الحلقة الثامنة ( رد فعل )
_ إجتمع من في السرايا إثر صوت مصطفي الذي دوى في المكان، جائته على عجالة تتعسر قدميها من خلف هرولتها، وقفت أمامه ملبية نداه:-
أمرك يا سي مصطفى محتاچ حاجة؟
_ أشار مصطفى بسبابته على بابٍ ما وقال:-
حضريلي الأوضة ديي هنام فيها
_ صدمة انسدلت وبقوة على الواقفين، فلقد حضر خليل وزوجته أثناء طلب مصطفى لإعداد الغرفة من صفية التي طالعته لوقتٍ تستوعب فيه طلبه المبهم، لا شعور يستطيع أن يوصف مشاعر ورد في تلك اللحظة، مشاعر محملة بالحسرة والخوف ناهيك عن الندم والتسرع
_ إزدرد ريقها ولم تعلم للحديث سبيل، لم تتحملها ساقيها فاضطرت إلى الإستناد على باب غرفتها الجديدة، يا حسرتاه ستمكث بها بمفردها كما في الأيام الماضية..
_ خرجت صفية من شرودها على صوته المرتفع ليجذب إنتباهها:-
واجفة عندك ليه همي جهزي الأوضة
_ أسرعت صفية متجهة نحو الغرفة المغلقة وما تسمي بغرفة الضيافة التي أُحضِرت خصيصاً لمن يأتي دون سابق إنذار، إقترب منه خليل متكأ على عصاه وسأله بجمودٍ:- بتطلب من صفية تجهزلك الأوضة الجوانية ليه عاد ومالها أوضتك؟
_ سحب أكبر قدرٍ من الهواء لكي يتسع رحبه وأجابه بجمودٍ:-
أنت طلبت أتجوز أو بالمعني الصحيح أچبرتني وأني وفيت ومجصرتش في طلبك بس لحد إهنه يا بوي وانتهت
_ ضاق خليل بعينيه بعدم إستيعاب لمعنى حديثه وسأله بتردد:-
إيه هي اللي انتهت عاد يا ابن خليل؟
_ إحتقن وجه مصطفى وفارت فيه الدماء ناهيك عن بروز عروق عنقه الواضحة ودني من والده وأردف بحدة:-
أني مهجدرش أعمل أكتر من أكده أني مشيفهاش غير مرت أخوي وجوازي منيها مش هيغير أي حاجة!
_ أنتبه مصطفى لقدوم صفية فاستدار إليها متسائلاً:-
خلصتي؟
_ أماءت له مؤكدة إجابة سؤاله دون أن تردف بشيئ، فلقد إنحشرت الكلمات داخلها بصدمة لم يبتلعها عقلها إلى الأن، سار مصطفى بخطى متريثة إلى الغرفة الذي أمر بإعدادها واختفي طيفه خلف بابها تحن نظراتهم المصدومة التي تتجلة في أعينهم، إلتفت خليل حيث تقف نادرة فتفاجئ بنظرات التشفي وإبتسامتها التي رُسمت على وجهها بسعادة بالغة، تعجب من أمرها وردد متسائلاً:-
كانك مبسوطة بلي ولدك عمله؟
_ رفعت بصرها عليه ولم تجيبه لوقت ثم قالت بثبات:-
جوي جوي يا خليل، وديه نفسيه اللي حوصل مع هلال الله يرحمه كانك نسيته!، بس أني مههملش ولدي كيف ما هملت التاني يمشي على كيفه وأخرتها عاودلي مجتول، اني راسي براس مصطفى وكتفي في كتفه وكل اللي رايده يوحصل هيوحصل وأني اللي هسانده!
_ تركته مصدوم من خلف حديثها وسارت للأمام بضعة خطوات إلى أن وقفت أمام ورد الشاردة على ذاك الباب الذي إختفي خلفه مصطفى وهتفت بنبرة تميل إلى الشماتة:-
جدمك شوم يابت يا ورد، الرجالة عتطفش منيكي
_ إقتربت قليلاً أكثر إلى أن إلتصقت بها وهمست لها بنبرة أكثر حدة:-
ده مجامك يا بنت صابر أني عيالي كاتير عليكي
_ تركتها وغادرت بعد أن ألقت بسمة سمجة في وجهها وولجت داخل غرفتها تتغنج على ذكرى الأحداث الأخيرة التي جائت على هواها، في الخارج لم تصدر ورد أي ردة فعل عما حدث، فقط تقف مستندة علي الباب وعينيها مصوبتان
أمامها كالمخدرة تماماً ..
