قال بيجاد في حده ثم زفر بعنف مستغفرًا الله، فاقتربت منه وسام المرتبكة تحاول تهدئته بتدليك كتفيه المشنجان قائلة بنبرة هادئة في ثقة: -اللي حصل حصل يا بيجاد، ليان مش صغيرة وهي اختارت وأكيد ليها مبررها،
حاول أنت بس تديها مساحتها وأكيد كل حاجة هتتصلح وهيجي يوم وتسامحها. ضحك بيجاد ساخرًا وهو يلتف نحوها مؤكدًا ما يخشاه: -مش مهم أسامحها أنا المهم ريان يقدر يعملها، ليان ك.سرت لمتنا بعد ما حسينا بقيمة العيلة والاخوة اللي بينا هي هدتها بحركة واحدة.
أسبلت جفونها في خيبة امل تتفهمه تمامًا لكنها ردت في إصرار: -ربنا يخليك انت واخوك لبعض، وميقطع لمتكم ابدًا، وأنا من جوايا متأكدة ان الموضوع ده هينتهي على خير،
بس كل وقت وله أدانه…. أومأ بيجاد الواجم رأسه وعقله يدور في حيرة وغيظ يحاول إيجاد سبب مقنع كافي ليسامح ليان على ذلك المأزق التي اوقعتهم فيه ولكنه للأسف لا يجد. *****
لا تعلم كم مر عليهما من وقت ولكنها رغبت لو تتوقف الساعة نهائيًا وتبقى في وضعها ذلك بين أحضانه الدافئة مدى العمر، تشعر داخلها بالاحتواء رغم انه لم يُظهر لها ابدًا أي طيف من أي نوع من المشاعر قد يكنها نحوها.
تنهدت متعجبة أنها تشعر بالاستقرار والأمان معه وهو أمر لم تشعره إلا بين يديه المضطربة، ربما تلك الفتاة المراهقة الأنانية هي مْن تتململ داخلها في رضا بنشوة امتلاكه، لأنها شخصيًا لم تشعر بالأمان حتى وقت زواجها مع نادر، تنهدت تبعد افكارها عن ذلك الحقير قبل ان تومأ برأسها للأعلى تتابع ملامحه الهادئة سائلة:
-أنت كويس؟ -ايوة.. اجابها في خفوت يشعر بأن قواه خائره كمن انهى معركته للتو ولكنه يعلم بأن الحرب لم تنتهي بعد، أغمض جفونه ولكنه يستقبل ذلك الشعور بالانتصار وسينتشي به مستمدًا قوتها منه فإما الانتصار النهائي أو المو.ت.
شعر بليان تستقر فوق فخديه بشكل أكثر اريحيه في احضانه ثم شعر بشفتيها تقابل باطن كفيه في توالي وسط دهشته من فعلتها ومن الحنو البالغ التي تبثه به، حنان بالغ لا يتذكر إنه تلاقاه سوى من والدته حين كان صغيرًا تداوى جروحه بقبلاته، ولكنه سرعان ما حرم منها بأمر من والده الذي عاقب والدته في قسوة لأنها تدلل الفتى متهمًا إياها بأنها ستفقده رجولته حتى صار يختبأ كلما جرح دون أخبار من حوله او انتظار الاهتمام يخشى على والدته من العقاب، الهاه عن الغوص في تلك الذكريات صورة البسمة المتألقة فوق فم ليان التي اخبرته في فخر:
-احنا هنبدأ من الصفر انا ليا صحاب كتير في الخليج، إحنا ممكن نسافر لو ملقناش شغل هنا. نظر لها مطولًا في حيرة قبل ان تظهر ابتسامه خفيفة على شفتيه متسائلًا في تعجب لأنها ترغب في الاستمرار معه: -احنا… هو احنا مكملين يا ليان؟ ضاقت عيون ليان الصامتة في تحدي وغيط قبل ان تؤكد بنبرة قوية تعبر عن فرط تمسكها به: -انا محطتش نفسي في مطحنه مع اخواتي عشان تسأل سؤال زي ده،
مكملين طبعًا وبالذوق أو بالعافية هنعيش حياتنا ونبنيها سوا.
