لم يستطع بدر كبح السؤال اللامع في عينيه ، معبرًا عنه فورًا من غيرته المفرطة ، لكنه كافح ليجعل صوته باردًا : دا معاذ!! ازدردت حياة لعابها لترد بصوت خافت مبحوح نتيجة بكائها : ميساء .. اكيد ماكدبش خبر وقالها كل حاجة ارتفع حاجب بدر تلقائيًا في سخط ، وأدار عينيه للهاتف بشفاه مشدودة ثم تساءل : وهتعملي ايه؟ أطلقت حياة تنهيدة طويلة ، في محاولة للتخلص من كل مشاعرها السلبية معها ، لتفرك جبينها بخفة بعيون مغلقة وحواجب معقودة قبل أن تقول بتعب طفيف : انا حاسة بصداع ومش عايزة افكر في حاجة دلوقتي
اتكأ بدر بمرفقه على حافة الكنبة متعمناً النظر اليها ، ليقول بهدوء مشوبها عتاب لطيف يطوفه الإهتمام : بقالك يوم كامل مانمتيش فيه غير ساعتين وكمان مافطرتيش تنهدت حياة بعمق ، واستقامت بجسدها حينها شعرت بألم ظهرها المتشنج من طريقة جلوسها الخاطئة ، لتتحرك ببطء نحو سرير بدر. أطالَت النظرَ إِليه حيث عادت رباطة الجأش إليها ، لتشعر بالهدوء وانتظام دقات قلبها ، ثم بررت ذلك بنبرة خافتة : مابعرفش اكل وانا قلقانه يا بدر .. بس شوية كدا وننزل الكافيتريا
رمشت بأهدبها الطويلة قبل أن ترفع أطراف أصابعها بشكل عفوي ، لتمريرها بخفة على لحيته النامية على عظام فكه ، بعد أن انحنت قليلاً بجسدها تجاهه ، قائلةً بتذمر طفولي : شعر ذقنك طول جامد.. استرسلت الحديثُ لا شعوريا ، مشيرة بإصبعها إليه ، بعد أن رفعت عينيها إلى طيف بدر ، الذى وقف بجوار جسده المستلقي بسكون على السرير من الناحية الأخرى ، غافلة كلياً عن نظراته المبهمة التي اخترقتها بصمت : ذقنك دي مظبوطة و احلي .. لما تفوق لازم تخفها زي دي
أنهت حياة جملتها ، بالتزامن مع إزالة أصابعها عن وجه بدر الذي قال بغموض : اعملي كدا تاني.. رمشت حياة بدهشة ، وقالت ببراءة : اعمل ايه!! حدق بها بدر لبضع ثوان ، ثم أشار إليها وأجابها : حطي ايدك علي ذقني حسنًا ، لقد أدركت للتو ما فعلته أنها لمسته دون وعي منها. اتسعت مقل عينيها بتفاجئ ، وتشبعت وجنتيها بحمرة الخجل من نفسها رغماً عنها ، لتبدو كثمرة الطماطم الناضجة. تنحنحت بإرتباك لتقول بعدم فهم لحديثه : ايه دا .. اشمعنا!!
فرك بدر جبهته بضجر وصاح متذمراً : اسمعي الكلام لو مرة واحدة من غير لماضة نفذت حياة ما طلب منها ، لتعاود النظر إليه ، وتتساءل بتوجس بانتظار اجابته : اهو .. في ايه؟ سلط بدر نظراته عليها بعد أن كان مخفضاً بصره نحو جسده لينطق بكلماته ببطء ، مدققاً فى ارتباكها ، واستكمل حديثه : انا حاسس بلمسة صوابعك علي وشي نظرت إليه حياة بإنشداه ، لتغمغم بذهول : بجد .. دا معناه ايه!!
