_ لا تعلم أي طريق سلكت ولا أي وقت مر عليها، فقط تسير ولا تعلم وجهتها، مقلتيها لم تجف من الدموع قط، خانتها ساقيها وتعسرت في إحدى الأحجار، وما إن إرتطمت بالأرض حتى جهشت باكية صارخة بألم شديد لم تعد تتحمله داخلها، صرخت وصرخت ربما يهدئ جوفها ولو قليل.. _ توقفت سيارة الربع نقل أمامها، ترجلت منها “صفية” مهرولة إليها بذعر يعتلي تقاسيم وجهها، جلست القرفصاء مقابل السيدة نادرة ورددت ببكاء مرير:-
الحمد لله أني لجيتك جلبي وجع في رچليا من خوفي عليكي، مجدرتش أشوفك بتركضي برا الدار وأهملك في حالتك ديي شيعت لطه أخوي ياجي بالعربية نوصلوكي للمستوصف
_ طالعتها بنظرة منكس.رة ورددت بأنفاس متهدجة:-
ولدي.. رايدة أطمن عليه يا صفية _ إنهارت الأخري باكية متأثر من ضعفها التي تشهده لأول مرة، فالسيدة نادرة تُعرف بالحدة والثبات، يرتعب كل من في السرايا حينما تعبس فقط بوجهها.. _ حاوطت صفية ذراع نادرة التي إتكأت عليها لحين وصولها إلى السيارة، طالعها “طه” بشفقة على حزنها الواضح وتمني لولدها أن يكون بخير:-
ربنا يطمنك عليه يا ست نادرة ولا يخسرك فيه واصل ”يسمع من بوجك ربنا يا طه”
_ أردفتهم بمزاج غير سوي، أسندت رأسها على النافذة بحزن قد تبدد في قلبها تعد الثوانِ لكي تصل إلى صغيرها وتطمئن عليه..
*** _ إزدحم المرر أمام غرفة العمليات، كل من يعلم بتلك الحاد.ثة البشعة لا يتردد في القدوم، فهلال إبناً للجميع، تمر الدقائق على الجميع كالأعوام العجاف لا خير يطمئنهم فيها _ فُتح باب الغرفة تلقائياً عند مرور أحد الأطباء قاصداً الخروج، كانت خطوات مصطفى أسرع من الجميع إليه كما تبعه خليل بمساعدة عسران حينما رأي صعوبة حركته
_ حالة سكون عمت المكان بعد أن كان يصعب سماع بعضهم البعض من خلف ضجتهم، الجميع منتظرين ما يسر قلوبهم على صغيرهم، وزع الطبيب أنظار بينهم ثم أردف بملامح جامدة:-
المريض إتعرض لطلج نا.ري عمله نازيف داخلي في الرئة وللأسف الحالة إدهورت لأنه بجاله وجت طويل إبينزف وهو داخل المستوصف منتهي، البقاء لله شدو حيلكم _ سكون مريب ساد للحظات يستوعب فيها الجميع حجم المصيبة التي حلت على روؤسهم، ألجمت الصدمة ألسنتهم كما أعتلت الحسرة وجوهم وقلوبهم
_ ”ولدي”
صرخت بها “نادرة” متحسرة على فراق رفيق روحها الصغير، تخطت ذلك الحشد من الرجال بصعوبة بالغة مستندة عل صفية، وصلت إلى حيث يقف مصطفة ورددت بنبرة انخلع القلب لها:-
الراچل ديه يجصد مين يا مصطفى يجصد خوك يا ولدي؟ هو جال شدو حيلكم في خوك يا ولدي؟ _ رفعت “نا.ردة” يدها على صدر مصطفى الذي تلقي ضر.باتها عليه مضيفة بإنهيار:-
رد يا مصطفي، جولي لا مش أخويا ياما جولي هلال كيف الجبل ما يهزه ريح إنطج وجول
_ لقد فقد صوابه من خلف بكائها وكلما.تها التي أثبتت له هول المصيبة الواقع بها، حاوطها بذراعه ضامم إياها لصدره محاولاً تهدئتها لكنه لم يقدر على النطق، فكيف سيوايها في شئ لم يستوعبه بعد!! _ خارت قوة خليل وإنكس.ر عموده الذي يساعده على الوقوف ووقع أرضاً، هرول الجميع نحوه مذعورين خشية مكروه قد أصابه، نظر “مصطفى” إلى حيث تقف صفية وردد بنبرة أمرة:-
سندي أمي _ أعطاها إلى صفية وركض إلى والده، إنحني أمامه وفتح أزرار جلبابه محاولاً إيفاقته، مرت دقايق معدودة إستعاد بها خليل وعيه بالكامل، لعن تلك الذاكرة التي مازالت محتفظة بتلك الذكري المؤلمة التي تزيده تحسراً
_ تنحي جميع الواقفين جانباً مشكلين ممراً يمر منه هلال ومرافقيه من التمريض، إقترب مصطفي منهم ووقف أمام الناقلة يرمق هذا الغطاء اللعين الذي يفصل بينه وبين شقيقه، مد يده وبهدوء حذِر سحب الغطاء من على وجهه.. _ خفق القلب قهراً على تلك العينين الموصدة التي لن يراهم مرة أخري، مال على أخيه ووضع قُبلة الوداع أعلى جبينه، شعر برجفة قوية في أوصاله حينما لمس جبينه وشعر ببرودته، خارت قوة تحمله وفرت دمعة من عينيه هامساً بنبرة مهزوزة:-
يا خوي….
_ مسح دموعه سريعاً ما إن شعر بإقتراب أحدهم، إقتربت نادرة بخطي ثقيلة تجر خيباتها وقهرتها خلفها بعد أن كانت مترددة كثيراً في الإقتراب منه، مالت عليه مقبلة إياه بعدة قُبلات على ثائر وجهه، جهشت باكية وهي تندب متحسرة:-
يا وجع جلبي عليك يا ولدي، أنت عتحب أمك متهملهاش لوحديها يا حبة عيني لسه بدري عليك جوي يا هلال لساتك عريس متهنتش بشبابك يا حبيبي، جوم روح لعروستك لساتكم معيشتوش يا نن عيني، مع السلامة يا حتة من روحي مع السلامة..
