لم تهدأ ثريا بل تابعت استجوابها:
-أنتي اتجوزتي واحد كان متجوز قبل كدا؟ اومأت برأسها مؤكدة بلامبالاة:
-اه عادي يعني يا خالتي، ماهو أنا كبيرة برضو مش صغيرة، مش دا رأي كل الناس؟! ابتلعت صدمتها السابقة على مضض، ولكنها بدأت تلومها على غباءها البَيّن:
-طب هنعديها دي، ازاي بقا جوزك يبقى لسه شايل صورة مراته القديمة معاه؟ طالما لسه معاه يبقى أكيد لسه جواه حاجة ناحيتها يا غبية. ألا تعلم؟ فما رأوه لا يحتاج للكثير من التفكير لإدراك ذلك، ولكنها الان في مهمة أصعب تشغل بالها.. مهمة تفسير ذلك الوخز الرقيق بالضيق داخلها !
أضافت خالتها بصوت خفيض وكأنها تخبرها بمكان كنز ثمين:
-يا عب.يطة عشان تحافظي على جوزك وتخلقي مكان ليكي في قلبه لازم تعملي اللي هقولك عليه. سألتها نوسين دون فهم:
-اللي هو إيه؟ اقتربت اكثر من اذنها وبدأت تهمس لها بنصائح جعلت وجنتا نوسين تتخضب وعيناها تتوسعان ببطء مصدوم..! بعد فترة…
توجهت “نوسين” للغرفة التي خصصتها خالتها لهما باعتبارهما زوج و زوجة، وكان عمر بها، ولكنها لم تطرق الباب عمدًا، بل دلفت ببطء وبرود، ثم جلست على الفراش تضع قدم فوق الاخرى وهي تخبره بصلافة:
-كرمًا مني بس هسيبك تنام هنا النهارده عشان خالتي ماتشكش وهروح أنام أنا معاها، لكن من بكره هتطلع تنام في الاوضة اللي في السطوح وتتحجج بإنك لاقيت هنا شغل جديد مؤقت والشيفت بتاعك بليل. لم يتكلم عمر ولكن عيناه تعلقت بحركة قدميها، واهتاجت امواجه الزرقاء بغ.ضب بسبب حركتها، ولكنها كانت تملك نصيبًا لا بأس به من العناد الذي جعلها تتجاهل نظرته..
فتحرك ليجلس جوارها، ثم قال بس.خرية تخفي بين طياتها حفيف الغ.ضب:
-اي اوامر تانية سيادتك؟ هزت رأسها نافية بنفس البرود:
-لأ، لما يبقى في هقولك. اقترب بوجهه من وجهها قليلًا، حتى أحست بهدير أنفاسه الغاضبة كحاله وهو يستطرد بخشونة:
-لما تقعدي قصاد حد أكبر منك اتعلمي تحترميه وماتحطيش رجل على رجل كدا. سألته بشيء من الاستهزاء:
-وأنت عرفت منين إنك أكبر مني؟ مش يمكن أنا الأكبر؟
وقبل أن يرد قاطعته بنفس النبرة المستفزة التي بدأت تتفجر قشورها الظاهرية لتبرز ما أسفلها من غيظ مغلول:
-أنا أصلًا ماعرفش عنك حاجة ولا أنت تعرف عني، وهنتكشف بسببك على فكره، بسبب إن حضرتك عاملي فيها صندوق أسرار. ثم اعتدلت بجلستها واستأنفت عاقدة ما بين حاجبيها:
-وازاي ماتقوليش إنك متجوز، وفين أساسًا مراتك دي؟!
زرقاوتاه بدت في اللحظات التالية كبحر شديد الظلمة لم تشرق الشمس فوقه يومًا، فأحست نوسين أن السؤال لامس وترًا حساسًا داخله، خاصةً حين لبى استفسارها بنبرة خشنة عميقة وفارغة:
-دي حاجة ماتخصكيش، ياريت ماتتقمصيش دور الزوجة وتكدبي الكدبة وتصدقيها، حاولي تتحكمي في فضولك شوية، لأني مش مُجبر أحكيلك حاجات خاصة. تنهدت نوسين بضيق ثم ماطلته بملل:
-على الأقل لازم نكون عارفين عن بعض المعلومات السطحية العادية عشان الموقف اللي حصل من شوية مايتكررش. -اسمي عمر محمد عبد الحميد، عندي ٣٢ سنة، كنت شغال محامي، اتخرجت من جامعة حلوان.
