نورهان محسن: الفصل السادس عشر شبح حياتي أنتي جميلة ، أجمل من أن يتشوَّه مزاجك لحديثٍ
عابر يتسبَّب به كائن مُغفل ، لا يدرك كم أنتِ جميلة.
“البدر” ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ خطرت كلمات معاذ في ذهنها ، وتمتمت بقلق : الحادثة كانت جامدة عليك و كمان مقصودة : بتكلمي مع مين؟
جفلت حياة وتجمدت ملامحها بمجرد أن سمعت صوته خلفها حالما فتح الباب دون سابق إنذار ، وربما الحب أيضا إخترق حصونها دون أن تدري مقتحماً قلبها سهواً ، لتنبُس بإستنكار متوترًا بينما تضع إحدى خصلات شعرها المتمردة على جبينها خلف أذنها بعد أن إستدارت بكامل جسدها إليه : انت ايه اللي دخلك هنا!! رفع معاذ حاجبه مستاءًا من هجومها العدائي عليه ، وسرعان ما أظلمت ملامحه ، وانمحت الابتسامة المرسومة على محياه حتى يلطف الأجواء معها ، ليدمدم بثقة : انا ادخل المكان اللي يعجبني
تابعته حياة بعيون ضيقة ، وهو يتقدم نحوها بخطوات ثابتة بطيئة ، لتعقد ذراعيها أمام صدرها قائلة بتعبير مقتضب : مفيش فايدة! انت مابتتغيرش!! مش شايف ان دي اوضة مريض في مستشفي ماينفعش تزعق كدا ارتفع حاجب معاذ غضبا على حديثها ، ليسأل بصوت خشن : ايه علاقتك بيه يا حياة؟ ومالك مهتمة بيه ليه وانتي مجرد جارته ودي اول مرة تشوفيه!! أنهى معاذ كلامه بحدة ، لتجيب حياة مباشرة بأكثر نبرة هادئة تمتلكها ، على عكس الغضب الذي كانت تشعر به في نفسها : مايخصكش
زمجر معاذ بتهديد وصيغة أمر ، حيث أنها تضغط على وتر حساس فيه ، فأكثر ما يثير استفزازه ويخرجه عن طوره أن يتحداه أحد : ماتكلمنيش بالطريقة دي.. أكمل حديثه بصوت أهدأ قليلاً من ذي قبل ، بينما يشد على قبضته بعنف محاولاً السيطرة على غضبه : اسمعي انا صابر وماسك نفسي عنك بالعافية .. لولا اني انشغلت بالبني ادم اللي وراكي دا .. كنت جيت جبتك غصبن عنك من القاهرة
حررت يديها المطويتين على صدرها لترفع سبابتها في وجهه ، وتدمدم بغضب ، بينما بداخلها ترتجف من التوتر العصبي الذي يرافقها بسبب الظروف التي أحاطت بها ، خاصة مع اقتحام هذا المتغطرس نفسه فى حياتها من جديد ، ليجعل الأمور أسوأ بالنسبة لها : اسمه بدر والزم حدودك يا معاذ .. انا مش مجرمة ولا متهمة في القسم قدامك عشان تعاملني بالهمجية وقلة الذوق دي .. وانت ماتقدرش تعملي حاجة فاهم
اشتعل معاذ غيظا من لسانها السليط ، ونظرة الاستخفاف التي ترمقه بها ، حتى اندلعت شرارات متطايرة من عينيه ، محدقاً فيها وهو يصيح باستنكار : اظاهر ان انتي اللي اتغيرتي في الكام يوم اللي قعدتيهم في القاهرة!! من اول شكلك وطريقة لبسك .. لحد صوتك العالي ولسانك الطويل..
صمت لحظات ، بينما تتلألأ عيناه محركا اياها من أخمص قدميها إلي أعلي رأسها بوميض مختلف ، تزامنًا مع إنهاء جملته بعاطفة قوية لم يكلف نفسه عناء إخفائها عنها أو ربما حدث ذلك لا شعورياً منه ، لكنها تجاهلت ذلك عندما سألها بعبث : معقولة حالك يتشقلب في كام يوم بعدتيهم عني؟
إمتعضت ملامحها من الغضب ، وتسللت حمرة خفيفة إلى وجنتيها من نظرته الوقحة نحوها ، وقبل أن تجيب عليه ، استمع كلاهما إلى صوت الطبيب الذي جاء من عند باب الغرفة ، حيث نظر إليهما باستنكار و قال بنبرة هادئة : ايه يا جماعة!! انتو مش واخدين بالكو واقفين فين؟ تعالي معايا يا حضرت الظابط لو سمحت
كل هذا حدث أمام أعين بدر الذي يدعى البرود ، وهو بداخله يحترق من الغضب بسبب كلام معاذ ، لينظر إلى جسده الساكن بعيون حمراء من القهر ، وكأنه يقول له أنهض من سباتك حتى تلقنه درسًا لن ينساه ، لكن لا حياة لمن تناديها ، أيها البدر. ★★★ : حياة نطق اسمها بهدوء بارد ، على عكس الفوضى التي تشكلت بداخله بعد أن غادر معاذ الغرفة بينما كانت حياة واقفة تنظر إلى الباب بجمود ، والأخر غير مدرك بما تفسر تعابيرها وهي موليه ظهرها له.
همست حياة بصوت خفيض مرتجف ، وكأنها تخاطب نفسها ويبدو أنها على وشك الانهيار : دي كانت غلطتي من الاول لما وافقت اتخطبلو .. من يومها وهو بيتصرف بالطريقة دي معايا زعيق و شخط و تحكم فيا كأنه اشتراني .. مش عايزني اعمل اي حاجة الا بأمره وعلي مزاجه وانا ماليش رأي .. وفي الأخر لما اشوفه قاعد واخد راحته و بيهزر مع وحدة ويحط ايده عليها بكل بجاحة في مكان عام واحاول الومه واعاتبه…
أنهت كلامها ، تزامناً مع استدارها إليه ، تطلعت إليه بنظرة احتوت فى طياتها الغضب والحسرة ، بينما عيناها انهمرت منها الدموع واحدة تلو الأخري بغزازة مثل غيمة ممتلئة بالمطر لفترة طويلة ، وظلت تؤجل موعد الهطول بدافع الكبرياء ، لتنهار الآن وتغرق الكون بأثره. ابتلعت حياة غصة متوقفة بمرارة فى حلقها ، لتكمل بصوت ضعيف بعد أن سارت ببطء ، لتجلس على الأريكة أمام سرير بدر بعد أن شعرت أن قدميها أصبحتا كالهلام ، لم يعد بإمكانها السيطرة عليهما أكثر : عارف كان رد فعله ايه!!
اقترب منها بدر بثبات ظاهرى ليجلس بجانبها ، وينظر إليها بصمت ، كما لو أنه يحثها على استكمال حديثها ، لتغمغم بخفوت : ببجاحة قالي دي حاجة عابرة بس انتي اللي هتكوني مراتي رفع بدر حاجبه سخطًا على حديثها ، الذي جعل الدم يفور بداخله ، لكنه ظل صامتًا حتى يجعلها تخرج كل الشحنة المليئة بالدموع والقهر الكامن في صدرها ، والذي كبته أيام طويلة فى أعماقها. قضمت حياة شفتيها بقوة دون وعي منها بسبب تزايد قلقها واحتياجها لمتنفس ، وتذكرت بوضوح كلماته القاسية غير مهتم بمشاعرها ، بينما يتمعن فى ملامحها المصدومة بجمود تام.
منذ ذلك اليوم لم تستطع البوح لأي شخص بما تشعر به ، ولا حتى أعطت نفسها مهلة للتفكير في الأمر ، لتخرج ما تخفيه فى أعماقها الآن أمام شخص كان حينها الأبعد عن تفكيرها بل أنه اخر ما يمكن أن يخطر ببالها ، لكن هذا الإنفجار ربما يكون مفيدًا لها الآن حتى تغلق هذه الصفحة إلى الأبد. فلا يوجد ثراء أعظم من عزة النفس ، ولن تقبل إهانة مشاعرها مرة أخرى ، وستمزق تلك الصفحة إلى الأبد من حياتها.
