الفصل الأول
“أحيانًا يبدو لنا أن الحياة تعطينا درسًا قا.سيًا، ولكن ما لا نعلمه أن الحياة هي القسو.ة بحد ذاتها”
في قاعة متوسطة الحجم مليئة بالأضواء بها رفوف مكتبية تمتلئ بنسخ متعددة لكتاب واحد يحتوي على عنوان صغير بإسم .. “معاناة فيروز” ..
تجلس على كرسي خاص بطاولة مستطيلة ويجلس بجانبها الأيسر صاحب دار النشر التي تعمل بها … كانت تبتسم لكل من يقترب منها لتوقيع روايتها الورقية لقراءها الأعزاء، البعض الآخر ينظر لها بحماس والآخرون يقومون بتصويرها أثناء توقيعها لهم، وفي ذات الوقت تبحث عنه بعينيها ولكنها لم تجد له أي أثر، نظرت للوقت من خلال هاتفها ووجدت أنه قد تأخر كثيرًا، لقد إتفقا أن يتقابلا سويًا هنا ولكن ذلك الإتفاق كان منذ ساعتين تقريبًا، ظلت هكذا تنتظر مجيئة وفي ذات الوقت تشعر بالتشتت لأنها يجب أن تنتبه لقرائها، إستفاقت من شرودها عندما إنتبهت لسؤال صحفي تابع لجريدة ما ..
“إحساسك عامل إزاي وإنتِ شايفه إن رواية “معاناة فيروز” حققت النجاح الساحق ده على الرغم من إنها أول رواية إنتِ تكتبيها؟”
إختفى توتر”عهد” قليلًا وأردفت بهدوء:
“من وجهة نظري، هي نجحت عشان الرواية دي بتتكلم عن واقع أغلبنا عايشه.”
سأل الصحفي سؤال آخر:
“تقصدي من كده إنك كتبتي قصة حياتك؟”
تحدثت “عهد” بإبتسامة هادئة:
“أنا كتبت عن كل بنت في البلد دي بتعيش معاناة مشابهة لـ “معاناة فيروز”، هي كانت بنت كل الظروف إللي حواليها مخلياها مجبرة على كل حاجة هي بتعملها، أكبر مثال من صغرها أهلها مكانوش سايبين ليها حرية الإختيار، وده طبعا هيتوالى عنه حاجات كتير زي إللي قرأتوه في الرواية يعني.”
هز الصحفي رأسه ثم جلس بمقعده وإستقام أحد القراء يسألها:
“يعني إحنا كده نفهم، إن البنات كلهم شخصياتهم ضعيفة حتى لو بينوا العكس؟”
نفت “عهد” وأردفت بتوضيح:
” إللي أقصده إن كل شخصية بتتبني على أساس شكل التربية أو شكل الحياة إللي هي عاشتها لإن ده في الأول وفي الآخر بيبني الشخصية.”
هز القارئ رأسه ثم جلس بمقعد وتوالت الأسئلة وأيضًا إلتقطت “عهد” بعض الصور مع معجبيها، ولم تنتبه لذلك الذي يقف بركن من أركان القاعة يراقبها بإبتسامة هادئة … إنتهت الأسئلة وبدأ الحضور في الذهاب أما “عهد” كانت تنظر أمامها بشرود … لم يأتي، تنهدت بضيق وإستقامت من مقعدها حاملة حقيبتها في يدها وكادت أن تخرج ولكنها إصطدمت بأحدهم وأردفت بتشتت دون أن تنظر إليه ..
“أنا آسفة.”
أردف الرجل:
“أنا إللي آسف.”
رفعت رأسها لتنظر له، وعقدت حاجبيها وكادت أن تذهب ..
أردف الرجل برجاء:
“عهد، أعذريني أنا عارف إني إتأخرت، بس كان ورايا شغل كتير ويادوب لحقت أخلصه.”
لم تُجبه وخرجت من القاعة؛ أما هو فقد لحق بها، وأمسك ذراعها يوقفها ..
“إسمعيني، صدقيني غصب عني، إنتِ المفروض تقدري حاجة زي كده، وبعدين رواية إيه دي إللي عشانها تزعلي مني.”