_ إقترب منها خليل على إستحياء شديد، فاللوم وقع على عاتقه وحده هو من أجبر ولده على الزواج منها كما أصر عليها بالمكوث وعدم الرحيل مع والدتها، يا ليته تركها تغادر حتى لا يتحمل وزر تصرفات إبنه المتهورة _ وقف مقابلها لا يعلم أي حديث يردفه أو أي كلمات ستهون عليها في ذلك الوضع المحزن والمهين، لا يدري من أين له بالجرأة التي يقف أمامها ويـ,ـحـ,ـادثها من الأساس، إبتلع ريقه وقبل أن يتفوه بشيئ تحدثت هي:-
متجولش حاجة يا عمي مفيش حديت يتجال، عن إذنك
_ أنهت جُملتها وولجت إلي عُشها الجديد بمفردها دون رفيق، أغلقت الباب ووقفت أمامه تطالع الغرفة الحديثة التي بدلها خليل لكي تليق بكونها عروس، إلتوى ثغرها للجانب مُشكلة إبتسامة ساخرة، أطلقت ضحكاتها وهي تطالع الغرفة بحسرة ومن ثم إختفت قهقهتها تدريجياً وتحولت إلى بكاء غزير موجوع
_ بعد مدة ليست بقصيرة إنخفض صوت بكائها رويداً وتحول إلي أنين صامت، لم تريد أن تعتلي الفراش بمفردها لطالما رُسمت عدة مواقف محببة لهما روادتها وهي تشاهد رقصه بالعصا مع أصدقائه بتريث وإتقان
_ أرادت خوض حياة طبيعية معه، لا تعلم لم هو تحديداً فلقد شعرت من قبل بالنفور مع هلال، ربما
لأنها لا تريد خلق ألم آخر والعيش بين ثناياه، فقط تمنت فترة نقاهه تسترد بها إشراقة روحها التي انطفئت وتستعيد رونقها مجدداً ..
_ أحرام عليها العيش في سلام مع رجلاً يعوضها آلامها التي عاشت بينها منذ وفاة والدها؟!، أخرجت تنهيدة متألمة وهي تختلس النظر إلى الغرفة الباهتة وكأنها لا ترى ألوانها الزاهية، أوصدت عينيها بألم يكاد يخترق جوفها وينسدل على أرض الغرفة لعدم تحملها له..
_ أاه
أردفتها بأنين خافت وهي تضع راحة يدها يسار صدرها ثم حل السكون ولم يصدر لها صوت آخر..
______________________________________
_ عادت صفية إلى المطبخ بذهنٍ شارد، عقلها يتأرجح بين الذهاب والإياب لا تستوعب ما حدث أمامها، قطعت حبال أفكارها صفاء بسؤالها الفضولي:-
سي مصطفى كان رايد منيكي إيه عاد؟
_ دنت منها وهمست ببسمة ماكرة عن:-
جولي كل اللي حوصل ومتخبيش عليا أني مبجتش صغيرة
_ سحبت صفية المقعد الخشبي من داخل الطاولة وجلست أعلاه ولازال عقلها لا يصدق ما ساهمت في حدوثه، شعرت بالإختناق لطالما تذكرت تلك الفتاة التي باتت وحيدة كأيامها السابقة، لم تستبشر صفاء خيراً من خلف تلك الملامح الجامدة، أسرعت نحوها وسألتها بخوف:-
ما تجولي ياما في إيه لكل اللي أنتِ فيه ديه؟
_ وضعت صفية إحدى يدها أعلى رأسها مستنده بمرفقيها على الطاولة وأجابتها بخزي مرسوم على تقاسيمها:-
مصطفى خلاني أحضرله الأوضة الجوانية وترك البنية وحديها يا حبة جلبي في ليلة كيف ليلتها ديي!!
_ ذُهلت صفاء مما أردفته والدتها للتو، ماذا يعني هذا الهراء؟ أتُترك الفتاة يوم زفافها وحيدة بمفردها؟ وليست بأي فتاة أنها ورد ذات الأعين الحابسة للأنفاس من فرط جمالها..
_ لم تتردد صفاء في الصعود إليها فلن تتركها تعيش حزنها بمفردها ستشاركها الآلام وإن كلف الأمر تتحمله عنها لن تتردد لحظة، ركضت خلفها صفية مسرعة محاولة إيقافها إلا أن رنين الجرس أوقفها وأجبرها على التوجه عكس وجهتها التي كانت تسير عليها، تأففت بضجر لعدم إستطاعتها إيقاف إبنتها عما تنوي فعله وتابعت سيرها..
