غادرا سويًا الشركة بالفعل، وانطلقا بسيارة فارس، الذي قال بنعومة ونبرة غامضة بعض الشيء:
-أنا مش ناسي طبعًا اللي عملتيه واللي أثبت إنك ذكية ومجتهدة، ليكي مكافأة عندي.
زينت فيروز ثغرها بابتسامة رقيقة وهي ترد:
-ميرسي، بس ده واجبي يا باشمهندس.
عم الصمت من جديد في السيارة، ولكن داخل فيروز كان في حالة هرج ومرج، مُدجج بالاحتفالات التي تعلن انتصارها في تحقيق ثقته المبدئية…
عادت لها الثقة في قدرتها على تنفيذ ما جاءت لأجله، وانشرحت روحها بالتمني بقرب النهاية.
وعلى النقيض كانت أفكار فارس الغامضة في تلك اللحظات.
قطع ضجيج افكارهم صوت هاتف فارس الذي أعلن عن وصول مكالمة من طليقته “نغم”، فتنهد وأجاب على مضض:
-ايوه؟
أتاه صوتها الباكي وهي تناجيه:
-فارس إلحقني.
-في إيه؟
-أنا في مشكلة كبيرة، ومحدش هيقدر يساعدني غيرك، ارجوك.
-مشكلة إيه؟
-مش هينفع على التليفون، أنا مستنياك في مطعم *** لازم تيجي عشان نتكلم، الموضوع هيهمك.
تأكدت بخبث من زرع فتيل الفضول والتوجس داخله، لتضمن أنه سيأتي.. وبالفعل وصلها صوته الحازم يخبرها:
-تمام هاجي.
-ماشي مستنياك ياريت تتحرك دلوقتي من الشركة بليز.
-سلام.
لم يعلق على رجاؤها وأغلق، فظنت هي أنه سيبدأ بالتحرك من الشركة، وسارعت بتجهيز نفسها، لم تكن تعلم أنه قد انطلق في طريقه بالفعل! نظر فارس تجاه فيروز، وتشدق بهدوء:
-هنعدي بس على حد عشر دقايق استنيني في العربية ومش هتأخر.
كادت تعترض رافضة، ولكنه أوقفها متلمسًا وترها الحساس:
-فيروز دي اول مرة أطلب منك حاجة.
صمتت وهي تهز رأسها موافقة على مضض، وزفر فارس بارتياح… فهو سيأخذها حجة لينهي سريعًا مقابلة نغم الثقيلة جدًا على قلبه.
وصلا بعد فترة ليست طويلة للمطعم الذي قالت عنه نغم، وترجل فارس من سيارته بعد أن وعد فيروز بعدم التأخر، وانتظرت هي في السيارة..
دخل فارس المطعم فوجده خالي من الزبائن، فخمن أن ما ستخبره به هام لدرجة أنها تخشى مشاركته وأي شخص بالجوار !
مرت دقيقة تلو الاخرى ونغم لم تأتي بعد، ترجلت فيروز من السيارة متأففة تنوي اخبار فارس الذي تأخر أنها ستغادر، دخلت المطعم وتوجهت صوب فارس بعد أن تغاضت عن التعجب الذي اجتاحها ما أن رأت المطعم خالي من الزبائن، اقتربت من فارس وهمت بإخباره بجدية:
-مستر فارس أنا…
ولكن قاطعها قدوم احد العاملين بالمطعم، والذي بدأ يضع شموع حولهما وبعض الشيء التي جعلت الدهشة تستحل ملامح كلاً من فيروز وفارس.. ثم اوقفه فارس مستنكرًا:
-إيه ده؟
تلكأت الاجابة على شفتي العامل الذي نشب به التوتر قليلًا، وفي تلك الاثناء ودون مقدمات بدأ بعض الصحفيين يتوافدون للداخل ملتقطين بعض الصور لفارس وفيروز اللذان كانا واقفان بجوار بعضهما والشموع حولهما…
ثم جاءت الصدمة التي زلزلتهما حرفيًا حين سألهما احد الصحفيين:
-في انباء بتقول إن فارس بيه متجوز عرفي وهيعلن عن الزواج ده، هل هي مرات حضرتك؟! **** See less الفصل الثاني عشر :-
أسكتت الصدمة كافة حواس فيروز، حتى أنها فشلت في استيعاب الحديث الدائر حولها، ولم تعد قادرة على اعطاء رد فعل فبقيت متصنمة مكانها وكأنها فقدت أبجديتها…
اما فارس فلم تتدخر الصدمة جهدًا وأخرسته لثوانٍ قبل أن يمزق حلة الصمت هاتفًا بنبرة دبلوماسية صلبة:
-فيروز مراتي، لكن مش عرفي! رسمي.