ردد بنفاذ صبر وكأنه يؤدي مهمة واجبة عليه، فأومأت نوسين برأسها ولم تعلق، ليرمقها بنظرات مستنكرة وفي فحواها استفسار عنها:
-وحضرتك مش ناوية تقولي؟ بابتسامة سمجة منتصرة لأنه وقع في فخها ببساطة، تشدقت بنفس كلماته السابقة:
-حاول تتحكم في فضولك شوية لأني مش مُجبرة أحكيلك حاجات خاصة. أغمض عيناه بنفاذ صبر، ثم نهض وكاد يخرج من الغرفة لولا أن اوقفته بقولها الذي مَنت عليه به:
-اسمي نوسين عبد الرحمن مجاهد، عندي ٢٦ سنة، مكملتش تعليم بعد الثانوية عامة، وكنت شغالة في ورشة.
عقد ما بين حاجبيه متسائلًا:
-ورشة إيه؟ ردت ببساطة:
-ورشة ميكانيكة، صنعة إتعلمتها من أبويا الله يرحمه. ثم نهضت وهي تلوح له بيدها مرددة بمرح:
-يلا سلاموز. شيعها بنظرات حملت إعجابًا ببساطتها تسلل له ليتوهج بظلمة عينيه، متخطيًا حاجز الجمود لأول مرة، ولكنها لم تلحظه قبل أن ينقشع ويسيطر الظلام المتبلد على نظراته من جديد.. قفزت “نوسين” على الفراش الذي تنام عليه خالتها، فشهقت خالتها بفزع وهي تصيح فيها:
-إيه في إيه زلزال ولا إيه.
تمددت جوارها تدس نفسها بأح.ضانها ثم حركت كتفيها معًا وهي تدندن بمرح:
-إديني حنان من اللي أنا مش حاسه بقالي زمان. هدرت فيها بانفعال مغتاظ:
-دا أنا هاديكي قلمين على وشك، في إيه يا بت يا مسخوطة أنتي مش هتعقلي ابدًا. ضيقت نوسين عيناها وهي تغمغم بوداعة تراجيدية:
-أنا مسخوطة؟! دا أنا برقوقة حبيبتك يا خالتي. تأتأت ثريا وراحت تهتف بضيق زاجرة إياها:
-أنا عايزه أنام يا برقوقة روحي لجوزك يديكي الحنان. أصرت بابتسامة شقية:
-لأ ما أنا هنام معاكي النهارده وأنتي هتديني الحنان يا نبع الحنان.
-يابت أنتي هتفضلي خايبة لحد امتى؟ هو دا اللي وصيتك بيه؟ تشبثت نوسين بأحض.انها وهي تهاودها:
-خلينا ننام بس دلوقتي، ومن بكره هركز على اللي وصتيني بيه جامد أوي. وبالفعل غطت خالتها بالنوم الذي كان يسيطر عليها، فيما بقيت نوسين مستيقظة والنوم يجافيها بينما الأفكار تتلاعب بعقلها، وتشرد في التحول الذي أصاب هيكل حياتها لتضحي على النقيض لما كانت عليه تمامًا. نهضت من الفراش، ووقفت جوار الشرفة تطلق بصرها على اللاشيء وتشرد فيه، إلى أن لمحت بعد قليل عدد من الرجال متجمعين سويًا ويبدو أنهم يبحثون عن منزل معين ويشيرون بأصابعهم نحو البناية التي يقطنون بها..
فاستقامت في وقفتها، وإتسعت حدقتاها وعَلت الإنذارات بعقلها وكأنه اصبح يخشى أي تجمع رجالي، هل هم نفس الرجال الذين يبحثون عنهم؟ ظلت تراقبهم لتتأكد من شكوكها، فوجدتهم يدخلون لمدخل البناية بالفعل..