_ أدارت مقبض الباب بتذمجر فانقبض قلبها خوفاً ما أن رأت مأمور مركز الشرطة أمامها، إزدردت ريقها بصعوبة ورحبت به بتلعثم:-
اتفضل يا بيه ثواني هنادي على العمدة
_ انصرفت من أمامه مهرولة وصعدت حيث غرفة العمدة، طرقت بابه برفق فأجابها من خلفه بنبرة متحشرجة:-
مين؟
_ أردفت مختصرة:-
أني صفية، مأمور المِركز رايد حضرتك
_ حدثها وهو يلتقط عبائته التي قد خلعها لتوه:-
نازله طوالي ضايفيه أي حاچة
_ حركت رأسها بطاعة وهي تقول:-
أمر جنابك
_ ألقت بصرها على غرفة ورد بعدم إعجاب لوجود إبنتها معها في تلك الأثناء فمهما كان هن ليسوا سوى خادمات السرايا ولا يجدر بهن التواجد مع أسيادهم، إنتبهت على صوته الذي نهرها بعصبية:-
لساتك واجفة مكانك همي ضايفي الراچل
_ أسرعت صفية بخطة غير مستقيمة، تتعسر قدميها من حين لآخر وهي تركض للطابق السفلي لكي تلبي أمر خليل، خرجت السيدة نادرة خلف زوجها ربما تعرف شيئاً جديد عن قاتل صغيرها..
_ وقف خليل مقابل المأمور وردد متسائلاً بعد أن صافحه:-
ها يا حضرة المأمور جولي أخبار زينة تريح جلبي
_ أخفض المأمور رأسه بخزي شديد، لا يعلم كيف يخبره بذلك لكن عليه أن يدلي بما جاء لأجله فبالأخير سيعلم حتى وإن طال الأمر، حمحم لكي يلين من نبرته الخشنة وقال:-
بصراحة إكده يا عمدة أنا جاي أجولك إننا طول الشهور اللي فاتت ديي موصلناش لأي دليل واحد يجدر يوصلنا لطرف الخيط كن الجاتل فص ملح وداب وللأسف الجضية إتجيدت ضد مجهول!!
_ خبر صاعق إنسدل على خليل ألجم لسانه كما وقع على السيدة نادرة كالخنجر الذي طعنها بقسوة دون رحمة فكيف لقاتل صغيرها أن يتهني بحياته دون عقاب ومدللها تركد عظامه بين الرمال في ظلمة القبر الموحشة!!
_ كيف لخليل أن يرضخ لتقيد القضية ”ضد مجهول” ولا يفعل شئ؟ هو بالأساس لا يغفل له جفن قبل أن يبعث رجاله ليقوموا بدور رجال الشرطة مراراً وتكراراً لعلهم يصلوا إلي شيئ ما وفي النهاية يعودون له يجرون أذيال خيباتهم دون جدوي، لكن هل بتقيد الشرطة للقضية تكون تلك النهاية؟
لا وألف لا لن يكون إسمه خليل الجبلاوي إن لم يأتي بقاتل ولده ويقطعه إرباً إرباً..
متشكرين يا حضرة المأمور على مجيتك لإهنه أني من لاول جولت مرايدش الحاكومة تتدخل في الموضوع ديه بس أنت ووكيل النيابة اللي أصريتوا عليا وأني أهاه بجولك متشكرين كتر خيرك بس اللي جاي بتاعي أني، أني مهسيبش دم ولدي يروح هدر
_ هتف بهم خليل بوجه محتقن وعروق بارزة من شدة غضبه، رمقه المأمور بتهكم ورد عليه مستاءً:-
كاني معارفش إنك بتخرج رجالتك كل يوم لما الليل يليل يدورا على جاتل ولدك يا عمدة أني سايبك آه بس عارف كل دبة بتحصلوا في البلد ديي مهياش سايبة إكده كيف ما أنت فاكر، وزيي ما إحنا موصلناش لحاجة أنت ورجالتك موصلتوش بردك اللوم مهيبجاش عليا وحدي واسكت
_ صمت يلتقط أنفاسه التي فرت من رئتيه إثر ثرثرته دون توقف وواصل مختصراً:-
بالإذن أني وألف مبروك لمصطفى على جوازته اللي أنت معزمتناش فيها
_ إستدار المأمور وغادر السرايا ما إن
ألقى ما في جوفه كاملاً دون زيادة أو نقصان بينما تعسرت ساق العمدة ولم تتحمله لأكثر من هول الصدمة، شد بيده على عصاه لعلها تكون المنقذ له لكن هيهات لثقل بنيته علي عصا خشبية هذيلة