جال الصمت بينهما طويلًا ، لم يقطعه شيء سوى شهقاتها الخافتة ، مختبئة وجهها المحمر خلف ستار كفيها ، ثم بعد أن سيطرت على نفسها قليلاً وتجمعت شتات حروفها ، رفعت أهدابها الرطبة إليه حتى التقت أعينهما. طرح عليها عقلها سؤال غريب ، أي منهما يستمد القوة من الآخر ، لتكمل بصوت مبحوح : حتي بعد ما رميت له دبلته شايف بيتعامل معايا ازاي!! انا سيبت اسكندرية عشان كنت عارفة ان اختي هتضغط عليا عشان ارجعلو .. بس انا جيت من اسكندرية وانا مقررة اني هعيش حياتي بالطريقة اللي تريحني مش هاجي علي نفسي تاني
مرهق بشدة العيش مع أشخاص يعتبرون أنفسهم دائمًا على صواب مهما ارتكبوا من أخطاء؟ ★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★••• بالأسفل في حديقة المستشفى وقف معاذ يمسك سيجارة بين أصابعه وينفث دخانها بغضب بارد ، وبنظرة ثاقبة كالصقر الذي يقيم فريسته قبل أن ينقض عليها ، يشمل مازن الذي كان واقفا أمامه بتملل ، قائلا باستجواب : يعني ماتعرفش اي حاجة عن يوم الحادثة؟ هز مازن رأسه نافيًا ، ليقول موضحًا بينما كلتا يديه داخل بنطاله بدلته ذات اللون الكحلى : لا زي ما قولتلك يا معاذ باشا .. احنا جينا نطمن علي بدر .. لكن مانعرفش اي تفاصيل عن الحادثة
حدق معاذ بعيناه التي بدت نظرتها مخيفة تركزان على عيني مازن الخضر ، وهو يرمقه بنظرة حادة ليتمتم : انتو!! ازدرد مازن لعابه بتوتر زلزل دواخله للحظة ، و زعزع إستقرار نبضه بسبب النظرات الحادة الموجهة إليه من قبل الآخر ، لكنه أجاب بلا تردد بصلابة يتخللها الإصرار : ايوه .. انا وحياة : ماشي أطلق معاذ هسهسة بجفاء ، وهو يحدق فيه بنظرات غامقة ومريبة ، قبل أن يردف بصوت بارد : بس لازم حد من اهله يكونو موجودين .. وجودك انت وهي مش كفاية
سعل مازن بخفة لأن أكثر ما يزعجه هو دخان السجائر ، وهذا الأحمق عن عمد ينفثه بوجهه الذي احتقن بإختناق ، لقد صمد أمام وقاحته طويلا ، ليهز رأسه قائلا بعبوس : تمام .. عن اذنك نظر إليه معاذ ، وهو يبتعد بعد أن أشار إليه بالمغادرة في صمت ، مبعثراً شعره بغضب ، ورمي السيجارة ، وداس عليها بقدمه ، متزامنًا مع إخراج هاتفه من جيب بنطاله ، ثم أجرى مكالمة صوتية على رقم معين ، وبعدها وضع الهاتف على أذنه ، في انتظار الرد : ايوه .. ايه الاخبار!! انا كويس..
سرعان ما أردف بدون مقدمات : حياة هنا زفر أنفاسه الحارة ، ليقول بصوت اهدأ : لما تيجي هقولك علي التفاصيل سكت معاذ لحظة ، يستمع للطرف الآخر ، ثم أضاف بصوت أجش : ماشي ماتتأخروش .. باي ★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★••• في غرفة بدر اخترق صوت رنين هاتفها ، هالة الهدوء التي أحاطت بالمكان بعد أن أفرغت شحنة الغضب والإضطراب الذي اثار أعصابها ، معلنا عن وصول مكالمة. فركت محجر عينها وهي تنفخ خدها الذي بدأ يعود إلى لونه الطبيعي ، وفهمت ما فعله معاذ ، ففصلت المكالمة سريعاً وألقت الهاتف على الأريكة التي تجلس عليها دون أهتمام.