_ لم يتحلي خليل بالقدرة الكافية لينظر النظرة الأخيرة التي يودع بها ولده، إكتفي برمقه من بعيد حتى لا يجن جنونه إذا إقترب منه حتماً سيندب مثل النساء متحسراً على فراقه. _ أعادت الممرضة الغطاء على وجه هلال وتحركت به مبتعدة عنهم وهي تبكي حزناً على حديثهم الذي أثر بها، بدأ الجميع في الإنسحاب خارج المشفي منتظرين إنهاء إجراءات خروج هلال الذي يقوم بها مصطفي برفقة عسران.. ***
”الواد ما.ت”
_ رددت بهم “ثريا” بعد أن أغلقت المكالمة التي قامت بها لتعلم وضع هلال، نظرت في الفراغ أمامها بصدمة جلية إعتلتها، صدرت شهقة قوية من “سنية” وضر.بت على صدرها بمرارة متحسرة عليطى أصاب زوج أبنتها:-
ما.ت كيف، وبتي؟ الحزن بدري عليها جوي _رمقته بنظرات إحتقارته وهي تقترب بخطاها منه، ظلت تضر.ب صدره بكل قوتها وصرخت به هادرة:-
منك لله يا حمدان ربنا ينتجم منك، فاكر إن محدش جادر عليك بس ربنا منتقم جبار، مش هتفلت بعملتك ديي أني هبلغ عنك وأشفي غليلي فيك
_ تحركت مبتعدة عنه فلحق بها ممسكاً بذراعها التي غرز أظافره به فآنت سنية بنبرة متألمة، صوب نظراته الثاقبة أمام عينيها وحذرها بنبرته التي خرجت حادة صارمة:-
فكري تعمليها وتبلغي عني وهخلي بتك تحصله، أنتِ لساتك متعرفيش حمدان وشره إتجي شري يا سنية وعاودي أوضتك ولا كانك تعرفي حاجة من أساسه _ دفعها بقوة فإرتطمت بالأرض إثر قوة دفعته لجسدها الهزيل، إنسدلت دموعها على مقلتيها قهراً وحزناً، إتكأت بمعصميها على الارض لكي تنهض فالحركة بدت ثقيلة للغاية من هول الصدمة
_ عادت إلى غرفتها تعيد تهديد حمدان في عقلها بتوجس معانق لقلة الحيلة، ماذا تفعل أتخبر الجميع بحقيقة #حمدان المتعمد لهلال أم تصمت خشية أن ينفذ تهديده ويطيل صغيرتها مكروه؟ _ لا تدري ما عليها فعله فقط تشعر بخلو جوفها، ضعفها وقلة حيلتها، فتحت درج الكومود وأمسكت بالصورة الفوتوجرافية التي تجمعها مع حبيب فؤادها، ملست على الصورة بأناملها فاختفت ملامح زوجها بسبب دموعها التي إنسدلت عليها، تنهدت بإختناق شعرت به في صدرها ولامته بنبرة متقطعة:-
هملتنا لخوك اللي معيعرفش ربنا ولا بيصون صلة الرحم اللي بينا، ربنا يرحمك ويغفرلك ويجرب الأيام اللي هتجمعني بيك
_ خارج الغرفة تندب “ثريا” بيدها على قدميها مستاءة من تصرف زوجها الأرعن:-
چبت لنا مصيبة فوج روسنا بتهورك يا حمدان، هنعملوا إيه هنطلعوا منيها كيف، جالك جلب تجتل نفس زيها زييك! _ صاح بها هدراً:-
أباه على الندب اللي مهيخلصشي، إجفلي خشمك ديه ووجتها محدش هيعرِف _ وزع “حمدان” أنظاره بين ثريا وصباح ثم إرتفعت نبرته مهدداً بنبرة محتقنة:-
مش هسمي على حد فيكم إن الحديت إترطرط برا فاهمين ولا أعيد حديتي تاني _ لوت “ثريا” شفتيها وردت عليه مستاءة:-
وديي حاجة نرطن بيها بردك!
_ نهضت من مكانها وعادت إلى غرفتها تحاول بلع ما حدث، كذلك عادت صباح إلى غرفتها مذهولة من تلك الد.ماء التي كانت تسيل من هلال أمامها، لازالت كلما.ته التي يتمتم بها من بين أنينه الموجوع تتردد في عقلها:-
”مش جادر جوفي بيتوجع، ااه”
ااه موجوعة خرجت منه قبل أن يحمله حمدان بمساعدة طاهر ويغادروا المنزل، رجف جسدها كلما تكرر صوت إطلاق النيران في مخيلتها، رمقت المكان من حولها برعب شديد ثم سحبت وسادتها وضمتها بقوة ربما تمتص تلك الوسادة خوفها.
*** جابت الردهة ذهاباً وإياباً فور علمها بما أصاب هلال من قِبل ( هويدا ) إحدي مساعدات صفية، تنتظر على أحر من الجمر أن يطمئنها أحدهم، فقط يومين عاشرت بهما حنتيه وطيب قلبه ناهيك عن لين معاملته وتشهد الله أنها لم تري منه سوءاً _ شعرت ورد بدوار شديد يعتلي رأسها أثر دورانها حول نفسها، جلست على الأريكة التي كانت على بُعد بسيط منها، ماهي إلا لحظات قليلة حتى صدح صوت صافرة الإسعاف على مقربة بسيطة من المنزل إلى أن صفت داخل حديقة السرايا
_ إنتفضت ورد بذعر وهرولت نحو الباب بتوجس شديد، وقفت في صمت تشاهد نزول السيدة نادرة من سيارة مصطفي مستندة على صفية، كذلك خليل الذي يتكأ على عسران لعدم قدرته على إستقامة ظهره بمفرده _ بدت ملامحهم شاحبة للغاية وكأن الد.ماء فرت هاربة بسبب شيئ ما، حتماً هناك ثمة مصيبة لكي يظهروا بذك الضعف التي لم تراهم عليه من قبل _ شهقت بقوة ولم تستطيع أن تخرج أنفاسها التي إنحشرت داخلها حينما رأت تلك الناقلة المحمل عليها هلال، بالتأكيد هو ليس غيره، إغرورقت عينيها بالدموع مهددة بالنزول وهي تتابع قربه منها..