حدق بدر بها ، وهناك بريق جذاب في عينيه ، ليجيب عليها بعد ثوان من الصمت : ممكن روحي وجسمي لسه بينهم تواصل ببعض وجايز في امل أفوق ارتفع صوتها من المفاجأة ، قائلة بابتسامة مشرقة بعد ان استقامت بجسدها : يارب يا بدر تفوق.. سرعان ما تبددت تلك السعادة وحلّت مكانهَا مشاعر أخرى بين الصدمة والغضب بمجرد أن سمعوا أحدهم يقول : امين يارب استدارت حياة نحو الباب بإنشداه ، حيث مصدر الصوت الأنثوي الذي اخترق المكان ليقطع حديثهما ، والتي لم تسمع منه إلا الجملة الأخيرة من حياة ، لتردد أميرة بصوت ناعم الدعاء خلفها.
أصبح وجه بدر محتقناً عندما سقطت عيناه عليها ، ليشتغل داخلهما لهيب حارق ، حيث أن حياة رأت بوضوح الغضب والكراهية يبرزان من عينيه ولم تحزر السبب كثيرا ، فقد فهمت إحساسه جيدا ومن يستطيع أن يلومه. تحدثت أميرة بنبرة هادئة بعد أن كانت تنتظر حياة تبدأ بالحديث ، لكنها ظلت تنظر إليها من دون رد فعل : ازيك يا حياة .. مش كدا!! شوفتي لسه فاكرة اسمك ازاي ابتلعت حياة لعابها في محاولة للحفاظ على ثباتها الإنفعالى لتقول على مضض : اهلا..
ابتلعت بقية حديثها داخل جوفها عندما رأت دخول الطبيب المسمى علاء ، وبجانبه شخص غريب وغير مألوف لها. تقدمت أميرة إلى منتصف الغرفة ، لتقف راسمة على وجهها الحزن ، وتقول بنبرة ناعمة ممتلئة بالقلق : ماصدقتش نفسي لما اتصلو بيا من مصر وقالولي ان بدر في المستشفي .. جيت علي طول انا وكريم ابن خالتي أنهت كلامها ، مشيرة إلى كريم الذي كان واقفاً أمام علاء ، ليسأله بهدوء : هو زي ما قولتلي يا دكتور ان حالته مش بتتحسن
قال له علاء جديا : استجابة المخ بطيئة .. لكن كل شئ في إيد ربنا سبحانه وتعالي جذبت حياة نفسها بالقوة من صدمتها ، بينما كانت عيناها تشاهدان ما يحدث في فضول انطلق كالسهم مغادراً شفتيها الوردية على هيئة سؤال موجه لأميرة : معلش .. ممكن اعرف مين بلغك بوجوده هنا!! انتقلت كل الأنظار إليها ، لكن ما أثار شكوك بدر وأستفزه ، تلك النظرة الغامضة التي رمقها كريم بها بعسليته الماكرة.
استمر الصمت لمدة ثوانٍ ، ورفرفت الأفكار في أذهان كل من في الغرفة ، حتى جاءت الإجابة بصوت رجولي وجذاب أجش قادم من عتبة باب غرفة بدر : انا يا حياة .. المدام مراته وهتفيدنا كتير في اننا نعرف الحادثة حصلت ازاي!! اتجه الانتباه إلى معاذ الذي كان واقفا محاطا بهالة من الثقة والبرود ، تثير التوتر في نفوس الحاضرين دون أدنى جهد منه. بعد دقيقة من الصمت ، ردت أميرة بنبرة متوترة إلى حد ما : الحقيقة انا معرفش بالظبط!! كنت في الفيلا وهو كان مشغول طول اليوم ومعرفتش اوصلو لان تليفونه فضل مقفول
أمالت برأسها قليلا بينما كانت تفرك كفيها معًا واردفت : سوري انا متوترة شوية واعصابي بايظة من اللي بيحصل ولو ممكن تأجل التحقيق لوقت تاني شملها معاذ بنظرته الثاقبة ، ليتمتم ببرود : تمام تحدث كريم بلهجة هادئة بعد أن كان يتابع الموقف أمامه بصمت ، أو بالأحري كان محدقًا في ملامح حياة الواجمة بشكل غريب دون أن يلاحظه أحد من الواقفين بإستثناء واحد : دكتور حالته تسمح اننا ننقله لمستشفي … بالقاهرة
