Uncategorized

رواية جبل النـ,ـار القسم ال1 رانيا الخولي

رواية جبل الن,ار
رانيا الخولي
الفصل الأول
…………… لا اله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك
…….
ترجل الدرج حافي القدمين يتحسسه قبل نزول كل درجة منه ويحسب مسافاته بدقة ويعد كل درجة حتى انتهت المعاناة عند الأخيرة وحينها أخذ بصعوبة يتحسس الطريق بقدمه لكن تلك المرة بمساعدة عصاه حتى يعتاد عليه
لم يتذكر المكان جيدًا فقد مرت أعوام لم يأتي فيها إليه.

الظلام دامس من حوله لكنه اعتاد عليه أو هكذا يتظاهر كي لا يؤلم عمه
ظل يتخبط في الأشياء الموجودة في المنزل ومنه يستكشفها كي لا ينصدم بها مرة أخرى حتى استطاع الوصول إلى الشرفة.
قام بفتحها فتلفح وجهه نسم\ات الليل الآتية من البحر الهادئ على غير عادته.
فهو لا يحبه هادئًا مستسلمًا بل يع\شقه ثائرًا هادرًا فيجابهه هو بكل شجاعة.
سار إليه بأقدامه العارية متلذذًا بنعومة الرمال رغم سخونتها لكنه لم يبالي فقد حرم من رؤية الشمس لذلك يتلفح بدفئها
توقف عن السير عندما بللت الموجة الرتيبة قدميه العارية وأخذ يتنفس بعمق ويملأ رئتيه برائحته الندية.

أعلنت ساعة يده عن العاشرة صباحًا وذلك الوقت الذي كان يستمتع به على الشاطئ قبل أن يفقد بصره.
اخرجه من شروده صوت عمه وهو يعاتبه
: داغر ايه بس اللي خرجك لوحدك؟
ابتسم داغر لعمه الذي لا يكف عن الإهتمام به منذ ما حدث وتمتم بروية: متخفش ياعمي انا فاكر المكان كويس وبعدين انت نسيت إني بقالي سنة بتدرب على التعامل مع الطريق حتى البحر. تقدم منه عمه وقد أشار للعامل أن يأتي بمقعدين يجلسا عليهما وقال
_ماشي ياسيدي خلينا بقا نقعد نستمتع بالجو الجميل ده بدل ما انت واقف حافي كدة.

جاء العامل بالمقاعد وساعد خليل ابن أخيه على الجلوس ثم قال داغر للعامل: ياريت يا صالح تعملي فنجان قهوة
استاء عمه من طلبه وتمتم بامتعاض: وبعدين معاك ياداغر مش الدكتور منعك منها؟
رد داغر بابتسامته الواهنة: معلش مرة واحدة في اليوم مش هتضر.
وافقه خليل على مضد ثم انصرف العامل وظل داغر يستمع إلى الاصوات من حوله
فقد فقد بصره لكنه يرى بأذنيه ويتخيل كل ما حوله بالأصوات التي تترامى حوله
زقزقت العصافير في ذلك الصباح
وتلك النسائم الآتية من الشمال تتناغم مع رائحة يود البحر والتي تذكره بالماضي.

ذلك القبطان الذي كان يبحر في كل البحار أصبح الآن عاجزًا مستندًا على عصاه
ترى هل سيأتي اليوم الذي سيعود فيه ذلك القبطان قائدًا على مركبه؟
أم كتب عليه وعليه الرضا بما قسم له.

انتبه لانفاس عمه التي تدل على صعوبة تحكمه في دموعه حزنًا عليه ولا يعرف بأنه تعود على الحرمان من كل شيء
تحسس بيده حتى وصلت إلى يد عمه وشدد عليه قائلًا: طول عمرك وانت الجبل اللي بسترد منه ثباتي، بلاش تيجي في أكتر وقت محتاج قوتك فيه وتضعف.
حاول خليل جعل صوته ثابتًا وغمغم بحزن
: أنا مضعفتش بس أول مرة أقف عاجز قدامك
طول عمري وأنا بحاول أعوضك عن كل شيء مفتقده، فيه اللي قدرت أعوضك وفي اللي فشلت بس صدقني….
قاطعه داغر بصدق:

انت عمرك مافشلت بالعكس لولا وجودك في حياتي وطريقي اللي رسمته معاك كان زماني مد\من مخدر\ات ولا واحد فاشل مستني قرشين أبوه يبعتهمله كل شهر وخلاص بس انت فضلت جانبي لاحد ما كبرت وبقيت راجل وحق\\ي كل أحلامي بدعمك ليا، عشان كدة عايزك تكمل جميلك للآخر.
ربت بيده الأخرى على يد ابن أخيه وتمتم بحب: هفضل في ضهرك لآخر يوم في عمري.
ابتسم بامتنان لذلك الرجل الذي لم يتخلى عنه كما فعل والده وظل بجواره حتى تلك المحنة.