”هلال ما.ت يا ورد”
_ هتفت بهم “نادرة” متحسرة على فراقه، هنا خارت قوة ورد على التحمل وتحولت تلك العبرات إلى بحور من البكاء المرير.. _ بدأ صدرها في العلو والهبوط، تستمع لأنفاسها التي يتردد صداها داخلها محدثة ضجة غطت على الأصوات المجاورة لها، وضعت يدها أعلى صدرها من الجهة اليسري، يعاد شريط ذكرياتها من ليلتها الأولي معه ومنعه من التمكن منها إلى أخر رفض فعلته فتسببت بهروبه خارج المنزل وها هو يعود إليها مرة أخري لكن جـ,ـثة هامدة!
_ رجفة قوية سرت في أوصالها ثم وقعت مغشي عليها من هول المصيبة التي لم يتحملها عقلها .. *** _ ظهرت بعد إختفائها لبعض الوقت كانت تستعيد بعضاً من قوتها التي تبخرت بمجرد ما رأت زوج إبنتها غارق في دمائه يلفظ أنفاسه الأخيرة، أوقفها “حمدان” متسائلاً بحدة:-
على فين؟ _ أجابته بحنق مختصرة الحديث معه:-
على بيت بتي
_ إقترب منها ووقف قبالتها فأجبرها على النظر إليه فتفاجئت بالوعيد الذي يشع من سودتاه التي إخترقتها وخفق قلبها خو.فاً بسبب نظراته، مال برأسه بقرب أذنها وهمس مهدداً:-
إوعاكي تفكري تجولي لبتك عن اللي حوصل، صدجيني اللي وصله جوز بتك ديه بسبب عناده ووجوفه جصادي يعني أني مههفلطش بالحديت أني بنفذه طوالي _ إرتعبت من وعيده وحدقت به مبدية إشمئزازها من جبروته:-
ربنا على الظالم والمفتري _ تحركت مبتعدة عنه لكنه أمسك بذراعها وأعادها إليه مردداً بحزم:-
هعديها عشان الظرف اللي أنتِ فيه، لكن إبجي حاسبي على حديتك معايا بعد أكده
_ حاولت سحب ذراعها من بين قب.ضتيه المتينة لكنه أبى، داعب شاربه بسبابته سامح لعينيه التمتع بوجهها الذي يحفظ معالمه جيداً، رجفت سنية بشدة لذاك الوضع المريب فشعر هو برجفتها التي هزت كيان ذكورته وتمنى لو يعاد الزمن من جديد ويكون أول رجل بحياتها وليس أخيه.. _ حرر قب.ضته سريعاً حينما ظهرت ثريا وحاول إلهاء الأخرى أمراً:-
غيري خلجاتك وروحي معاها إعملوا الواجب وأجفوا مع نسايبنا في الشدة اللي هما فيها ديي
_ أي واجب يتحدث عنه، لقد #الشاب على يديه فأي هراء ذاك الذي يأمرهم به، صاحت به ثريا مندفعة به وهي لازالت أسفل تأثير الصدمة:-
واجب!! أنت بتتحدت عن الواجب؟ أنت تعرف يعني إيه واجب يا جتال الجتلة أنت؟ _ شعرت ثريا بحرارة الصفعه التي دوت علي وجنتها ، نهرها “حمدان” بإنفعال :-
إجفلي خشمك يا ولية، تتحدتي معايا بأدب بعد أكده وإلا مش هسمي عليكي أنتِ فاهمة
_ إنسدلت دموع ثريا وهي تطالعه ببغض وكُره لم تشعر بهما من قبل، رمقت ثريا سنية بإنكسار وإبتعدت عنهم وهي منكسة الرأس، ناداها حمدان بتجهم:-
أني جولت روحي وياها إعملوا الواجب مش هعيد حديتي تالت _ هان كرامتها لطالما كانت تعززها طيلة الوقت لكن جبروته سيمحيها إن اعترضت، قالت بعد أن تنهدت لتخرج نبرتها غير متأثرة بفعلته لكي لا تُشمِت بها سنية:-
هغير هدمتي ونمشوا
_ إختفت خلف باب غرفتها بينما لم تتحمل سنية الوقوف معه في نفس المكان وهرولت مسرعة إلى الخارج تنتظر مجئ ثريا، عاد طاهر إلى المنزل بأمر من والده الذي تحدث فور وصوله:-
يلا عشان نروحوا نعزي ده ناسيبنا وواجب نكون أول الحاضرين وناخدوا العزا معاهم _ قطب “طاهر” جبينه مردداً بعدم تصديق:-
أنت كيف جامد أكده كانك مش السبب في مـ,ـوته، جتلنا الجتيل وهنمشوا في جنازته كيف ما بيجولوا
_ نفخ حمدان بضجر بائن، إحتقن وجهه وبدي كالبركان الثائر الذي يود الإنفجار من كثرة هرائتهم لكنه تحلى بالصبر لبضعة لحظات وشرح له الربح العائد الذي سيحل عليهم من خلف تلك الحاد.ثة:-
يواد متجفلش مخك عاد وفتحه، أنت رايد تتجوز بت عمك وأهي الفرصة جت لك أهي على الطبطاب ومش أي فرصة ديي فرصة العمر يولا هتجيلك شايلة شئ وشويات من ورثها لأبن العمدة يعني جوازة ربحانة
_ حرك “طاهر” رأسه مستنكراً لما يصغي إليه، حتماً يحلم هذا ليس بوالده الذي عاش معه تلك الأعوام الماضية، أخذ زفيراً وأخرجه ببطئ وردد بنبرة محتقنة:-
ميتي بجيت بالجسوة دي؟ جبت جحود الجلب ديه منين؟ أني حاسس إني معرفكش واصل أنت مين؟ لا يمكن تكون أبوي كدوتي اللي بضر.ب بيه المثل في كل حديتي!! _ صعق “حمدان” من حديث ولده الذي وصفه به، توجه نحوه وأشار على عقله مستاءً منه:-
جرب تبجي زيي والدنيا كلاتها هتكون في يدك
_ أجابه بإنفعال شديد مبدي رفضه التام أن يشبه:-
أني معايزش أكون شبهك واصل أني بخاف ربنا كيف ما علمتني وأني صغير فاكر ربنا يا بوي؟ ولا شكلك نسيته ونسيت عقابه اللي عشت تخوفني منه لو صدر مني غلطة!! _ إستطاع طاهر النجاح في تأنيب ضمير والده الذي إنفجر به بصوت عالٍ يمحي أي صراع سيعيشه من خلف حديثه بصراخه عليه:-
إنكشح من جدامي داهية تجرفك أنت واللي عيتحدت معاك بعد إكده
_ تقوس ثغر طاهر بإستحقار بائن على تقاسيم وجهه، أولاه ظهره وأنسحب خارج المنزل مهرولاً لا يطيق المكوث معه في المكان نفسه، لابد أن يقف بجوار حبيبته بالتأكيد قد تبدد الحزن في قلبها، هو تمني أن تكون حلاله يوماً بأي طريقة لكنه لم يرضي تلك الطريقة، سلك أقصر طريق يوصله إلى السرايا، عقله منشغل بعشرات الأسئلة التي تدور حول لقائه مع عائلة الجبلاوي ووالده نفسه #ولدهم _ هل سيصمد أمام دموعهم؟
ستستمر مواساته وهو الجاني؟
سيقف معهم يأخذ العزاء دون شعور بتأنيب الضمير؟
كان يقدم خطوة ويؤخر خطوات ليس بتلك الشجاعة حتى يقف أمامهم بثبات بينما يعلم من الجاني..