ابتسم متعجبًا من تلك البسالة المشعة من عينيها وذلك التمسك الغير مبرر بوجوده في حياتها وهو الأمر الذي لم يعهده من أحد قبلًا ولكنه يضفي دفء رائع داخل صدره ويخطف منه نبضات ارجعها للمسة السعادة التي غمرته برغبتها، ضغط على اصابعها مردفًا في صدق لا يصدق جنون كلماته: -وأنا موافق….
ظهرت اسنانها كاملة معبرة عن وسع ابتسامتها الراضية قبل ان تلقي بجسدها نحوه تعتصره بين أحضانها من جديد، هاجمته تلك المشاعر المخيفة التي تداهمه منذ دخلت حياته بشكل مفاجئ مُصرة على الإمساك بدفة القيادة دون انتظار لموافقة.
تحول العناق البريء إلي أخر أشد حرارة وأحس بصعوبة في السيطرة على مشاعره أو انفعالاته المنفلتة من قوقعته فرفعت ليان رأسها تناظر عيناه بعيون مسبلة في عشق صامت وكأنها تتوسل إليه بأن يفعل أمر يخشى الدخول فيه.
وكعادتها فاقدة الصبر اندفعت بوجهها مستقرة بفمها فوق فمه في تعنت وحرارة تشنج لها أحمد في تخبط يخشى تلك النيران التي تهاجم اوصاله فدفعها في رفض بأنفاس لاهثة قبل أن يستقيم مبتعدًا عنها فقالت في حده متهمة: -ايه مش عجباك، ولا تكونش بتحب ريم بجد ؟! حدقها بنظرة غامضة ليتقمص لامبالاته من جديد قائلًا: -انا بحب ريم فعلًا ومحدش هيفهم اللي بيني وبينها بس ربنا وحده عالم انها زي اختي لبنى بالظبط. شدت على خصلاتها في غيظ لرفضه إياها ثم تقدمت منه، تؤكد كلماتها الغاضبة:
-أنا مش هسيبك غير لما تفهمني في ايه؟
أنا عايزة ابقى زوجة ليك ومش بالاسم بس. التفت كي يغادر متجاهلًا إياها رافضًا المفاوضة حول ذلك المطلب الذي يعتبره خط أحمر، فاندفعت خلفه صائحة في اعتراض: -أيه مشكلتك فهمني! لا يدري ما جعله يعترف بتلك الكلمات لها، ربما لأنها شاهدت تسلسل تمرده منذ البداية او ربما هي ساحرة تسحره فتخرج منه أقبح أسراره ولكنه انفعل في غضب ملتفتًا نحوها ليرد على زمجرتها في وجهها: -المشكلة أن عندي مشكلة ارتاحتي، انا عندي مشكلة ومش هعرف اكون الزوج اللي انتي عايزاه.
نظرت له ببلاهة تتفحصه من أعلاه لأسفله قبل ان تخبره في سخرية: -انت فاكرني عيلة صغيرة بتاخدها على قد عقلها، ولا أنت ناسي اني كنت متجوزة قبل كده،
يعني انا لما ابقى في حضن راجل صدقني هعرف ان كات بيستجيب ليا ولا عنده مشكلة… ضغطت على حروفها الاخيرة في سخرية، فشعر باختناق من ضغطها المتواصل عليه لا تدري ان بكلماتها تلك وضعت فوق اكتافه ضغوط المقارنة التي سيفشل فيها لا محال.
أخذ منه الإرهاق الذهني والنفسي الكثير فلم يجيب وحاول الابتعاد لكنها وقفت أمامه قائلة في تطلب:
-أحمد انت استجبت وأنا في حضنك دلوقتي وانا حسيت بيك ليه بتبعد عني؟ -عشان مش دي المشكلة، مش مشكلتي اني استجيب المشكلة اني…
صمت مفكرًا بأن المشكلة تنبع من عجز داخله لا يعرف منبعه، فمشكلته ليست في الاستجابة ولكن في الاهانة التي ستعقبها وسيتعرض لها أمامها ما أن يخذلها..