توقفت بمكانها تواجهه بضيق:
“أيوه أزعل منك عشانها، لإني ماشوفتش منك أي دعم ولا تشجيع حتى، ده غير إنك غايب دايما عن الصورة، إنت المفروض خطيبي يا “حمزة” يعني نتعود إننا نتشارك في كل حاجة، أومال هنتجوز إزاي؟ وحياتنا هتبقى عاملة إزاي بعد كده طالما إنت بتغيب في أهم الأوقات بالنسبالي.”
حاول “حمزة” أن يُخفي ضيقه من حديثها وتفاهته:
“خلاص ياستي حقك عليا، بجد مش عايزك تزعلي مني، قوليلي طيب أصالحك إزاي؟”
لم تُجبه ولكنها كانت شارده فقط، تشعر بأنها تائهة .. ضائعة ليست في المكان المناسب .. إنتبهت على سؤاله لها ..
“إيه رأيك نتعشى في أي مطعم تختارية وأهو تعويض مني ليكي عن إللي أنا عملته النهاردة ده؟”
ظلت تنظر إليه ولكنها لم تُجبه ..
“إنتِ هتفضلي بصالي كده كتير؟ يلا بينا نمشي عشان ما نتأخرش أكتر من كده وعشان ألحق أوصلك البيت.”
تنهدت بإستسلام وركبت معه سيارته تنظر للشوارع بشرود من خلال زجاج السيارة …
…………….
نوفيلا/ هوس يامن .. بقلم/ سارة بركات
كانا يأكلان سويًا على طاولة بها العديد من المأكولات الشهية وكان “حمزة” يتحدث بحماس عن عمله وزملائه في العمل وعن مشاريعه التي يقوم بتنفيذها مؤخرًا؛
أما هي فكانت تجلس تنصت له بهدوء وأحيانًا تكون شاردة، ظلت هكذا طوال جلوسهما سويًا، تلتمس محبسها الذي ترتديه في بنصر يدها اليُمنى .. إنتبهت على حديثه ..
“هانت خلاص، كلها ثلاثة شهور ونتجوز.”
إبتسمت بفتور وأردفت ..
“إحنا هنمشي إمتى؟ مصدعة شويه ومحتاجة أنام، اليوم كان مُتعب بالنسبالي.”
“مافيش مشكلة، نمشي من دلوقتي لو عايزه؟”
إبتسمت بإرهاق:
“ياريت.”
خرجا سويًا من المطعم بعد أن قام “حمزة” بدفع الحساب وركبت سيارته وهو صعد بجانبها وكاد أن يتحرك، إنتبه لهاتفه الذي يصدر رنينا مستمرًا؛
أما “عهد” فقامت بفتح حقيبتها وتُخرج روايتها “معاناة فيروز” مبتسمة بسعادة، كان حلُمًا بعيدًا ولكن بإصرارها قامت بتحقيقه، قامت بتصفح روايتها لعلها تشتت نفسها قليلًا عن ماتشعر به الآن، ولكنها إنتبهت لـ”حمزة” الذي يوجه حديثه لها..
“أنا آسف جدا يا حبيبتي، مضطر أمشي دلوقتي، في مشكلة في الشغل.”
نظرت “عهد” للوقت من خلال هاتفها ثم عادت تتطلع له بإستفسار وإحراج في آنٍ واحد ..
“كان نفسي أوصلك لحد البيت، بس حقيقي مشغول جدا.”
تحدثت “عهد” بإرتباك:
“لا عادي يا “حمزة” مافيش مشكلة، هقدر أروح عادي، خد بالك من نفسك.”
خرجت من سيارته دون أن تتحدث بكلمة أخرى وفي ذات الوقت تشعر بالحرج بالموقف الذي وضعها به، أشار لها بالوداع من داخل السيارة وهي قامت بهز رأسها ثم رحل، توقفت قليلًا بالشارع تنتظر سيارة أجرة فارغة ولكنها لم تجد، لفح الهواء شعرها الأسود وشعرت بالبرودة قليلًا مما جعل بشرتها البيضاء حمراء اللون قليلًا، إحتضنت نفسها وقررت أن تسير قليلًا لعلها تقوم بتدفئة نفسها قليلًا بعمل جهد جسدي وأيضًا لكي تفكر بخطواتها القادمة، وقبل أن تبدأ بالتحرك أرسلت رسالة نصية لوالدتها تخبرها بأنها ستتأخر قليلًا، بدأت تسير بالشوارع
شاردة، تنظر حولها بتيه، ظلت هكذا تسير بالشوارع دون وجهة معينة حتى إنتبهت على شخص خلفها يتحدث ينادي أحدهم ..
“فيروز.”
عقدت حاجبيها ولكنها لم تكترث على إعتقادها أن النداء لشخص آخر وليس لها وأكملت سيرها، إنتبهت أن صوت الشخص يقترب أكثر ..
“فيروز.”
توقفت بمكانها وإلتفتت خلفها بملامح مستفهمة، وجدت أمامها شابًا ثلاثيني طويل يرتدي معطفًا جلدي ملامحه هادئة تشعر أنها رأته قبلًا ولكن متى؟ لا تتذكر، إنتبهت عندما أردف ذلك الشاب بتوتر وإحراج:
“أنا بنادي عليكي من بدري، مش بتردي ليه؟”
“أفندم؟ هو أنا أعرف حضرتك؟”
“هو إنتِ مش فاكراني يا فيروز؟
أنا يامن.”
لم تستطع “عهد” أن تستوعب ما يقوله ذلك الشاب الغريب، أردفت بتوضيح ..
“أنا إسمي “عهد” مش “فيروز”، أكيد حضرتك إتلغبطت بيني وبين حد تاني.”
كادت أن تسير ولكنه أوقفها مرة أخرى.
“أنا عمري ما أتلغبط بينك وبين حد تاني يا “فيروز”، إنتِ إزاي مش فاكراني؟!”
شعرت “عهد” بالضيق من ذلك الشاب فيبدو من الواضح أنه ليس في وعيه، كادت أن تتحدث ولكنه أكمل حديثه ..
“أنا حتى كنت واقف في القاعة من بدري ومتابع كل أحداث يومك، إزاي منتبهتيش ليا؟”
وفي تلك اللحظة تذكرت أنها لمحته في القاعة قبلاً ..
أردفت بهدوء مع توضيح:
” يمكن في لَبس في الموضوع، هي الرواية إسمها “معاناة فيروز” يعني إسم البطلة نفسه جزء منها، لكن أنا الكاتبة إللي كتبت الرواية، وإسمي “عهد”.”
إقترب “يامن” منها خطوة متحدثًا بإصرار وهو ينظر بعينيها:
“لا، إنتِ فيروز، أنا عارف إنهم أجبروكي على ده، أجبروكي على حاجة إنتِ شوفتيها، بس ماتقلقيش أنا موجود.”
توترت “عهد” أكثر وشعرت بالخوف من ذلك الشاب، وإبتعدت عنه وبدأت بالسير بخطوات أسرع أما هو كان يقوم بملاحقتها ..
“فيروز، إسمعيني.”
كانت تنظر حولها لا يوجد أحد يساعدها؛ فقد إقترب منتصف الليل ..
إنتبهت لسيارة أجرة تقترب منها وكادت أن ترفع يدها لتشير للسيارة ولكنها لم تستطع لأن الشاب قد وصل لها وكمم أنفها وإبتعد بها لشارع جانبي ولم يراه أحد، حاولت أن تقاوم ولكنه قد خدرها وآخر كلمة قد سمعتها منه ..
“هنقذك منهم يا فيروز، انا خلاص معاكي.”
وأغمضت عينيها مستسلمة للنوم.
نوفيلا/ هوس يامن .. بقلم/ سارة بركات
الفصل الثاني
“تنهيدة .. نحتاج فقط لتنهيدة، لنرتاح قليلًا ونفكر أكثر”
تتحرك والدتها ذهابا وإيابًا تهاتفها مرار وتكرارًا ولكن لا توجد إجابة وما أقلقها أكثر أنه بعد كل ذل قامت بإغلاق هاتفها ..
أردفت والدتها “سمر” بقلق:
“يا خوفي ليكون حصلها حاجة، أقول لأبوها إيه؟”
ظلت تفكر كثيرًا حتى أتى على بالها خطيبها حمزة” فهي بالتأكيد لا تزال معه بالخارج .. دونت رقمه وبدأت بالإتصال به ولكنه أيضًا لا يُجيب، ظلت تهاتفه كثيرًا حتى قام بالرد، وسألته بقلق..
“أيوه يا حمزة، إتأخرتوا كده ليه؟”
أردف بتعجب لقلقها:
“مش فاهم، مين إللي إتأخر؟”
“إنت وعهد طولتوا بره جدا.”
أردف حمزة بعدم فهم:
“بس أنا عهد مش معايا يا طنط، هي لسه مرجعتش؟”
شهقت “سمر” بفزع من حديثه:
“إزاي مش معاك؟؟، كل إللي أعرفه إنها كانت معاك وقالتلي إنها هتتأخر شويه.”
أردف حمزة بملل:
“لا، أنا جاتلي مكالمة مهمة تبع الشغل وإضطريت أمشي وهي قالتلي إنها هتروح لوحدها.”
أردفت “سمر” بتعجب لحديثه وبروده:
“وإزاي تسيبها لوحدها في وقت زي ده؟؟ طب أعمل إيه دلوقتي طيب؟؟ أقول لأبوها إيه؟؟ مش لاقيين بنتك؟”
تأفف حمزة بملل بسبب توريطه بشكلٍ مستمر في حياتهم ..
“طب أعمل إيه طيب؟ أساعد حضرتك إزاي؟”
“تساعدني إزاي؟!!، هو الموقف إللي إحنا فيه ده محتاج سؤال؟؟؟
طبعا تدور عليها وتحاول توصلها، أنا قلبي مقبوض وخايفة عليها أوي، عهد مش متعودة تبقى لوحدها، ومابتعرفش تروح في حتة لوحدها.”
عقد “حمزة” حاجبيه من حديث والدتها عنها، فهي تتحدث عن طفلة صغيرة وليست إمرأة عاقلة ستتزوج بعد ثلاثة أشهر من الآن، ماهذا الملل؟؟ .. أغلق مع والدتها وبدأ يبحث عنها ويحاول الإتصال بها ولكنه لم يستطع الوصول إليها.
……………………
في صباح اليوم التالي:
كانت نائمة بهدوء ولا تشعر بأي شئ حولها ومع الوقت بدأت تستعيد وعيها بعدما إنتهي مفعول المخدر .. إستفاقت بتكاسل ونظرت للسقف بشرود .. “ياله من حلم عجيب؟!” ..
ذلك ما حدثت به نفسها عندما إستيقظت، ولكنها عقدت حاجبيها عندما إستوعبت أنها ليست بغرفتها، أو بمعنى أدق ليست في منزلها … نهضت بفزع وكادت أن تتحرك ولكن وجدت نفسها مكبلة بالسرير بأساور حديدية ..
صرخت “عهد” بصوت عال لعل أحد يسمعها …
عهد بصراخ:
“إلحقوني!!”
ظلت تصرخ بقوة ولكن لا حياة لمن تنادي…
………………………..
“يعني إيه بنتك لسه مرجعتش لحد دلوقتي؟”
ذلك ما هدر به “أحمد” والد “عهد” في وجه زوجته التي أكلها القلق على إبنتها ..
“ساكته ليه؟؟ردي عليا؟ بنتك فين؟؟”
إنهمرت الدموع من مقلتيها وبدأت بالتحدث بصوت متحشرج ..
“مش عارفة هي فين، وقلبي واكلني عليها من إمبارح، البنت مالهاش أي أثر وتليفونها مقفول، أنا خايفة يكون جرالها حاجة، أنا هروح فيها.”
بدأت بالبكاء بشدة أمام زوجها الذي شعر بالقلق أيضًا ..
” طب و حمزة مايعرفش مكانها طيب؟؟ مش هو كان معاها إمبارح؟؟”
“كانت معاه بس هو مشي عشان جاله مكالمة مهمة تبع الشغل.”
تغيرت معالم وجهه للدهشة، فكيف يتركها خطيبها هكذا في الليل وحدها؟؟ … أغمض عينيه بضيق وغضب في آنٍ واحد، وتحرك بإتجاه باب الشقة، ولكنها أوقفته ..
“رايح فين يا أبو عهد؟؟
هتعمل إيه؟؟”
“هروح القسم أعمل بلاغ.”
تركها وخرج من الشقة دون أن يتفوه بحرفٍ آخر؛ أما هي جلست بمقعدها تبكي عليها وتحاول أن تتصل بها مرة أخرى ولكن كالعادة الهاتف مغلق.
…………………….
نوفيلا/ هوس يامن .. بقلم/ سارة بركات
خائفة؟! .. نعم هي خائفة من مصير مجهول، لا تعلم كيف أتت إلى هنا، كل ماتتذكره ذلك الشاب الذي إستوقفها وظل يناديها بإسم “فيروز” وعندما حاولت الفرار منه أمسك بها وبعدها سقطت مغشي عليها، كانت تحتضن جسدها الذي يرتعش ولكن لا تدري، هل يرتعش من الخوف أم من برودة الجو الممطر؟ ..
إنتفضت بفزع عندما سمعت صوت الرعد بالخارج في تلك الشقة حالكة الظلمة بالإضافة إلى صوت هطول الأمطار .. ظلت هكذا تجلس منطوية تحتضن نفسها تبكي بألم، لم تكن تعلم أن تلك ستكون نهايتها، يالها من نهاية بشعة، ظلت تفكر كثيرًا كيف سيجدها أهلها؟؟ أو بمعنى آخر كيف سيجدون جثتها؟؟، هل سيجدونها ملقاة بنهر صغير خالية من الأعضاء؟؟ أم سيجدونها مذبوحة في حقيبة سوداء كبيرة ملقاة في القمامة؟؟، توالت الأفكار الموحشة بعقلها أكثر، مما جعلها مستسلمة لمصيرها المجهول، إنتبهت لصوت باب الغرفة وهو يُفتح، يقف أمامها ينظر لها بإبتسامة حتى أردف بهدوء وهو يشير إلى الأساور الحديدية ..
“آسف لو ربطتك بالشكل ده، كنت حابب أضمن إنك مش هتهربي مني.”
أردفت “عهد” برعب ملحوظ:
“إنت مين؟ وعاوز مني إيه؟”
“قولتلك إن إسمي يامن، وعاوز منك إيه؟؛ فأنا عاوز أنقذك يا “فيروز”.”
أغمضت عينيها بإرهاق فهي لن تناقشه في أمر إسمها الحقيقي مرة أخرى فيبدو عليه أنه مريضٌ نفسيّ، أردفت بصوت مهزوز:
“أرجوك سيبني أمشي، وصدقني هديلك إللي إنت عاوزه، فلوس، دهب، أي حاجة إنت عاوزها هديهالك، وحتي كمان مش هبلغ عنك، بس سيبني أروح أرجوك.”
إقترب منها “يامن” بهدوء ولكنها إبتعدت عنه بسرعة حتى إلتصقت بالحائط المجاور للفراش، وعندما لاحظ خوفها ذلك توقف وأردف بهدوء:
“أنا مش هأذيكي يا فيروز، أنا عايزك تحبيني زي مانا بحبك.”
أغمضت عينيها بتقزز ذلك المخبول، ولا تعلم كيف تتصرف فهي في وضع لا تُحسد عليه، ولكنها فتحت عينيها عندما وجدته يقوم بفك الأساور الحديدية، تركها وبدأ بفتح ستائر الغرفة ذات اللون الداكن، أغمضت عينيها بقوة نتيجة لضوء الشمس الذي إنتشر في الغرفة فجأة بعدما إعتادت عينيها على الظلام.
أردف “يامن” بإنشغال:
“أنا جهزتلك الفطار، أتمنى يعجبك.”
عندما إعتادت عينيها على الضوء قامت بفتحهما وتوجه نظرها صوب باب الغرفة، وإستغلت إنشغاله وركضت لخارج الغرفة وعندما رأت باب الشقة توقفت عنده وحاولت فتحه ولكنها تفاجأت بأنه مُقفلٌ بقفلٍ كبير، بدأت بالصراخ بقوة لعل أحدٍ يسمعها من الخارج ..
“إلحقوني!!!”
ظلت تصرخ بقوة حتى خارت قواها وجلست أرضا تبكي بقهرٍ بجوار باب الشقة..
“إيه رأيك؟”
إلتفتت للخلف بسرعه عندما سمعته، كان ينظر لها بإبتسامة هادئة غير آبهًا لصراخها والذي فعلته قبل ثوانٍ، كان يشير للمائدة الموجودة بمنتصف الغرفة المتواجدين بها والتي تحمل العديد من أصناف الطعام ..
“أتمنى إن الأكل يعجبك.”
بدأت بالتحدث برجاء متجاهله حديثه الأخير:
“أرجوك، أنا محتاجة أخرج من هنا، سيبني أمشي وصدقني بجد مش هبلغ عنك ولا هقول عنك حاجة، هقول إن أنا سافرت .. هربت .. هقول أي حاجة بس المهم أخرج من هنا ومش هقول إنك خطفتني.”
ظلت تنظر إليه ولردة فعله والتي صدمتها؛ فلقد تجاهلها تمامًا كأنها لم تقل شيئًا وتوجه صوب المائدة وجلس على كرسي بها وأردف بإبتسامة..
“الأكل هيبرد.”
لم تُجبه وعادت للبكاء مرة أخرى، أما هو شرع في الأكل، مرت دقائق عديدة وهي تراقبه أثناء تناوله للطعام حتى إنتبهت لحديثه ..
“يلا تعالي، كُلي معايا.”
لم تُجبه ونظرت أرضا وهي تبكي في صمت متذكرة حياتها المملة قبل ذلك الحادث وتتمنى الآن أن تعود لتلك الحياة مرة أخرى وألا يحدث ماحدث مط.لقًا.
“على فكرة إنتِ ليكي مُط.لق الحرية إنك ترفضي أي حاجة بتحصل غصب عنك طبعا، بس بالنسبة لرفضك للأكل؛ فده هيأثر عليكي بعدين كطاقة وكشكل، يعني تقدري تاخدي قرار الرفض في حاجة عمرها ماهتفيدك بشئ وده من وجهة نظرك طبعا.”
ظلت تنظر إليه بهدوء حتى هدأت قليلًا وأردفت بصوت مبحوح:
“إنت عايز إيه مني؟”
“قولتلك إني عايز أبقى معاكي يا فيروز، عايز نبني حياتنا سوا، عايز أنقذك من الواقع إللي إتفرض عليكي ده.”
“إنت مريض.”
تمتمت بتلك الكلمة وهي تنظر في عينيه ولدهشتها أنه إبتسم عندما لقبته بذلك اللقب، وأردف بتفهم:
“كٌلنا مرضى بس بإختلاف القصص.”
مسح يديه بمحرمة ناعمة كانت ملقاة بجانبه على المائدة وحمل بيديه كتاب لم تكن منتبهة له مِن البداية والذي إتضح بعد ذلك أنه روايتها “معاناة فيروز”، ظل “يامن” يتصفح الرواية أمامها .. ظلت تنظر له وهو مندمج في بعض أحداث الرواية، حتى قررت أن تسأله سؤال خطر على بالها..
“ليه أنا؟”
إنتبه لسؤالها ونظر لها بإستفسار، تنهدت وإستأنفت حديثها..
“في كُتّاب كتير غيري، إشمعنا أنا إللي خطفتني؟”
تنهد “يامن” بهدوء وأغلق الرواية..
“لو أخدتي بالك، كل الكُتّاب بيكتبوا عن قصة هما عاشوها وحسوها أو يمكن موقف إتعرضوله، بس كل الروايات كان فيها بطل وبطلة…”
إلتمعت عينيه وهو ينظر إليها وإستأنف حديثه..
ماعدا إنتِ، إنتِ الوحيدة إللي كتبتي رواية من غير مايكون في بطل يبقى هو محور القصة، قرأت عن حياتك وعن المعاناة إللي إنتِ عايشاها، وإتشديت ليكي وحبيتك من صفاتك؛
فقررت إني أكون أنا بطل قصتك.”
سخرت “عهد” من حديثه بداخلها، إنه حقا مريضٌ نفسيّ يعيش بداخل روايتها ويعتقد أنه هو الفارس ذو الحصان الأبيض الذي سينقذ بطلة روايتها من حياتها المأساوية تلك، ولكنها توترت عندما أكمل حديثه..
“تقدري تنكري إنك ماكتبتيش عن واقع إنتِ عايشاه بالفعل؟”
ردت “عهد” بنفي وإصرار:
“لا، دي مش أنا، وإسمي الحقيقي هو عهد، لكن فيروز دي شخصية خيالية وأتمنى تفهم وتستوعب ده وتسيبني أمشي.”
“أنا كان ممكن أصدق كلامك ده لو ماكنتيش إتوترتي قدام الصحفي وهو بيسألك إذا كنتي كتبتي قصة حياتك ولا لا، ممكن ميكونش حد إنتبه إنك إتوترتي لكن أنا الوحيد إللي إنتبهت.”
صمتت ولا تدري كيف تُقوم بإجابته، ولكن لا يجب أن تنتبه لحديث شخصٍ مثله فهو مريضٌ نفسي، ظلت تدعو بداخلها أن تخرج من تلك الأزمة على خير، وتعود لأهلها سالمة .. إقترب منها عد خطوات وأردف بإبتسامة ..
“وقت الكلام خلص، وإنتِ لسه ما أكلتيش ..
وماينفعش كده طبعا عشان طاقتك، وجبة الفطار مهمة جدا.”
أردفت بكُره وهي تنظر داخل عينيه وتنكمش أكثر محتضنة نفسها بقوة:
“مش جعانة، وإبعد عني.”
تنهد بإستسلام وأردف بهدوء:
“إنتِ حرة”
عاد للمائدة يزيل الأطباق ويعيدها للمطبخ مرة أخرى.
………………
أغلق باب الشقة بحدة وغضب؛ فكيف يخبروه أنه يجب أن ينتظر على إختفاء إبنته أربعة وعشرون ساعة حتى يبدأوا بالبحث عنها؟؟ ألا يشعرون به؟؟ لقد إستيقظ في الصباح على خبر إختفاء إبنته الوحيدة، إستفاق من شروده على صوت زوجته التي تتحدث بأمل ..
“خير يا أبو عهد، طمني عملت إيه؟”
أردف بغضب شديد:
“قالولي أستنى 24 ساعة عشان أقدر أبلغ، أنا مش قادر أفهم إزاي شايفين واحد مقهور على بنته ويقولوله كده.”
بكت والدتها بحسرة بسبب عجزهم وظلت تدعوا داخلها أن يجدوا إبنتها بأسرع وقت، إن قلبها منفطرٌ عليها كثيرًا ..
“أنا عايزة بنتي، رجعلي بنتي يا أحمد.”
ربت “أحمد” على كتف زوجته متحدثًا بحزن:
“هدور عليها، هدور في كل مكان ممكن تروح فين، وإن شاء الله هترجع.”
إنتبه الإثنان عندما طُرق باب شقتهما، إلتفت “أحمد” نحو الباب وكان أن يتحرك، ولكن سبقته “سمر” راكضة نحو الباب بلفهة شديدة على إعتقادها أن إبنتها عادت إليها ولكن إختفت لهفتها وإبتسامتها عندما رأت “حمزة” هو من يقف أمامها وليس إبنتها ..
“لقيتوها؟”
ذلك ما أردف به حمزة عندما رأى الإثنين واقفين أمام الباب ..
“وهو مين إللي المفروض يسأل السؤال ده؟ إحنا ولا سيادتك؟”
ذلك ماتحدث به “أحمد” بغضب للمدعو “حمزة” ..
“يا عمي، أنا…….”
قاطعه أحمد بغضب شديد:
“بس، ولا كلمة … المفروض إن بنتي كانت معاك إمبارح بليل إزاي تسيبها تروح لوحدها؟؟”
“عهد مش عيلة صغيرة يا عمي عشان تكلمني بالطريقة دي.”
إستفزه بروده أكثر وأردف بتهكم:
“أنا فعلا بنتي مش عيلة صغيرة، بس لما أبقى عارف إن معاها إبن عمها وخطيبها وزوجها المستقبلي اليوم كله يبقى أكيد هكون مطمن لإن إبن أخويا المحترم قد المسئولية، وعارف إنه بيخاف على بنت عمه، لكن مع الأسف إنت خذلتني.”
كاد أن يتحدث حمزة دفاعًا عن نفسه، ولكن قاطعه “أحمد” بغضب شديد ..
“إتفضل إطلع بره بيتي، وإياك أشوف وشك ده تاني.”
صُدم “حمزة” من طرد عمه له وما صدمه أكثر هو أن عمه قام بدفعه ليخرج خارج الشقة وأغلق الباب بوجهه ..
“هنعمل إيه دلوقتي يا أحمد”
تنهد أحمد تنهيدة عميقة وأردف بهدوء:
“هنزل أدور عليها.”
نوفيلا/ هوس يامن .. بقلم/ سارة بركات
الفصل الثالث
“نصمت كثيرًا، ولكن أعيننا تحمل الكثير من القصص والمعاناة”
تجلس بالفراش الذي إستيقظت به صباحًا منكمشة؛ فهي بذلك الوضع بعد أن إستغلت إنشغاله بالمطبخ وعادت للغرفة لتطمئن أنه لن يفعل شئ أثنا تحركها، كانت تتجاهل النظر إليه؛
بينما هو جالسٌ على أرضية الغرفة الباردة مستندًا بجسده على الباب وينظر إليها بأعين تحمل الحب والشوق، يريدها أن تشعر به، تشعر بحبه لها .. كيف لا تفعل وهو من فهمها دونًا عن الجميع؟
كانت شاردة تفكر كيف تهرب من هنا وتعود لوالديها ولكنها إستفاقت من شرودها على صوته الهادئ..
“تعرفي إنك حلوة قوي.”
أغمضت عينيها بتقزز وتجاهلته وتتمنى لو يختفي من أمامها الآن؛ فهي لا تٌطيق وجوده .. تنهد “يامن” ثم شرد قليلًا وتحدث بهدوء وهو ينظر أمامه..
“تعرفي إن أنا وإنتِ شبه بعض.”
لم تنظر إليه وظلت على وضعها ..
“أنا وإنتِ قصتنا شبه بعض الفرق في سير الأحداث، مرينا بحاجات كتير صعبة بس بعدها بدأنا ندور على الحرية عشان كان عندنا أمل، إنتِ سبتي النهاية مفتوحة وقررت إني أكمل النهاية دي بوجودي معاكي.”
ظلت ساكنة لا تتحدث، تنهد ثم إستأنف حديثه ..
“نفسي أعمل أي حاجة المهم إني أشوف ضحكتك.”
تأففت ورفعت رأسها ونظرت إليه ..
“إنت مريض نفسي، وأنا مش قادرة أستحملك أكتر من كده، ياريت تسيبني أمشي هنا، مش قادرة أفضل هنا دقيقة واحدة، وبعدين إزاي كنت بتقول إنك مش عايزني أعمل حاجة غصب عني طالما هتضرني، أنا وجودي معاك بيضرني، أنا محتاجة أرجع لأهلي.”
“فيروز……”
قاطعته بصراخ وإنفعال ..
“عهد … ده إسمي، وإياك تنطق الإسم التاني ده مرة تانية.”
صمت قليلًا ثم أردف بهدوء كأنها لم تصرخ بوجهه..
“بالنسبة للنقطة إللي بتتكلمي فيها، وجودك معايا ده مش بيضرك، بالعكس هو بيفيدك، وأنا مش هسيبك غير لما أرسم الضحكة على وشك، وأخليكي سعيدة وكل ده هيكون معايا أنا وبس.”
كادت أن تتحدث ولكنه إعتدل من جلسته وتوقف على قدميه، إنكمشت أكثر خوفًا من أن يقترب منها ويؤذيها ولكنه فاجأها بحديثه ..
“أنا هسيبك دلوقتي، أكيد أعصابك تعبانة إنتِ محتاجة ترتاحي شويه.”
خرج من الغرفة دون أن يعطي لها فرصة بالحديث وسمعت صوت باب الشقة يغلق، نهضت من الفراش راكضة لخارج الغرفة وحاولت فتح باب الشقة ولكنه من الواضح أنه أغلقه بقفل من الخارج ..
جلست أرضًا مستندة على الباب تبكي بقهر، تتمنى لو تعود لوالديها، لقد إشتاقت لهما كثيرًا.
يقف والدها أمام الضابط الذي يقوم بتسجيل محضر إختفائها فالآن قد مر أربعة وعشرون على إختفائها يدعوا داخله أن تكون إبنته على ما يرام ..
“هنحتاج إبن عمها لإنه آخر واحد كان معاها وقتها.”