_ ليس في يده سوي تقديم المواساه حتى وإن كلف الأمر معاناته طوال قربه منهم فقط لأجل ورد! *** _ تفتحت أهدابها المتلاصقة معلنة يقظتها، جابت الغرفة بزروقاتها التي أنطفئ وميضهم، تسارعت ضر.بات قلبها حينما تذكرت أخر ما رأته قبل أن تفقد وعيها _ دخول هلال محمل في النقالة الطبية مغطي بالغطاء الذي منعها من رؤيته بوضوح، إنتفضت من مكانها بذعر وكادت أن تهم بالخروج لولا ولوج والدتها قد منعها، تفاجئت السيدة “سنية” بصحوتها ورددت بشعور من الطمئنينة:-
الحمد لله إنك فوجتي أني شيعت طاهر للداكتور من جلجي عليكي، هروح ألحجه جبل ما يمشي
_ هرولت السيدة سنية خارج الغرفة ومن ثم أخبرت طاهر بإستعادة ورد لوعيها فأزفر أنفاسه براحة كبيرة ثم عاد ليقف مع شباب عائلات البلدة _ عادت سنية بأدراجها إلى وحيدتها تواسي قلبها الحزين، طالعتها ورد لبرهة وذكري دخول هلال عليها بتلك البشاعة لا تفارق عقلها، إرتمت بين أحضان والدتها جاهشة في البكاء بألم الفراق الذي لا تتحمله _ ضمتها سنية بقوة محاولة إمتصاص حزنها بترديدها للأيات التي تحثها على التحلي بالقوة والصبر وتحتسب عند الله:-
((وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون))
_ توجهت سنية إلى الفراش برفقة ورد التي توسطت صدرها وأضافت:-
إحتسبي عند ربك يا حتة من جلبي هو جدره ومكتوبله يجابل ربه دلوك _ صدرت منها شهقة قوية من جوفها المحترق، لا يستوعب عقلها ما فعلته به وهتفت صارخة بحسرة:-
أني عتوجع على اللي عملته فيه ياما، ما.ت وهو زعلان مني هجابله كيف وجلبه مش صافي نحيتي _أسرعت “سنية” مجيبة بعتاب لحديثها:-
بعد الشر عنك يا جلب أمك، هلال الله يرحمه كان طيب ومهيزعلش من حد واصل
_ اعترضت “ورد” حديثها قائلة بتهكم:-
أخر مرة شوفته كان غضبان عليا وهمل لي الاوضة ومشي يبجي كيف مش زعلان مني؟ _ حاولت سنية التخفيف عنها ربما تكف عن إيلام ذاتها مردفة:-
أني بنفسي شوفته وسألته عليكي وجالي أنك كويسة وكان عيتبسم وهو بينطج أسمك كيف ما يكون عاشجك _ إبتعدت عنها “ورد” وطالعتها بلهفة واضحة وسألتها العديد من الأسئلة بإهتمام:-
جالك أنه مش زعلان مني صوح؟ كانت نبرته مخنوجة ولا بيتحدت بعفوية كيف طريجته؟
_ نهضت وسارت في الغرفة دون توقف مضيفة لأسئلتها:-
كان رايح فين؟ يا تري مين عمل فيه أكده؟ _ ثبتت بصرها على والدتها مرددة بنبرة متحشرجة من خلف بكائها المستمر:-
مين اللي معندوش جلب اللي جدر يجتله بدم بارد ويوهرب، متوجعش عليه وهو عيصرخ من الوجع؟ للدرجة دي الجلوب بجت سودة وتخوف، جدر يهملوا لحاله وهو عينزف ويتوجع! _ جلست على الفراش بإهمال ووضعت يدها أعلى قلبها التي ينفطر حزناً متابعة لحديثها بنبرة متألمة:-
موجوعة عليه جوي ياما، على اللي حوصله أكتر من فراجه هو ميستاهلش أكده واصل
_ تنهدت السيدة سنية بقلب يتمزق على عبرات صغيرتها التي تنسدل بغزارة دون توقف، كادت أن تشي بفعلة ذاك الحقير لكي ينال عقابه لكن تحذيراته كانت ترغمها على الصمت من أجل حماية صغيرتها من شره التي ذاقت مرارته اليوم.. _ تشعر كأنها مربطة بحبال معقدة تقيدها، لم يكن في وسعها فعل أي شئ سوي أن تضم إبنتها إلى حض.نها مواسية إياها بكلما.ت حنونة لعلها تُهدِأ من روعها قليلاً.. ***
_ بشموخٍ وقامة منتصبة يقف بين الجميع يأخذ عزاء أخيه بعد أن ودعه إلى مثواه الأخير بعد صلاة الظهر مباشرةً، هكذا يبدو عليه الصلابة والقوة التي يتحلي بها في هذه المصيبة الفجعة عكس باطنه التي يتمزق أشلاءً ناهيك عن عقله المشوش الذي يرفض ذلك الفراق المفاجئ. _ لم يكن شقيقاً له فقط، قد كان خير الصديق ورفيق الطريق، كان مدلله الصغير يعتبره إبناً قبل أن يكون شقيقاً، لقد حضر يوم وضعه وهو من أسماه بـ ”هلال”، كان يعد الدقائق التي تمر وكذلك الأسابيع والشهور وهو يتابع نموه بدقة وإهتمام ليلعب معه يوماً..