حدقت به فيروز مذهولة، شاعرة بقدميها تغرسان أكثر في وحل، فيما سارع الصحفيين بطرح اسئلة اخرى عليهم، حتى أسكتهم فارس بقوله الحاد:
-في حاجة أسمها خصوصية ياريت نحترمها شوية.
ثم قبض على كف فيروز الذي صار كالثلج اثر الصدمة، وسحبها خلفه مغادرًا ذلك المكان… مؤقتًا.
ركبا السيارة سويًا، فأغمض فارس عيناه غارقًا في بحر مظلم الجوف من الأفكار، بينما فيروز التي مازالت تعاني توابع الصدمة، بدأت تهسهس:
-يعني إيه ؟!
ثم صارت تردد بما يشبه الهذيان وهي تشعر بصبغة العار السوداء تلتصق بها شيئًا فشيء:
-أنا اتفضحت، اتفضحت!
في البداية كان فارس عاجزًا عن مواستها، ولا يستطع ترتيب أفكاره حتى.. ثم سارع يحاول تهدئتها:
-اهدي يا فيروز، ماتفضحتيش ولا حاجة.
فهزت رأسها وبقاع وجهها قد افترشها الضياع:
-ماتفضحتش ازاي؟! أنت مش سامع كانوا بيقولوا، أنا سيرتي هتبقى على كل لسان!
ثم حدقت به فجأة وكأن ارسال الكلمات لمركز الاستيعاب في عقلها بطيء، وصاحت مستنكرة:
-أنت ازاي تقولهم كده؟!
رفع كتفاه بقلة حيلة، يخبرها مدافعًا عن نفسه وعن نواياه:
-كنتي عايزاني أعمل إيه؟! لو مكنتش قولت كده كنت كأني بأكد كلامهم.
وضعت فيروز وجهها بين يديها، ورغمًا عنها انسابت دمعاتها معلنة انهيار تماسك صاحبتها، اقترب منها فارس ولا اراديًا مد أصابعه يمسح دموعها برقة متلمسًا طراوة وجنتها، وأمنية خفية تبزغ بين ضلوعه؛ أن يحتضنها محتويًا دموعها على صدره!
فيما نفضت يده بعيدًا عنها وهي تصيح فيه بشراسة مفاجئة ومناقضة للدموع المتلألئة في عينيها:
-ابعد ايدك واوعى تلمسني.
ثم تهدج صوتها اثر البكاء وهي تتابع:
-أنت حطتني في ورطة كبيرة.
جنح الغضب من كرامته الملكومة بتصرفها، للسانه الذي تشدق بحدة:
-أنا برضو اللي حطيتك في ورطة؟! أكيد أنا مش متلهف عشان أقول إنك مراتي او امسح دموعك، ده موقف رجولي وإنساني مني.
وجهت نظراتها له، فأكمل شارحًا لها علها ترى أنها هي التي في وجه المدفع وليس هو:
-أنا لو عليا عادي، مش مهم اللي يتكلم عليا يتكلم، وأقولك حاجة كمان، أنا هنزل دلوقتي أكدب اللي قولته.
ثم استدار بجسده يتظاهر أنه سيترجل من السيارة، متيقنًا كونها ستمنعه، وبالفعل حل يقينه على أرض الواقع حين أمسكت بذراعه مغمغمة بحروف متقطعة:
-أستنى، أنت ليه كده؟!
نظر لها عاقدًا ما بين حاجبيه، فأشبعت فضوله المتعجب حين بدأت تخبره بنبرة واهنة:
-أنت بتضغط عليا وبتذلني عشان متأكد إني هقولك لأ متروحش ومش بعيد أتحايل عليك.
إتسعت عيناه مذهولًا من منحنى أفكارها التي أشعرته أنه مجرد سادي:
-أنا ؟!
اومأت مؤكدة برأسها، ثم زمجرت مطلقة سراح دموعها وحروفها الهوجاء معًا:
-ايوه أنت، وبعدين هو مين السبب إني أكون موجودة هنا اصلًا وأتحط في الموقف الزفت ده، مش أنت؟
تنهد فارس بعمق، ثم خرج صوته هادئًا صلبًا وهو يخبرها على مهل:
-بصي يا فيروز، أنا اتعودت دايمًا إني أتحمل نتيجة أفعالي، عشان كده قولتلهم كده وعشان كده لازم نكتب الكتاب حفاظًا على سُمعتك لأن بكره الصبح الأخبار هتكون في كل حتة، حتى لو أنا بمعارفي حاولت أمسحهم.
لم تنطق وهي تسمع له مؤيدة كلامه داخلها، تشعر أنها داخل قوقعة كبيرة سوداء كتمت أنفاسها وربيع روحها، ثم انتبهت له حين استطرد:
-بلغي مامتك وعرفيني أجيلكم امتى واجيب المأذون، بس لازم في أسرع وقت.
هزت رأسها ببطء كالمخدرة بالألم والصدمة، وتمتمت:
-هبلغك.
عاد فارس للمقود من جديد وسار، بينما فيروز تشعر أن كل أحلامها… تخيلاتها تضيع في مهب تلك العاصفة، فهي ستتزوج من شخص اُرغم على الزواج منها فقط لأنه يتحمل نتائج أفعاله، ليس لأنه يحبها او يرغب بالزواج بها هي فقط بكل إصراره!! ****
بعد فترة، كانت فيروز قد وصلت منزلها، وبعدما قصت على والدتها كل شيء حدث، متأهبة لغضبها الحتمي المُزلزل الذي سيُطيح بها..
وبالفعل كان لها ما توقعته حيث بكل الغضب والحزم كانت والدتها تصفعها بعنف حتى سقطت على الفراش خلفها وتحررت دموعها التي لم تتراجع ولو لحظة عن اكتساحها لعينيها، ثم زمجرت فيها والدتها بحدة:
-منا لو ربيتك مكنش ده حصل.
فهتفت نافية من بين دموعها:
-مش ذنبي يا ماما والله العظيم أنا اتصدمت بكل اللي حصل.
استمر هبوب كلماتها الغاضبة:
-ما أنتي لو متربية مكنتيش ركبتي مع راجل غريب العربية اصلًا.
نكست فيروز رأسها ارضًا، ثم اعترفت:
-أنا غلطت، لكن والله خوفت عشان الوقت كان ابتدى يتأخر.
-وإيه اللي يقعدك اصلًا لحد ما الوقت يتأخر، ملعون الشغل لو هيجيب لنا فضايح.
صاحت فيها والدتها بغل والغضب لازال يتآكل في احشائها، بينما فيروز لم تجرؤ على نطق المزيد واستمر نحيبها الخافت وهي مُنكسة الرأس..
جلست والدتها جوارها ببطء، ثم بدأت تتنهد بصوت مسموع، وسألتها:
-هو قالك إيه بالظبط؟
اجابتها بخفوت:
-قالي إننا لازم نتجوز عشان الناس مش هتبطل كلام والصور خلاص هتنشتر حتى لو هو عرف يمسحهم.
هزت والدتها رأسها والكلام يرتج بعقلها، ثم أكدت بكل الأسف:
-للأسف عنده حق، مش هينفع نخاطر بسمعتك.
سألتها فيروز بملامح ملتوية ولازال البكاء صاحبها:
-هنعمل إيه يا ماما ؟
هزت كتفاها بقلة حيلة، ثم أضافت:
-العمل عمل ربنا ! هتتجوزيه طبعًا.
ازداد بكاء فيروز رغم أنها تعلم أن هذا ما سيحدث لأنه أسلم حل، ولكن وكأنها كانت تحاول مواساة ألمها باحتمال غير موجود..
فضمتها والدتها لأحضانها، تربت على خصلاتها، ثم تشدقت والحنان يتدفق من صوتها:
-قدر الله وماشاء فعل، كل حاجة بتيجي من ربنا أكيد وراها خير.
اومأت فيروز مؤكدة وهي تشدد من احتضان والدتها، فواصلت الاخرى بهدوء:
-كلميه وخليه يجي بكره.
