_ إنسحبت صفية من بينهم دون أن يلاحظها أحد وذهبت إلى غرفة ورد، طرقت على الباب بخفة وولجت للداخل قبل أن يسمحن لها من هن بالداخل، رمقت صفاء شزراً لفعلتها لكن سرعان ما رق قلبها حين صغت لبكاء ورد المكتوم..
_ اقتربت منهن وجلست بجانبهن على الأرض، ربتت على يد ورد تأزرها في محنتها وقالت:-
والله ما عارفة أجولك إيه يابتي، الله يربت على قلبك ويعدل أحوالك يارب
_ إبتعدت ورد عن حـ,ـضن صفاء وإعتدلت في جلستها وأردفت من بين بكائها:-
اتعودت على الوجع
_ تقوس ثغرها بإبتسامة موجوعة وتابعت متحسرة على حالها:-
الظاهر ممكتوباليش الفرحة واصل
_ تأثرت صفاء بحديثها وأعادتها إلى حـ,ـضنها مرة أخرى وأردفت بنبرة حنونة:-
أني معاكي اهاه شاوري بس وأني أنفذ حتى لو جولتي أروح اضربه على عملته ديي مهتترددش واصل _ نهرتها والدتها بغضب لقلة حيائها:-
اتحشمي يا صفاء وجومي إنزلي تحت الست نادرة لو لجيتنا إهنه هطربج السرايا على روسنا جومي فزي
_ إلتوي ثغر صفاء بعدم إعجاب وتمتمت بوجه محتقن تفور به الدماء:-
مش حرام عليهم اللي بيعملوه في البنية ديه، بلا ست نادرة بلا…
_ قاطعتها صفية بإنفعال:-
صفاء..
_ نهضت الأخرى متذمرة من عدم حريتها في الحديث، ضربت الأرض بقدميها بطفولة وأردفت بتجهم:-
أووف الواحدة متعرفش تتحدت على راحتها واصل في السجن ييه
”سجن” تلك الكلمة التي تتردد داخل عقل ورد طيلة الوقت، شعرت ببعض الراحة لأنها ليست بمفردها من تشعر بأنها حبيسة سجن الجبلاوي، تنهدت بصوت عالٍ ووجهت حديثها إلى صفاء قائلة:-
إسمعي حديت أمك ومتعذبيهاش أني بجيت زينة لما خدتيني في حـ,ـضنك هديت شوية
_ إبتسمت لها صفاء ثم انتبهت لحديث والدتها وهي تحذرها:-
اخرجي على مهلك متعمليش غاغة لانهم كلاتهم في أوضة العمدة عيطمنوا عليه
_ قطبت صفاء جبينها وتسائلت في فضول:-
ماله العمدة عاد كان زين من دجايج
_ أخرجت صفية تنهيدة حزينة وأردفت موضحة وهي تستند علي الجدار تريد النهوض:-
وجع من طوله والداكتور كان إهنه وجال حصله سكته جلبية ربنا لا يعودها واصل
_ نهضت ورد هي الأخرى بتوجس من حديث صفية الذي لا يبشر بالخير وسألتها:-
أباه وهو كيفه دلوك؟
_ ردت عليه بحزن جلي علي تعابيرها:-
لساته مفاجش ربنا يستر
_ وجهت حديثها إلى صفاء مباشرةً بإندفاع:-
واه لساتك واجفة مكانك اتحركي يابت جبل ما حد يشوفك وتبجي ليلتنا مطينة بطين
_ تأففت صفاء متذمرة من أوامر والدتها التي لا تنتهي ودلفت للخارج بغضب قد تملك منها بينما أعادت صفية النظر إلى حيث ورد ورددت بهدوء:-
أني همشي لو احتجتي حاجة ناديلي هاجيلك طوالي
_ إكتفت ورد بإيماءة خفيفة من رأسها ممتنة لوجودها هي وإبنتها، فهن من يهونون عليها ما يحدث بينما غادرت صفية الغرفة قبل أن يراها أحد، إرتدت ورد وشاحها سريعاً ودلفت
للخارج لكي تطمئن على خليل فهي لم تري منه إلا خيراً _ إقتربت من الغرفة على إستحياء وقد لمحتها السيدة نادرة من داخل الغرفة وهي تعتلي الفراش، لم تتردد في التوجه نحو الباب بخطى ثابتة حتى وصلت إليها وأغلقت الباب قبل أن تولج هي للداخل
_ تفاجئت ورد بتصرفها الذي أجبرها على الوقوف لبرهة علها تستوعب حقيقة وقاحتها، إبتلعت ريقها وهي تحاول هضم خجلها معه، إستدارت وعادت إلى غرفتها تجر قدميها خلفها بثقل من فرط الحرج التي وقعت بين طياته ..