انتفضت حياة في مكانها تزامنا مع انتفاضة بدر الذي فهم ما ينوي فعله ، فتبادلا النظرات بين بعضهما ، ليقول بدر بصوت مخنوق : لا يا حياة دي مستشفي كريم .. يعني اذا روحت هناك هيخلصو مني بسهولة ابتلعت حياة كلماتها قبل أن تقولها حين سبقها معاذ ، ونظر إلى كريم ووجه له كلماته بحزم : خلينا نأجل القرار دا لحد ما نشوف رأي الدكتور المعالج و لحد الوقت دا هحتاج منك الاجابة علي كام سؤال
: ياريت الكل يطلع برا عشان هنفحص المريض دلوقتي التجمع دا ماينفعش صمت الجميع يستمعون لكلام الممرضة التي جاءت مع أحد الأطباء بخطوات متوازنة ، تمامًا مثل صوتها ، لتزم أميرة شفتيها لبعضها البعض بقوة عندما لاحظت نظرات كريم إلى حياة ، ثم أرختها بتجاهل للأمر بالكامل ، ونطقت بهدوء : بس انا مالحقتش اشوفه ممكن افضل معه كام دقيقة علي انفراد يا دكتور ★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★••• في ممر المستشفى بعد غضون دقائق
ابتعدت حياة عن الجميع لتكون بمفردها في الزاوية ، وأخرجت هاتفها وأجرت مكالمة ثم وضعت الهاتف على أذنها ، منتظرة بفارغ الصبر الرد ، ليأتي فعليًا بعد عدة رنات ، لتقول على الفور : الو .. انت فين يا جاسر مابتردش من امبارح عليا!! جاء صوت جاسر الهادئ إليها : معلش يا حياة ابو شذي تعب فجأة بليل وكنت معاهم في المستشفي لم تهتم بما قاله كثيرًا بسبب توتّرها ، وبالكاد استطاعت نطق تلك الكلمات بصعوبة : لازم تيجي حالا يا جاسر انا مش عارفة اتصرف لوحدي وبدر…
قطب جاسر جبينه ليقول باهتمام : اكلمي بشويش عشان افهمك مالو بدر .. حصل ايه!! اتسع بؤبؤ عين جاسر ، وهو ينصت باهتمام لما تقوله حياة. ★★★ أنهت حياة من مكالمتها مع جاسر عندما سمعت صوت امرأة تنادي باسمها ، وعرفت على الفور لمن يكون هذا الصوت. استدارت بوجه مقتضب تجاهها ، وسخرت قائلة : لحقتي تسيبي اللي وراكي وتيجي يا ميساء بعد ما معاذ نقلك الاخبار وبختها ميساء بتعبير عابس : دا وش تقبلي اختك بيه وكأنك بايته في ح*ضنها .. مش غايبة عنها اكتر من اسبوع و ماشوفتيهاش يا حياة
تنهدت حياة بإستسلام يتخلله الحرج من أسلوبها الفظ معها ، لتقبّلها بلطف على خدها ، وتقول بصوت رقيق : تعالي نقعد جلسان الاثنان بجانب بعضهما البعض ، لتطرح ميساء سؤالاً : ادينا قعدنا .. ممكن اعرف انتي بتعملي ايه هنا؟ لفت حياة عينيها بملل ، لتقول ساخرة : يعني معاذ ماقالكيش؟ هزت ميساء رأسها نافية ، وأجابت على الفور : قالي انك هنا وبس .. جيت علي طول انا وحازم بس هو راح يشوف معاذ