_ تذكر أثناء تسللهم من الغرفة ليلاً وهروبهم من المنزل لكي يكتشف هلال معالم القرية جيداً برفقة مصطفى صاحب الفكرة، كان يريده أن يكبر سريعاً ويعلم كل ما جمعه مصطفى من خبرة ليكونا فريقاً تشهد له القرية بقوة أولاد خليل الجبلاوي كما كان يحثهم والدهم دوماً..
_ طرقت ذكري أخري على عقله حينما ضُرب هلال من قِبل مجموعة من الأطفال وعاد إلى أخيه باكياً يشتكيه فاحتقن وجه مصطفى وبرزت الد.ماء في عروقه بغضب، لم يتحمل أن يصيب صغيره أي مكروه حتى وإن كان خلف ذلك أطفالاً ليس إلا، أخذه وعاد إلى مجموعة الأطفال وقام بربطهم واحد تلو الآخر حول الشجرة وأمر هلال بصفعهم مثلما فعلوا وبعد أن أخذ ثأره منهم تركهم مربطين مكانهم حتى يلقنهم درساً ويفكروا مراراً وتكراراً قبل أن يقتربوا من شقيق مصطفى الجبلاوي..
_ مر شريط ذكرياتهم سوياً أمام عينيه في لحظات سريعة مؤلمة لم تضيف له سوي الألم والقهرة لطالما كان يداري ألمه قدر المستطاع فهو لن ينحني أمام الجميع ويظهر حزنه هو مصطفي خليل الجبلاوي لا يحزن لا يتألم لا يساعدهم في أخذ صورة الضعف وقلة الحيلة عنه، إزداد انتصاباً في وقفته وهو يطالع الجميع بأعين إحتقارية، لا يطيق رؤية كلاً منهما فهم لا يجعلوه يعيش حداده على أخيه كما يجب أن يكون، أخذ نفساً عميقاً وأخرجه ببطئ ثم توجه إلى والده وإنحني عليه بقرب أذنه هامساً:-
جول الناس دي تمشي يا بوي إحنا مهناخدش عزا
_ أماء له “خليل” بالقبول ثم نهض بمساعدة مصطفى لكن لن يستطيع فرد ظهره الذي أنحنى قليلاً عن ذي قبل، أجبر الجميع على الإنصات إليه بنبرته الحادة الذي يخشاها الجميع:-
سيعكم مشكور يا چماعة بس إحنا مهناخدوش عزا جبل ما ناخد إبتارنا من اللي عمل أكده في ولدي _ أنهي جملته وإنسحب من بين الجميع بإستقامة منحنية حتى وصل إلى غرفته، أغلق مصطفى باب السرايا بعدما هدأت الأجواء ولم يتبقي سواه في المكان، زفير وشهيق فعل لقد حان وقت إنهياره بمفرده، كاد أن يغادر لكن طرقات الباب أوقفته، عاد إلى الباب وفتحه وإذا بهم رجال الشرطة
_ رحب بهم ودعاهم للدخول ثم أمر عسران بمناداة والده لأنهم يريدونه، صافحه ظابط المباحث قائلاً بعد حضوره:-
البقاء لله يا عمدة ربنا يچعلها آخر الأحزان إن شاءالله _ أجابه مختصراً حديثه بنبرة مهزوزة:-
البقاء لله وحده يا نفادي بيه بس إحنا مبناخدوش عزا جبل ما ناخدوا بتار ولدي متشكرين ليك
_ لم يتعجب نفادي من حديث خليل فهذا هو عُرفهم السائد المتعارف عليه لديهم، لكنه حاول منعه من أي تسرع في الأمور:-
تار إيه عاد يا عمدة اللي عتتحدت عنيه أنت راجل ناضچ وأمور أجدادنا ديي بجت جديمة خلاص الوجتي فيه جانون ياخد لك حجك من غير ما تلطخ يدك بنقطة دم واحدة
_ لم يجيبه خليل فهو لم يقتنع بما قاله فتابع الآخر حديثه مضيفاً:-
تحرياتنا بتجول إن الجتل ده مجصود ومترتب له تمام، كون إن الجاتل يرميه في الأرض الغربية تبع عيلة الشرجاوي يبجي عارف هو بيعمل إيه صوح، الأرض دي طالع عليها إشاعات إنها مسكونة بالجن والعفاريت ومحدش بيهوب نحيتها واصل ولا بيمشوا حتى من الطريق المجابل ليها.. _ صدح صوت “مصطفى” الجامد متسائلاً بفتور شديد:-
من الأخر عرفتوا مين اللي عِمِلها؟ _ أجابه محقق المركز بنبرة عملية:-
لسه يا باشمهندز بس…
_ قاطع “مصطفى” حديثه ناهياً ذاك الحوار العقيم الذي لا فائدة منه بهجوم:-
يبجي شكر الله سايعكم تاني يا نفادي بيه، لما تجيب لنا معلومة صريحة إبجي تعالي، مش عايزين نتعبوك يا راجل الطريج طويل من المركز لإهنه _ أولاهم ظهره وصعد سريعاً إلى الأعلى يريد الهروب من وجوه الجميع، يريد أن ينفرد بذاته قليلاً يخرج ما به من آلام حزينة تمزق قلبه إرباً، أوصد الباب خلفه وتوجه نحو الفراش بخطة غير مستقيمة، أستلقي عليه وصورة أخيه وهو يعافر مع المـ,ـوت لا يستطيع نسيانها ورميها خلف ظهره بسهولة
_ إنفجر باكياً بمرارة فراق غاليه وردد بنبرة متحشرجة من فرط بكائه:-