أراد التطرق في موضوع آخر وقال بثبوت
_بس أنت شايف إن أجازتك طولت أوي ولازم ترجع شغلك يا سيادة المستشار.
تنهد خليل بتعب وقال: والله ياابني انا بفكر أقدم استقالتي وأكتفي بالهدوء اللي أنا عايشه دلوقت.
علم داغر بأنه يود ترك عمله كي يبقى بجواره لذا تحدث برتابة
: بس ياعمي دي رسالة ولازم حضرتك تقدمها للآخر.

فكر خليل في العودة حقًا لعمله لكنه أيضًا لن يستطيع تركه وحيدًا حتى لدقائق معدودة
فمنذ ذلك الحاد\ث وهو لا يتركه لحظة واحدة ويخشى أيضًا أن يشعره بأن إعاقته سببت مشكلة له لذا تحدث بجدية: صدقني من وقت ماعرفت إن سالم أخد إعدام وأنا قررت إني اتنازل عن المنصب ده.
ساد الصمت بينهم وكل واحد بهم يحمل نفسه ذنب ذلك الشاب الذي اتهم زورًا واستطاع الجاني تضليل العدالة والفرار منها متخذًا من شاب لم يتعدى عمره الثلاثون عامًا درعًا له
فلولا أن اضطر خليل لترك القضية اثناء الحاد\ث لما حدث ذلك.

فقال داغر بإصرار
_يبقى الافضل إنك ترجع عشان اللي حصل ده ميتكررش تاني، أرجوك ياعمي بلاش تحسسني إني بقيت عقبة في حياتك عايز كل حاجة ترجع لطبيعتها.
تنهد خليل بيأس منه وقال باستسلام
_ماشي ياسيدي بس عندي شرط.
………….

وقفت تنظر إلى تلك الأمواج التي تتلاطم على الشاطئ في شرود وذكريات الماضي لا ترحم ذلك القلب الذي لاقى من الدنيا أشد العذاب
وكلما تقدمت خطوة للأمام اعادتها الدنيا خطوات للوراء كي تك\سر شوكتها
لكن روح العناد ظلت تعافر ولم تستسلم مطلقًا
ليس قبل أن تنتقم ممن أذوها ودمروا كل شيء بداخلها
فيشتعل لهيب الانتقام كلما تذكرت ما فعله ذلك الخائن بها
لن ترحم ولن ترأف به كما لم يرأف بها من قبل
عليه أن يركع تحت أقدامها يطلب منها الصفح ويتوسلها كما توسلت هي قبله
وحينها فقط ستهدئ تلك النيران التي أشتعلت منذ

عامين ولم تهدئ حتى الآن
فكلما فكرت أن تطوي صفحة الماضي وتبدأ صفحة أخرى بيضاء تسطر بحروف من نور
لكن هيهات فكلما أمسكت قلمها لتكتب ينك\سر ومضى عامين لم تستطيع ملئ تلك الصفحات

_ ما..ما.
استدرات أسيل لتنظر إلى ذلك الصوت الذي يخطوا اولى خطواته فاردًا يديه الصغيرتين بسعادة لا توصف يسقط وينهض بإصرار وهي تقف تراقبه بابتسامة خاصتها له وحده
حتى وصل إليها أخيرًا
فتحت ذراعيها له فيقترب منها ذلك الصغير ويلقي بنفسه داخل أحضانها الساجية فينثر بضحكته السعادة داخل قلبها ممحيًا بها مرارة الألم.
هو وحده من يستطيع انتشالها من قسوة الذكريات بضحكاته التي تجعل قلبها يرفرف بسعادة كبيرة.
جاءت امرأة كبيرة في السن تسير بصعوبة وتقول بتعب
_ وبعدين في ابنك ده انا خلاص كبرت ومش قادرة اجري وراه.

ضحكت حور وهي تنظر لطفلها وقالت بسعادة
_ إيه يا ديدو مزعل تيتا ليه؟ وايه اللي مصحيك بدري كدة؟
اخفى الطفل وجهه في ثنايا عنقها فقالت تلك السيدة
_ صاحي بقاله ساعة ومطلع عيني من وقتها شكله هيكون متعب زي خاله.
لم تنتبه أمينة لكلم\اتها والتي جعلت حور تتذكر ما حاولت جاهدة نسيانه.
ابتسمت كي لا تلاحظ أمينة شيء وقالت
_طيب تعالي ندخل جوه عشان الجو برد هنا.

عادت للداخل مع أمينة وهي تحاول جاهدة عدم التفكير في عائلتها
تطلعت إليها وقالت: معلش يادادا خديه لحد ما اخد شور وانزل اجهز الفطار.
حملت الطفل عنها وقالت بتعاطف: اطلعي يابنتي ارتاحي انتي واقفة على رجلك طول الليل وأمبارح منمتيش كويس.
: لأ انا نمت في المستشفى لأن مكنش فيه حالات كتير.