هو أضعف من أن يكرر تلك التجربة، أضعف من أن يجرح رجولته مرارًا وتكرارًا، بل هو أضعف من ان يعترف بأنه يخشى فقدان ما قد يملكه من احترام داخل عينيها المحاربة…
يكفيه إنه سقط من انظاره كرجل ويخشى التعري والسقوط كليًا من أنظارها هي أيضًا، أن فشل في أبسط الأمور بديهية بين زوج وزوجة.
اندفع تاركًا إياها غير قادر على المواجهة يكفيه ما واجهه بالفعل، اغلق باب غرفته في ضعف واتجه كالمُسير نحو فراشه يستلقي فوقه في تعب،
بلل شفتيه الجافة ثم رمش عندما التقى بعلبه دواءه بجوار السرير فمد أصابعه يتحسس ملمسها متسائلًا هل يكفيه الوهن الذي اصاب جسده كي يسرقه النوم ام انها سيحتاج “حبة” من الزجاجة كزيادة تأكيد.
انتفض في ذعر عندما فتحت ليان الباب تقتحم خلوته في غيظ، بحثت عنه بعينها لتزداد غضبًا حين رأته ممسك بالدواء فتقدمت منه في اتهام مشيره نحو العلبة البلاستيكية:
-انا بقالي يومين ساكته عن الزفت ده، قولي انت مدمن ولا ايه بالظبط؟ وضع الدواء في مكانه لا يجد داخله القدرة على المشاجرة أو التبرير، فتقلب فوق الفراش يتأوه في ألم غير مبالي بوجودها هامسًا: -تعبان طفي النور. جزت على اسنانها ولكن شفقتها تصاعدت وهي تتابع جفونه تنغلق كأنه غير قادر على البقاء صاحيًا فأخذت أنفاس عميقة تسيطر على انفعالاتها الغاضبة قبل ان تتجه للخارج مغلقة الإنارة والباب خلفها، تاركة عقلها يفكر في تفسير منطقي لما يحدث مع احمد وعدم رغبته في الاقتراب منها لأن جسده بالتأكيد ليس عاجزًا.
الفصل الرابع والعشرون بعد أسبوع من التباعد المتعمد بين ريم وريان الذي انتهت اجازته وبدء في ممارسة عمله من جديد، قررت ريم اتخاذ موقف لإنقاذ علاقتهما فهي تعلم ان ريان رغم غضبه من ليان إلا انه يشعر بقليل من الذنب وداخله هاجس بأن يكون احمد قد اجبر شقيقته على الزواج منه لكن زوجها العنيد المزعج يكابر ويرفض الاعتراف.
فكلما حاولت فتح الحديث معه يغيره أو يندفع للخارج متحججًا بمشاوير العمل وهي تعلم بأنه يغادر ليتجنبها ويعود ليلًا حين تخلد إلى النوم، ولكنها لا تنام بل تبقى مستيقظة في قلق تنتظره ثم تتظاهر بالنوم حتى تشعر بذراعيه يحتضناها في سكون وحذر قبل ان يستسلم إلى نوم مؤرق.
تنهدت فعلى الأقل هو لا ينفر من قربها بل يناشده كل ليلة، وقفت ريم أمام الباب تفكر في توتر هل عليها الطرق واستكمال مهمتها ام عليها الرحيل، نظرت لعمر الذي يقف بين احضانها رافعًا رأسه يرغب في معرفة سر وقوفهما السخيف هذا أمام احد المنازل التي لم يزورها من قبل.
ففركت خصلاته تطمئنه قبل ان تجذب انفاس عميقة عازمة على الاستكمال لتدق جرس الباب، مرت ثوان قليلة قبل ان يأتيها صوته التي صارت تبغضه فانعقدت ملامحها في غضب رغم رغبتها في المحافظة على ملامحها الخاوية.