هتوحشك جوي يا خوي، الحياة طلعت جصيرة جوي كنت فاكر هنشيب مع بعضينا بس أنت سبجت، متحملتش الحياة ديي إياك!!، هتحملها أني كيف بعديك؟ _ كز مصطفي على أسنانه بغضب عارم كما إحتدت ملامحه وبدي وجهه كالبركان الثائر الذي تغلي به نيرانه وتوعد لمن تجرأ وأخذ منه أخيه مردداً من بين أسنانه المتلاحمة:-
أعرف بس هو مين وهفضل أجطع فيه نثاير نثاير، هخليه يتمني المـ,ـوت ولا يطوله عشان يعرف إن اللي جتله دييه أخو مصطفى الجبلاوي اللي مابيسيبش حجه واصل
_ إرتخت ملامحه رويداً رويداً وعادت عبراته تهطل كحبات المطر من جديد لكن تلك المرة في صمت مريب، لم يصدر أي صوت من مصطفى غير تلك الشقهات الموجوعة التي تصدر عفوياً منه من حين لآخر حينما تأكد من عدم وجود هلال ثانيةً.. *** _ هبطت ورد برفقة والدتها وتفاجئت كلتاهما بوجود الشرطة في السرايا، كان يحاول نفادي أن يقنع خليل أن يتخلي عن ثأره الذي بات عُرف من قديم الأزل لكنه كان يقابل فشل ذريع أمام كبير عائلة الجبلاوي
_ تنهد “نفادي” بنفاذ صبر وألقى أخر ما تبقي في جوفه مستاءً:-
على العموم يا عمدة إحنا بردك هنعمل كل اللي شغلنا بيحتمنا عليه ولو وصلنا لحاجة هنبلغوك بيها، عن إذنك ”إذنك معاك”
_ قالها “خليل” بجمود بينما لحقت “ورد” بالمحقق قائلة:-
إستني يا حضرة، عندي حديت يمكن يفيدك في تحجيجك _ توقف وإستدار إليها بنظراته الثاقبة ينتظر ما تريد قوله، وقعت جميع الأنظار على ورد وما تفوهته به لتوها، سحبت “ورد” نفساً عميقاً ووجهت بصرها إلى السيدة سنية مرددة:-
جولي ياما اللي جولتهولي
_ خفق قلب سنية خو.فاً من المواجهة التي وضعتها ورد بها، تسارعت نبضاتها بسرعة شديدة وكأن هناك من يجري خلفها، إرتبكت من خلف تلك النظرات التي تحولت جميعها عليها في إنتظار حدوث طفرة عظيمة توصلهم لشئ ما.. _ “سنية” :- *** نكمل الباقي ونعرف سنية هتقول إيه؟
رأيكم ؟ عُرف صعيدي
الفصل الرابع
( مقلب القلوب )
______________________________________ _ أزهر أملاً جديد في قلوب الحاضرين، الجميع ينتظر على أحر من الجمر حديث السيدة سنية التي أخبرتهم عنه ورد
_ إهتزت سنية وهي تواجه أعينهم المتأملة، إبتلعت ريقها وقبل أن تتحدث قاطعها دخول طاهر الذي عاد ليأخذ والدته وسنية التي لم تبرحن مكانهما منذ وصولهم من عدة ساعات، كما تفاجئ بوجود الشرطة في المكان وشعر برعب داخله ناهيك عن خفقان قلبه الذي إزداد متوجساً خيفة من رؤيتهم .. _ شهيق وزفير فعلت السيدة “سنية” ثم أردفت بنبرة متعرقلة في حديثها متوجسة خيفة من ذلة لسانها:-
مش حاچة مهمة يعني.. _ أجابها المحقق بنبرة عملية:-
أي حاچة مش شيفاها مهمة ممكن تساعدنا إحنا إذا سمحتي جولي كل اللي تعرفيه
_ أوماءت برأسها وهي تطالع طاهر الذي كان يشير إليها بسودتاه محذرا إياها بألا تخبرهم حقيقة الأمر، حاولت تنقية كلما.تها بعناية ورددت بحذر شديد:-
أني شوفته وسألته على حاله وحال ورد بس أكده _ أقترب منها “نفادي” متسائلاً عدة أسئلة:-
كان رايح فين؟ حد كان وياه ولا كان لحاله؟ وكانت الساعة كام أكده تجريباً؟
_ إرتبكت هي من تلك الأسئلة التي ليس لها إجابات صريحة فهي من إختلقت لقائها مع هلال لكي تهون على قلب ورد قليلاً، أنقذتها “ورد” حينما حاولت أن تفتح لها سبيل للحديث قائلة:-
هلال هملني وخرج من السرايا كنا المغربية أكده، وجتها أمي شافته وسألته عليا بس مخابراش إن كان معاه حد ولا لاه _ وجه نفادي بصره إلى السيدة سنية في إنتظار إجابات صريحة على أسئلته التي وجهها لها، أخذت شهيقاً ثم تابعت حديثها الكاذب:-
كان لوحديه مشوفتش حد وياه
_ صمتت وهي لا تعي أين تخبرهم بوجهته التي سلكها فهي لا تعلم من الأساس، هنا تدخل “طاهر” بحديثه يحاول إنقاذ زوجة عمه بقوله:-
ده نفس الوجت اللي راح فيه على الجهوة اللي في أخر البلد _ حرك “نفادي” رأسه وضاق بعينيه على طاهر متسائلاً بصرامة:-
تطلع مين أنت وعرفت كيف؟ _ إرتعب طاهر من أسلوبه الحاد معه وحاول أن يتحلي بالشجاعة أمامه وأجابه بنبرة ثابتة:-
أني طاهر حمدان المنشاوي، مرت هلال الله يرحمه تبجي بت عمي، وعرفت كيف لأني كنت في الجهوة نفسها وشوفته حتى تعاركنا مع بعض