والغد بالتأكيد لديه الكثير والكثير ليرويه لنا.. ****
عاد فارس من جديد لذلك المطعم، الغضب يرتج ويلتهب داخله كالنيران التي يحتاج أن ينفثها في وجه تلك اللعينة التي تلاعبت به بين أصابعها كعروس ماريونت، أمسك بالعامل الذي وضع الشموع وما إلى ذلك، وسأله بلهجة عنيفة عالية:
-مين اللي خلاك تعمل اللي عملته ده؟!
سأله الاخر مفزوعًا:
-عملت إيه بس ؟
فصاح فيه فارس وهو يهزه بعنف:
-الشموع اللي حطتها حوالينا من غير ما أطلب ده منك والصحافة اللي دخلت تصور.
هز الاخر رأسه نافيًا، وبرر له محاولًا أن يلقي عن كاحله التهمة التي إلتصقت به:
-والله العظيم أنا ما ليا علاقة بكل ده.
زمجر به فارس كليث على وشك غرز أنياب غضبه به:
-أنت هتستعبط يالا!
سارع متابعًا:
-طب بزمتك يا باشا، واحد غلبان زيي حتة جرسون في مطعم هيبقى له علاقة بالصحفيين ازاي؟!
أضاف فارس بقوة وحدة لم تفارق نبرته:
-أنا عارف إن مش أنت اللي على علاقة بيهم، مين اللي قالك تعمل اللي عملته؟
بدأ العامل يخبره بسرعة فاجتاح التوتر اجابته:
-بص يا باشا أنا كل اللي اتقالي من صاحب المطعم قبل ما يمشي، إن لما تيجي البنت اللي هتكون مع حضرتك أنزل الشموع، وأنا عملت كده، لكن أنا معرفش حضرتك ولا الأنسة ولا الصحافة اصلًا.
نفضه فارس بعيدًا عنه وهو يتنفس بصوتٍ عالٍ، مدركًا أن كل خيوط الحقيقة تمثل بين يدا “نغم”، ولن يكون أسمه فارس ابو الدهب إن لم يشفي غليله منها ويقتنص حق فيروز ودموعها منها…
بعد قليل وصلت “نغم” التي تفاجئت بغضب فارس يكتسحها، حيث إنقض عليها يجذبها من ذراعها بقوة مزمجرًا كالأعصار في وجهها دون مقدمات:
-أنتي إيه شيطانة مش هتبطلي حركاتك دي؟!
سألته مصدومة من هجومه:
-أنا عملت إيه دلوقتي يا فارس؟
بشفاه ملتوية متقززة كان ينهرها:
-استعبطي بقا واعملي فيها البريئة.
-كل ده عشان اتأخرت؟ غصب عني والطريق كان واقف.
قالتها بعدم فهم حقيقي، وقليل من الارتباك الذي بدأ يتسلل لها، فتابع فارس بنبرة غليظة:
-اتأخرتي إيه وزفت إيه، أنا مش عايز أشوف وشك أصلًا، أنتي متصلة بالصحفيين وعامله تمثلية بايخة عشان أرجعك؟
نفت برأسها مسرعة:
-أنا ؟ لا طبعًا أنت ازاي تفكر فيا كده؟
أكد بذات النبرة الغليظة المتعمدة:
-أيوه أنتي وبلاش تمثيل أنا عارفك كويس أوي، أنتي اللي خليتي الصحافة يجوا عشان يصورونا مع بعض ومسربة اخبار إني متجوز عرفي عشان تجبريني أرجعك.
استمرت محاولات انكارها حين أردفت:
-لأ محصلش.
أضاف بشراسة وكره متجاهلًا ما تقول:
-بس اهي اتقلبت كل حاجة على دماغك، ومحصلش اللي أنتي عايزاه وبرضو مش هرجعلك.
رفعت كتفاها معًا وهي تصيح بحدة طفيفة سلطتها حروفها:
-كفاية إهانة، أنا بجد مش فاهمة أنت تقصد إيه!
هز رأسه يطاوعها والنفور مخالطًا شيء من التشفي كانا ينضحان من كلماته:
-هعمل نفسي عبيط وهقولك، الصحفيين جم وصوروني أنا وفيروز، وهنتجوز.
شعرت وكأنه صفعها حرفيًا بالخبر، وصفارات الانذار كلها كانت تدوي في اذنيها مرددة دون استيعاب:
-إيه!