فتح أحمد الباب ليتفاجأ بها وبعمر الذي يقف امام جسد ريم المتصلبة ترفض النظر نحوه وهي تسأله في حزم: -عايزة أقابل ليان. ابتلع ريقه خجلًا غير مهيأ لسرعة المقابلة بينهما لكنه انزاح من امامها مشيرًا للداخل في هدوء فقالت ريم في حدة:
-نادي ليان لو سمحت. رمش في حرج يعلم انها تخشى الدخول فتبقى وحيده بمفردها معه بعد اتهاماته الحقيرة لها، لتشعل داخله تلك المشاعر التي تؤنب ضميره من جديد لكنه تنفس الصعداء حين أنقذه صوت ليان المتسائل: -مين يا احمد… صمتت ما ان رأت ريم وركضت نحوها بأعين متسعة قائلة: -ريم .. حصل حاجة ولا ايه؟ حركت ريم رأسها في رفض قبل ان تبلل شفتيها تخفي اضطرابها قائلة في جدية: -لا أنا جيت عشان حابه اتكلم معاكي شوية لو سمحتي.
-طبعا طبعا اتفضلي، تعالى يا عمر عامل ايه يا حبيبي؟ مالت بعفوية تقبل رأس أبن شقيقها في حنان ليقابلها بابتسامه مهتزة وعيناه تنتقل بينها وبين ذلك الرجل الذي يكرهه من كل قلبه لأنه السبب الذي استطاع ان يحرمه من والدته عامًا كاملًا.
ضغطت ريم فوق كتفيه بابتسامه في مؤازرة تكبح خيالاته الطفولية واتبع كلاهما ليان التي أشارت لهم باتباعها إلى داخل إحدى الغرف بينما اتجه أحمد سريعًا يختبئ في غرفته يكاد يمو.ت حر.جًا. جلست ريم مشيرة لعمر بالجلوس قريبًا منهما ثم تحدثت في صراحة دون تطويل:
-أنا هدخل في الموضوع على طول،
انتي حقيقي اتجوزتي أحمد بمزاجك ولا هو اللي غصب عليكي؟ انهت جملتها ثم مدت ريم اصابعها تلامس كف ليان المتوترة لتؤكد في ثقة: -صدقيني انا هقدر أساعدك مش عايزاكي تخافي من أي حاجة! ابتسمت ليان في حزن لكنها هزت رأسها في رفض مؤكدة: -ريم يا حبيبتي أنا اتجوزت أحمد بمزاجي، هو مالوش ذنب بالعكس أنا اللي اصريت. ظهرت ملامح الذهول على وجه ريم التي سارعت في السؤال: -ليه؟ -عشان بحبه ده اولًا وعشان ابعده عنك ده ثانيًا.
-أنا. -أيوة كان لازم أعمل كده عشان أحس اني صلحت غلطتي. ازدردت لعابها في ارتباك وحزن مستكملة في خيبة أمل على الذات: -ريم أنتي ممكن متكونيش قادرة تسامحيني من قلبك،
بس تأكدي اني ندمت ندم شديد وان ربنا عاقبني باني ما شوفت يوم سعادة أو رضا بعد اللي عملته فيكي. اوقفتها ريم عن حديثها المرتبك في خجل، فهي ذاتها كادت تمو.ت من الذنب بعد ان ظهر لها جانب مظلم من شخصية أحمد حتى صارت تخشى من تحوله لو.حش بشكل كامل مصدقة احتمالية اجباره لها، مسحت وجهها لتردف في نبرة جدية صادقة وملامحها تعكس تأثرها النابع من القلب:
-ليان يا حبيبتي انا سامحتك من زمان اوي، انتي عارفة انا مش بحب افتكر اي حاجة و.حشة اتعرضتلها،
اللي حصل حصل بلاش نفتح في القديم… تساقطت دموع ليان الخجلة فاندفعت تعانق ريم في قوة مستمرة في بكاءها هامسة: -وحشتوني أوي، ريان مش هيسامحني مش كده؟ ربتت ريم على ظهرها وخصلاتها في شفقة هامسة: -أخوكي عنيد انتي عارفة، بس اكيد مع الوقت هيلين. صمتت ثوان لتسألها مرة أخيرة من باب زيادة التأكيد: -يعني احمد بيعاملك كويس؟
-أحمد طيب أوي هو يكاد يكون مش بيعاملني اصلًا، هو مستسلم لوجودي في حياته بس انتي أكيد اكتر حد عارف طبعه… ناظرتها ريم في صمت لأنها كانت تظن بأنها تعرفه حتى اظهر وجهه القبيح، لكنها استمعت في هدوء لليان المستكملة وكأنها تشكوها في الخفاء: -أوقات كتير بحس اني قاعدة لوحدي بفضل اتكلم واتكلم وفي الأخر بسيبني ويدخل ينام. كانت ريم ترغب في اخبارها انها لا ترغب في الحديث عنه فجروحها لم تلتئم بعد لكنها تحاملت على نفسها تساعدها من واقع معرفتها بأحمد الوطيدة:
-متزعليش نفسك، هو طبعه كده بيبان مش مبالي لكن في الحقيقة هو بيسمع كل حرف وبينتبه لكل حركة حواليه. حركت ليان رأسها بعفوية قبل ان تخبرها ريم في نبرة داعمة: -طالما بتحبيه يبقى كل حاجة هتبقى تمام،
رغم كل اللي حصل من أحمد، بس انا معرفش غير أحمد اللي قلبه طيب واتمنى ان اللي صدر منه قبل كده تكون زوبعة وعدت من حياتنا،
ليان لو محتاجة اي مساعدة أي وقت كلميني!
