_______________________
خلف احدى الأعمدة وقفت يارا مع رهف تراقبان الاحتفال بشغف لتقول الأولى بحماس :
– الله ، الافراح هنا بتتعمل بطريقة حلوة خالص بصي بيرقصو ازاي وكمان صوت ضرب النار و الخيول اللي هناك ، ياريت كنا بنعمل كده في الاسكندرية.
ردت عليها رهف ضاحكة :
– هتعملي فرحك هنا في البلد متخفيش وممكن تتجوزي واحد صعيدي كمان.
– تؤتؤ انا هتجوز اسكندراني باذن الله.
ابتسمت الاخيرة بغموض :
– والله محدش عارف المستقبل ومين اللي هيبقى شريك حياته….. ممكن تتجوزي ياماش كوشوفالي بطل الحفرة.
قهقهت يارا عليها معلقة :
– لا وانتي الصادقة …. هتجوز فارتولو هههههه.
– بتعملو ايه اهنيه ؟
شهقت الفتاتان واستدارتا لتجدا عمر ابن عمهما ، عقدت رهف حاجبيها مستنكرة :
– ابقى اعمل صوت وانت جاي يا ابن عمي.
ابتسم بغلاظة دون ان يعيرها اهتماما :
– اني شوفتكم واجفين اكده جلت يمكن رايدين شي ، جايين تشوفو جو الاحتفال اهنيه.
ابتسمت يارا بتلقائية :
– ايوة الصراحة الافراح هنا حلوة جدا.
طالعها عمر بحالمية :
– صوح يا بت عمي ، المدينة مبتعملش افراحها كيفنا لو كنتو عايشين في البلد اهنيه احسن بس نعمل ايه انتو لبستو توب مش توبكم حتى لهچتكم غيرتوها.
كعادتها رهف في هذه المواقف تشتعل بالغضب و تندفع مستعدة للشجار وهذا ما كانت ستفعله لولا يارا التي قاطعتها :
– والله يا ابن عمي المشكلة مش ف انك تغير لهجتك و طريقة حياتك ع حسب المكان اللي انت عايش فيه ، المشكلة ف انك تغير قيمك و مبادئك حتى وانت قاعد وسط اهلك و في المجتمع اللي اتولدت فيه ، احنا اتولدنا في الاسكندرية و عشنا حياتنا كلها هناك بس منسيناش اصلنا و متكسفناش منه لا احنا بنفتخر بيه !!
فتح عمر كلامه ليرد لكنه تراجع فهو لا يعلم بالاصل ماذا سيرد عليها وهي تتكلم بثقة و جرأة لم يعهدها من امرأة حتى طليقتاه لم تتجرآ يوما على رفع اعينهن عندما يقفن امامه ، ورغم تضايقه منها الا انه اعجب بيارا اكثر من قبل و تخيل نفسه عندما يتزوجها ، سيتملكها و يروضها لجعلها تخضع له فهو يعشق ترويض اللواتي من امثالها !!
هز رأسه اخيرا متشدقا ب :
– كلامك صوح يا بت عمي.
تنهدت و نظرت الى رهف :
– يلا نمشي من هنا.
اومأت الثانية ثم نظرت له شزرا لتهمس :
– عامل علينا داعية و بيتكلم على الدين و المبادئ ، وهو الشفع و الوتر فاكرهم اسماء صحابة.
سمعتها يارا و حاولت كتم رد فعلها لكنها لم تستطع فترجمت على شكل ضحكات عالية لم تقدر على كبتها :
– ههههههه لا مش للدرجة ديه ههههه يا ربي عليكي هههههه.
ابتسمت رهف ليسألهما عمر بضيق بعد ان عجز عن فهم سبب ضحكهما :
– واه انتو بتضحكو اكده ليه اني جاعد بهرج اهنيه ؟!
اجابته يارا مبتسمة :
– لالا احنا مبنضحكش عليك ههههه.
– طيب جوليلنا بتضحكي ليه عايز اضحك وياكي يابت عمي.