خفضت حياة جفونها ، وعقدت ذراعيها على صدرها وقالت بخفوت : بدر عامل حادثة وموجود هنا في المستشفي دي اتسعت حدقتى ميساء بتفاجئ ، وهمست بلا استيعاب وقد الجمتها الصدمة ثوانٍ : بدر عز الدين!! رفعت حياة رموشها الكثيفة ، ونظرت إليها للحظة ، ثم أجابت بحزن : اه في غيبوبة هنا من اسبوعين ومحدش كان عارف مكانه تساءلت ميساء بتوجس ملئ بالحذر : وانتي ايه علاقتك ببدر .. مش فاهمة..؟ قاطعت حياة كلامها قائلة بيأس : ولا هتفهمني يا ميساء
بعد فترة من الصمت ، سألت ميساء بإلحاح : لازم تقوليلي جيتي لحد هنا عشان بدر ليه!!؟ تجاهلت حياة سؤالها ، لتقول بنبرة خافتة مليئة بالانزعاج دون النظر إليها : مش قادرة اتكلم دلوقتي يا ميساء كفاياكي اسئلة و تحقيق معايا .. انتي عرفتي اني هنا خلاص ارتاحي بقي تنهدت ميساء بخفة ، وتمتمت بابتسامة محاولة تلطيف الجو بينهما : مش هستريح الا لما تروحي معانا البيت هزت حياة رأسها احتجاجًا ، وقالت بإصرار : انا مش همشي من هنا يا ميساء .. انا جاية عشان بدر وهفضل معه
عقدت ميساء حاجبيها مستنكرة ما قالته ، وهتفت بحدة : لا كدا انتي اتجننتي وعايزة تجننيني معاكي .. تعرفي بدر دا منين اصلا وعلاقتك بيه ايه؟ ظلت حياة تحدق بها بصمت ، وتفكر بما ستجيب لكن الصمت طال ، ولم تقل شيئاً فلم يكن لديها جواب. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نهاية الفصل السادس عشر
نورهان
[٢٠/٨، ١٢:٠٣ م] نورهان محسن: الفصل السابع عشر شبح حياتي تجنب الحديث أثناء الغضب ، قد يكون كلامك صحيح ، لكن حتماً أسلوبك خاطئ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مر الوقت دون أحداث ، وأتى المساء سريعا وانجلى القمر بدرًا. استدار مازن نحو حياة ، وهو يحمل بين يده كيسًا صغيرًا يحتوي على شطيرة ، بعد أن قدم إلى ميساء فنجانًا من القهوة ، متحدثًا مع الأولى بلطف بالغ : اتفضلي يا حياة .. انتي ماكلتيش حاجة من الصبح .. اختك اجدع منك كلت وبعدين شربت قهوة .. كفاياكي انتي شرب قهوة من غير اكل..
رفعت حياة بصرها نحوه ، وحدقت فيه بذهن شارد ، ومنحته ابتسامة لطيفة لتقول بامتنان ، متجاهلة ما قاله منذ لحظات : شكرا يا دكتور مازن .. انت تعبت معانا من امبارح و مانمتش حتي .. تقدر تسافر عشان ماتعطلش شغلك حدق مازن في ابتسامتها لبضع ثوان ، و لم يخفى عليه بحة صوتها المرهقة ، ثم أجاب بلباقة : ايه اللي بتقوليه دا!! بدر جاري ومتربيين مع بعض وماينفعش اسيبو في الظروف دي وبعدين انا بلف علي العيانين هنا وبشتغل برده
أردف بإصرار ، ومدّ يده إليها من جديد ، وابتسامة جذابة تعلو شفتيه : اتفضلي كلي هزت حياة كتفيها رفضًا ، و ردت بعد أن وجهت وجهها إلى الجانب الآخر : ماليش نفس تتابع الموقف عينان بدر الذي يقف أمامها على الجانب الآخر فى الممر الموجود به غرفته ، يتكئ بهدوء على الحائط ، ليهمس بنبرة دافئة وحنونة جعلت جدران قلبها تقرع بجنون : خديه منه يا حياة عشان ماتتعبيش تاني وتقدري تكملي لو حياتي تهمك
امتثلت لأمره لا شعورياً ، وأخذت الشطيرة من مازن بابتسامة مجاملة بعد أن نظرت إلى بدر الذي كان ينظر إليها بابتسامته المميزة.