كانت ريم تتحدث لتطيب خاطرها لكنها من داخلها ترغب لو تذهب إلى تلك الغرفة التي يقبع داخلها لتبرحه ضربًا، لمعت عيون ليان في فكرة وامل قبل أن تميل نحوها في حرج تخشى الحديث لكنها طلبت منها على أي حال: -هو انا فعلًا محتاجة مساعدة، في دوا احمد بياخده عمال على بطال، والصراحة الموضوع مخليني على اعصابه وخايفه يكون إدمان،
بس هو بغبقى عصبي مرة واحدة وشوية يبقى في منتهى البرود. -يعني اعمل ايه مش فاهمة؟
سألت ريم في توجس لا تفهم طبيعة طلبها لتجيبها ليان في نبرة خافته خجلة: -انا محتاجه تعدي على دكتوره انا اعرفها بس مش حابه انزل وهو في الحالة دي وتسألي عن الدوا، هينفع؟ فكرت ريم في توتر برد فعل ريان الذي سيحرقها بنيران غضبه لكنها تنهدت قبل ان تعض شفتيها قائلة في استسلام: -ماشي هاتي الاسم…
ابتسمت ليان في امتنان وانطلقت راكضة تحضر العلبة الفارغة التي تخفيها في حجرتها، اعطتها إلي ريم التي وقفت مستأذنه الذهاب واعدة بأن تساعدها في اقرب وقت.
لتوقفها ليان في حرج قبل أن تهمس في أذنها تطلب سؤالها عن موضوع أخر حين تذهب للطبيبة ابتعدت ليان تضغط على اصابعها في توسل، متابعة وجه ريم الذي احتله حمرة الخجل قبل أن تهز رأسها تومأ موافقتها في صمت. *****
بعد ساعات العصر عاد ريان إلى المنزل أخيرًا يشعر بألم حاد في الرأس وفراغ في الصدر فقد مر الأسبوع الماضي عليه غريب كأنه مغيب غارق في هواجسه وغضبه المنصب على جميع من حوله دون سبب.
كان لديه الكثير من الأعمال اليوم عليه تعويضها بسبب إجازته الطويلة ولكنه وجد نفسه مستنزفًا غير قادر على أداء عمله مستوقفه بان قلبه مشتاق ….
غارق في لهفته لزوجته ولطفله عمر…
فالساعات الضئيلة التي يقضيها في البيت هي ساعات نومه، ليستيقظ في الصباح الباكر متعمدًا عدم إيقاظ أيًا منهما مكتفي بتقبل جبينهما في صمت والذهاب للعمل…
ثم يعود لتناول وجبة غداء رتيبة هادئة يشعر فيها ان اسرته الصغيرة تخشى التنفس في وجوده فينفجر كالقنبلة الموقوتة في وجههم ولم يفت عليه تلك النظرات الصامتة بينهما في خضوع.
ابتسم فلا شيء قادر على مضايقته أكثر من شعوره بانه مستثني من انسجاهما.
