سمعته يصرخ فيها بغضب جم :
-جيبهالي متأخر .. ومتأخرة عن شغلك وكمان بتبجحي !!!
ظل يقترب منها ببطئ وهي تعود للخلف بقلق .. نعم هي شجاعة … ولكن أمام نظراته الحادة تلك التي تسقط عليها كصوت رعد يعلن نهاية الحياة !!!
هي جبانة .. !
إلتصقت بالباب خلفها تغلق عينيها بتوتر، لتشعر بأنفاسه تلفح صفحة وجهها التي شحبت حرفيًا وهي تسمعه يقول :
-الظاهر إنك محتاجة تربية من اول وجديد عشان تعرفي الأصول
إبتلعت ريقها بازداء وصدى تلك الإهانة يتردد داخلها ..
لتهتف بغيظ شابه الحنق :
-لا انا متربية كويس ..
ماسمحلكش تقولي كدة !
حاولت فتح الباب بيدها ولكنه كان الأسرع فـ التصق بها يكبل يدها الاثنان بيديه العريضة السمراء ..
نظر في عيناها مباشرةً .. وكانت تلك تقريبًا اول مرة تتعمق خيوط عيناه البنيـة عن قرب ..
فهمست بصوت مبحوح :
-لو سمحت سيبني اخرج
اقترب منها اكثر .. ونظراته مصوبة على شفتاهـا .. !
خلايـاها تُفـجر احسـاس حار من ذاك القرب الذي لم يسبق لها أن تعرضت له …
تحسس وجهها رويدًا رويدًا وبرفق ليهمس :
-مش هاكذب .. انا صريح جدًا، إنتِ عجباني !
للحظـة تردد بخلدها صوت الطبيب وهو يخبرها عن حالة والدتها المريضة
” ماخبيش عليكِ يا أنسة لارا، والدتك حالة قلبها صعبة اوي، ولازم لها عملية للقلب بس يمكن مكلفة شوية .. 100 ألف جنية، وللأسف لازم يتدفعوا قبل العملية !! ”
تذكـرت ايضًا توسلها له
” ارجوك .. هجيب والله الفلوس، بس العملية تتعمل .. انا مليش غير ماما والله ”
ولكن تحطمت امالها في ثوانٍ
” انا اسف .. لو كنت انا المسؤل لوحدي مكنتش اتأخر عن مساعدتك، لكن دي قوانين المستشفى ومقدرش اخالفها، وده مش مبلغ صغير .. دول 100 ألف جنية !!
”
إنتبهت ليـداه التي كادت تستبيح لمسات لجسدها .. فدفعته بقوة صارخة فيه :
-ابعد عني انت مجنون !!!!
رفـع حاجبه الايسر باستحقار يتهكم :
-يا سلام ! دلوقتي فوقتي .. إية كانوا مشربينك حاجة أصفرة لما كنتي في الواحات ولا إية !!
إتسعت حدقتا عينـاها بصدمـة .. فجوة الألم تزداد انتصارًا في الأتساع بين ثنايا روحها .. وهي تضعف اكثر !!!
من أين علم ؟! وكيف اصلًا !!
لم تدري .. ولم تشعر سوى أنها بقيت تحدق به مصدومة .. ليكمل هو :
-حظك أنك وقعتي معايا، فمتحاوليش تمثلي الاحترام ؟!
هـزت رأسها نافية بهيسترية، لتضربه على صدره وهي تردد باكية :
-لا .. ابعد عني ملكش دعوة ملعوون ابو الفقر !
ارادت الخروج ولكنه امسك بها يكبلها .. وإلتصق بها اكثر وهي تحاول الفرار من حرارة جسـده ..
ومن دون تردد كانت تصفعه بكل ما تملك من شظايا قوة لتسرع بالفرار من بين قبضته !!!!!!!!
فهمس هو يجز على أسنانـه حتى اصدرت صوتًا قويًا:
-على اساس محترمة اوي !!! بس وحياة امي لاعرفك إن الله حق .. !
<!–nextpage–> كان ” مُهاب ” يحادث ” حمزة ” صديقه منذ الجامعـة ..
في الهاتـف وهو يتجه بسيارتـه لمنزل ” سيلين ” ليأخذها تـشاهد منزلهم المستقبلي كما تحايل عليه والده …
سمع صوت حمزة يقول :
-ماتظلمهاش معاك يا مُهاب، أنت ملكش فـ جو الستات ده اصلا خلاص ارفض
-للأسف شغلنا متوقف على الجوازة دي يا حمزة
-اللي يريحك يا مهاب .. بس رأي إنك على الاقل ماتظلمش البت
-هحاول يا حمزة، المهم أنت خلص الشغل اللي فـ امريكا ده وانجز كدة
-منا ناوي بأذن الله .. مصر وحشتني
-هأ مصر بردو ..
يلا سلام يا حمزاوي
ضحك بخشونة يرد :
-سلام يا مهاب
وصل مهاب امام باب منزل ” سيلين ” فترجل من سيارتـه متجهًا نحو الداخل .. ليجدهـا تهبط على درجات السلم بهدوء، هـدوء مُشوه بالرفض الذي يتلألأ بين مجاحر عيناها !!!
أشار لها دون كلمة نحو السيارة .. وغادروا سويًا في طريقهم للقاهرة …
لم تتحدث ولو للحظة .. وكأنها تخشى مجرى الحديث الذي سينتهـي بزمجـرة تُميت أمل جديد داخلها !
إلتفت لها يهمس بصوت ساخر :
-إية مانطقتيش يعني تتحسدي ؟!
لم تنظر له، وخرجـت حروفها مُبهمـة جامدة تمامًا كملامحها تلك التي كانت كالبحر الميت !!
” عادي .. زي ما تقول كدة حرمت ! ”
تنحنح بشيئ من الذنب وهو يعاود النظر امامه …
وبعد وقت طويل كانوا يصلوا لمنزلهم المستقبلي في القاهرة ..
هبطوا سويًا نحو الشقة .. وما إن دلفوا حتى سمعت مهاب يقول بجدية جامدة :
-اتفرجي إنتِ على الشقة عقبال ما اروح مشوار واجي
صرخت فيه مصدومة :
-نعم أنت هتسبني هنا !!!!
اومأ مؤكدًا يتابع متهكمًا :
-اه يا طفلتي العزيزة، قصدي يا زوجتي العزيزة !
لم يعطيها تلك الفرصة للأعتراض فكان يغلق الباب بعنـ,ـف .. وبعدها سمعت صوت المفتاح فعلمت أنه اغلقه عليها !!
سقطت على الأرض تبكي بعـ,ـنف .. زهور حياتها تذبل مع الوقت حتى باتت مجرد صحراء قاحلة … !
تذكـرت كلمات والدتها قبل أن تأتي معه
” سيلين يا حبيبتي .. إنتِ عارفة إن محدش يقدر يعارض عمك للأسف ولا يقف في وشه، وعارفه إن خالك لو لجئنا له مش هناخد الا الضغط الزايد .. حاولي تتأقلمي مع مهاب يا سولي، مهاب واضح من كلامه إنه من جواه مش وحش !
”
مر الوقت عليها وهي تنوح ظلمات قدرها !!
تناجـي الرحمة من الضغوطات النفسية التي تقتحم حياتها من الان .. !
وفجأة قطعت الانـوار .. وهي لديها – فوبيا من الظلام –
نهضت مسرعة تصرخ بصوت عالي وقد ازداد نحيب بكاؤوها :
-لاااا حد يلحقني والنبي انا بخاف