______________________________________
داخل الغرفة، إستعاد خليل وعيه تدريجياً إليى أن عاد لأرض الواقع بسلام، هرول جميعهم نحوه فرحين بسلامته
”حمدلله علي سلامتك يا أبا الحاج”
_ أردف بهم عسران مهللاً بسعادة بالغة فأجابه خليل بنبرة مرهقة:-
الله يسلمك _ إقتربت منه نادرة وجلست بجواره، ملست على رأسه بحنو وعاتبته بحنو:-
خوفتنا عليك يا خليل
_ رفع بصره عليها ورد عليها بنبرة مضطربة مختصراً حديثه:-
الحمد لله كل اللي يجيبه ربنا خير
_ جاء دور مصطفى في الحديث فقال سريعاً لكي يفر هارباً من بينهم:-
حمدالله على سلامتك يا بوي
_ ضاق خليل بعينيه عليه لبرهة ثم أشاح بوجهه بعيداً عنه لا يريد خلق أي محـ,ـادثة بينهم فهو لم يرضي عما يفعله مع ورد لذا فلا داعي لأي نقاش سيخلق بينهم
_ إنسحب مصطفى من بينهم حين شعر بالإختناق الشديد الذي أطبق على صدره وسبب له ضيق في التنفس، لم يريد العودة إلى غرفته وهرب من
السرايا بأكلملها، لحق به عسران بعد أن أطمئن على صحة خليل وحاول إيقافه بصوته الجهوري:-
وجف يا مصطفى يا ولدي أني مجدرش ألحج خطوتك
_ توقف الآخر عن السير وإستدار إليه بملامح جامدة، توجه عسران إليه بخطى ثابتة وأردف:-
متهملش الدار دلوك إحنا في وجت متأخر تعالى أسهر معايا وانا هعملك كل اللي في نفسك
_ عارضه مصطفى بتهكم:-
سهر إيه اللي عتتحدت عنيه أني من ميتي كنت بسهر والحديت الفارغ ديه؟
_ دنى منه عسران في محاولة أخري لأن يبقيه بجواره خوفاً عليه:-
يا سيدي أني رايدك جاري هترفضلي طلب إياك
_ تأفف مصطفى بضجر بائن وحرك رأسه يميناً ويساراً مستنكراً أمره ثم أولاه ظهره وتوجه نحو بوابة السرايا فأوقفه عسران بكلماته التي إنفطر قلبه حزناً إثرها:-
خوك خرج كيف دلوك ومعادوش تاني، بلوم نفسي ليه مأجبرتوش وجتها يجعد حدايا بدل ما أشيلوا على يدي وهو غرجان في دمه..
_ إستدار مصطفى إليه وطالعه بنظرات منكسرة تحمل من القهرة والحزن قدراً، حمحم عسران وتابع حديثه بنبرة تميل إلى اللين:-
متهملش السرايا يا ولدي صدجني أنا بعتبرك أنت وهلال الله يرحمه كيف ما تكونوا ولادي اللي ربنا مكتبليش إني أخلفهم، إجعد معايا إهنه وطلع خنجتك فيا أني وبلاها الخروج في الوجت المتأخر ديه
_ إزدرد مصطفى ريقه وذكري وفاة أخيه رادوته من جديد، صوب بصره نحو عسران وتحدث بصوت متحشرج يهدد بالبكاء:-
بس أني اجوي من هلال
_ قاطعه عسران بحكمته:-
وجت الجدر بيتعمي البصر يا ولدي، اسمع الحديت وإجعد جاري علي الأجل تهون عليا شوية
الوحدة اللي أني فيها ديي _ أولاه عسران ظهره واقترب من أريكته القديمة والتي يتكأ ظهرها على جدار غرفته التي تتوسط حديقة السرايا، جلس أعلاها وأشار إليه بالجلوس فجائه مصطفى على مضضٍ فلم يخضع لأحد من قبل فماذا الذي يحدث الأن؟
قبل قليل يخضع لزواجه من إمرأة يرفضها والأن يخضع لتوسلات عسران كأنه يخشاهم!!
_ هرب بأنظاره بعيداً عن عسران كنوع من التمرد، لمح تلك الهالة السوداء التي تقف في شرفة غرفته دون ملامح واضحة، بالتأكيد عروسه هي من تحملق به، ظهرت على شفاه إبتسامة ساخرة لوضعهم، لها الحق في أن تراه كلنا أرادت بينما هو لا يرى سوى الهالة السوداء سواء من بعيد أو من قريب!! _ انتبهت أذنيه لتلك الأغنية التي بدأت تطربها سيدة الغناء العربي السيدة ”أم كلثوم”
ياما أمر الفراق بين الخليل والخليل
شكوى وانين واشتياق قبل الوداع والرحيل
بابعد اخاف من خيالك واصورك في خيالي
مين في الوجود طال مطالك من قلب عاشق وخالي
ترخص الدمع الغالي وتلوع القلب السالي
والحب يظهر مقداره والقلب بتشعلل ناره
لما يغيب عن هالحبيب
غاب الحبيب عن عيوني ومين يداوي أسايا
من اللي يرحم شجوني ومين هواه من هوايا
تطول علي الليالي سهران أناجي النجوم
الدمع فاض بي وملالي في الوحده كاس الهموم
أصور الماضي في بالي واعيش على العهد الخالي
واللي يغيب عنه حبيبه يتقل م الدنيا نصيبه
ويعيش مابين اهله غريب”
_ مسحت عبراتها التي فرت من مقلتيها دون وعي منها وهي تصغي لكلمات الأغنية التي وصفت حالها مع مصطفى، بينما هو كالجبل المنيع لا يأثر به
ريح، لم تتحرك مشاعره ولو بمقدار ذرة لا يكترث لما يدور من حوله إذا لم يكن هو المتسبب به، ثم أنه ضحية مثلها تماماً أجبر على ذلك وتم الزواج أسفل ضغط والده عليه..