قالها وهو يبتسم ببلاهة ليصدر صوت من خلفه :
– وانا بقول كده بردو ، سمعينا احنا عايزين نضحك شويا.
نظرت رهف لأخيها الكبير و تمتمت :
– ندخل دلوقتي على صلاة الجنازة.
لم يخفى ان يارا تلك النظرة الحارقة التي القاها عليها ذلك المستبد ، قبل ان يتقدم منهم بخطوتان وبعكس ما توقعته رهف ، ابتسم ادم مرددا :
– يلا يا بنات ادخلو جوا الاحتفال قرب يخلص وانتو شفتو نصه اهه عشان متزعلوش.
بلعت يارا ريقها و غمزت ل ابنة عمها و دخلتا بسرعة ، رمق الاخير ابن عمه متسائلا ، بنبرة تقرير اكثر منها استفهامية :
– خير يا عمر كنت واقف مع البنات ليه ؟
– عادي كنت بتحدد وياهم…. البنات دمهم خفيف جوي صوح خاصة يارا بت بتاخد العجل يا ابن الاسكندرية.
كأنه كان منتظرا لتلك الجملة كي تكون الشرارة التي تجعله يشتعل ، تشنجت عضلات وجهه و انقبض حاجباه بشدة جعلت عمر يبتسم بسرور لانه استفزه ، وضع ادم يده على كتف الاخر و غرز اصابعه داخله هامسا بنبرة مخيفة :
– اختي وبنت عمي مش عايزك تقف معاهم وسط الخلق كده تاني خصوصا الهبلة اللي فاكر نفسك بتقدر تضحك عليها انا مش عايز اشوفك معاها تاني يا عمر ولا تفكر فيها حتى بينك وبين نفسك سامعني !!
تابع بعدما حمحم و تراجع خطوة الى الخلف :
– احنا جينا البلد فترة و راجعين فبقولك خلينا حلوين سوا يا ابن عمي الكبير والا هتشوف مني حاجة مش هتعجبك…. يلا السلام عليكم.
رمقه من الاعلى للاسفل باستنكار و غادر ، فغمغم عمر متوعدا :
– ابعد عنها مشان تستفرد انت بيها يا ولد عمي فاكرني مش ملاحظ انك حاط عينك عليها اياك ، بس اني ف الاخير هتجوزها و غصب عنك و عن ابوها.
_____________________
في مساء اليوم التالي.
كانت يارا جالسة في غرفتها وقد انهت تأدية فرض المغرب ، استلقت على سريرها تقرأ احدى الكتب حتى طرق الباب و كان والدها.
دخل احمد مبتسما بحب :
– بنتي الحلوة بتعمل ايه هنا لوحدها ؟
ضحكت بخفة قائلة :
– بتسلى على ما يجهز العشا.
– طب منزلتيش تقعدي مع بنت عمك ليه.
عبست يارا فجأة :
– مفيش داعي ، رهف مش قاعدة لوحدها هي قاعدة مع مامتها و باباها و اخوها انا مليش مكان بينهم.
استغرب احمد من موقفها فسألها :
– هو في حاجة حصلت يا بنتي حد زعلك ، اوعى تكوني متخانقة مع مرات عمك.
اندفعت يارا مسرعة :
– لالا طبعا طنط حنان مين اللي اتخانق معاها ديه ست عسل ومفيش منها ، انا بقصد ابيه ادم هو قاعد تحت وانا مش عايزة اتكلم معاه.
– ليه هو عمل ايه دايقك في حاجة ؟
لم ترد يارا افتعال المشاكل الآن بين العم و ابن اخيه فنفت بهدوء :
– لا خالص ، بس حضرتك عارفه بيتصرف مع غيره ازاي دايما مركب وشه الخشب و بيعرف بس يصدر الاوامر اعملي ديه و متعمليش ديه اخرجي امتى و تدخلي امتى روحي فين ومتروحيش فين…. انا مبحبش كده.
ارتاح احمد من اجابتها لكنه مسد على شعرها بحنان :
– طيب ياحبيبتي ادم بيعمل كده عشان خايف عليكي انتي و رهف مبيحبش تعملو حاجة غلط و تأذو نفسكم ، انتو لسه صغيرين و مش واعيين للدنيا في حاجات مش هتفهموها في السن ده خاصة انتي يا صغننة.
ابتسمت برضى و احتضنته :
– بس انا مش عايزة غير بابي حبيبي اللي يخاف عليا ، وبعدين انا مش صغننة اوي بقدر اخد بالي من نفسي من غير ما احتاج لحد غير ربنا…و حضرتك طبعا.
استدركت شيئا فسألته :
– صحيح يا بابا هو مش المفروض كنا هنرجع النهارده المسا ايه اللي حصل عشان يتأجل المخطط انتو ناويين تجوزو رهف ولا ايه ؟
قهقه احمد و قرص وجنتها بخفة قائلا :
– جدك سليم كان عايزنا فموضوع ضروري انا وعمك ابراهيم هيكلمنا فيه بعد العشا ، معرفش ايه هو بس ان شاء الله خير.
انهى كلامه ثم طبع قبلة على جبين ابنته و خرج بينما تسطحت يارا على فراشها و تذكرت ما حدث مساء البارحة…
Flash back
( بعد انتهاء الحفل صعدت يارا الى الطابق العلوي قاصدة غرفتها ، و في الطريق اليها ظهر امامها خيال اسود ضخم فصرخت بفزع و سقطت على الارض.
تاوهت بألم و رفعت رأسها لتجده ادم يطالعها بملامحه الباردة ، غضبت منه و قامت تصرخ :
– انت ازاي بتطلع قدامي فجأة كده انا كنت همـ,ـوت من الخوف !!
ضحك بدون مرح و اجابها :
– لا مؤاخذة يا طفلة انا مش متعود القي الخطابات و اسلي اللي قدامي وانا واقف معاه فتلاقيني مش قد كده.
يارا بدهشة :
– ابيه ادم انت بتقول ايه انا فعلا مش فاهمة حاجة.
تخلى عن قناعه الهادئ ليدنو منها حتى كاد يحصرها في الحائط :
– انا بقول اني مش زي عمر اللي كنتي واقفة معاه و بتضحكي ب أعلى صوتك…. ازاي بتوقفي تكلميه انتي اتجننتي !!
عادت برأسها الى الوراء و بررت بخوف :
– لالا انا مكنتش واقفة معاه… اا انا و رهف كنا بنشوف الفرح عامل ازاي و فجأة عمر ظهر قدامنا… يعني و رهف قالت حاجة خلتني اضحك بس كده.
رفعت وجهها اليه لتصطدم بعيناه الحادتان تطلقان شرارا من داخلهما…. بدأت تتعرق و تتنفس بصوت عال :
– ابعد شويا انا مش عارفة اتنفس.
رجع ادم قليلا فهاجمته الاخيرة بدهشة :
– هو انا كنت ببررلك ليه ؟ انا بعمل اللي بحبه ان شاء الله اضحك مع الدنيا كلها انت مالك ها مالك !!
ضرب ادم الحائط خلفه و اردف بتشنج :
– ليا ونص فاهمة….
انا مبحبش اشوفك بتخلي اختي تعمل حاجات غلط و اسكت هي عندها اهل بيخافو عليها.
رغم ان ادم لم يكن يقصد شيئا بجملته الاخيرة الا ان يارا ادمعت عيناها و اخفضت رأسها لتبدأ بالبكاء…. ارتعد جفن ادم للحظات قبل ان يكمل :
– يعني بقصد ان…….
قاطعته هي بهجوم :
– مدام خايف على اختك لمها من قدامي قبل ما اخليها رقاصة ! وبعدين انا من كل عقلي بعتبرك انسان طبيعي و بكلمك ! ابعد من وشي احسن والله….
قاطعها بصوت هادئ للغاية :