حينها هبت راكضة بفزع نحو الغرفة التي ينام بها عمر و…………. الفصل الرابـع : إنقضت عليه بينما يغط في سبات عميق، تهزه مسرعة بهلع وهي تناديه في إلحاح وكلمات مبعثرة كحالها:
-عمر، عمر قووووم، يخربيتك جايب راحة البال دي منين قووووم.
إنتفض عمر من غفوته بسبب مباغتتها، وبلحظة كان ذهنه فيها مفتقر لوعيه وادراكه؛ جذبها بقوة لتسقط على الفراش، وأحاطها بجسده من الأعلى دون أن يمسها، ولكنه كان قريب بشكلٍ كافٍ لتمتزج أنفاسهما معًا، في لحظة جديدة دونت في خانة الشعور غير المُفسر داخل كلاً منهما وبالأخص هي.. ظل صدرها يعلو وينخفض بينما تلتقط أنفاسها بصوت مسموع، غير قادرة على قطع التواصل البصري غير المشروط بينهما..
وعمر للمرة الاولى تسنح له الفرصة لتأمل ملامحها الأنثوية التي تحمل جمال شرقي هادئ برقة ساحرة، وبشرتها كانت بيضاء تميل للون القمحي، ولكنها كانت صغيرة رقيقة تليق بعينيها البندقية التي تشابه عينا القطط مع رموشها الطويلة التي تهتز فاضحة إنفعالها العاطفي في لحظة قرب مباغتة، ثم شفتاها الصغيرة المرتعشة التي همست بإسمه في تلك الثانية تحديدًا قاطعة وصلة غرقه في المشاعر المتفجرة دون مقدمات:
-عمر! كالعادة ابتعد كالملسوع بعد أن مَنَّ عليه الاستيعاب متأخرًا، ثم زجرها بصوت خشن لا تدري بسبب تأثره ام النوم:
-في حد يصحي حد بالطريقة دي؟!
إتسعت عيناها وقد تذكرت بعد دقائق من التيه السبب الذي جعلها تيقظه، فنهضت مسرعة تصيح بفزع:
-قوم بسرعة، قوم يالهوي. قلب عينيه ببوادر غ.ضب بدأت تهاجمه كعادته مؤخرًا في حضرتها:
-أنتي حافظة مش فاهمة؟! منا متنيل قومت اهوه في إيه؟ -في مصيبة، في كارثة، آآ….
قاطعها هادرًا:
-في إيييييه؟ أخذت تولول بصوت مسموع له فقط:
-لاقونا وزمانهم بيحاولوا يفتحوا الباب دلوقتي. سألها وقد بدأ يتنبه:
-هما مين؟ نهرته في انزعاج ساخر:
-لا مش وقت ذكاء دلوقتي الله يرضى عنك، هيكون مين يعني؟ وزارة التموين عشان خدت ازازة زيت زيادة؟ ما أكيد الناس اللي بيدوروا علينا.
بادلها سخريتها بس.خرية مماثلة ولكن يغلب عليها الدهاء:
-عرفتي منين إنهم هما؟ وماطلعوش لحد دلوقتي ليه، مستنينك تديني خبر؟ هزت كتفاها معًا بحنق:
-وأنا إيش عرفني! هز رأسه موافقًا على مضض وهو يشير لها نحو الخارج:
-اممم طب اتحركي كدا يلا وأنا طالع وراكي اهوه. تجمدت مكانها وهي تشعر بخيالها الوردي الوهمي ومعتقداته، يصبحا مجرد سراب إنجلى ما أن داهمته كلماته الواقعية القاسية، ثم سألته ببلاهه مصدومة:
-إيه دا ثواني، هو مش المفروض تقولي خليكي أنتي هنا وماتتحركيش لحد ما أجيلك، شهامة منك وكدا؟
وكأنه أصر على فصلها تمامًا عن خيالها الواسع، حين استطرد في استهجان:
-شهامة ما.تت محروقة، العمر مش بعزقة يا ست برقوقة فوقي. غمغمت بكلمات مكتومة مقهورة:
-منك لله أنت والبرقوق في ساعة واحدة، حتى أحلامي دمرتها. سألها مدققًا النظر لها وحدسه ينبئه أنها تقصده بغمغمتها غير الواضحة:
-بتقولي إيه؟ أجابته بابتسامة لزجة معزولة تمامًا عن المرح، منتمية كل الانتماء للس.خرية المريرة:
-بقول اتأخرنا عليهم مايصحش لازم نروح نعزم عليهم بشوية برقوق ولا حاجة.
خرج كلاهما من الغرفة، وأخذ عمر يتفحص الخارج بدقة، ولكنه لم يجد أي شيء مُريب، لذا نظر لنوسين بطرف عينيه نظرة ذات مغزى، فأشارت له نحو الأثاث هامسة:
-ما تشوف يمكن مستخبيين تحت الكنبة ولا في أي حتة.
-هو أحنا بندور على جوز فيران! دول بني ادمين.
غمغم بهسيس خافت ولكنه حاد حكى لها عن صبره الذي بدأ ينضب.. ورغم ذلك راح يبحث في كل إنش في الشقة، حتى أنه فتح الباب ونظر على السلم عله يرى أي شخص، ولكن الفراغ كان النتيجة الوحيدة لبحثه..
عاد لها بنظرات قاتلة أشعرتها أنه سينقض عليها في أي لحظة، فسارعت تقول وهي تتراجع مبتعدة عنه:
-طبعًا أنا لو حلفتلك إني شوفتهم طالعين السلم مش هتصدقني. -أنتي عرفتي منين إنهم هما اللي بيدوروا علينا؟ شافوكي او شاوروا عليكي؟ ودت لو تجيبه بهزة رأس نافية، ولكن شعرت بالقلق من عيناه المترصدة وكأنها على أتم الاستعداد للهجوم، فبدأت تتلكأ بحروفها التي تحاول ايجاد ثغرة لتنقذها من براثنه:
-هما آآ… شاوروا على العمارة، وطلعوا سوا.
قال بصوت هادئ ساخر ولكنه لم يخدعها وقد علمت أنه هدوء ما قبل العاصفة:
-فـ يبقوا جايين لينا أحنا، مش ممكن مثلًا يكونوا بيدوروا على أي حد تاني، أصل احنا قاعدين لوحدنا في البيت دا صح؟ هزت كتفاها معًا وهي تردف وكأنه شيء بديهي:
-أصل مفيش ناس عادية هيدوروا على حد الساعة واحدة بليل. أغمض عمر عيناه وهو يتنفس بصوت مسموع، يحاول شد لجام شياطين الغ.ضب التي تتقافز امامه، إلى أن سمعها تهمهم بتوجس:
-إيه إيه مالك هما رجعولك ولا إيه؟!
فتح عيناه ليسألها دون فهم:
-هما مين؟ ردت ببراءة:
-الخبث والخبائث. -استغفر الله العظيم ياارب. فهزت رأسها وهي تتلفظ بلهجة صبيانية مشاكسة:
-على فكرة أنت المفروض تشكرني عشان بخليك تذكر ربنا كل شوية. حائر ما بين الضحكة التي تود أن تشق عبوس شفتيه، وما بين نفاذ الصبر الذي ينتفض داخله، فقال محذرًا:
-ابعدي عني احسنلك عشان فاضلي تكة وهق.تلك. تراجعت خطوة للخلف في توجس مصطنع وهي تردد:
-وتضيع نفسك ومستقبلك برضو عشان واحدة زيي؟ تجاهل مرحها التراجيدي، وتكتل تركيزه عند نقطة أهم حين هتف بمكر:
-صحيح ما أنتي طلعتي جبانة وبتخافي اهوه امال كنتي عاملالي سبع رجالة في بعض ليه؟!
رفعت حاجباها معًا بدهشة زائفة:
-أنا ؟ أنت بتكلمني أنا؟ -لا بكلم اللي جمبك. هزت رأسها وراحت تخبره بمشاكسة لاقت القبول في صدره دون أن ينتبه لها:
-أصل أنا والخوف مانجتمعش في جملة واحدة اطلاقًا.
-يا شيخة؟ تابعت:
-طبعًا امال أنت فاكر إيه، كل الحكاية إني خوفت على خالتي وعليك مش أكتر، اصل أنا داء المسؤولية عندي رهيب. إلتوت شفتاه بس.خرية فظة:
-أنتي عندك داء الجنان، داء العبط، مش داء المسؤولية. أنبته بصوت أجش يشوبه الحنق الطفولي:
-عيب كدا، بقا دا جزاتي عشان أنا نبيهه!!
-نبيهه؟ أنتي نبيهه؟
عدلت خصلة شعرها بزهو أجادت رسمه وهي تسأله بترفع:
-عندك شك في كدا؟ دا أنا أمي كانت على طول بتقولي آآ….
وقبل أن تبدأ في ثرثرتها اللانهائية قاطعها:
-روحي نامي، ارجوكي روحي نامي، دا نوم الظالم عبادة يا شيخة، ورجلك لو عتبت باب الاوضة تاني وأنا نايم هق.تلك. غادر وهي تراقبه بشفاه ملتوية غير راضية، ثم هزت كتفاها وراحت تدندن بنبرة ساخرة شقية:
-بيعاملني بطيبة واحسااااس. بعد عدة أيام…
مرت الأيام بوتيرة سريعة لم يتوقعها “عمر” على الإطلاق، بعكس أيامه السابقة مؤخرًا التي كانت بطيئة تذبحه مع كل ثانية تمر مُحملة بعبق وذكريات الماضي المرير، فقد اعتاد تواجد “نوسين” وشقاوتها ومشاكستها الدائمة، ولكن هذا لا ينفي غ.ضبه اللحظي منها، وخالتها “ثريا” التي تتذكرهم مساءًا وتنساهم صباحًا فيضطروا لتذكيرها بهم في كل مرة. كما أنه بحث ووجد عمل مؤقت كعامل توصيل؛ ليقضي على وقت فراغه ويكون موعده مسائي ليتحجج بعدم المبيت مع نوسين في غرفة واحدة كما اتفقا..
دخل للحارة التي يقطنون بها، فوجد بعض الأناس يجتمعون حول شيء لم يره، تقدم بهدوء حتى فرق بينهم، ليرى ما يجتمعون حوله، والذي لم يكن سوى مصيبته “نوسين” التي كانت منهمكة في تصليح السيارة لشخصٍ ما يقف جوارها متابعًا ما تفعله بإعجاب، بينما باقي الأشخاص يتابعون ما يحدث بدهشة..
وقد عذرهم لأنه ليس من الشائع أن تجد “الميكانيكي” ليس سوى فتاة شابة..! تقدم عمر منها ثم أمسكها من معصمها قائلًا بحروف مغلقة:
-يلا نطلع. فأشارت له بإصرار وتركيز فيما تفعله:
-استنى بس أنا قربت أخلص اهوه.
وكأن البلهاء لا تستوعب أنها تقدم عرض سخي لأهل الحارة ليتحدثوا فيه لأسبوع كامل قادم! ولتتأكد ظنونه سمع احد الواقفين الوقحين يسخر بضحكة قصيرة سخيفة مثله:
-واضح إن المدام إندمجت جدًا. ثم سأله بطريقة أشد سخافة:
-هي الموهبة دي عندها من زمان؟ أعذرني أصل أنا أعرف إن الست بتحب الطبخ، او لا مؤاخذة الرقص، لكن تصليح عربيات جديدة دي!
أطبق على أسنانه بغيظ دفين، ولكنه تحكم في نفسه حتى لا يلكمه على سخافته وتدخله فيما لا يعنيه، وجذب نوسين من ذراعها ولكن هذه المرة بأقوى من سابقتها، ساحبًا إياها خلفه نحو شقة خالتها، فصاحت فيه بانفعال ما أن اصبحوا بمفردهما:
-في إيه أنت شاددني بالطريقة دي ليه؟ أخبرها بامتعاض وقد تبدد ثباته بسبب رد فعلها كالعادة:
-يمكن عشان حضرتك واقفة في نص الشارع وعاملة عرض للي رايح واللي جاي مثلًا؟ توقفت على كلماته في استنكار:
-عاملة عرض؟! ليه شايفني كنت برقص ولا إيه؟