_ يذهب بعيداً ويعود إلى نفس النقطة من جديد وهي إجباره على زواجه منها، لكن لكل فعل رد فعل وردة فعله ستكون قوية بمثابة حصن يمنع أحدهم من التفكير في إجباره علي شيء بعد الأن ..
_ نهض ولم يكترث لندائات عسران، عاد بأدراجه حيث غرفته التي يمكث بها، في تلك الأثناء أرادت ورد مواجهته لكي تعلم حقيقة تركها في أهم ليلة في حياة أي فتاة!!
_ وقفت أمام بابها مترددة فيما تنوي فعله، وبعد عدت دقائق مروا عليها حسمت أمرها أن تبادر بالمواجهة قبل أن تغير رأيها، أدارت مقبض الباب مسرعة فلمحت طيفه يغلق باب غرفته، كزت على أسنانها بضيق شديد فحتماً لن تذهب إلى غرفته وتبدأ بمواجهته هناك، تأففت بتزمجر ثم عادت إلى الداخل مستاءة من ترددها الذي أضاع عليها فرصة المواجهة بينهم ..
_ طالعت ذلك الفراش اليتيم التي لم يحظي بعد بنوم أحدهم أعلاه، لم يكن أمامها سوي السير نحوه وألقت بجسدها عليه فور وصولها إليه، يجب أن تنعم بقدراً من الراحة اليوم وبالتأكيد يوجد حلول جديدة ستظهر في الوسط غداً ..
_ سحبت وسادتها الناعمة واحتضنتها برفق وتمتمت بغيظ:-
هو الخسران مش أني بكره يندم
_ تقلبت على الجانب الآخر في محاولة منها على النوم سريعاً لكن هيهات لأفكارها التي حلت ما أن إستلقت على الفراش وأرادت النوم وكأن بين الأفكار الواهية والنوم عقد متفق عليه من قبلـ,ـهم بأن لا يتركوها وشأنها تنعم بالقليل من الراحة!
_ رفعت الوسادة بكلتي يديها ووضعتها أعلى رأسها ورددت داخلها ‘فليحترق الكون” ستحظى بالنوم عافية إن لم يأتيها راضياً بذاته، وبعد دقائق من المعافرة إرتفعت حشرجة حنجرتها التي دلت على نعاسها ..
_ في الغرفة الأخرى أستلقى مصطفى على فراشه الذي لم يعتاده بعد، تقلب يميناً ويساراً على أملاٍ أن يسيطر عليه النعاس كما في فراشه الآخر لكن دون جدوي، توسط الفراش ووضع كلتي يديه أسفل رأسه وطالع سقف الغرفة لبرهة لتأتي فتاة أحلامه التي رآها اليوم في مطبخ السرايا، بدأت تظهر تقاسيمها رويداً رويداً إلى أن تشكلت بالكامل فابتسم هو فور تذكره
_ تذكر توتر يديها التي فركتهم بإرتباك خجل حينما تفاجئت بوجوده، ناهيك عن عضها علي شفاها السفلي التي أسرت قلبه، ماذا؟ أهناك من تستطيع أسر قلب مصطفى الجبلاوي عقل الحجر كما تلقبه والدته!
_ إنتفض من نومه ونظر أمامه لوقت قبل أن يردد:-
أجيبك منين يا شاغلة عجل مصطفي؟! _ حرك رأسه يطرد أفكاره اللعينة التي لا تتركه وشأنه ففي النهاية هي حلم جميل قد عاشه للحظاتٍ وقد مضي وركض في سلام ولن يتكرر ثانيةً .. _ أزفر أنفاسه بضجر بائن فهو لم يفعل سوي ما يخبره به عقله منذ زمن وحين خفق القلب لطلب واحد دون غيره لن يقدر علي تحقيقه ..