صعدت غرفتها وخلعت حذاءها في منتصف الغرفة بإهمال ودلفت المرحاض لتقف أسفل المياه الباردة ربما تهدئ نيرانها
لكن نيرانها لا يمكن لشيء أن يخمدها إلا بالانتقام ممن آذوها وبالأخص هو
لن ترأف ولن ترحم حتى لو وصلت إلى قتـ.ـله، كما فعل بها من قبل
مازالت تلك الليلة عالقة في مخيلتها ولم يمحيها الدهر.
خرجت من المرحاض ووقفت أمام المرآة تمشط خصلاتها فجالت إليها بعض الذكريات التي خدعت بها عندما كان يتغنى بلونه البني وخدعت هي بكلم\اته المعسولة.

تساقطت دموعها وهي تتذكر كيف كان يستجدي نظرة واحدة منها
كيف كان يستجدي قلبها حتى خضع له
كل ذلك كان محض اكاذيب ووقعت هي في شركه
فاقت من مشاعرها الوردية على حقيقته التي دمرتها وقضت عليها
أخذت تغسل في جسدها كأنها بتلك الطريقة تمحي آثاره علها لكن لا فائدة
مازالت تشعر بلمساته القاسية وأنفاسه التي كانت تقذف حممًا تحر\قها بلهيبها
تذكرت حينما استطاعت الافلات من بين يديه والهرب منه لكن ما أن وصلت لباب الغرفة حتى استطاع الوصول إليها وجذبها من خصلاتها
كان أقوى منها وهي ببنيتها الضعيفة لم تستطيع مجابهته
ترجته استعطفته

لكن ذلك الذئب الغادر صم أذنيه عن رجاءها واستحل ما ليس له
لم يرأف بها ولا بأنها مرتها الأولى فأخذها بعنف شديد ولم يتعاطف مع صرخاتها
حتى فقدت الوعي
سقطت على الأرضية لتبكي بألم يمزق القلوب واحتوت جسدها العاري بيدها كأنها تحميه وكأن أيضًا المشهد يعاد بقسوته مرة أخرى.

تذكرت عندما عادت لوعيها ووجدت نفسها وحيدة داخل الغرفة وهي ملقاه على الفراش الذي أكد بأنها فقدت اعز ما تملك وانتهى الأمر
بيد مرتعشة سحبت ملابسها الممزقة وارتدتها لكنها سترتها كانت ممزقة بشكل كامل فلم تخفي شيء
وجدت قميصه ملقي على الأرض بجوار الفراش فلم تجد حل آخر سوى ارتداءه وبعدها سترتديه يومًا في عزاءه.
كان كبيرً فضفاضًا عليها لكن في تلك اللحظة لم تبالي بشيء
خرجت من الغرفة ولم تبالي بهيئتها ولا لآثار الصفعات الحادة على وجهها.
كل ما يهمها هو الهرب من ذلك المكان.

سمعت طرق على الباب وصوت أمينة تناديها بقلق
_حور انتي كويسة؟
اغمضت عينيها وأخذت نفس عميق تطرد به تلك الذكريات الأليمة ثم تمتمت بصوت مهزوز
_ا..اااه متقلقيش انا خارجة حالًا.
أخذت نفس عميق مرات متتالية كما اخبرها الطبيب عندما تداهمها الذكريات ثم نهضت لتلف جسدها بالمنشفة ثم خرجت من المرحاض

مرت أمام المرآة فتنتبه لأول مرة أنها تغيرت كثيرًا
حتى ملامحها أصبحت ذابلة
وضعت يدها على تلك الندبة التي احتلت جانب عنقها وظلت متمسكة به رغم مرور عامان وأكثر
وضعت يدها تتحسسها وجالت بخاطرها الذكريات عندما عادت إلى المنزل في ذلك الوقت المتأخر
كانت تجر قدميها وتدلف من الباب الخلفي كي لا يراها أحد
لكن كانت مدبرة المنزل ومربيتها قد جافها النوم من القلق عليها وجلست في الحديقة تنتظر عودتها بعد أن فشلت بالاتصال بها.

صكت على صدرها عندما وجدتها تدلف عليها بتلك الحالة
أسرعت إليها عندما سقطت أسيل على ركبتيها وج\ثت امامها تسألها بفزع
_ ايه اللي عمل فيكي كدة؟
تجمعت العبرات داخل عينيها وتمتمت بصوت مهزوز
_دبـ,ـحني يادادة.
اتسعت عين أمينة بصدمة وتطلعت إلى آثار عنفه عليها فعلمت بأن ذلك الرجل قام بالغدر بها
أمسكت ذراعها تساعدها على النهوض وقالت بوجل
_طيب تعالي نطلع اوضتك قبل ما حد يشوفك.
كانت مسلوبة الإرادة واستسلمت ليديها التي تساعدها على النهوض وهمت بالتحرك لكن توقفت أقدامهم عن الحركة عندما رأته أمامها

أغمضت عينيها تحاول محو ذلك الماضي من رأسها لكن يبدو انه سيلاحقها طوال عمرها ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ في اليوم التالي

السابقانت في الصفحة 1 من 14 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى