب! هب واقفاً بغضب واقترب منها وقال: شكل الجواز دلعك ونسّاكِ يعني إيه تربية، وهعيد تربيتك من أول وجديد! ورفع يده إلى الأعلى وكاد أن يصفعها على وجنتها، لكن يد رسلان أمسكتها ومنعته من أن يقترب منها. صر على أسنانه بغضب وقال بتحذير:

مش هسمحلك تمد إيدك على مراتي! اللي يفكر يعملها أقطعها له، حتى لو كان مين! دي مراتي، مرات رسلان صفوان، فاهم؟! نظر له بتوتر وابتسم له ابتسامة بلهاء وقال: هاا.. اللي تأمرني بيه يا باشا، دي مرتك وأنت حر فيها طبعاً. أبعد يده بغضب ونظر إلى مودة، واتجه إلى المقعد وجلس عليه ووضع قدماً فوق الأخرى وقال بتساؤل: جاي ليه؟! عايز إيه؟! ابتلع ريقه بتوتر وقال: هاا.. كـ.. كنت جاي عايز قرشين أمشي نفسي بيهم عشان اللي كانوا معايا خلصوا ومافيش شغل زي ما حضرتك عارف.

نظرت إلى رسلان بترجٍّ وحركت رأسها بالرفض. نظر لها ثم نظر إلى والدها وقال: موافق، بس تمشي من هنا ومشوفش وشك تاني! أومأ رأسه بابتسامة وقال بسعادة: اللي حضرتك تأمرني بيه، بس رحرح إيدك شويتين تلاتة عشان أعرف أعيش عيشة كريمة. أخرج الأموال من المحفظة الخاصة به وحرك يده بها وقال بأمر: اتفضل، أهو. أخذهم من يده سريعاً ونظر لهم بسعادة وقال: من يد ما نعدمها يارب! نظر لها نظرات خالية من أي تعاطف، ونهض من على مقعده وقال بصوت أجش:

واحدة غيرك تحط رأسها في الواطي، لأنك مهما دفعت فيكي هتفضلي رخيصة! برميك فيكي كام قرش ميسووش حاجة عندي، بدفعهم لأقل واحدة بنام معاها في الليلة! بلعت مرارة كلماته بحلقها ونظرت له بدموع وقالت: عندك حق، وأنا قصادك أهو.. خد اللي أنت عايزه! نظر إلى جسدها باشمئزاز وحرك رأسه بالرفض وقال: جسمك مش ذوقي، مبيعجبنيش، بقرف منه! هدرت به بغضب وقالت: كفاية إهانة بقى! حرام عليك، خلص عليّ وريحني من اللي أنا عايشة فيه ده! وجلست على الأرض أمام قدمه بدموع وقالت بترجٍّ:

أرجوك ارحمني وخلصني من العذاب ده! لا هو هيستكفى باللي أخده منك ولا أنت هتبطل كلامك الجارح ليا. كفاية تتعاملوا على أساس إن أنا بضاعة بتبيعوا وتشتروا فيها، أنا تعبت والله العظيم تعبت! ووضعت يدها على وجهها وظلت تبكي. البارت الخامس والأخير مرت عدة أسابيع لم يأتِ رسلان إلى الفيلا. حاولت التواصل معه لكنها لم تستطع الوصول له، وترك رجاله يحرسون المكان. اشتاقت مودة له رغم شجارهما الدائم مع بعضهما، إلا أنها شعرت بالحنين إليه.

وفي ذلك الوقت، استيقظت مودة وشعرت بصوت أحد يتحدث بالهاتف في الأسفل، فتعرفت على الصوت. انفرجت ملامح وجهها وارتسمت الابتسامة على شفتيها بسعادة، ونهضت سريعاً وركضت إلى الأسفل. وجدت رسلان يجلس على الأريكة ويتحدث بالهاتف، فجلست أمامه على المقعد وانتظرت حتى انتهى وقالت بصوت مخنوق: كنت فين كل ده؟! نظر لها بعدم اهتمام وقال بأمر: جهزي شنطة هدومك، اخلطي! نظرت له باستغراب وقالت بتساؤل: شنطة هدومي؟! ليه طيب؟! هتخدني مكان تاني غير ده؟ نظر لها نظرة مطولة وقال بصوت غاضب:

