– م…متعيطش !
اعتدلت قليلاً لتحمله بارتجاف وحذر وكأنها تحمل قطعة زجاج! تخاف ان تكسرها ليهدأ بكاء الصغير ما ان حملته وهو يطالعها بتلك الأعين الجميلة لتهمس مرة أخري وكأنه سيجيبها! :
– أأا …انت ابني…انا ؟
فاضت عيناها بالدموع حين أمسك اصبعها بكفه الصغير ذو الملمس الناعم لترتسم ابتسامة شاحبه علي وجهها وروحها المتعبة لتبدأ في محاولة ارضاعه بحيرة وتشتت ظلت لبضع دقائق حتي استطاعت فعلها ليخلد الصغير الي النوم بعد ان ارضعته وقد انتظرها ليومان! قبلت الصغير الساكن بلا صوت بلطف وأعين لامعة وهي تغادر الغرفة…
End flah back
خصلاتها السوداء بتموجاتها الناعمة تتطاير حول وجهها بفعل الرياح ووجها أحمر من الارتباك لتصيح بعصبية متوترة من معرفته للأمر فقد ظنت انهم سيعلمون بذلك بعد انتــ,,ـحارها :
– انت ليه مش عايز تفهم ؟ انا معدتش نافعة انا جــ,,ـثة ! فاهم يعني ايه جــ,,ـثة ؟ يعني نفس خارج ونفس داخل…انا فشلت اكون زوجة كويسة وبنت كويسة وهفشل اكون ام كويسة ! انا معادش عندي طاقة لأي حاجة…انا عصبية ومتكبرة ومليانة كلاكيع وعقد والناس كلها بتخاف مني ومعنديش قلب !
اجابها بابتسامة صادقة :
– وانا بارد وكنت عديم المسؤولية ولسه بتعلمها جديد وعرفت ستات بعدد شهر راسي قبلك…وبحبك !
نظرت له بيأس ليشبك اصــ,,ـابع كفه مع اصــ,,ـابعها هامساً بنبرة عاشقة :
– بحبك وقابلك بكل عيوبك زي ما انتي بتحبيني بالظبط…اديني فرصة ادخل دنيتك واشوف تعبك…رغم حبك ليا عمرك ما حكتيلي حاسة بايه ولا ايه الكوابيس الي بتشوفيها كنت بتهربي من تعبك وبتخبيه عني…
ظلت تبكي في صمت وهي تستمع لكلمــ,,ـاته التي تضــ,,ـرب صميم قلبها تنهد ليتراجع للخلف وينزل عن سور السطح وهو يمد كفه لها هامساً بصدق :
– سبيني أداوي جروحك يا ميرا وخلينا نبدأ من جديد !
ابتسمت ساخرة وخرج صوتها متحشرج هامساً يحكي سطوراً من ألم :
– فات الأوان…جروحي عاملة زي السلسلة الي تحس انها بتسحبك لتحت…وانا…انا وصلت للقاع !
التفتت له تطالعه بأعين شاردة متعبة وابتسامة شاحبه وكأنها لا تشعر بتلك الدموع التي تنهمر بغزارة علي وجنتيها أثارت قلقه هامسه بحروف ضائعة يتخللها ألم ينبع من وجدانها :
– بـ…بحبك !
اتسعت عيناه وارتفعت نبضات قلبه برعب! وهو يري جسدها يميل للأمام وهي تفتح ذراعيها للهواء و تغمض عيناها بقوة وتستسلم لمصيرها الذي اختارته لأول مرة بلا تدخل القدر!
لكنه كان الأسرع ليلتقط ذراعها قبل السقوط ويسحبها ليسقط كلاهما علي الارض وهي فوقه احتضنها بقوة وهو يلهث بعنــ,,ـف فتلك المختلة كادت ان تتركه في لحظات! لن يكذب ان قال انها اصعب اللحظات في حياته ليعتدل ويعكس وضعهم لتكون هي اسفله ليقــ,,ـبض علي خصلاتها هادراً بعنــ,,ـف وعصبية :
– اقسم بالله مجنونة وهتجنيني معاكي ! انتي واخدة بالك انك كنت هتسبيني ؟ كنتي هتمــ,,ـوتي ؟ وانا الي قلت بتعرف غلاوتها عندي يخربيت دماغك !
نظرت له بنظرات مشتعلة لتصرخ به وهي تحاول دفعه :
– ابعد عني…ملكش دعوة انا حره !
صاح بها بعصبية ولم تحركه حركاتها الضعيفة للتملص من بين يديه :
– لولا تعبك وحالتك والله مكنت سبت فيكي حتة سليمة واجدعها دكتور مش هيعرف يلصمك !
التمعت عيناها بشراسه هادرة :
– جرب كده تعملها وتمد ايدك عليا وانا اكسرهالك يا ابن فريدة !
اندهشت من ردة فعله فللعجب ابتسم! ولم يكن يبتسم سوي لعودة شراستها التي بات يعشــ,,ـقها واشتاق لها حق دفــ,,ـن رأسه برقبتها تحت صدمتها ليهمس بتعب وابتسامته تزين ثغره :
– وحشتني يا ضبش !
حاولت ابعاده بعصبية وهي تصرخ :
– ابعد عني…ابعد بقولك انا بكرهك!
لم يبتعد وظل محتضناً اياها لتبدأ قواها بالضعف وتهدأ حركتها وتجهش ببكاء مرير وهي تتعلق بعنقه وقد اشتاقت له هي الأخرى وبشدة ليكون مشهداً تعجز الكلمــ,,ـات عن وصفه بكاءها العالي الذي تزداد وتيرته وكأنها تشكو له ما يؤلمها وهو ايضاً يبكي من أجلها وفرحة لعودتها بكي كلاهما كما لم يبكوا من قبل لكنه تعاهد سراً ان تكون هذه اخر مرة تعرف الدموع الطريق اليهم…
*****
ابتسمت لها بحنان قائلة :
– زهرة انا مش همنع وجودك هنا انا خلاص تخطيت الموضوع وفهمتك وانا مقدرة ان الظروف الي كنتي فيها هي الي خلتك تفكري كده…
ابتسمت لها الأخرى بدورها وهي تحمل حقيبتها قائلة بصدق : – انا عارفة…بس ده الأحسن صدقيني انا محتاجة اركز في دراستي زي ما دانيال باشا قالي وبعدين انا هاجي في الاجازات مش هسيبكم بردو…
ردت بهدوء ومازال شعلة بسيطة من الغيرة تعتمر بداخلها رغماً عنها :
– زي ما تحبي…
دلف الي المنزل ليقترب ويهتف بجدية حنونة :
– رغم عدم موافقتي لدخولك مدرسة داخلية الا انني احترم قرارك يا صغيرة لكن تذكري سأظل دوماً افضل اب وأفضل اخ قد تحتاجيه يوماً فقط اياك ان تتردي في اللجوء الي في اي مشكلة تواجهك !
ابتسمت بدموع وهي تمنع نفسها بصعوبة الا ترتمي بين ذراعيه وتودعه وليس كحبيب بل كأب فهي بالفعل ادركت ان مشاعرها الاولي ذهبت ادراج الرياح هي لا ترغب سوي باحتواءها كأب لتودعهم مسرعة :
– انا اتأخرت…يلا ربنا يسعدكم ويهنيكم سوا…
خرجت مسرعة لتمسح دموعها فهي حقاً كانت بحاجة لأسرة لكن هذه ليست الاسرة المناسبة لها تماسكت لتصعد الي السيارة وهي تقرر ان تصنع مستقبلاً أفضل والا يشغلها سوي دراستها ستتغير…ستتمرد علي تلك القيود التي صنعها قدرها ولن تلتفت الي الوراء فقط ستمضي بطريقها…
*****
وصلت الي منزلهم وهي تتمسك بذراعه برهبة فهي لم تري الضوء لأكثر من تسعة اشهر وهو يحمل الصغيرين ومجرد ما ان انفتح الباب لتجد اسرته الصغيرة تنتظرهم “سارة” و”الياس” و”داني” و”ليلي”
لتقترب شقيقته الكبرى سريعاً وهي تسحبها لتحتضنها قائلة بدموع :
– حمدلله علي سلامتك يا ميرا…متعرفيش وحشتيني ازاي
ابتسمت لها بارتباك وهي تنكمش خلفه ليأتي دور “ليلي” التي هتفت بابتسامة :
– حمدلله علي سلامتك يا ميرا انتي وقلب عمتو الصغننين ….
قالتها وهي تحمل الصغيرة وتداعبها بلطف ليقترب “دانيال” و”الياس” مصافحين “يوسف” وهتف هو بإنجليزيته :
– اهلا بعودتك سيدة ميرا …
قاطع حديثهم هتاف “ليلي” بحماس :
– يا قلبي شوفتوا عنيها دي نفس عنيك يا يوسف بس صغيرة خالص…
ابتسم لها الجميع ليردف “يوسف” بمرح :
– عدل ربنا الباشا الصغير خد عنين مامته والانسة العصبية دي خدت عنيا انا…
التف الجميع حول الأطفال لتهتف “سارة” بابتسامة :
– طب سمتوهم ايه ؟
اجابها وهو يتطلع لجميلته المرتبكة بحب :
– نجاة وآسر…
اقترب “دانيال” من ليلي ليهمس بأذنها بعبث :
– بعد رؤية هذه الرضيعة انا لن اتنازل عن واحدة مثلها واريدها مشاغبة ذات شعر بلون العسل تماماً كوالدتها ، اريد نسختك المصغرة !
ابتسمت بخجل وهي تلكزه وبداخلها تتمني مثله ان تحضر طفلة تشبهها حتي تساعدها في مكائدها ضد والدها ثم ضحكت بخفوت علي افكارها المجنونة..
بعد قليل غادر الجميع ليبقوا وحدهم كادت تدلف الي غرفتها ليمسك كفها قائلاً بلطف :
– استني يا ميرا…
نظرت له باستفهام ليسحبها خلفه ولوا الي غرفتهم ليباغتها بسؤاله :
– صليتي قبل كده ؟
شحبت من سؤاله المفاجئ لتردف بارتباك :
– لأ…
اجابها بهدوء :
– ولا انا !
ليسحبها الي المرحاض ويهتف بابتسامة هادئة :
– انا في الفترة الي فاتت دي اتعلمت ازاي اصلي وازاي اتوضي بس مصلتش…كنت مستني ناخد الخطوة دي سوا او مكانش عندي الشجاعة الكافية اني اخدها لوحدي…
طالعته بعدم تصديق وبدأت الدموع تترقرق بعينيها ليبدأ بتعليمها الوضوء كطفلة صغيرة ثم توضأ كلاهما ليغيب ويحضر لها عباءة وحجاب رقيق كان قد اشتراهم مؤخراً لتصلي بها ارتدتهم بارتباك لتسير خلفه حتي وضع سجادة الصلاة لتقف خلفه وهو يصلي بصوت عال حتي تردد خلفه انتهي كلاهما من الصلاة ليمسك كفها ويداعبه بحنان قائلاً :
– حاسه بايه ؟
اجابته بصدق :
– حاسه براحه غريبة محستش بيها من زمان…
ابتسم قائلاً بهدوء :
– احنا قولنا هنبدأ من جديد وهنواظب علي الصلاة وعلي العلاج بتاعك والجلسات مع الدكتورة ، ايدي في ايدك وهنساعد بعض انا محتاجلك زي مانتي محتجالي بالظبط الطريق طويل بس هنمشيه سوا…
لم ترد سوي بكلمة واحدة هامسه بحروف تقطر عشــ,,ـقاً :
– بحبك !
ولأول مرة في حالة فريدة من نوعها لا يتغير العاشق لأجل معشوقته بل يتغيرا سوياً لأجل كل منهم ليبدأ طريقهم بأيدي متشابكة في ترميم ارواحهم المنكسرة التي خطت عليها خطوط الزمان فقيل قديماً اذا لم يصلح الزمان ما احدثه من كسور بين ثنايا روحك سأحطم روحي كالزجاج المنثور وأصلح بها ما فرغ من روحك المظلــ,,ـمة…
*****
… بعد مرور خمس سنوات …
دلف الي المنزل بعصبية مفرطة لتقف والدته في طريقه قائلة بارتباك :
– الياس حبيبي كويس انك جيت كنت عايزاك تركبلي اللمبة بتاعة أوضة المخزن علشان باظت !
قــ,,ـبض علي كفه بعصبية قائلا‘ من بين اسنانه :
– بقولك يا حاجة وسعي من سكتي مش هتداري عليهم زي كل مرة !
لمح الصغير يركض لأعلي ليصيح بتوعد وهو يلحقه :
– خد يالا فاكر اني مش هعرف اجيبك يا بتاع ميس انشراح ؟
كاد يصعد خلفه لتقف بطريقه “سارة” وهي تهتف بدلال مبالغ به لا يليق بها :
– انت جيت يا الياس…وحشتني…كل ده تأخير ؟
رفع حاجبه بتعجب ليهتف باستغراب :
– ده علي اساس انك كده بتتدلعي ولا دي بوادر اغماء ؟ اخفي من وشي انتي كمان يا سارة الله لا يسيئك…
احمر وجهها بحرج ليبعدها عن طريقه ويصعد الي الأعلى دلف الي الغرف يبحث عنهم بلا جدوي حتي استوقفه صوت بخزانة ملابسة فتحها ليجد صغيرته الشقية مختبئة بها وتخبئ وجهها بين كفيها ليهتف بتوعد :
– قفشتك يا ام اتنين من خمسين !
صرخت بفزع ليسحبها من ملابسها من الخلف كالمجرمين! صائحاً بعصبية :
– الهانم كانت بتبيع لبن طول السنة ؟ لعبت في ورقتها البخت علشان تجيب الدرجة دي ؟
اخفت ضحكتها لتجيبه ببراءة كالقطط :
– أصل الامتحان كان صعب يا بابي والمستر اصلاً مستقصدني قلتله انا بنت المقدم الياس راح مشوحلي بأيده كدهو علي اساس مش هامه يعني …
قالتها وهي تلوح بيدها ليهتف بغيظ :
– يابت بطلي لماضة اعمل فيكي ايه بس…
سحبت نفسها لتركض الي الخارج سريعاً وهو يلحقها بعصبية ليجد “مازن” يركض الي الأسفل ليخلع حذائه ويلقيه عليه هادراً :
– تعالالي يا عاقل يا كبير يالي مبوظهم…
هبط الي أسفل ليجدهم جميعاً منكمشين ببعضهم خوفــ,,ـاً من غضــ,,ـبه لتهتف والدته سريعاً بغضــ,,ـب :
– جري يا الياس مربي للعيال الرعب ليه ؟ بقولك ايه احفادي محدش هيجي جمبهم لحسن اسيبلك البيت ومحدش يعرفلي طريق !