_ شعر طاهر بفداحة ما أدلي به من خلف نظرات المحقق عليه، رمقه نفادي بنظرات جامدة تظهر ما يوجد خلفها من اتهاما.ت عدة، سار بخطاه نحو طاهر الذي خفق قلبه خو.فاً وهتف بسؤاله:-
وإتعاركتوا ليه؟ _ شعر طاهر بمرارة قاسية في حلقه، إبتلع ريقه وأجابه بتوتر بائن:-
عركة شباب يا حضرة، وكل واحد أعتذر للتاني وراح لحاله _ وجه بصره على العمدة وسأله ليبعد عنه الشبهات:-
مش أكده يا عمدة؟ _ أماء له العمدة مؤكداً وردد باختصار:-
أيوة حوصل
_ لم يكتفي المحقق بحديث العمدة وشعر أن هناك تلاعب ما في الأمر، نظر إلى رجاله وأمرهم:-
هاتوه معانا نتوكد بنفسنا _ إتسعت حدقتي طاهر بصدمة كما تفاجئ الجميع بقرار المحقق الذي لم يكن يخطر على عقولهم، إقتربت ثريا من ولدها وتشبثت بذارعه وتوسلت المحقق قائلة:-
أبني ملوش صالح عاد بلي حوصل يا بيه _ أضاف طاهر على حديث والدته:-
أني مجتلتش هلال عشان تاخدوني مليش صالح عاد بالموضوع دييه
_ إكتفي نفادي برمقهم بفتور شديد لا يتأثر بتوسلات ثريا ولا حديث طاهر، إنتظر حتى انتهوا من سخافتهم كما يعتقد وقال بجمود:-
كل الحكاية هنسأله كام سؤال الموضوع مش مستاهل الجلج ديه كلاته ولا ايه يا طاهر؟
_ إستشف طاهر ما يرمي إليه نفادي ولم يقدر على نطق حرف زائد فمهما قال لن يصغي إليه فعمله يحتم عليه ذلك لكن لن يصمت ويتحمل عقاب تلك الجـ,ـريمة التي ليس له يد فيها إن أضطر الأمر سيخبرهم بالحقيقة ولا يشفق على والده هو من جنى على نفسه #هلال بدم بارد، لن يقبل أن يتم سج.نه بين جدران السج.ن ويترك الجاني يستمتع بحياته في الخارج.. _ إقتربت رجال الشرطة من طاهر وأخذوه معهم إلى الخارج، صاحت ثريا وصرخت بكل قوتها تريد تبريئة ولدها من تلك التهمة لكن هيهات لهؤلاء الرجال لا يصغون إلى ما ترمي إليه من توسلات أمومية..
_ وقف الجميع يتابع ما يحدث في صمت، لم تكن لديهم القدرة على الإعتراض أمام رجال القانون، صدمتهم في فراق هلال كانت كفيلة لأن تلجم ألسنتهم وتقيدهم أمام الأمور مهما كانت عظمتها.. _ توجهت ورد مباشرةً إلى حيث يقف خليل وأرادت تبرئة طاهر قائلة:-
طاهر ميعملهاش يا عمي _ رمقها خليل بإرهاق بادي على ملامحه وأجابها مختصراً الحديث لكي يفر هارباً إلى غرفته:-
عارف يابتي وانتِ بنفسك سمعتي نفادي وهو عيجول أنه هيسئله كام سؤال يعني مفيش جلج
_ أسرعت هي بالرد عليه متعشمة في لطفه:-
بس كلمتك أكيد هتفرج معاه ياريت متهملش الموضوع وتتابعه بنفسك _ أماء رأسه بقبول ومن ثم إنصرف سريعاً من أمامها قاصداً غرفته، بينما نظرت هي إلى زوجه عمها محاولة طمئنتها:-
متخافيش يا مرت عمي أني مش هخليه يبات هناك ليلة واحدة _ رفعت ثريا بصرها على ورد بندم ممزوج بالشفقة فكل ما حدث لها كانت السبب به هي وزوجها والآن هي من تدعمها وتطمئنها على ولدها، لم تتحمل وأنهارت في البكاء نادمة بشدة على ما أقترفته في حقها..
_ حاولت ورد التخفيف عنها ببعض الكلما.ت الداعمة ومن ثم إنصرفت ثريا برفقة سنية التي يتوعدن لحمدان أشد الوعيد بينما عادت ورد على غرفتها تتفقد كل ركن قد حدث بينهما فيه حوار حتي إن كان قصيراً، جلست أمام الفراش مستندة على جداره ضامة ركبيتها أمام صدرها وحاوطت قدميها بكلتي ذراعيها دافنة رأسها بينهم سامحة لعبراتها في النزول بألم شديد ..
_ في الغرفة المجاورة، ولج خليل إلى غرفته مطأطأ رأسه بهموم كثيرة قد وقعت على عاتقه، إبتعدت صفية عن السيدة نادرة حاملة لصنية الطعام وأردفت بأسى:-
رافضة الوكل ومش راضية تحط لجمة في بوجها حتى العلاج رافضة تاخده وأني خايفة السكر يعلي عليها وتدخل في غيبوبة كيف ما بيوحصلها لما تمنع الوكل _ أخذ شهيقاً موجوعاً وأجابها بمزاج غير سوي:-
ومين له نفس للوكل يا صفية، عمود من عمدان السرايا أتهد ناكل كيف جوليلي _ بكت صفية متأثرة بحديثه ورددت مواسية إياه:-
ربنا يصبركم يا سيدي
_ صدرت منه تنهيدة حارة تدل على عمق حسرته ووجه حديثه إليها أمراً:-
هملينا لوحدنا يا صفية وسيبي الوكل إهنه _ أماءت له بالقبول ووضعت الطعام أعلى الطاولة ثم قامت بسحبها بالقرب منهم لكي يسهل عليهم تناوله وغادرت الغرفة داعية الله أن يصبر قلوبهم على مصيبتهم ..
