هز أحمد رأسه بصمت وقام بالضغط على بضعة أزرار على هاتفه وهنا ظهر رقم أخيه “حسن” .. وبعد عدة رنات رد “حسن” بضيق ..
“عايز إيه يا أحمد؟ مش كفاية إللي قولته لإبني؟؟”
أردف أحمد متجاهلا حديثه؛ فالأكيد أن أخيه قد علم بإختفاء “عهد” وعلى الرغم من أنها إبنة أخيه لم يتصل ليطمئن عليه ويقف بجانبه ..
“تِجيلي إنت وإبنك القسم دلوقتي.”
وأغلق الهاتف بوجهه ثم أرسل له العنوان الذي يوجد به وبعد مرور وقت بسيط كان “حسن” وإبنه “حمزة” يقتربان من “أحمد” الذي ينتظرهما بوجهٍ متجهم.
أردف أخيه بضيق:
“إيه إللي عملته ده يا أحمد عايز تفضح بنتك؟”
لم يستوعب “أحمد” مايقوله أخيه له، وما أذهله أكثر ما تفوه به ..
“إنت عايز الناس تعرف إنها هربت مع واحد.”
نظر أحمد بشرٍ نحو حمزة وكاد أن يقترب منه ليقوم بضر.به ولكن مامنعه أخيه …
“إهدى يا أخويا، إلغي المحضر إللي إنت عامله وإحنا هندور عليها بمعرفتنا وحمزة إبني موجود وهعتبر إنك ماقولتلوش حاجة، هيصلح غلطتها.”
“كلمة زيادة لو نطقتها تاني يا حسن يبقى ماتعرفنيش تاني ولا هعتبرك أخويا الكبير أنا ساكت إحترامًا ليك، أنا بنتي محترمة ومتربية وعمرها ماتعمل كده أبدًا، وأكيد إبنك المحترم هو إللي قال كده لإن الأستاذ كان آخر شخص معاها وسابها في الشارع لوحدها؛
فبيبرر عدم رجولته في إنها هربت مع حد، أنا ماجبتكوش هنا عشان تقفوا جنبي أنا جبتكم هنا عشان محتاجين ياخدوا أقوال البيه إللي إسمه خطيبها ويا عالم ممكن الشكوك تكون عليه أصلا، بس أنا عشان أصيل مارضتش أقولهم إني شاكك في إبن أخويا.”
لم يتفوه بحرف آخر وتركهم ودخل ولحقوا به وبدأت إجراءات التحقيق.
لم تنم بل كانت مستيقظة حتى الصباح، كانت جالسة أرضًا مستندةً على باب الغرفة وظلت تنظر للنافذة التي بالغرفة والتي هي محاطة بقضبان حديدية تتذكر بالأمس بعدما تركها ذلك المدعو “يامن” ظلت تبحث في تلك الشقة عن مخرج لها ولكن مع الأسف كل النوافذ كانت محاطة بقضبان حديدية ويفصل بينها وبين تلك القضبان زجاج عازل للصوت، وعندما نظرت للخارج وجدت أنها بمنطقة فارغة لا يوجد بها أحد؛ فمستحيل أن يراها أحد لينقذها من ذلك الجحيم الذي وقعت به ..
تتذكر عندما شعرت بالجوع الشديد أمس واضطرت لتناول الطعام الذي أعده ذلك الخاطف، ولدهشتها كان الطعام لذيذ، إنه يعلم كيف يقوم بإعداد الطعام جيدًا، تتذكر عندما ظلت تتفحص الشقة بالأمس شعرت بأن الجدارن تم طلائها حديثًا؛ كأنه تم تجديدها وغير ذلك لم تجد أي شئ قد يلفت إنتباها أو قد يساعدها للهرب من هنا نظرت حولها في الغرفة التي تجلس بها تتفحصها بعينيها ولكن لم يُلفت إنتباهها أي شيء .. تنهدت باستسلام وأخفضت بصرها أرضًا تحاول أن تفكر بمخرج من هنا قبل أن يأتي ذلك المخبول، ولكنها انتبهت عندما وقع بصرها على صندوق موجودٍ أسفل السرير بالغرفة.
اقتربت بتوجسٍ من ذلك الصندوق وأخذته من أسفل السرير وقامت بفتحه، كانت به اكسسوارات قديمة للنساء يبدو أن إحداهنَّ كانت تعيش هنا قبلها؟! .. تلك الفكرة أرعبتها بشدة! .. أين هي؟ هل هي بخير؟ هل … هل قتـ.ـلها؟! .. وهي تبحث بالاكسسوارات لمست يدها كُتيبٌ موجود أسفل تلك الاكسسوارات حملته بيدها وهي ترتعش وتطالعه .. يبدو أنه قد مر عليه السنين لقد كان يبدو على مظهره أنه كذلك، فتحته بتوتر ووقعت عينيها على خطٍ غير واضح .. أخطاءٌ إملائيةٌ كثيرة! .. يبدو أن من كتب داخل ذلك الكُتيب هو طفلٌ وليس إمرأة.
“ماما أنا خايف…”
اقشعر جسدها عندما بدأت قراءة المكتوب..
“بابا بيضر.بني كتير ومش عارف هو بيعمل كده ليه؟ .. حتى مراته اللي اتجوزها بعد مإنتِ روحتي عند ربنا بتشجعه على كده، أنا معرفش أنا عملت إيه؟ .. أنا كل اللي قولتهوله إني بحبه ومش عايزُه يبعد عني زي مإنتِ سبتيني لوحدي.”
ظلت تقرأ ذلك الكٌتيب وهي تضع يدها على قلبها من المعاناة التي عاشها ذلك الطفل مع والده وزوجته ..
“أنا مش بخرج من البيت، بابا قافل عليا أوضتي وبيرميلي كتبي وأكلي عشان أذاكر ..
بابا بيقولي لو ماجبتش الدرجات النهائية هيكون بمو.تك!، بابا بيضر.بني ياماما لما بنقص في الامتحان درجة واحدة”
أكملت قراءتها حتى ثبتت عينيها على جُملة آلمت قلبها.
“أنا عايز أجيلك يا ماما، مباقتش حابب أبقى مع بابا سمعت مراته وهي بتقوله دخل يامِن مدرسة داخلية أهو نرتاح منه، للدرجادي هما مش بيحبوني؟ خديني عندك ماتسيبينيش لوحدي.”
هبطت عبرة من مقلتيها كيف يحدث كل ذلك لطفل كل ما أراده فقط هو أن يبقى والده بجانبه ليقوم بتعويضه عن فقدانه لوالدته؟! .. الطفل لم يُذنب تمامًا بل الأب هو المذنب في تلك القصة ..
نظرت إلى الإكسسوارات الموجودة وتبقنت أنها تخص والدته .. آخر ماتبقى له من الذكريات.
انتبهت عندما سمعت باب الشقة يُغلق .. تحركت بهرولة من مكانها وأعادت الكتيب في الصندوق كما كان وقامت بإغلاقه وأخفته حيث كان وعادت تجلس أرضًا تضم نفسها تنتظر أن يقوم بفتح باب الغرفة طال انتظارها ولكنه بعد عدة دقائق قام بفتح باب الغرفة.
نوفيلا/ هوس يامِن.. بقلم/ سارة بركات
أردف بابتسامة:
“أنا شايف إنك أكلتي، أتمنى يكون الأكل عجبك.”
لم تتحدث ولكنها قامت بإبعاد نظراتها عنه .. هي لم ولن تتقبل وجود خاطفها أمامها، تمقُتُه.
“فيروز.”
أغمضت عينيها بقوة تحاول أن تتحكم في غضبها، أصبحت تكره ذلك الإسم أيضًا .. كرهت اليوم الذي كتبت فيه تلك الرواية! مريض!.
اقترب نحوها أكثر عندما لم تُجيبه وجلس أمامها أرضًا محاولاً أن يمسك بوجهها ولكنها انتفضت عندما حاول ذلك.
“إنت بتعمل إيه؟”
يامِن باستفسار:
“إنتِ لسه زعلانة مني؟”
لم تُجِبه تتمنى أن تغضب وتثور في وجهه ولكن مايوقفها طفولته التي قرأت عنها في ذلك الكُتيّب، ابتعدت عنه درجة انها التصقت أحد جدران الغرفة ونظرت نحوه بخوف ممزوجٌ بشفقة مُرّة.
اعتدل في مكانه وتوقف في الغرفة يطالعها يحاول أن يجد كلامًا يتحدث به معها، وأثناء تفكيره ذاك استغلت شروده وأسرعت لتخرج من الغرفة واتجهت نحو باب الشقة والتي مع الأسف تم إغلاقها بالقفل .. كانت تعتقد أنه من الممكن أن ينسى إغلاق الباب به ولكن خابَ ظنها.
تحدث بهدوء وهو يقف خلفها:
“أنا مش عايزك تمشي، مش عايز أبقى لوحدي.”
التفتت تطالعه بهدوء وصمت لعدة ثوانٍ ثم عادت للغرفة التي كانت بها تحتضن جسدها وتنظر أمامها بشرود، فعل مثلما فعلت وجلس بجانبها وأردف بتفاؤل:
“مافيش مشكلة مع الأيام هتتعودي عليا.”
مرت الأيام وظلت عهد حبيسة ذلك المُختَل، فقط تظل صامته وهو يطالعها بنظرات عشق لها، وفي ذات الوقت الشرطة تبحث عنها ولكنهم لم يستطيعوا الوصول إليها.
“أنا جبتلك أكل من بره أتمنى يعجبك.”
كان يمسك بيده عدة حقائب بلاستيكية وهو يقف عند باب الغرفة ولكنها لم تُعيره أي اهتمام.
“أنا هستناكي بره، على ما تخرجي أكون جهزت الحاجة بره.”
ثم تركها وخرج من الغرفة؛ أما هي فقد وضعت يدها على معدتها تتحسسها لأنها جائعة كثيرًا فرائحة الطعام شهية .. دقيقة ..دقيقتان .. ثلاثة ..
لم تتحمل وخرجت من الغرفة ووجدته ينتظرها جالسًا على المائدة ينتظرها.
لمعت عيناها عندما وجدت البيتزا المفضلة والشهية بالنسبة إليها، اقتربت من الطعام بحرص وأمسكت بالبيتزا تأخذ قضمة منها.
“اقعدي يا فيروز”
لم تهتم للإسم وجلست بالفعل تتناول البيتزا الخاصة بها، كانت لذيذة كثيرًا.
“أنا سعيد جدا إنها عجبتك.”
ظل يتابعها وهي تتناول البيتزا.
“عشان بس تعرفي إني عارف عنك كل حاجة، لدرجة إني عارف إنتِ بتحبي إيه وبتكرهي إيه وكل ده من الرواية بتاعتك اللي بتحكي فيها قصة حياتك.”
تحدثت وهي تأكل:
“مبكرهش حد قدك.”
اتسعت ابتسامته عندما تحدثت إليه كأنها أخبرته أنها تحبه مثلا، تعجبت من ابتسامته واللمعة التي ظهرت في عينيه تلك، وعادت تُكمل طعامها.
“لو جابة تكتبي أي رواية ليكِ أو أي فكرة جاتلك وعايزة تدونيها أنا ممكن أجيبلك أدوات تساعدك.”
توقفت عن تناول الطعام وطالعته باستفسار.
يامن بتأكيد:
“أيوه اللي سمعتيه، مش حابب أسيبك كده، حاسس إنك محتاجة تعبري عن حاجات كتير جواكِ وأنا عارف إنك هتقدري تخرجي كل اللي جواكِ في الكتابة، يمكن تقدري تعملي رواية قوية.”
تعجبت من طريقة حديثه تلك؛
فها هو يشجعها على الكتابة وليس مثل خطيبها الغبي الذي يُقلل دائمًا من هوايتها.
“من بكرة هيكون عندك أجندة وقلم تكتبي فيهم كل اللي إنتِ عايزاه.”
هزت رأسها وعادت تُكمل طعامها بحرص متعجبةً من نتيجة حديثهما تلك.
في اليوم التالي:
كانت تطالع الكُتيب الجديد الذي أمامها والذي يوجد به قلم مُعلق به.
“تقدري تكتبي اللي إنتِ حباه.”
أمسكت بالكُتيب والقلم وأخذت تفكر كثيرًا ثم طالعته بهدوء ..
تحدث بمزاح:
“بتبصيلي كده ليه؟ بتفكري تكتبي عني زي ماكتبتي عن نفسك؟ للدرجادي أنا مهم عندك!”
لم تُجبه ولكنه أكمل حديثه.
“فيروز”
تحدثت بهدوء شديد كأنها اعتادت على ماتعيشه:
“عهد .. اسمي عهد.”
تنهدت بثقل ثم تحدثت بتلقائية:
“أنا مش في المود مش عارفة أكتب حاجة، ولا عارفة أكتب إيه أصلا.”
يامن بعقلانية:
“اكتبي عن حاجة نفسك فيها واعمليها قصة.”
ابتسمت كأنه قرأ أفكارها.
“مكنتش اتوقع إنكم الرجالة بتهتموا بالحاجات دي، اللي هي الهوايات عمومًا.”
يامن بهدوء:
“أعتقد إن اللي ملهوش هواية يبقى ملهوش لازمة في الحياة دي.”
طالعته لعدة ثوانٍ ثم تحدثت:
“وانت؟ هوايتك إيه؟”
نظر في عمق عينيها ثم تحدث بصوت دافئ:
“إنتِ.”
…….
آرائكم؟ توقعاتكم؟؟
نوفيلا/ هوس يامن .. بقلم/ سارة بركات
الفصل الرابع
“سجنك أدفأ من برودة العالم في الخارج”
“وانت؟ هوايتك إيه؟”
نظر في عمق عينيها ثم تحدث بصوت دافئ:
“إنتِ.”
ارتبكت من نظراته تلك وشعرت بالتوتر، لأول مرة تشعر بتلك المشاعر المضطربة هي تعلم جيدًا أنها مشاعر لا يُمكن أن تشعر بها خاصة وهي مع شخص مثله، اقترب يامن منها وأمسك بيدها دُهشت عندما أمسكها وطالعته بمشاعر مذبذبة؛
أما هو فقد كان يطالعها بشغفٍ واضح، ولكنها استفاقت وعادت للغرفة مرة أخرى وقلبها يدق بعنف، وضعت الكتيب بجوار قلبها تحتضنه لعدة دقائق حتى تنهدت وبدأت بالكتابة.
مرت الأيام مرة أخرى ويامن يستمر في زيارتها واعطائها الهدايا أيضًا، وفي يومٍ ما كان يُمسك بيده حقيبة بلاستيكية بها ثوبٌ أحمر اللون، طالعته بهدوء وهي تقوم بالكتابة تارة ثم تطالعه تارة أخرى.
“جبتلي إيه؟”
“حاجة هتعجبك جدًا.”
أخرج الثوب من الحقيبة وأعجبت عهد به كثيرًا.
“هفرح جدا لو جربتيه دلوقتي.”
هزت رأسها واعتدلت لتأخذه منه ..
“هجربه وهبقى أوريك.”
هز رأسه ثم خرج من الغرفة ينتظرها أما هي ابتسمت لجمال الثوب وقامت بإرتداءه .. بعد عدة دقائق خرجت من الغرفة وهي تلتف حول نفسها .. كان الفستان عاري الأكتاف وطوله يصل حتى قدامها وتركت شعرها دون ربطه.
“شكرا الفستان حلو وعجبني.”
اقترب منها يامن بهدوء يطالعها بحب ثم تحدث:
“ممكن أطلب منك طلب؟”
أومأت منا جعله يستأنف حديثه:
“ممكن نرقص سوا؟”
قام بتشغيل إحدى الأغاني التي تخص العندليب الأسمر بهاتفه ثم تركه مفتوحًا ووضعه على المائدة، كانت تطالع الهاتف بهدوء ثم انتبهت عندما أمسك بيدها يقربها منه وهو مبتسمًا بحب.
راقصها ببطئ ورُقيٌ ولأول مرة تنتبه لرقته وهدوءه معها، ثيابه الأنيقة .. الهادئة .. كيف له أن يعيش تلك الطفولة البائسة ومن الواضح أن نتيجة تلك الطفولة ماهو فيه الآن وهو أنه أصبح مختلاً عقلياً.
ابتسمت باصطناع عندما تحدث بشغف:
“أنا بحبك يا فيروز.”
وضع مقدمة رأسه على مقدمتها وحاولت ان تبتعد عنه ولكنه تمسك بها جيدًا لكي لا تتحرك وتحدث بشغف:
“أوعدك إني هكون أحسن شخص قابلتيه في حياتك وهعوضك عن كل اللي عشتيه أنا موجود ومعاكِ ومش هسيبك يا فيروز.”
“يامن.”
سَعِدّ كثيرًا عندما نادته بإسمه.
“اؤمري ..
عايزة إيه؟”
“أنا عايزة أشرب ممكن تجيبلي مياة؟”
“ماشي.”
ابتسم وهو يبتعد و تحرك مسافات قليلة، في ذات الوقت كادت أن تتحرك نحو هاتفه الموجود على المائدة ولكنه عاد يطالعها مرة أخرى مما جعله تنتبه عندما تحدث قبل ان تصل لهاتفه:
“فيروز.”
عهد بتلقائية وهي تلتفت إليه:
“نعم؟”
“أنا بحبك أوي.”
ابتسمت بهدوء وهي تطالع شغفه ذلك ثم دخل المطبخ لكي يقوم بملئ بعض المياه.
هرولت بسرعة نحو هاتفه بمجرد دخوله للمطبخ، وحمدت الله أنه ليس مُغلق لأنه تركه يعمل على قائمة موسيقى، قامت بسرعة بإرسال رسالة إلى رقم هاتف والدها الذي تحفظه عن ظهر قلبٍ وأخبرته بالعنوان الذي هي به وذلك لأن يامِن أخبرها بالعنوان عندما وثِقَ بها وكان لا يبعُدُ كثيرًا عن أهلها وكان مكتوب مع الرسالة أن لا يحاول التواصل مع رقم الهاتف ذاك لكي لا تختفي وكل ذلك لم يأخذ منها عدة ثوانٍ لأنها سريعة في الكتابة .. وبعد أن أرسلت الرسالة قامت بحذفها من هاتفه، كادت ان تعيده إلى المائدة ولكن خرج يامن المطبخ وهو يحمل قنينة مياه ..
مثلت أنها تبحث عن أغنية معينة في هاتفه.
“بتدوري على حاجة معينة؟”
أردفت بعدم اهتمام وهي تُعيد الهاتف على المائدة:
“أغنية لأم كلثوم، عشان بحبها”
نظر لها قليلًا بتشتت ثم أردف بثقة:
“بس اللي أعرفه إنك بتميلي أكتر لعبدالحليم حافظ.”
تنهدت واقتربت منه بهدوء وترسم على وجهها ابتسامة:
“المود اللي إحنا فيه ده محتاجين كمان أغنية لأم كلثوم، هيخلي الموضوع رومانسي أكتر.”
ابتلعت بتوتر خفي تحاول جعله يصدق وسعدت عندما رأته يبتسم.
“تمام، ماشي تحبي تسمعي إيه؟”
“سمعني على زوقك.”
“تمام.”
أمسك بهاتفه وقام بتشغيل أغنية لأم كلثوم وأمسك بها يضمها بين ذراعيه وهي من داخلها كانت ترفض مايحدث ولكنها تجاريه لعل والدها يأتي في أسرع وقت.
نوفيلا/ هوس يامِن .. بقلم/سارة بركات
بعد مرور عدة دقائق:
كانت مستندة برأسها على صدره وهما يتراقصان
يخبرها يامن بالكثير والكثير من الاحاديث الرومانسية يعبر بها عن حبه لها وأنهما مُقَدَرَان لبعضهما يربت على ظهرها وشعرها برفق كأنها إبنته ..
كانت تستمع لكلامه المعسول ولوهلة شعرت أنها كالطفلة بين يديه شغرت بمشاعر كانت تتمنى ان تشعر بها مع حمزة خطيبها ولكنه كان باردًا كان كل ما يهمه هو العمل فقط ليس إلا .. أتى على عقلها أنه من الممكن أنه صادقٌ في حديثه وهو أنهما مقدَّران لبعضهما، ولكن قطع لحظتهما تلك سماعهما لأصوات سيارات الشرطة تقترب من المكان .. استفاق يامٍن من غفوته تلك وابتعد عنها يحاول أن يستوعب ما يسمع.
“البوليس؟!”
أما بالنسبة لعهد فقد استعادت وعيها أيضًا لتستفيق على الواقع وهي أنها مُختَطَفَه ..
شعرت بتخبطٍ في مشاعرها مابين خوفها من فراقهما وبين سعادتها أنهم قد أتوا لينقذوها منه، وبتلقائية أمسك يامِن بيدها لكي يستعدا للهرب من الشقة.
“يلا يا فيروز نهرب.”
ولكنها لم تتبعه .. ظلت تقف بمكانها تنظر إليه بتخبط .. التفت إليها يطالعها باستفسار وعدم فِهم.
“مش رايحة في مكان.”
اقترب منها يمسك وجهها بين يديه.
“حبيبتي مش وقته ده، يلا بينا نخرج من هنا بأي طريقة عشان نعرف نعيش حياتنا اللي بنيناها سوا.”
أردفت عهد بهدوء وتخبط في آنٍ واحد:
“إنت مريض، حياة إيه وحبيبتي إيه اللي إنت بتقولهالي دي؟”
اختفت اللهفة في عينيه عندما سمع تلك الكلمات أما هي فقد تعجبت من حديثها ذلك أليس من المفترض أن تتحدث بذلك الكلام؟ أم أن هناك شيءٌ آخر هي تجهله؟، في ذات الوقت وصلت الشرطة أمام الشقة يحاولون ك.سر بابها حتى فتحوه وقاموا بتوجيه السلاح على رأسه.
“إنت مطلوب القبض عليك بتهمة خطف عهد أحمد سليمان.”
وبسرعه قاموا بتصفيد يديه وكل ذلك كان يحدث وهو يطالع فيروز *عهد* بعدم فهم كأنه كان تائهًا .. لا يستوعب ما يحدث .. كيف وصلوا إليه؟؟
ولكنه فهم عندما ركضت فيروز ترتمي بين ذراعي والدها وهي تبكي..
“بابا، كويس إنك لحقت تشوف الرسالة بسرعة وتتصرف بسرعة.”
وقعت تلك الجملة على مسمع يامن كالصاعقة! لقد خدعته؟َ! .. كان الخذلان واضحًا في نظراته لها وهم يسحبونه أمامهم، كيف تفعل حبيبته به هكذا؟ لقد خذلته بعد أن وثق بها تمامًا.
تم التحفظ على يامن والذي ظل صامتًا طوال تلك الفترة لحين عرضه على النيابة العامة أما بالنسبة لعهد فقد عادت لأحضان والديها وحاول حمزة الإعتذار لها كثيرًا ولكنها رفضت إعتذاره وانعزلت في غرفتها والتي يوجد بها الصندوق الخاص بيامن وأيضًا كتيبها الذي كان رفيقها طوال تلك المدة.
كانت تكتب منعزلة عن الجميع ولا تدري ماسبب ذلك الإنعزال تشعر أنها في عالمٍ ليس عالمها، ينقصها أحدٌ ما .. لم تعتد على تلك الوحدة، إعتادت أن هناك شخصٌ ما يقتحم انعزالها وصمتها .. إعتادت على يامن الذي لم يتركها طوال تلك الفترة، تتذكر ضحكاته، ابتسامته، كلماته لها، احتوائه لها وأيضًا تشجيعه، إنها حقًا تشتاق له كثيرًا، تشتاق لكلماته العذبة تشتاق لوجوده تشعر أنه يقتحم عقلها حتى وهو غائب عنها لا بل قد اقتحمه بالفعل! ..
تشعر أنها قد فقدت أمانها منذ أن رحل من حياتها في تلك المدة الماضية لقد كان كل شيء كان يفعل لها كل ماتريد سواء اخبرته به أم لا كان يشعر بها دون أن تتحدث لدرجة أنها تشعر بالضياع وعدم الأمان منذ أن اختفى من حياتها .. كانت شاردة تفكر بيامن الذي تفتقده كثيرًا ولم تفق إلا حينما شعرت بحرارة دموعها تعانق وجنتيها، مسحت دموعها وكتبت قليلًا في ذلك الكتيب حتى وصلت إلى أسطر النهاية، وضعت الكُتَيَّب جانبًا وخرجت من غرفتها في المساء بملامح تعيسة واقتربت نحو والدتها تتحدث بملامح مبهمة:
“ماما.”
“نعم يا حبيبتي؟
إنتِ لسه صاحية؟”
“أنا هنزل أجيب حاجة من السوبر ماركت.”
صمتت والدتها قليلًا لأنها خائفة من أن يحدث لها شئ.
“صدقيني هخلص وأرجع.”
“ماشي بس متتأخريش.”
بعد مرور عدة دقائق:
“بس إنتِ كده بتغيري أقوالك؟”
كانت تحاول أن تُمثل الثبات وتحدثت بهدوء:
“زي ماقولت لحضرتك، أنا بس كنت زعلانة من أهلي شويه وهربت.”
“يعني كلامه صح؟ إنكم مرتبطين وبتحبوا بعض وكنتم هربانين سوا، ده كمان إنه بيقول إن إسمك فيروز.”
هزت رأسها كالمُغيبة ثم أردفت:
“أنا بحب الإسم ده ودايمًا بخليه يناديني بيه.”
نظل لها وكيل النيابة لعدة ثوانٍ ثم رفع سماعة هاتفه وأردف:
“هاتلي يامن من الحجز.”
ثم طالعها بهدوء:
“تمام اتفضلي إنتِ.”
“أستأذنك متقولش لبابا، لإني مش عارفة أجيبهاله إزاي، بس أنا أكيد هقوله.”
طالعها وكيل النيابة ثم أردف:
“ربنا يصبر أهلك على الفضيحة دي.”
التفتت للخلف وهبطت عبرة من مقلتيها ثم خرجت من الغرفة وتقابلت نظراتها مع يامِن الذي لم يصدق أنها أمامه، كانت تبكي ثم أسرعت لكي تبتعد عنه.
…………………
أحمد بضيق:
“إنتِ متأكدة إنها راحت السوبر ماركت؟”
“أيوه يا أحمد صدقني، وقالتلي إنها جاية بسرعة”
“استرها يا رب.”
كاد أن يخرج من الشقة ولكنه وجدها تقف أمام الباب.
تنهد بإرتياح عندما وجدها أمامه
“قلقتيني عليكِ.”
ولكنها لم تتحدث وقامت بضمه أما هو فقد ابتسم وهو يربت على ظهرها.
“يلا ادخلي نامي.”
هزت رأسها ثم ذهبت للغرفة.
في صباح اليوم التالي:
كانت والدتها تضع طعام الفطور على مائدة وكان أحمد يجلس على كرسي لتلك الطاولة يقوم بمناداة عهد بصوتٍ عالٍ لكي تسمعه من داخل غرفتها لكي تستيقظ وتتناول معهم الطعام ولكنها لم تُجيبه، وعندما سإم من عدم ردها دخل لغرفتها ولكنه لم يجدها بداخلها، بل غرفتها مٌرتَّبة جيدًا مما يدل أنها لم تبقى بها.
جنّ جنونه عندما وجد ابنته قد اختفت وأردف بصوت حاد:
“سمر… سمر.”
هرولت سمر لغرفة ابنتها:
“في إيه يا أحمد؟”
“عهد فين؟؟
مقالتلكيش إنها رايحة أي مكان؟”
“مايمكن تكون في الحمام وما أخدناش بالنا.”
“بنتك مش في الحمام.”
انتبه للكتيب الذي كان يراها دائمًا تمسكه واقترب نحوه بخطىً ثقيلة قام بفتحه وقابله ورقة في بداية الصفحة:
“بابا أتمنى تتفهمني متزعلش بعد ما تقرأ اللي أنا كاتباه.”
قام بقراءه الكتيب والذي يكون عبارة عن رواية بأحداث كل ماحدث معها منذ بداية إختطافها حتى اختفاؤها والذي يشير إلى أنها قامت بالهرب وعادت إلى يامن.
وكتبت في النهاية:
“سامحني يا بابا، أنا عارفة إني خذلتك بس غصب عني حبيته ومش قادرة أعيش من غيره، أنا مع الأسف حبيت الإنسان إللي خطفني .. انا عارفة ان تعلقي بيه ده مرض نفسي بس ده عشان انا لقيت الأمان معاه .. صدقني هو مش شرير .. هو بس خطفني من عالم مكنتش لاقية نفسي فيه .. أنا لقيت نفسي معاه، قدرت أتنفس وأنا معاه، عملت كل اللي أنا عايزاه وأنا معاه ..
مفيش غيره فهمني، مفيش غيره حبني لنفسي، مفيش غيره سابني أعبر عن اللي أنا عايزاه، أنا لما بعدت عنه اكتشفت اني ولا حاجة، اكتشفت إني حبيت الإنسان إللي خطفني، خوفت أقولك تقول عليه ده مريض نفسي وخطفني .. بس لا يامن مش مريض هو بس عاش حياة وحشة وكان يستحق الأفضل ومحتاجني معاه وأنا هعوضه .. هنعوض بعض .. أنا بحبه جدا يا بابا، أتمنى تسامحني.”
وضع يده على وجهه بحسرة وزوجته تجلس بجانبه تبكي بصدمة مما يحدث.
………………….
قبل عدة ساعات في منتصف الليل:
في شقة يامِن:
قام بفتح باب الشقة بإرهاق وخطى داخلها بخطواتٍ منهكة ولكنه تفاجأ بها تقف أمامه داخل الشقة .. كانت حُلُمًا وها هي الأن تقف أمامه، كاد أن يتحدث ولكنها باغتته بأنها دخلت بين ذراعيه.
“أنا عايزة أمشي من هنا، انا مش عايزة غير سجنك إنت وبس”
أردفت بإختناق من البكاء؛ أما هو فقد وقف يستوعب مايحدث لعدة ثوانٍ ثم أردف بابتسامة هادئة:
“حابة نروح فين يا فيروز؟”
رفعت عينيها بتوسل وتبتسم ابتسامة مرتعشة:
“أي مكان المهم إننا نهرب ونفضل سوا ونتجوز عشان أفضل معاك دايما.”
تأملها طويلاً وفي نظراتها المزيج من العشق والاستسلام، ثم تحدث بحنوٍ:
“اللي إنتِ عايزاه هيكون، يا فيروز.” “تمت بحمدالله”