لا، هطلقك وهرجعك بيت أبوكي! جحظت عيناها بعدم تصديق ونظرت له بدموع وتكلمت من بين شهقاتها قائمة: تطلقني؟! أنت بتقول إيه؟! أنت بتهزر صح؟! رد عليّ، إيه الكلام اللي بتقوله ده؟! هدر بها بغضب وقال: مش هو ده اللي أنتِ عايزاه؟! إيه مزعلك دلوقتى؟! هنفذلك طلبك، هخلصك مني وهريحك من العذاب اللي عايشة فيه بسببي، مش ده كلامك؟! تعالت شهقاتها وحركت رأسها بالرفض وقالت بدموع: أنا مش عايزة أطلق! عايزة أفضل جنبك! رفع إحدى حاجبيها إلى الأعلى وقال باستغراب:

مش ده كان طلبك من الأول؟! أومأت رأسها بالتأكيد وقالت بدموع: أه كان طلبي، بس لما غبت عني عرفت إن أنا مش هقدر أعيش من غيرك! اقترب منها ونظر في عينيه وقال بتساؤل: متأكدة من كلامك ده؟! أومأت رأسها بالتأكيد وقالت بدموع: متأكدة، أنا عايزة أكمل حياتي معاك. ابتسمت له وقالت بنبرة هادئة: لا مش هندم، أنا هندم بجد لو بعدت عنك! حرك أصابعه على شفتيها وقال باستغراب: وإيه سبب التغير المفاجئ ده؟! أنتِ مش كنتِ بتكرهيني ومش عايزة تكملي حياتك معايا؟! نظرت له بخجل وقالت بصوت هادئ:

اكتشفت إني بحبك ومقدرش أعيش من غيرك، كنت بحاول أنكر ده كتير بس خلاص مش قادرة أخبى أكثر من كده. اقترب من شفتيها حتى يقبلها، لكنها تراجعت إلى الخلف سريعاً وقالت بخجل: مـ.. مـ.. مش دلوقتى! نظر لها باستغراب وقال بتساؤل: أمال أمتى؟! ابتلعت ريقها بتوتر وقالت: أ أ أما أطلع أجهز نفسي الأول. ابتسم لها وقال بنبرة هادئة:

طيب متتأخريش عليّ بقى، مشتاق ليكي أوي! ابتسمت له بخجل وأومأت رأسها بالموافقة، وتحركت باتجاه الدرج وصعدت إلى غرفتها. دلفت المرحاض وأخذت حماماً دافئاً وخرجت، وارتدت “قميصاً” قصيراً ونظرت إلى انعكاسها بالمرآة بتوتر. وفي ذلك الوقت دلف رسلان ونظر إلى جسدها بإعجاب، واقترب إليها واحتضنها من الخلف، وقبل عنقها وتعالت أنفاسه، وأدارها له ونظر في عينيه وحرك أنامله على وجهها، ثم اقترب إلى شفتيها والتهمهما بشراسة. … بعد عدة أعوام خرجت تهرول من غرفة ابنتها خلفها بغضب وقالت:

يا بنتي استني هنا خليني أعرّف أكملك لبسك! ركضت الطفلة بابتسامة طفولية وهي تقول: بابي! بابي! مال بجسده وحملها بين ذراعيه وقبل وجنتها بحب وقال: مين زعل حبيبة بابي؟! أشارت بأصابعها الصغيرة على مودة وقالت بنبرة طفولية: مامي! نظرت لهما بضيق وقالت: يا سلام! يعني أنا دلوقتى عدوتكم؟! طيب اشبعي بيه! وحركت يدها على بطنها المنتفخة وقالت: بكرة يجي حبيب مامي ويدافع عني بدل ما إنتو عاملين عليّ حزب! تعالت ضحكاته واقترب منها وقبل رأسها بحب وقال:

يا مجنونة بتغيري من بنتك؟! أومأت رأسها بالتأكيد وقالت: أه بغير منها! أنا خلفت ضرة ليا مش بنت، طول الليل والنهار مع بعض، حتى بالليل بتنام في حضنك! قبلت وجنته بحب وقالت بابتسامة طفولية: بابي حبيبي ده جوزي أنا! تعالت ضحكاته واحتضنها بسعادة وغمز بعينيه لمودة وأرسل لها قبلة في الهواء. نظرت له بابتسامة وقالت بنبرة هادئة: أنا نازلة العيادة بقى عشان متأخرش، وأنتِ مدوخيش الـ (Nanny) عشان بتشتكي من شقاوتك، فاهمة؟! نظرت له بقلق وقالت بتساؤل:

شغل شركة ولا مكان تاني؟! ابتسمت له بحب وقالت: عارفة يا قلبي، بس بأكد عليك مش أكتر! صعدا السيارة وتحرك رسلان بها سريعاً. النهاية

انت في الصفحة 4 من 4 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى