لأول مرة لم يملك السيطرة على لسانه الذي يبدو أنه اُصيب بعدوى الفظاظة منها فقال بنبرة ذات مغزى جارحة دون عمد:
-ياريتك بترقصي اهي حاجة طبيعية لأي ست بدل دور الراجل اللي أنتي متقمصاه دا. شعرت بكلماته تنغرز كـ وتد قاسٍ في منتصف هيكل انوثتها تمامًا؛ مفتتة إياه لشظايا..
ولكنها لم تستسلم بل صرخت فيه بشراسة:
-وأنت مالك؟ أنت هتصدق إنك جوزي ومن حقك تحاسبني على تصرفاتي ولا إيه! أنا حرة أتقمص دور الراجل أتقمص دور الست، أنا حرة.
قابل صراخها الشرس بعنف رجولي صارخ:
-طالما أنا قدام الناس للأسف جوزك يبقى من حقي، لازم تراعي منظري قدام الناس على الأقل طالما أنتي مش فارق معاكي تعيشي طبيعتك وتكوني انثى، بصي باقي الستات اللي في الحارة عاملين ازاي وأنتي عاملة ازاي، أنتي عايشة حياة مش حياتك، والمصيبة إنها عجباكي. شعرت بأنوثتها وكرامتها ترفرف كطير مذبوح يلفظ أنفاسه الأخيرة، والدموع تتسابق لعينيها في سبق كان الأول من نوعه منذ رآها، ثم تشدقت بصوت مختنق بالبكاء:
-ما أنت لما تصحى في يوم تلاقي أبوك ما.ت وسابك وحيد، وسايب وراه ديون قد كدا أنت ماكنتش تعرف عنها حاجة، ومطلوب منك تسيب المنطقة وتختفي لإن الناس اللي مديناه لو لاقوك هيطالبوك بديونه دي، وتلاقي نفسك في الشارع ملكش حد ولا مكان، وقريبتك الوحيدة القريبة ماينفعش تجيلها لأنها يادوب ممشية نفسها بالعافية بالمعاش، وماقدامكش غير انك تسافر لأي حد قريبك حتى لو متعرفش عنه حاجة غير عنوان، وتشحت منه الشفقة وإنه يعطف عليك ويقعدك معاه، وحتى مش معاك شهادة تخليك تشتغل، ومش قدامك غير الصنعة اللي أبوك علمهالك قبل كدا كأنه كان حاسس، ساعتها هتبقى مُجبر تعجبك حياتك الجديدة وإلا
هتتجنن أو هتنتحر. شعور بالحقارة لنفسه لفح أعماقه، واشتدت قبضة الندم الغليظة على قلبه حتى كادت تُدميه والاختناق يسيطر على كافة خلاياه…
فهي تقريبًا عانت من تقلب قدرها للكرب مثله، ولكنها كانت أقوى وأشجع منه، استبسلت في ح.ربها مع الحياة لتنل منها ما يُبقيها ثابتة دون أن تنهار مثله.. لدقيقة تقريبًا لم يستطع النطق وكأن لسانه ملجوم بلجامٍ من نار، حتى استدارت هي وكادت تغادر دون أن تضيف المزيد، ولكنه أوقفها مسرعًا يمسك بذراعها مرددًا أسمها لأول مرة:
-نوسين.. استني.
استدارت له ببُندقيتاها اللامعتان بالدموع فرأى انعكاس صورته مشوشة فيهما وكأنهما تتهمانه، واستشعر وخز مؤلم بقلبه، فنطق اخيرًا بخفوت لم يدري كيف خرج حاني دافئ:
-أنا ماقصدش. وعجز عن اضافة المزيد، ولكن إصبعاه وكأنهما إنفصلا عن عقله الصلد، فتحركا ببطء ليمسحان الدمعة التي تسربت مؤخرًا من عينيها، فشعرت بلمسته الرقيقة تربت على جرحها رغم أنه لم يعتذر.. ولكنها لم تجيبه ايضًا سوى بهزة رأس بسيطة، وغادرت لغرفة خالتها، بينما هو يتنفس بصوت مسموع، بالتأكيد لن يُحايلها لأجل خطأ غير مقصود.. بالنهاية هي لا تهمه كما لا يهمه أي شيء في الحياة.