_ أخرج تنهيدة مليئة بالهموم المختلط بالإرهاق وعاد بجسده لذلك الفراش الذي لا مفر منه وحاول جاهداً أن يغفوا أعلاه لكنه فشل وبجدارة، إلتقط زجاجة المياه التي تعتلي الكومود بجانبه وارتشف الكثير منها ثم عاد ليجبر نفسه على النوم، مرت دقائق معدودة تلاها ساعاتٍ طويلة دون نوم
_ بدأ نور الصباح في البزوغ فاندمج مع زقزقة العصافير وكأنهم حاملين للنوم معهم، غفت عينيه تدريجياً ما أن شعر بالنعاس يتملكه حتى بات في ثُبات عميق…
______________________________________
_ في وقت لاحق بمكانٍ آخر، لم تكف عن التطلع علي نفسها بتفحص، قاربت على الساعة لا تفعل شيئاً سوي وقوفها أمام المرآة، تارة تداعب خصلاتها التي حررتها وتارة تملس بأناملها السمراء على وجهها وتارة أخري تختلس النظر إلي ملامحها التي تراها أسوء ملامح في الكون
_ فركت عينيها البُنية بعصبية وأنحنت على المرآة لتكون قريبة من صورتها المنعسكة وهتفت من بين أسنانها المتلاحمة ببغض:-
طلعتي سمرا كيف بوكي يا صباح، حتى خوكي أحلى منيكي ويشبه بت عمك ببياضه!، مناخيرك كيف الحلة اللي هتطبخي فيها كل يوم وعنيكي مفنجلة ومدورة معرفاش طالعة لمين بشكلها العفش دييه
_ تحسست خصلاتها وإبتسمت وهي تطالعهم بتفحص ورددت ساخرة:-
شعرك أحلى من بت عمك بس مداري ورا الحجاب معيشوفوش رجال واصل، هيشوفوا بس الخلجة العفشة ديي اللي تخليه يهرب منيكي جبل ما يشوف شعرك الزين أحلي ما فيكي
_ فرت دمعة من عينيها فمسحتها بغضب عارم، كزت على أسنانها بحقد وكلمات الجميع تلاحقها ولا تريد الإقلاع عن عقلها بسهولة، لم يرأف بها أحد يوماً، ومن وضيع الذكر
أن تلك الكلمات خرجت من فاه أبويها! اللذان من المفترض أن يكونان أكبر داعمان لابنتهم الوحيدة، لم تنتهي المقارنات بينها وبين ورد منذ صغرهم حتى الأن، وبعد أن إلتحقت بالمعهد العالي للحاسب الآلي لكي تكون ذات قيمة رفيعة ومكانه مرموقة بعدما تأكدت من عدم إكمال ورد لدراستها بعد الصف الثالث الثانوي، فعلت كل ما يمكنها فعله لكي تشعر بالقليل من الثقة التي تفتقر إليها لكن دون جدوي بالأخير تأتي كلمات متدنية تدعس على كل ما فعلته بحذاء ساقط حقير تنهيها بالكامل..
_ أقسمت بألا تدع الأمور وشأنها دون وضع بصمة واضيعة يتذكرها الجميع ويعلم من تكون صباح إبنة حمدي القاتل!!
_ إستمعت إلى صوت بوابتهم التي صدر عنها حكة شديدة أثر فتحها، توجهت نحو نافذتها لتعلم من الزائر فإذا به طاهر، تشكلت بسمة خبيثة على محياها حين روادتها تلك الفكرة الشيطانية التي لن تتردد في فعلها ثانية
_ سحبت غطاء رأسها ودلفت للخارج بخطى مهرولة حتي وصلت إلى أخيها بأنفاس متهدجة إثر ركوضها قبل أن يختفي وتفشل خطتها التي لم تبدأها بعد
_ جلست بجواره على الأريكة الخشبية التي وضع الزمان عليها بصمته فهي تعود إلى جد والدها، سكون حل لبضعة دقائق قاطعته هي بنبرة لينة:-
كانك مضايج؟
_ شعر طاهر بإهانتها له فأسرع بالحديث لكي تكف عن ثرثرتها التي ليست في محلها الأن:-
صباح مش وجته اللي ناوية عليه ديه أني على أخري
_ رمقته بغيظ لكنها لم تبدي له تهكمها منه وأسرتها في نفسها، سحبت نفس وأردفت بحزن زائف:-
أني حاسة بيك يا خوي مهما مسكنا في خناج بعض في الاخر إحنا إخوات ودمنا واحد وأكيد عنحس ببعضنا وأني جلبي واجعني على حالتك ديي والصراحة عندي الحل بس خايفة من ردة فعلك
_ أوصد عينيه بتعب وأخذ زفيراً وشهيقاً لكي يواصل حواره معها بصدر يساع هرائها، أضافت هي حين لم تتلقي منه الرفض كما توقعت:- أنت بجالك كد إيه عايش على ذكراها وهي مهتحسش بيك؟، كاتير جوي.. يبجي جه الوجت اللي تشوف نفسك فيه وتدور على واحدة تحبك كيف ما تحبها مش اللي مش شيفاك من أساسه ديي!
_ فتح طاهر عينيه فهو لن يقتنع بما أردفته فكيف له أن ينسي عشق طفولته بتلك السهولة ويبدلها بامرأة أخري؟
_ تقوس ثغره ببمسة متهكمه ساخراً على تفكيره الساذج، فهي تزوجت من غيره وبدل الرجل رجلين وإلى الأن هو موضوع أعلى ركن ضئيل لا يسعه التنفس به، ربما عليه أن يرفرف بجناحيه ويقفز من ذلك الركن الذي لم يعد يسعه مطلقاً، أخرج تنيهدة مرهقة فعقله مشتت تماماً ولا يعلم ما الطريق الذي عليه أن يسلكه ويلقي جزاء صبره في آخره ..