اتجه للغرفة فوجد ريم سابحه بساقيها فوق الفراش متقمصة دور إحدى الشخصيات في الأفلام القديمة غارقة في حديث ما على هاتفها لدرجة لم تشعر بوصوله للمنزل،
قطع تحديقها بجسدها الصغير صوت ضحكات منبثقة من غرفه عمر الذي كان يحادث لعبته الإلكترونية يتوعدها بالنصر في حماسة، فتركها تكمل مكالمتها واتجه لصغيره يفتح باب غرفته قائلًا: -كفاية لعب بالتابلت بقى هيجيلك توحد! -يا بابي لسه ماسكه من شويه والله. زين وجه ريان ابتسامه مشاكسة وهو يردف في نبرة متهكمة:
-يا راجل وطول النهار كنت قاعد مؤدب مش ماسكه صح؟ -ايوة يا بابي احنا كنا في الشارع طول اليوم اصلًا. انعقد حاجب ريان في تعجب ليسأله: -انتوا خرجتوا؟ -اه روحنا بيت عمتو ليان وبعدين روحنا لدكتورة ريم. تسمر رسان ما ان سمع اسم شقيقته الخائنة فأغمض جفونه يستجمع رباطة جأشه وقد رفض عقله الثبات على موقف واحد وظل يتنقل بين مشاعر مختلفة متناقضة، فتحرك في صمت تاركًا صغيره متجهًا نحو غرفة ريم. *****
-للأسف قالتلي إنها متقدرش تأكد ده إدمان ولا لا لازم تحاليل وتكشف على المريض،
بس الموضوع ما يطمنش لأن الدوا ده نازل جدول وهي استغربت ان في دكتور ممكن يكتبه للمريض بتاعه.
وكمان اكدتلي أن في حالات كتيرة بتوصل لحالة الإدمان على المهدئات لو مش متابعة مع دكتور بشكل مناسب. عضت ريم على شفتيها في قلق وهي تحادث ليان تخبرها عن نتائج زيارتها مع الطبيبة لتكتشف عواقب ذلك الدواء الوخيمة : -أنا مستغربة ازاي الدكتور يكتبهوله ويا ترى بياخده من امتى،
انتي متفتكريش مثلًا امتى اخر مرة راح للدكتور؟
سألت ليان في نبرة متوترة خائفة وشعرت ريم بالضيق لأنها تجهل هذا الجانب من شخصية احمد وردت: -للأسف انا مكنتش أعرف انه بيتعالج أصلًا بس هو مضغوط نفسيًا وأنا حسيت انه ممكن يكون عنده مشاكل بسبب قسوة والده عليه. وانه دايما حاسس بالوحدة. أرادت ليان سؤالها عن باقي ما تخشاه فتحاملت على خجلها قائلة في خفوت: -طيب وقالت أيه في الموضوع التاني؟ أغمضت ريم جفونها في خجل لا تصدق انها تناقش هذا الأمر الخاص مع شقيقه زوجها لكنها تحاملت على خجلها فللضرورة أحكام فهي ائتمنها على المساعدة وعليها التلبية على أكمل وجه:
-أيوة، قالت ان الدوا بيأثر طبعًا على طبيعة العلاقة بين الراجل ومراته،
بس متقلقيش هي اكدتلي أن أي دوا اضراره مش دايمه ونسبة تأثيره في المواضيع دي بتكون متفاوته حسب تركيبه العلاج. زمجرت ليان في غضب تشعر الحقد على أحمد الغبي وطبيبه الذي ستق.تلع عيناه بأسنانها لتسببه بهذه الكارثة ثم قالت في حده: -يعني هو ده سبب المشكلة اللي عند أحمد مش كده؟ تخضبت وجنتي ريم باللون الأحمر لكنها استكملت في جراءة:
-طبعا هيسبب مشكلة بس الدكتورة نبهتني ان طالما المريض بيستخدم المهدئات فاحتمال كبير يكون عنده اكتئاب مزمن او ضروب نفسي من نوع ما وان ده ممكن تأثيره يكون أكبر من آثار الدوا السلبية. هزت ليان رأسها في إرهاق شديد كانت تعلم انها ستعاني الكثير في تلك العلاقة التي استحدثتها من العدم بينها وبين أحمد ولكنها لم تعتقد انها ستتحمل غباءه بالكامل.
وله الجرأة بان يتعجب من وجود خطب ما به !!