اليوم التالي… وكما توقع “عمر” لم يحظَ سوى بالتجاهل التام من “نوسين” التي تعرب بالصمت عن جرحها منه الذي لم يندمل.. كانوا جميعهم متجمعين أمام التلفاز بقانون صارم من قوانين “ثريا” التي أصرت على تشديد أواصر المحبة بينهما رغمًا عن أنفيهما.. لاحظت نوسين التي كانت صامتة كثيرًا بغير عادتها الثرثارة، وعدم توجهيها أي حديث لعمر الذي لم يحاول جذب أطراف الحديث معها من الأساس، فاستنتجت دون عناء أنهما على خلاف.. لذا قطعت الصمت البائس بصوتها الهادئ تهتف في نوسين:
-بقولك يا برقوقة.
نظرت نوسين نحوها متسائلة بهمهمة خافتة:
-نعم يا خالتي؟ -ما تنزلي تجيبيلي شوية حاجات من السوق.
طلبت بهدوء وبراءة ظاهرية بينما المكر الأنثوي يلمع بحدقتيها، فأومأت نوسين برأسها موافقة في طاعة:
-حاضر هقوم ألبس. وبالفعل نهضت لترتدي ملابسها، فاقتربت ثريا من عمر الذي كان جالس يشاهد التلفاز بملل ويحمل بين يديه طبق “الفشار” يلتقط حباته دون اهتمام ظاهريًا بما يُدار من حديث بينهما.. ثم سألته بنبرة حملت شيء طفيف من الاستنكار:
-هو أنت مش هروح مع مراتك؟
سألها متظاهرًا بعدم الفهم:
-اروح معاها فين؟ -السوق، هتسيبها تروح لوحدها وهي حلوة كدا، أحسن حد يعاكسها يا ولا.
حثته بنبرة كاد مغزاها يُضحكه؛ إن علمت أنه بالأمس فقط كان يشكك في أنوثتها ستق.تله حتمًا !
ثم… مَن تلك التي يتعرض لها احدهم؟ نوسين اخر فتاة يتخيلها تتعرض لمضايقات ولا تق.تل صاحبها. ولكنه على عكس كل ما يدور بخلده كان يهز رأسه مؤكدًا بابتسامة كاذبة:
-هروح معاها طبعًا. وبالفعل، نزلا معًا من المنزل، فقالت نوسين ببرود ما أن اصبحا بالشارع:
-خلاص روح أنت بقا أي حتة.
نظر عمر لأعلى حيث شرفة منزل خالتها، وكما توقع وجدها تقف فيها مراقبة إياهم، فابتسم لها وهو يهز رأسه، ثم عاد يوجه بصره نحو نوسين متشدقًا:
-خالتك شايفانا في البلكونة، يلا هروح معاكي وخلاص. وها هي نوسين تشتري بعض الخضروات من احد البائعين، بينما هو ينتظرها بعيد قليلًا عن زحمة النسوة او الاحتكاك بهم.. -بكام الأوطة دي يا حاج؟
سألت نوسين البائع وهي تتفحص الخضروات بحرص كما أوصتها خالتها، فأجابها بعبث وهو يشير بعينيه لباقي النسوة في السوق:
-الكيلو ونص بعشرة للغفر دول، لكن الاتنين كيلو بعشرة للحلوين اللي زيك.
صاحت نوسين بس.خرية:
-دا إيه التبذير دا ! تبذير في نص كيلو مرة واحدة، دا حتى المبذرين اخوات الشياطين يا حاج. قال بأسلوب فج وعيناه تمشطها من رأسها لأخمص قدميها:
-دا مش تبذير دا كرم مني، أصل أنا راجل ومعلم وبقدر الجمال أوي، ولما يكون قدامي حتة طرية بالجمال دا لازم أقدرها كويس أوي. شهقت “نوسين” شهقة طويلة مُلحنة وهي تهتز بجسدها في حركة بطيئة مدروسة، وهبت كلماتها كالأعصار بوجهه:
-جمال دا يبقى جوز خالتك، بقا أنا محترماك وعمالة أقولك يا حاج يا حاج، وأنت راجل قليل أدب.
في تلك الاثناء كان عمر شارد الذهن حتى اخترقت مسامعه شهقة نوسين العالية، فتوجه نحوها على الفور، ليجدها في حالة هياج شرس، وما أن اقترب منها، حتى أخذت تربت على صدره بفخر وهي تصيح:
-اهو جه، جه اللي هايم.وتكوا، راجلي اللي هايجيبلي حقي. تنحنح عمر وهو يتفحص بعينيه الرجل الذي كان سمين الجسد بشكل مبالغ به، ومن حوله الصبية الذين يعملون معه والذين تأهبوا للعراك.