_ خرج من شروده على إقتراح صباح بخبث فسره هو حماس أخوي:-
إيه رأيك في البت مروة؟
_ عقد ما بين حاجبيه متعجباً من ذاك الاسم الذي شعر بترديده على مسامع أذنيه من قبل، حرك رأسه لليمين قليلاً ورمقها باستغراب فتابعت هي موضحة:-
مروة أخت ضيف صاحبك!! يتبع… الحلقة التاسعة ( تَمَرُد ) ______________________________________ _ أشرق نهاراً جديد محمل بين طياته العديد من الأقدار للجميع، خرجت من غرفتها مسرعة ما أن استيقظت لعلها تطمئن على صحة العمدة، كانت تقدم قدم وتؤخر الأخري خوفاً من تصرفات السيدة نادرة المبهمة التي لا تعلم سببها ولما تفعل معها ذلك فلم يصدر منها أي أخطاء تُعاقب عليها
_ وقفت في منتصف الطابق في ذلك المرر الذي يجمع بين جميع الغرف وقبل أن تخطوا خطوة للأمام تفاجئت بيد تدغدغها من خلفها، أصدرت صرخة متوجسة خيفة من ذاك المجهول فأسرعت الأخري بوضع يدها أعلى فمها لكي تمنع صراخها الذي حتماً سيسبب مشكلة كبيرة _ إلتقطت ورد أنفاسها التي إنحشرت داخلها من فرط الخوف حين رأت صفاء تقف أمامها، رمقتها بغيظ ورددت معاتبة:- حرام عليكي يا صفاء جلبي وجع في رجليا ديي عاملة تعمليها بردك
_ إلتوى ثغر الأخرى متبسمة بإنتصار فلقد أخافتها على التمام والكمال، أخذت نفساً وأجابتها بمرح:- وليه متجوليش أنتِ اللي خفيفة وبتخافي من خيالك؟ _ عقدت ورد ما بين حاجبيها بذهول ثم إستشفت لُعبتها ولم تعقب فهي ليست بارعة فيما تبتكر صفاء في فعله، بادلتها إبتسامة راضية وقالت:- ماشي ياستي هعديهالك بس جوليلي الست نادرة فينها؟ _ لوت صفاء شفتيها كما قلبت عينيها بتذمجر ورددت مستاءة:- ست نادرة بتحضر الفطور للعمدة تحت _ تنهدت ورد براحة وأردفت بتلهف:-
زين جوي هدخل أطمن على عمي خليل طوالي جبل ما هي تاجي _ أماءت لها صفاء بقبول ثم إنسحبت للطابق الأول سريعاً قبل أن يراها أحدهم، إستغلت ورد تلك الفرصة الذهبية وتوجهت نحو غرفة خليل سريعاً قبل أن تعود السيدة نادرة لكن لا تأتي الرياح بما تشتهي السفن فصوتها الذي دوي عالياً قد أخاف ورد وخفق قلبها رعباً إثره:- وجفي عِندك رايحة فين كأنها تيكية بوكي تروحي وتاجي على كيفك؟ _ إقتربت منها بمشوخٍ وقامة مستقيمة ثابتة وواصلت حديثها بقوة:-
إستاذنتي جبل ما تدخلي أوضتي ولا متعلمتيهاش ديي في داركم؟ _ صعقت ورد من إهانة نادرة التي لا تنتهي وحاولت الدفاع عن نفسها بنبرة مهزوزة:- أني كنت هستاذن من العمدة جبل ما أدخل.. _ قاطعتها الأخرى بصياح مهاجمة إياها:- وتدخلي للعمدة وحديكي! مهتخلجيش عاد؟ ولا أنتِ متعودة على أكده _ إتسع بؤبؤ عيني ورد بصدمة جلية رُسمت على تقاسيمها الرقيقة التي إنكمشت في نفسها من صدمتها، فغرت فاها وكادت أن ترد عليها رافضة لتلك الإهانة التي تمس كرامتها لولا خروج مصطفى من غرفته في تلك الأثناء فأسرعت والدته بمنادته بإنفعال:-
تعالى يا ولدي شوف مرتك وهي عترد عليا، أني نادرة على سن ورمح مفيش واحدة جدرت ترفع عينها عليا جبل أكده مرتك بترد عليا أني _ حملقت بها ورد مذهولة مما تصغي إليه أذنيها لكنها لن تقف صامتة وتترك لها المجال لتقول ما ليس فيها:- أني مجولتش ح.. ”ششش اسكتي أنتِ هتردي على أمي إياك؟” _ هتف بهم مصطفى بنبرة أمرة فكانت الصفعة الاقوى، هي الأن وحيدة بينهم ينفردون بها ولا تقدر على إعفاء نفسها أمامهم فهم من يرمونها بالباطل عمداً فماذا تنتظر منهم
_ زفيراً وشهيقاً فعلت هي ثم أردفت متعمدة تبرئة نفسها:- أني مردتش عليها ومغلطتش وأنت زي ما سمعت منيها تسمع مني أني مرتك.. _ هاجمها مصطفى رافضاً لتلك الحقيقة التي لا يعترف بها للأن:- متجوليش مرتي.. _ إستدار لليمين ورفع سودتاه عليها فلم يري سوي وشاحها الغبي الذي يزيده حنقاً منها وواصل بغضب :- وسبج وجولت أني مشايفكيش غير مرت أخوي يعني كل اللي بينا حتة ورجة لا راحت ولا جت، وأمي خط أحمر وعجبك على أكده عجبك ليكي رأي تاني الباب يفوت جمل وعنزة مهتجيش عليكي
_ رجفت شفتيها مهددة بعاصفة بكاء شديدة على وشك الوصول، لقد تبخر تماسكها تماماً لطالما حاولت جاهدة بأن تتلبس ثوب القوة أمامه خصيصاً، إنهارت قوتها وتحولت إلى شهقات حاولت هي إخفائها قد الإمكان إلى أن تبتعد عنهم، فلم تستطيع النجاح في ذلك وصدرت آنه من بين آنينها وقعت على مسمع مصطفى _ شعر بإنعدام رجولته في تلك اللحظة حين تأكده من بكائها، حسناً يعترف بأنها لا تعنيه لكنه لا يريد أن يجرح قلبها بهذا الشكل المؤذي، نعم هو حاد الطباع ولا ينظر خلفه في تصرفاته مهما كانت بلهاء لكنه قد ندم على فعلته الحقيرة تلك
_ حرك رأسه عفوياً مع سيرها بعيداً عنه لكنه سرعان ما أعتدل عن ما يراود أفكاره ونظر في الفراغ أمامه يذكر كبريائه بأنه لن ينحني لأنثي! _ عدل من وضع وشاحه الذي يعتلي كتفيه بنظرة تحولت إلى العجرفة والتعالي وهو يذكر عقله من يكون هو، دنت منه السيدة نادرة وملست على صدره بفخر واإعتزاز شديد ورددت برضاء كامل عن تصرفه:- عشت يا ولدي دايماً رافع راسي _ تنهدت وسألته بفضول:- على فين من بدري أكده ؟
_ أجابها مختصراً حديثه بعبـ,ـوس:- على الشغل _ تراجع للخلف وأولاها ظهره ثم توجه نحو السُلم، خطاه كانت تسير على نهج بطيئ للغاية وسودتاه تطالع باب غرفته التي إختفت خلفها ورد، لا يرضي بما فعله لكن هيهات لتكبره فهو لن يتنازل ويعتذر من أجلها .. _ أسرع من خطاه وهبط للأسفل سريعاً ليثبت لنفسه بأن الأمر لا يعنيه وأنه فقط فعل الصواب بينما ظهر طيف بسمة طفيفة على محيا السيدة نادرة بإنتصار لكونها ليست بمفردها من تتصرف بقسوة مع تلك الفتاة فبالأخير مهما طالت فترة مكثوها في السرايا ستفر هاربة منهم ..
_ عادت إلى غرفتها تتغنج وتتراقص بسعادة عكس الحالة المذرية التي كانت عليها ورد، إنهارت بالكامل كلما تردد داخل عقلها حديثهم، هي من وافقت بسهولة على تلك الزيجة إذاً فلتتحمل عواقبها.. ______________________________________ في منزل آخر، إجتمع من في المنزل حول مائدة الطعام يتناولن الفطور، الصمت سيد الجلسة حيث قاطعه بقوله ساخراً:- منوياش تهملينا انتي كمان يا صباح بت عمك إتجوزت بدل المرة تنين حتى في ديي أنصح منك
_ شرقت صباح وإرتفع سعالها، رمقه طاهر بغيظ عارم ثم نهض عن مقعده وضرب براحة يده الغليظة على ظهرها بقوة وساعدها على إرتشاف القليل من الماء لكي تبتلع كلماته التي وقفت في حنجرتها ولم تستطيع إبتلاعهم، نهره طاهر بتجهم:- نصيبها لسه مجاش ولا أنت نسيت النصيب هو كمان؟ _ وضع حمدان قطعة الخبز التي بيده دفعة واحدة في فمه، إنتظر حتى هضمها بالكامل ثم تشجأ في وجههم وحدثه بجمود:- لا منسيتوش يا سي طاهر وإبجي اتحدت معايا زين بدل العنتزة اللي عتحدت بيها بوك ديي
_ كز طاهر على أسنانه بغضب يحاول كظمه ثم إنسحب من بينهم ودلف للخارج بخطى مهرولة يود أن يهرب منه ومن المنزل ويترك خلفه حياته السابقة بأكملها، رفعت ثريا بصرها على حمدان وعاتبته بهجوم:- عاجبك أكده الواد مكملش لجمته وإحنا ما صدجنا يجعد ياكل إمعانا _ رمقها حمدان بطرف عينيه شزراً كما لوى شفتيه للجانب الأقرب لها وهمس لها بتحذير:- كان العلجة بتاعت كل يوم إتوحشتك يا ثريا
_ سرت رجفة قوية في أوصال ثريا متوجسة خيفة في نفسها من تحذيره، نهضت عن مقعدها بهدوء وتركت له المكان يفعل به ما يحلوا له فهي ليست على إستعداد بتلقينها ضرباً مبرحاً من يديه الغليظة فعلاماتها الزرقاء لازال أثرها موجود على جسدها، نهضت صباح هي الأخرى فلن تعطيه الفرصة ليختلي بها ويسُم بدنها بالكلمات البذيئة، دلفت للخارج لعلها تلحق بطاهر حتى تواصل ما بدأته البارحة.. _ تفاجئت بوقوف طاهر مع زوجة عمها وشقيقها أمام منزلهم، لم تتردد وأسرعت خطاها نحوهم ربما تعلم أي شيئ عن تعيسة الحظ إبنة عمها
“على فين يا مرت عمي؟” _ خرج السؤال من فاه طاهر بإهتمام فأجابته السيدة سنية بلطف:- رايحين نطمن على ورد يا ولدي عشان نتوكل على الله نعاودا مصر جبل ما الليل يدخل علينا _ إرتخت ملامح طاهر وباتت تعابيره جامدة لا تدل على شيئ، إستشفت سنية ما خلف تطلعاته الباردة وربتت على كتفه بآسي:- كله نصيب يا ولدي إرضي بنصيبك وربنا أن شاءالله يعوضك بلي تستاهلك وتستاهل جلبك الطيب يا طاهر بس رايدة منيك طلب واحد
_ تحول برود عينيه إلى شغف وهم بسؤالها مهتماً:- رايدة إيه يا مرت عمي جولي _ تقوس ثغرها ببسمة سعيدة وشدت على كتفه بإمتنان وأردفت موضحة طلبها:- ورد أختك يا طاهر أطمن عليها يا ولدي أني مهبجاش موجودة وانت إهنه حمايتها وجت ما تحتاج لضهر كون لها أخو حنين أني عارفاك مهتهملهاش واصل بس جلب الأم بجا لازمن أمشي وأكون مطمنة عليها _ على الرغم من صعوبة إقتناعه بأنها شقيقته كما لقبتها زوجة عمه إلا أنه لن يتخلي عنها حتى وإن كان النصيب لا يرضيه، إلتوى ثغره للجانب مشكلاً إبتسامة متهكمة ورد عليها بشموخٍ:-
متخافيش يا مرت عمي ورد في عنيا التنين _ بادلته إبتسامة حين روادها شعور الطمأنينة وسكن قلبها، شدت على كتفه بحب وقالت مودعة كليهما:- أشوفك وشكم بخير _ غادرت برفقة شقيقها وزوجته وبناته متجهين إلى السرايا ليطمئنوا على ورد قبل سفرهم، لم تتحرك بؤبؤة عيني طاهر على السيارة التي اختفوا فيها _ ”شقيقة” تلك الكلمة التي لا تريد الإقـ,ـتلاع من عقله، يتردد صداها داخله، ألم يحين وقت الإقتناع بها؟ ”أخرتها تبجي أختك؟، عالم ناجصة” _ هتفت بهم صباح بحنق وهي تتابع طيف سيارتهم التي بدأت في الإختفاء، إلتفتت حيث طاهر وتابعت حديثها بإزدراء:-
مآنش الأوان تشوف اللي تستاهلك يا خوي؟ أنت جلبك طيب كيف البفتة البيضة وتستاهل واحدة تشبهك تعوضك عن اللي فات، وصدجني مفيش أحسن من مروة أنا خبراها زين وبأكدلك أنها المناسبة ليك.. _ سحب شهيقاً وأخرجه ببطئ ثم حرك قدميه للأمام قاصداً الخروج فأوقفته صباح بسؤاله:- جولت إيه يا خوي؟ _ أجابها مختصراً:- مش وجته يا صباح بعدين _ نفخت بتزمجر شديد فهي تريد أن تتم العلاقة بينهما سريعاً لكي تلقن ذاك الضيف درساً لن ينساه مدي حياته..
______________________________________ _ رحبت صفية بضيوفهم بحفاوة عكس الشعور المسيطر داخلها فهي على دراية تامة بما حدث البارحة، صعدت للأعلى لكي تخبر ورد بوجودهم، طرقت بابها بخفة لم تسمع أي صوت أو حركة تدل على وجودها _ أعادت طرقاتها بقوة أكبر قائلة:- يا ورد يا بتي والدتك وخالك تحت ورايدين يطمنوا عليكي _ فتحت الباب وظهرت من خلفه بعينين متورمة من فرط البكاء، أصدرت صفية شهقة خافتة حين وقع بصرها على حالتها المذرية، نظرت يمينها ويسارها ثم ولجت للداخل وأوصدت الباب خلفها وسألتها بإهتمام:-
مالك عاد يابتي ليه البكا ديه كلاته؟ _ مسحت ورد بسبابتها على أنفها لتجفف الماء الذي يسيل منها وردت عليها بنبرة مرتجفة:- أني تعبت، مخابراش بيحوصلي إكده ليه؟ متهنتش بجوازتي من هلال وبعدها متهنتش بجوازتي من خوه كاني شوم كيف ما بتجول الست نادرة _ فرت دمعة على مقلتيها حزناً حين تذكرت هجومها وإفترائها عليها في الصباح وواصلت حديثها بتلعثم:- حتى الست نادرة حالها اتبدل أو يمكن كانت أكده واني موخداش بالي دي افترت عليا وجالت لولدها اني برد عليها وأني والله مرديت عليها ولا رفعت صوتي حتى
_ لم تستطيع التماسك لأكثر وجهشت باكية ورددت من بين بكائها:- حتى ولدها عام على عومها وداس على كرامتي لاجل أمه _ وضعت كلتى يديها على وجهها وانهمرت في البكاء الغزير، أشفقت صفية على حالتها التي أثرت بقلبها، إقتربت منها وضمتها لحـ,ـضنها محاولة التخفيف عنها:- والله معرفاش أجولك إيه يا بتي ربنا يعوضك خير عن اللي شوفتيه .. _ إبتعدت عنها ورد وأردفت ما عزمت عليه:- أني مهجعدش إهنه تاني أني مستاهلش المعاملة ديي أنا لساتي صغيرة على كل بيحوصلي ديه