_ إرتطمت العصا بالأرضية الرخامية مدوية صوتاًً عالياً، وما أن إنتبهت السيدة نادرة لذلك الصوت كان قد وقع خليل بجوار عصاه مغشي عليه
_ شهقت نادرة بصدمة ناهيك عن لطمها على صدرها صارخة بأعلى نبرة تمتلكها حنجرتها:-
إلحجوني، يا خلج يلي إهنه غيتوني
_ وقعت إستغاثة السيدة نادرة على مسمع صفية التي كانت على مقربة منها، جائتها مهرولة فتفاجئت الأخرى بسيدها في حالة لا يرثي لها، هرولت نحوه وقد تعرقلت قدميها برعب شديد إلى أن وصلت إليهم فصاحت بها نادرة:-
اطلبي الداكتور ياجي دلوك
_ أماءت لها بطاعة ثم أختفت من أمامها تلبي طلبها كذلك صعدت إلى الطابق العلوي بعدما هاتفت الطبيب وأخبرها بأنه سيوافيهم في الحال، دقت بكل قوتها على باب غرفة مصطفى تستعين بمساعدته
_ فتح لها بعبـ,ـوس لتلك الحالة التي طرقت بها بابه وصاح بها هدراً:-
في إيه يا صفية
في حد يخبط إكده؟
_ لم تعقب على غضبه فهي تريد إخباره بشئ واحد فقط وقد أتت لتتدلي به فقالت بنبرة لاهثة:-
إلحج، العمدة، وجع من طوله _ إتسعت حدقتي مصطفى بذهول ثم أزاحها من أمامها بيده لكي يمر ويصل إلى أبيه سريعاً، قفز على الأدراج حتى انتهوا سريعاً عكس النزول المعتاد من عليه، وصل إلى وجهة والده وجلس بجواره، وزع أنظاره بين ووالديه بتوجس وسألها بقلق:-
ماله أبوي يا اما حصله إيه عاد؟
_ رفعت بصرها عليه وحدثته بنبرة مرتجفة تخشي أن يصيبه مكروه هو الآخر:-
المأمور كان إهنه وجال إن الجضية إتجيدت ضد مجهول، هو متحملش أن حج خوك راح هدر ووجع من طوله زي ما أنت شايف إكده
_ أمسكت نادرة يد مصطفى وتابعت حديثها متوسلة:-
أبـ,ـوس يدك يا ولدي شوف بوك هيحتاج إيه وأعمله أني مهتحملش خسارة تانية
_ أسرع بالرد عليها مستاءً من تفكيرها:-
متجوليش إكده أبوي هيبجي بخير هكلم الداكتور ياجي..
_ قاطعته صفية بقولها:-
أني كلمته وزمناته على وصول
_ أنهت صفية جملتها وانتبهوا جميعهم لطرقات الباب، أسرعت لفتحه وإذا به عسران يقول وهو يشير إلى الطبيب:-
الداكتور بيجول أن العُمد…
_ توقف عسران عن الحديث حين وقع بصره على خليل، إتسعت حدقتاه بصدمة وأسرع نحوه يجر قدميه خلفه بتوجس شديد وهتف متسائلاً بنبرة خشنة:-
واه ماله أبا الحاج خليل إيه اللي حوصل؟
_ نهرته صفية بضيق:-
مش وجته يا عسران المهم نطمن عليه لاول
_ وجهت بصرها نحو الطبيب ورحبت به بتلعثم:-
اتفضل يا داكتور طامنا على العمدة الله يطمن جلبك
_ حاول الطبيب أن يهدئ من روعهم الظاهر بقوله:-
اطامنوا يا جماعة أن شاء الله خير
_ إقترب من خليل وفعل اللازم فعله، سكون مريب مسيطر على المكان، الجميع مترقب وما أسوء الإنتظار في تلك الأزمات، العديد من الأفكار السيئة تراود عقولهم وخصيصاً أنه لم يستعيد وعيه بعد أن مر وقت كافي
_ تبادلا الجميع النظرات بتوجس وأعادوا النظر إلى الطبيب حيث سأله مصطفى عن حال والده:-
بوي ماله يا داكتور عنديه حاجة خطيرة ولا ايه؟
_ وقف الطبيب وأعاد وضع نظارته الطبية بإبهامه إلى عينيه بثبات وأدلى بما لديه من علم:-
بوك إتعرض لأزمة جلبية الظاهر زعل والله أعلم بس هو هيكون كويس اعطوا لعجله (عقله) فترة يستريح فيها وهتلاجوه فاج وبجا زين
_ شكره مصطفى ثم حمله بمساعدة عسران وأوصلوه إلى غرفته، وضعوه أعلى الفراش بحذر، وقف الجميع منتظرين إستعادته لوعيه لكي يطمئنوا عليه ويذهبوا حيثُ كانوا..