وتحدث بنبرة خفيضة بالتواءة شفاه شبيهه بابتسامة سمجة ظاهرية:
-استهدي بالله كدا يا حبيبتي دا الصلح خير.
حين وعى الرجل للأناس الذين بدأوا في التجمع، حتى التجأ لمقولة “افضل وسيلة للدفاع هي الهجوم” وهدر فيهما بحدة:
-ما تلمها طالما هي تخصك بدل ما هي طايحة في خلق الله كدا. ونوسين بالطبع لم تصمت بل زأرت بوجهه بعنفوان:
-أنا برضو اللي طايحة في خلق الله ولا خلق الله اللي زيك هما اللي مشافوش بربع جنية تربية. -والله ما في حد غيرك مشافش رباية يا قليلة الأدب.
إنفجر يسبها بصوت أجش عنيف، فاتسعت عينا نوسين صدمة من وقاحته المفرطة:
-بيتحرش بيا وبعدين يشتمني! لا دا أنت عايز اللي يربيك بقا.
في نفس اللحظات إنقض عمر عليه يلكمه بعنف، يُربيه كما قالت، وغ.ضب أهوج تفجر بين أوردته بعد أن سمعه يسب مصيبته “برقوقة” ، فلا يحق لأي شخص سواه أن يسبها او يُعنفها، فما بالك بالتحرش! ازداد اهتياجه مع فشله في تحديد منبعه، ولكنه كان أكثر من كافٍ ليحرق الأخضر واليابس، ونيران هوجاء لا تخفت بل تشتد اتقادًا؛ نيران التملك التي لم يكتشف وجودها سوى بعد أن شعر بلسعاتها الضارية. اخيرًا إنتهت المعركة على خير ولم تتسبب بأضرار حقيقية لأي شخص سوى لذاك البائع اللعين بإصابات بالغة بوجهه، لتظل ذكرى تذكره دومًا بشناعة فعلته.
تتذكر جيدًا كيف أن صبية المعلم أرادوا التدخل، ولكنها منعتهم بمساعدة باقي رجال الحارة، وهي تهدر في وجههم بس.خرية:
-واحدة واحدة كله هياخد نصيبه، بس ٣ على واحد مش رجولة! بعد فترة… حين كانوا في منزل “ثريا”، سمع عمر الذي كان يجلس في الصالة أمام التلفاز، صوت طرقات عنيفة بعض الشيء على الباب، فعقد ما بين حاجبيه بتعجب وهو يقول:
-ثواني. نهض بخطى متعجلة نوعًا ما، ثم فتح الباب ليجد رجل عريض وقوي البنيان، سأله بجدية:
-مين حضرتك؟
-أنا اللي هايقبض روحك.
قالها بصوت أجش غليظ، قبل أن يسحبه بحركة مباغتة للخارج قليلًا، وعاجله بض.ربة عنيفة لم يتوقعها عمر و……… الفصل الخامس : كانت “ثريا” تعد الطعام، وخرجت من المطبخ وهي تمسح يدها المُبللة، فـ فوجئت بالشجار الذي يحدث أمام باب منزلها، تحركت نحوهم مسرعة وهي تسأل مصدومة:
-في إيييييه؟ أجابها الرجل بلهاث عنيف، وكأن ذلك البربري يحمل قدرًا لا بأس به من الشهامة التي لا تليق بما يفعل:
-دا واحد عايز يتأدب وبأدبه يا حاجة، ادخلي أنتي.
زمجرت فيه ثريا بعصبية غير مبررة وهي تشيح بيدها:
-وملاقتش حتة تأدبه فيها غير قدام باب بيتي ياخويا !! إتسعت عينا “عمر” ذهولًا وهو يُدرك أنها قد نسته للمرة التي لا يذكر عددها منذ مجيئهما، ولكنه لم يكن في وضع يسمح له بتصحيح الصورة لها، فقد كان في هم الدفاع عن نفسه ضد هذا الثور الهائج، الذي أخذ يردد بغلاظة:
-عشان تتعلم إنك ماتتطاولش على أسيادك ومعلمينك.
اخيرًا علم سبب دق طبول هذه الح.رب دون مقدمات، ولاح بمخيلته صورة الشخص المقصود من حديثه؛ والذي لم يكن سوى ذلك البائع الوقح، ألا يكفيه جرأته التي تجاوزت الحد المسموح به، ليرسل له مَن يدعي تأديبه ايضًا !! ازدادت اعصابه اهتياجًا وغلًا ليرد الصاع صاعين لذلك الهمجي الذي دخل في عراك معه بمفرده آمرًا مَن معه ألا يتدخلوا، ويبدو أنه يتفاخر بضخامته! فيما كادت “ثريا” تغلق الباب، فأوقفتها نوسين التي جاءت بسبب الأصوات العالية، تستفسر عن مصدرها:
-في إيه يا خالتي؟
لم يخفَ عليها المفاجأة التي لوحت من قمم قسمات خالتها التي تبدلت عصبيتها العارضة بفرحة مخلوطة بالدهشة وهي تردد لقبها اللعين الذي فُرض عليها قسرًا:
-برقوقة! أنتي جيتي امتى؟ ثم أجابت سؤالها بلامبالاة:
-دا شكله حرامي وبيأدبوه. هزت رأسها بلامبالاة مماثلة وهي تهمهم:
-يأدبوه يستاهل ابن ال ثم اقتربت من خالتها وهي تقلب عينيها بملل حقيقي، وتُهيء نفسها لاعادة الاسطوانة الصوتية التي حُفظت داخلها مؤخرًا، تُسمعها لخالتها كل حينٍ وآخر، ولكن استوقفها رؤية “عمر” الذي كان يتبادل الض.ربات واللكمات مع ذاك الرجل، فصرخت بفزع وهي تلطم خديها:
-يالهوي حرامي إيه دا جووووزي.
ثم ركضت نحوهم وبدأت تصرخ ليجتمع الجيران في محاولة لتفريقهم، وبالفعل نجحوا في ذلك بعد أن أصاب كلاً منهما الاخر بجروح واضحة بوجهه.. كانت ملامح عمر متجهمة، يشعر أن داخله ينصهر بلهيب الغ.ضب والغل وأنه لم ينل منه كما يريد.. تحركت “نوسين” تبحث عن صندوق الإسعافات الأولية، ولكن لم تجده مكانه، فنظرت نحو ثريا تسألها:
-علبة الإسعافات الأولية فين يا خالتي؟ أنا كنت حطاها هنا؟ ولكن ثريا لم تتذكر، وأردفت بتيه وعيناها تجوب المنزل يمينًا ويسارًا:
-مش عارفة، ممكن أكون شيلتها، بس مش فاكرة فين!
تنهدت الاخرى ولم تعلق، ثم بدأت البحث عنها، فيما نظرت ثريا نحو عمر الجالس جوارها بصمت محترق، وهمست بتأنيب ضمير:
-معلش يا عمر، يقطعه الزهايمر والله ما افتكرتك يا حبيبي، كنت بحسبك حرامي وبيض.ربوك عشان كدا. هز عمر رأسه وهو يغتصب ابتسامة رقيقة مخففًا عنها ثقل الذنب:
-ولا يهمك عادي يا حاجة، ماحصلش حاجة. بعد قليلٍ من البحث، جاءت نوسين حاملة بيدها صندوق الإسعافات، ثم جلست بالقرب من عمر، تنظر لجروحه بتركيز، قاطبة جبينها وعيناها تضيق بلمعة تأثر واضحة، تتوارى خلفها مشاعرها المنتفضة بالقلق عليه؛ داعبت رغمًا عنه دواخله.
ولم يشعر ولو ثانية برفض لذلك الاهتمام، بل شعر بخلاياه تنساب في استسلام متلذذ أسفل حَدْوَته! تنحنح يُجلي صوته الذي خرج خشن رخيم:
-دي حاجة بسيطة مش مستاهلة. عادت له بعينيها باستنكار تردد:
-بسيطة إيه دا أنت إتخرشمت! أبعد يدها التي كانت تقترب من وجهه وهو يقول في اعتراض حانق بدا لها طفولي:
-على فكرة هو إتخرشم وإتض.رب أكتر. اومأت برأسها مؤكدة تهاوده:
-ايوه طبعًا ما أنا عارفة. أحسها تسخر منه ومما حدث، فتلفظ بغل متعمدًا تذكيرها:
-وهو كل دا بسبب مين؟!
هزت كتفاها معًا متهكمة:
-وأنا مالي يا لمبي؟! عض شفتاه وإحتشد الاستهجان في كلماته المستنكرة:
-دلوقتي وأنتي مالك؟ صحيح عاملة زي القطط تاكلي وتنكري، بس عندك حق كان مفروض أسيبهم يرنوكي علقة في السوق. ضغطت على جرحه بقوة متعمدة فتأوه بألم، لتَدعي التأثر الذي غطى بمهارة على غيظها ومكرها في تلك اللحظات:
-لا مؤاخذة يا حبيبي مش قصدي. دومًا تنجح في اختزال كل طاقته في رغبة وحيدة بق.تلها بسبب مشاكستها المستمرة، وفي نفس الوقت يستمتع بتلك المشاكسة التي تصل لنقطة مغمورة داخله وتداعبها فارضة عليه الانسجام الشعوري.
بعد أيام… هكذا توالت أيامه التي صارت موجزة في شخص واحد “نوسين”، وما فعلته نوسين.. وما قالته نوسين.. يشعر بتأثيرها عليه، وتغيير في نفسه ولكنه يرفض الاعتراف به. نفسه التي كانت مستسلمة للاحتراق الضاري والتناثر كالرماد، رافضة لكل ألوان الحياة المُبهجة، فأضحت بوجودها كالعنقاء؛ تُبعث من جديد من رمادها المحترق. وفي يوم العطلة، كانت “ثريا” جالسة بمفردها منسجمة أمام التلفاز كالعادة ونوسين تجالسها، خرج عمر من دورة المياه، وجلس جوار نوسين، مكررًا الروتين اليومي بالجلوس معهما قليلًا بعد تناول العشاء ثم المغادرة بأي حجة..
أشارت “ثريا” برأسها لنوسين هامسة لها بحروف آمرة:
-قربي منه. ابتلعت ريقها ونفذت الأمر على مضض بالاقتراب قليلًا، فاحتدت نظرات ثريا وهي تشير لها لتقترب أكثر، كظمت نوسين توترها الذي بدأ يض.رب ضلوعها واقتربت اكثر حتى كانت شبه ملتصقة به، تشعر أن كل خلية بها تهدر بصوت عالٍ مسموع وليس قلبها فقط!
اما عمر، شعر بجسدها الغض يلتصق به مسببًا له ذبذبة عاطفية ملحوظة لأول مرة وغير هينة، فآنس حرارة تتسرب له مُذيبة إياه ببطء جاعلة من صدره موقد لها، ويدٍ خفية داخله تُولد من رحم تلك الجَنَان المُهلكة تود جذبها لأحض.انه أكثر، لتكون أقرب له من أنفاسه، علها تُهدئ ذلك الثوران العاطفي الذي ض.رب ارجاؤه. ابتلع ريقه ببطء مقررًا تخليص نفسه، فنهض متنحنحًا بصوت مسموع:
-استأذن أنا بقا. ثم تحرك وكاد يغادر، ليبيت في الغرفة التي تقبع بالأعلى، دون علم ثريا بالطبع..
فأوقفته منادية بحزم:
-عمر. استدار لها متوقعًا سؤالها الذي لم يتأخر كثيرًا:
-أنت رايح فين؟
-رايح أقعد مع الشباب تحت. نهرته بعصبية خفيفة تعود على طفوها بدون مبررات:
-بلا شباب بلا نيلة، مراتك دي ليها حق عليك، اعتبرها شاب من الشباب يا سيدي واقعد معاها شوية. كاد يعلن حجة جديدة ليهرب، ولو أن الحجج كلها فرغت منه:
-ما أنا آآ… ولكنها قاطعته بحزم غير قابل للنقاش:
-اتفضل روح يلا اقعد مع مراتك شوية قبل ما تناموا، يلا.
تنهد بقوة قبل أن يستدر مجبرًا على مضض ويعود للغرفة لنوسين التي ما أن رأته حتى سألته بتلقائية مدهوشة:
-إيه دا أنت إيه اللي رجعك؟ تلفظ ساخرًا:
-قلبي مش قادر على بُعدك. رفعت حاجبيها معًا بتعجب وعلى طرف لسانها شك في جنونه، فجلس على الفراش وقال متنهدًا:
-خالتك اللي أجبرتني إني أرجع أقعد معاكي. -معلش اقعد شوية وهي هتنام وابقى انزل. هز رأسه مؤكدًا على كلامها.. وبعد قليل، سمعا صوت المفتاح يتحرك في باب الغرفة، ولم يكن الأمر يحتاج الكثير من التفكير ليستنتجا أن خالتها أغلقت الباب عليهما، فاتسعت حدقتاه وهو يشير نحو الباب بذهول:
-إيه اللي حصل دا ؟
-قفلت الباب علينا.
غمغمت نوسين التي كانت منخرطة معه في فقاعة واحدة من الصدمة، فتصرفات خالتها قد فاقت التوقعات، ثم نهضت مسرعة نحو الباب لتحاول فتح الباب حتى تتأكد من ظنونهما التي كانت شبه مؤكدة، وحين تأكدت استدارت لعمر الذي تكلم بكمد:
-خالتك بتعاملنا معاملة يهود، هنعمل إيه بقا في الورطة دي؟ صمتت لدقيقتان تقريبًا منغمسة بين طيات عقلها تفتش فيه عن حل سريع، ثم برقت بعقلها فكرة جعلت الابتسامة الشقية تتراقص على شفتيها وهي تستطرد بزهو:
-أنا عندي بعون الله الحل لكل حاجة، ثق فيا.
لمح بطرف عينيه “برص” كان يسير على سقف المنزل، فأردف ساخرًا وهو يشير له:
-دا أنا أثق في البُرص دا وماثقش فيكي. افترش التحدي ساحة عينيها البندقية، ثم أمسكت “دبوس شعرها”، ونفخت خصلتها السوداء التي تدحرجت مغطية جزء من عينيها بغرور طفولي، ثم اقتربت من الباب وبدأت تحاول فتحه بدبوس الشعر، ولكن محاولتها باءت بالفشل، فنظرت للدبوس وهي تتمتم كأنها تناشده الاجابة:
-الله هو مافتحش ليه زي في الافلام؟ قاطعها صوت عمر المُستهزئ وهو يردد:
-مش يمكن عشان المخرج عايز كدا مثلًا؟
تعلق الاحراج على أطراف معالمها ولم تنفجر حروفها كالعادة، فهز عمر رأسه بيأس:
-انتي دماغك إتلحست من الافلام، وبعدين أنا مستني إيه اساسًا من واحدة اسمها برقوقة. رمقته شرزًا وهي تحذره من بين أسنانها ضاغطة على كل حرف من حروفها:
-أكتر حاجة بكرهها في حياتي هي الاسم دا، أنا اسمي نوسين. إنطلقت الكلمات من جوف الكتمان تعلن السؤال الذي كان يراوده منذ رآها:
-اهو الاسم اللي عامل زي التعويذة دا بالذات أنا شاكك فيه، انتي مين سماكي اسم زي دا ومعناه إيه؟
رمقته بنظرات متلألئة بالغرور الذي من المفترض أن يستفزه ولكنه على غير العادي يُضحكه:
-معناه المستقبل، ماما اللي سمتني، أصل أنا ليا اصول تركية. استسلم لذلك الحبس الاجباري لكليهما، وقرر الاستمتاع به، فـ راح يحثها ولأول مرة على الثرثرة معه معترفًا أن ثرثرتها مفيدة احيانًا للقضاء على وقت الفراغ:
-وعلى كدا بقا بتعرفي تتكلمي تركي؟ أكدت بفخر:
-طبعًا امال. -طب ما تسمعينا حاجة كدا. تفوهت بنبرة درامية مرحة:
-دخيلك عدنان بيك لا تتركني هيك.
لأول مرة تنطلق ضحكات عمر مخترقة حاجز السكون لدرجة أن برزت نواجزه، مناغشة دقات قلب الماكثة جواره تتأمل ضحكاته الرجولية بشجن، ثم سألها ولازالت بقايا ضحكاته متعلقة بفمه:
-دا تركي دا؟ إنتقلت لها الضحكة مُزينة اجابتها التالية الغارقة بالغرور :
-لا أنا كنت بهزر معاك، اوعى تفكر إني جاهلة عشان مكملتش تعليم، أنا مثقفة بالفطرة، وأعرف كلمات تركية بجد. سألها متهكمًا:
-كلمات زي عدنان بيك لا تتركني هيك؟ فهزت رأسها نافية بسرعة تخبره بالكلمة التي كانت ترجمتها ” أنا أحبك” :
-لا لا كلمات بجد، زي Seni seviyorum.
ضيق عيناه بشك:
-اوعي تكون شتيمة؟ فنفت وراحت تسرد في مكر أجادت اخفاؤه:
-لا لا شتيمة إيه، دي حاجة كدا زي صباح الخير. -امممم فعلًا؟ أكدت بلا تردد بنبرة صبيانية معهودة:
-عيب عليك هو أنا هضحك عليك يعني! هز رأسه مبتسمًا، ثم استشعر الجو الحار الذي خنق الغرفة، فنهض وفتح الشرفة سامحًا للهواء باختراق الغرفة، ولكنه دخل مُحملًا برائحة الطعام من المطعم الصغير الذي لم يكن بعيدًا عن المنزل، فأغمضت نوسين عيناها بانتشاء وهي تبلل شفتاها بلسانها في حركة تنم عن تلذذها الكبير، مهمهمة كالقطط:
-أنا مابحبش الكفتة، بس ريحة الفحم بتغسلني من جوه.
لم تدرِ أن حركتها العفوية كانت كلسعة سوط ضاري على مشاعر “عمر” التي يكبحها بشق الأنفس محاولًا تسكينها، فعادت تزلزل ضلوعه من جديد، مُنددة برغبة شفتاه في استكشاف تلك الشفاه..! فيما كانت “نوسين” منشغلة بثرثرتها المعتادة عما تحب من الأطعمة وما تكره، غافلة تمامًا عما يعانيه ذلك المسكين.. إنتبهت اخيرًا لنظراته المُسهمة على وجهها، فأشارت له بأصابعها منادية:
-إيييه أنت متنح كدا ليه روحت فين؟ أخذ نفس عميق، وغ.ضبه الداخلي بدأ يتصاعد.. لاعنًا مشاعره الذكورية الغريزية التي قررت إنهاء غفوتها الطويلة.
ثم نهض بقليلٍ من الانفعال، وبدأ يبحث في الغرفة عن أي شيء يفتح به ذلك الباب، وأجابها اثناء ذلك:
-أحنا لازم نتصرف ونفتح الباب دا. اومأت نوسين مؤكدة وبدأت تبحث معه، حتى وجدا أخيرًا آلة حادة رفيعة، بدأ عمر يحاول فتح الباب بها دون ضوضاء حتى لا يتسببوا بإيقاظ خالتها، وربما تتهامهما أنهما لصوص! نجحا أخيرًا في الخروج بعد عدة محاولات، وتوجه عمر صوب الغرفة التي يقطن بها والتي كانت عبارة عن غرفة فارغة صغيرة جدًا، بها فرش على الأرضية ينام عليه..
قطع غفوته صوت طرقات على باب الغرفة، ثم صوت نوسين يناديه بهدوء ورقة:
-عمر. فاعتدل جالسًا وهو يجيبها بصوت أجش لازال به اث.ار النوم:
-ادخلي يا نوسين. دخلت بالفعل، حاملة بين يديها طبق من الأرز بلبن، وتتحدث بابتسامة حلوة رائقة زادت ملامحها جمالًا فوق جمالها:
-أنت طولت في النومة النهارده، وخالتي عاملة رز بلبن قالتلي أصحيك وأطلعهولك تفطر بيه. اومأ برأسه موافقًا بغير حماس، ثم نهض فعقدت ما بين حاجبيها واستفسرت:
-أنت مش بتحب الرز بلبن ولا إيه؟ دا حلو أوي.
قالت اخر كلماتها وهي تلتقط الملعقة وتتناول جزء منه بها، مهمهمة باستمتاع وتلذذ وهي تكرر ذات الحركة اللعـ.ينة بإغلاق عينيها والإنسجام المفرط في التذوق..
ثم مدت له الطبق، لمح عمر بقايا الأرز عالقة بطرف شفتاها، فمد إصبعه دون أن يفكر ومسحها جاعلًا رجفة عنيفة ترج قلب وكيان الماثلة أمامه، محاولًا تجاهل نداء قوي يأتيه من داخله آمرًا إياه بإستبدال إصبعه بشفتاه، ولكنه لم يستطع تمالك زمام عاطفته هذه المرة ولبى ذلك النداء، جاعلًا شفتاه تلتقي بسبب شقاؤه “شفتاها” في قب.لة كانت الأكثر حلاوة وشغفًا، كانت لاهبة مفعمة بالعاطفة بشكل أشعره أنه يخطو أولى خطواته في درب الهوى، مترنحًا بسُكره العاطفي الطاحن.
صوت ضوضاء خارجية كان السبب في استيقاظ عمر منهية حلم كان من ألذ ما حلم، نهض يلتقط أنفاسه، وكأنه كان في ماراثون عاطفي، مصدومًا من هذا الحلم وتلك المشاعر ! وشعور قوي بالخيانة يتفجر داخله مسممًا ثناياه؛ فهو بشكلٍ ما قد نسى زوجته الحبيبة ومعشوقة روحه، ولم يحلم بها منذ فترة، وفوق ذلك يحلم أنه يُقبل امرأة غيرها.. امرأة غريبة عنه.. بل ولا زال حتى اللحظة يشعر بنفس الغزو العاطفي، وكأنها….. وكأنها ليست مشاعر ذكورية غريزية عابرة !!
نهض بحركات عصبية رافضًا الاعتراف بما توصل له عقله واحساسه، يدور حول نفسه كليثٍ حبيس، يحاول ايجاد مبررات تهدئ من لوع تأنيب الضمير القاسي الذي ينحره نحرًا… ض.رب الحائط بعنف وغ.ضب عدة مرات بيده صارخًا صرخة عبرت عن جزء قليل مما يجيش بصدره. واخيرًا بعد قليل بدأ يهدأ، ولكن جوفه لا زال محتفظ بذلك الشعور كالعلقم، نزل نحو شقة خالتها، طرق الباب، وعلى عكس كل أمنياته كانت هي التي فتحت الباب، وقابلته بابتسامة هادئة:
-صباح الخير يا عمر.
هز رأسه بلا معنى وكاد يعبر لولا أن اوقفته متسائلة بشيء من الاستنكار:
-إيه دا مش هتقولي صباح الخير؟ -صباح الخير.
رددها باقتضاب، فعبست عمدًا وراحت تشاكسه:
-إيه دا صباح الخير عادي كدا؟ وكل الدروس بتاعت الكلمات التركي امبارح ما أثرتش فيك؟! رمقها بنظرات مغلقة مقتبضة ومر دون أن يجيبها مسببًا لها دهشة لم تفصح عنها وفضلت الصمت. وحين خرج من المرحاض، كانت نوسين تتقدم منه ممسكة في يدها طبق ارز باللبن، فاتسعت حدقتاه غير مصدقًا أن ذاك الحلم البغيض يلاحقه الان ايضًا !
وقبل أن تقترب أكثر كان يوقفها هادرًا وكأنها ستُصيبه بوباء قاتل:
-ابعدي ابعدي اوعي تقربي! تجمدت نوسين مكانها ولم تستوعب ما أصابها، فتلكأت حروف أسمه على شفتيها بتعجب جلي:
-عمر!
-بلا عمر بلا زفت. ثم تحرك بخطى سريعة ليغادر دون اضافة المزيد تاركًا إياها تحاول استيعاب ما أصابه. بعد يومين.. في منطقة مختلفة، كان عمر يقف في جانب من الشارع، وعيناه مُسلطة على الأطفال الذين يلعبون سويًا، منتظرًا شيء معين، حتى تحقق وتقدم منهم احد الأطفال الذي يقصده عمر..
فتحرك بحذر وهو يوزع نظراته من حوله ليتأكد من عدم انتباه أي شخص له، وانحنى حتى أصبح في مستوى الطفل فسأله بصوت هامس:
-عاوز شيكولاته من الكبيرة يا حبيبي؟ هز رأسه مؤكدًا بلمعة سعادة طفولية، فتابع عمر:
-بس اوعى تقول لصحابك عشان أنا مش معايا غير واحدة، وأنا حبيتك فقولت محدش هياخدها غيرك. اتسعت ابتسامة الطفل بنصر طفولي، ثم إلتفت لأصدقائه قائلًا:
-استنوا خمس دقايق وجاي.
وأمسك بيد عمر التي مدها له، وسار معه نحو احد الشوارع الجانبية، وما أن اصبحا بمفردها حتى أخرج عمر قطعة صغيرة من القماش بها مخدر، ووضعها على أنف الطفل الذي لم يستغرق دقائق طويلة ليفقد الوعي بين ذراعي عمر….