_ ربتت صفية على ذراعها وأردفت مشجعة إقتراحها:- معاكي في كل اللي هتعمليه المهم تكوني مرتاحة _ حركت ورد رأسها عدة حركات متواصلة حاسمة أمرها على الهروب من ذلك السجن التي حُسرت بين جدرانه، شهيقاً وزفيراً فعلت ثم دلفت للخارج بعدما إرتدت وشاحها الأسود الذي لا يظهر منها أي أنش وهبطت للأسفل بتريُث _ أسرعت خطاها ما أن رأت والدتها بتلهف، ألقت بنفسها بين أحضانها الدافئة، لا تعلم كيف تماسكت في ذلك الحضن الحنون ولم تخر قواها وبكت، إبتلعت ريقها لتتحلى بالتماسك أكثر أمامهم
_ إبتسمت لها السيدة سنية وبدأت بالحديث:- جيت أطمن عليكي يا جلب أمك جبل ما أهمل البلد _ دنت منها وسألتها بهمس:- طمانيني عليكي، حوصل؟ _ أهذا الكلام بمثابة تخليها عنها؟ لا تدري حقاً لقد تشتت عقلها، طالعتها لوقت قبل أن تردف:- هتمليني لوحدي ياما؟ _ خفق قلب السيدة سنية تأثراً بنبرتها التي شعرت من خلفها بتخليها عنها، أخرجت تنهيدة مليئة بالهموم وأجابتها بنفاذ صبر:-
مليت يا ورد من جرف حمدان اللي مهيخلصش، بيتحكم فيا كاني جارية عنديه مش أمانة خوه، طهجت يا بتي رايدة أرتاح لي شوية بس طبعاً لو جولتي لاه مههملكش وحديكي يا حبة عيني أني مليش غيرك _ رفعت ورد بصرها وحملقت في معالم السرايا بتفحص وإهتمام، تشاور عقلها فيما نوت عليه، أتكمل فيها أم تغادرها؟ _ لكن مواصلتها للعيش في ذلك السجن لن يكون منصفاً لها وإن غادرت لن يكون منصفاً لوالدتها حتماً لن يغادروا البلدة قبل إنتهاء ورد من عدتها إن تم الطلاق دون رفض من الجهة الأخرى وستضطر لأن تتعامل مع سخافة حمدان..
_ تريد أي علامة توجهها إلى أي طريق تسلك، أعادت النظر إلى والدتها التي تنتظر إجابتها بفروغ صبر ”سافري ياما اموري بخير” _ هتفت بيهم ولا تدري ما الذي دفعها لقول ذلك والسماح بسفرها، لم تترك لها الحياة خيار لتختار أفضلهم ففي كلتى الأمرين لن تترضي عواقبهم .. _ أدركت أنها أكثر نضجاً الأن حين فضلت راحة والدتها على ذاتها فمن المستحيل أن تضحي من أجل أي شخص إلا لها فهي من أحبتها بصدق ولم تندم على قرارها السريع التي لم تحسب عواقبه بعد لكن حتماً سيرضيها الله..
_ لم تكتفي سنية بجملتها فهي أكثر الانُاس حفظاً لنبرتها حين ترفض شيئاً، سحبت نفس وأردفت مؤكدة:- ليه حساكي مش بتجوليها من جلبك؟ جولي لو ريداني أجعد وحداكي المهم تكوني مبسوطة يا جلب أمك _ رسمت ورد بسمة زائفة وردت عليها تنكر حدسها:- أكيد ياما زعلانة عشان هنتفارجوا بس هكون مبسوطة وأنتِ مرتاحة وبعيدة عن حمدان وعمايله _ ربتت ورد علي ذراع والدتها وتابعت مضيفة:- سافري ياما متشليش همي أني بخير في سرايا جوزي طلع طيب وعيخاف عليا كيف أبوي الله يرحمه أنا إهنه في أمانته
_ كلماتها بثت الطمأنينة في قلب السيدة سنية وشعرت بالراحة المفرطة داخلها، ضمتها للمرة الأخيرة قبل مغادرتها ومن ثم تلاها خالها وزوجته ثم بناته الحبيبات .. _ وقفت ورد على باب السرايا تلوح لهم بيدها مودعة إياهم وقلبها ينفطر حزناً لكونها باتت وحيدة لا يعولها أحد، أعادت يدها لجانبها ما إن إختفى طيف السيارة من أمام مرأي عينيها، حسناً لقد حان الوقت لأن تنهار قوتها وها قد بدأت عبراتها في النزول بألم شديد يكاد يخترق ثيابها من شدته ..
_ رأته يعود من جديد إلى السرايا، لا تعلم أي شعور يصف تلك اللحظة لكنها تريد معانقته لعل عناقه لها يهدئ من روعها قليلاً ويبدل حالها إلي الأفضل _ سار بجوارها كأنها نكرة لم يراها ولم يهتم لوقوفها على تلك الحالة التي لا داعي لها، إستدارت حيث يسير ولم ترفع زرقاوتاها الذي إنطفئ وميضهم من عليه بقهرة كبيرة سكنت قلبها ..
_ عادت إلى غرفتها تجر خيباتها التي إنسدلت عليها خلف بعضهم دون رأفة لقلبها الرقيق، أوصدت باب غرفتها وببطئ شديد تركت جسدها يهبط رويداً رويداً إلى أن احتضنت الأرض التي نالت نصيبها من الدموع التي تختفي بين ثغراتها، لم تكف عبراتها في الهطول، بكاء صامت يقطعه أنين خافت من حين لآخر، ظلت على حالتها تلك إلى أن أنهال عليها التعب وغفت رغماً عنها بمشاعر جامدة خالية من أي شعور ..