_ أستند خليل على حائط الفراش وأوصد جفنيه للحظات، أخرج كل مافي جوفه بنبرة متحشرجة:-
ياريتني كنت أني يا ولدي وأنت لاه، مجدرش أتحمل فراجك عني، كيف هعاود للدار ومتستجبلنيش ببسمتك وشجاوتك كيف ما بتعمل، مصطفى هيجف جصادي عشان مين دلوك؟ مين هيحرث حتة صغيرة من الأرض طول اليوم وعيجول إنه حرث الأرض كلاتها لوحديه، جطعت بيا يا هلال، كنت فاكر أنكم هتوصلوني لجبري وتجفوا تاخدوا عزايا مكنتش أعرف إن أني اللي هاخد عزاك لاول يا غالي
_ خارت قوة خليل ولم يعد يستطيع إكمال حديثه وانفجر باكياً، تخرج منه شهقات قوية من آن لآخر ، أه مكلومة خرجت من صدر أب يتمزق قلبه على فراق غاليه، أين جبروت تحكما.ته؟ أين قوة أسلوبه وطريقته الخشنة، أين هم الأن لقد دفـ,ـنهم مع صغيره في ذلك القب.ر الموحش .. _ تنسدل عبرات نادرة على الوسادة ولا تصدر أي حركة ولا آنين، فقط تبكي في صمت إلى أن تورم جفنيها ولم تعد تري بوضوح كما كانت
_ حرك خليل رأسه ونظر إليها وأردف بنبرة أمرة:-
جومي كلي لك لجمة لحسن تطبي ساكتة _ أجابته بتمني لحديثه:-
ياريت وأروح لحبيبي.. _ أوصد عينيه بتحسر علي ما أصابهم وردد مستنكراً حديثها:-
وتهمليني يا نادرة ؟ بلاش أني تهملي ولدك مصطفى؟ رايداه يتوجع على فراجك كيف ما عيتوجع على فراج خوه دلوك؟ جومي كلي عشانه هو على الأجل _ رفضت نادرة إدخال أي شيئ في جوفها وباتت تبكي كما تفعل لا تصغي لأي من توسلات زوجها التي يحثها على
التوقف والتحلي بالقوة لكن هيهات لكلما.ته أمام آلامها وأحزانها..
في مركز القرية وبالتحديد غرفة التحقيقات، يجلس نفادي على مكتبه يطرح أسئلته على طاهر بنبرة صارمة:-
يعني إتعاركتوا عشان نفثت دخانك في وشه جولتلي، وليه تعمل حاجة زي أكده ده انتوا نسايب يا راجل يعني عيبة في حجك _ أخذ طاهر شهيقاً يحاول طمئنة نفسه بأن الأمر لا يستحق كل ذلك الارتباك وأجابه بنبرة مهزوزة بعض الشيئ:-
كنت مخنوج وهو واضح أنه كان مهموم واإتنيناتنا طلعنا خنجتنا في بعض ديي كل الحكاية، صدجني أنا أخر واحد تفكر أنه ممكن يجتل أني مقدرش اجتل فروچ هجتل بني آدم من لحم ودم!
_ رفع نفادي حاجبيه للأعلى كذلك رفع شفتاه السفلي لتغطي الشفاه العلوية ورد عليه بفتور:-
هنشوف يا طاهر موضوع الفروچ ديه بس لاول نشوف موضوع جتل هلال _ صمت نفادي وأرتشف بعض المياه ثم تشجأ بصوت عالٍ وأضاف بنبرة أشد جموداً:-
وعلى لما نوصلوا لحاچة تثبت برائتك أو تدينك هتشرف عندينا إهنه شوية _ صعق طاهر مما وقع على مسامعه وحاول نفي التهمة من علي عاتقه:-
يا نفادي بيه أني مليش صالح، أحلف لك بإيه عشان تصدجني وبعدين تجعدني إهنه ليه مفيش دليل ضدي عشان تؤمر بحبسي
_ إنتفض نفادي من مكانه بعصبية بالغة وضر.ب المكتب بكل قوته براحتي يده وأندفع فيه:-
أنت هتعرفني شغلي ولا إيه وعشان حديتك ديه هخليهم يستجبلوك أحلى استجبال يليج بيك _ وجه نظره إلى الباب منادياً بصوت مرتفع:-
أنت يا عسكري يلي برا تعالي خد المتهم ديه _ ظهر العسكري من خلف الباب ما إن أنهي نفادي جملته وأمسك بذراع طاهر أمراً إياه بحدة:-
جوم ياخويا _ أوقفه نفادي قبل خروجه قائلاً:-
خليهم يستجبلوه زين _ رفع العسكري ذراعه للأعلى بقرب أذنه وهتف بطاعة:-
تمام يا فندم
_ عاد نفادي لمقعده وقام بالاتصال على أحد رجاله وقال:-
جيبلي صاحب الجهوة اللي جامت فيها العركة وكل اللي كانوا حاضرين _ جائه الموافقة على ما أمر به من الجهة الأخرى فأغلق الهاتف ووجه بصره نحو الباب متمتماً:-
لما نشوف ليك يد يا طاهر ولا كيف ما بتجول .. ______________________________________ _ إقتحمت المنزل كالثور الهائج تبحث عن حمدان، وقفت في منتصف المنزل وصاحت بإنفعال شديد:-
حمدان انت فين يا حمدان، ولدك إتاخد في الرچلين من ورا عمايلك السودة، أنت فين رد عليا؟
_ ظهر حمدان من خلف باب غرفته لا يعي ما قالته، أقترب منها بملامح جامدة كعادته وردد:-
بترطرطي وتجولي إيه يا ولية؟ _ أقتربت هي منه إلى أن إلتصـ,ـقت بصدره وأجابتـ,ـه مشمـ,ـئزة منه:-
ولدك الحاكومة خدته لما عرفـ,ـوا إنه إتعارك مع ولد العـ,ـمدة أني مهتحملش أجعد دجيجة واحدة وإبني جوا المخروب ديه شوف لك صرفة خرجه بيـ,ـها أصل اني اللـ,ـي أخرجه بطريجتي _ ألقت أخر جملتها مهددة إياه لكي يخشاها وينفذ أمرهـ,ـا، كز حمدان على أسنانه بغضب يفوق الوصف ولم يشعر بأنامله التي تخللت حجاب ثريا ليُمسك بخصلاتهـ,ـا أو ربما ينتزعهم وجرها خلفه إلى غرفتها غير آبِه لصراخها الموجوع
_ ألقي بها أرضاً وردد بوجع محتقن قبل أن يغلق بـ,ـاب الغرفه:-
ده عقاب اللي يهدد حمدان المنشاوي _ أوصد الباب بالمفتاح ثم أبتعد عنه فلحقت به صبـ,ـاح قائلة بشفقة على حال والدتها:-
يا بوي هتسيب أمي في الأوضة محب.وسة أكده لميـ,ـتي؟