_ وجه بصره إلى سنية مطالباً بتدخلها:-
جولي حاجة يا أم ورد _ وزعت سنية أنظارها بينهم وأردفت مشاكسة مصطفى:-
وماله ما تسيبها ديه كلاته سبوع وبعدين تعاود لك من تاني _ أسرعت ورد في معانقتها بحبٍ مفرط بينما ذهل مصطفى من ردها الذي لم يأتي في صالحه وفضل الصمت فلن يعارض من تكبره عمراً لكن الرفض يتجلى في عينيه وبشدة. _ خرجت السيدة سنية عن سكونها مازحة:-
أني بهزر إمعاك كنت رايدة أشوف غلاوة ورد عنديك
_ نكسى مصطفى رأسه في خجل فهو لم ينطق ويرفض بقلب جرئ بل صمت احتراماً لها وعلى ما يبدوا أنها فهمت خطأ، أخرج تنهيدة مستاءة وردد بتهكم:-
وأني سكت.. _ قاطعته سنية بنبرة مليئة بالحيوية واللهفة:-
بس عيونك فضحتك! _ رفع مصطفى بصره عليها مذهولاً فانفجرت سنية ضاحكة وهتفت من بين ضحكاتها:-
مشوفتش عملت كيف لما جولتلك تسيبها، مش لازم تتحدت عشان اللي جواتك يبان العيون عتفضح على طول، وعموماً يا سيدي خدها من الليلة كمان أني راضية المهم تكونوا مبسوطين في حياتكم يا حبيبي
_ تراجعت ورد للخلف حتى تري وجه والدتها بوضوح مرددة بعدم استيعاب:-
إيه ياما اللي بتجوليه ديه _ أضاف مصطفى على حديث ورد مبدي رفضه بحرج بائن:-
لاه خليها الليلة بس الليلة ديي بس _ حسمت الأمر السيدة سنية بقولها:-
ولا ليلة واحدة تباتها البت برا بيت جوزها _ وجهت بصرها لورد وواصلت مضيفة:-
وديه من اللي الحاجات اللي تجدري تبنيها يا ورد متهمليش دارك لأي سبب وأني أهاه جاعدة معاكي السبوع كلاته نشوفوا بعض في أيتها وجت بس الليل يابتي يحب الونس..
_ تبادلا مصطفى النظرات مع ورد بمشاعر سامية اجتاحتهم من خلف كلمات السيدة سنية الناضجة والتي في محلها، نهضت ورد في صمت وارتدت وشاحها ثم أقبلت على والدتها وطبعت قُبلتين على وجنتيها مودعة إياها والتفتت إلى حيث يقف مصطفى _ طالعت ملامحه التي تود الضحك ويحاول قدر المستطاع إخفائها، أضاقت عينيها عليه بغيظ شديد وهتفت بتزمجر:-
أيوة حديتها جه على هواك _ خرجت ضحكاته التي حاول جاهداً السيطرة عليهم فور قولها عالياً، تشاجر كليهما بمزاح ثقيل بعض الشيئ فأسرعت سنية مصدرة تنبيه:-
وطي حسك يا ورد خالك نايم وعيصحي من بدري عشان يمشوا
_ لكزته ورد في كتفه بقوة وأردفت مغتاظة منه:-
امشي جدامي وبطل ضحكك اللي عيستفزني ديه _ مال مصطفى برأسه لينظر إلى سنية مودعاً إياها ثم أسبق بخطاه إلى الخارج كذلك ودعت ورد والدتها وغادرت معه في جو ملئ بضحكات مصطفى التي يصدرها فقط ليشاكسها. _ قُضي اليوم وفي بداية اليوم الجديد عانق مصطفى ورد إلي أن غفيا على وضعهم وكانَ خير أنيس لبعضهما. ______________________________________ _ أشرق ضوء النهار معلناً عن أحداث جديدة في حياتهم، ظل يعاند النوم الذي يسيطر عليه بالكامل، تثائب عدة مرات متتالية ثم شعر بذلك الصداع اللعين الذي يجتاح رأسه بألم مبالغ فيه.
_ نهض بحذر لكي لا يزيد من ألمه، فرك عينيه بأنامله حتى يعتاد إضاءة الشمس المتسللة من زجاج النافذة، ابتعد عن الفراش بكسل مختلط بالتعب والإرهاق الذي يشعر بهما. _ توجه نحو المرحاض فتفاجئ بنحيب مسموع يأتي من الداخل، توقف عقله في تلك اللحظة ولا يعي ما الذي يحدث أهذا حلم أم حقيقة؟ _ طرق الباب بخفة فلم يجد إجابة بل لاحظ توقف صوت البكاء فجاءة، أعاد طرقاته مرة أخرى بقوة أكبر ولكن دون جدوى.
_ فلم يكن أمامه سوى اقتحام المرحاض ليعلم ما الأمر، أدار مقبض الباب ثم ولج بهيئته، تفاجئ بها تجلس على حافة المغطش الرخامي متكورة في نفسها تكاد تظهر أمام عينيه، ارتجفت هي ما إن رأته أمامها، طالعته بنظرات متوجسة لبرهة ثم أخفت وجهها براحة يديها ما أن رآته يقبل عليها. _ اقترب منها وجلس القرفصاء حتى يكون في نفس مستوى طولها وأزاح عنها يديها وفوجئ بتورم جفنيها ناهيك عن إحمرار عينيها وكأنما انفجرت بهم أحد عروقها..
_ بهدوء سألها متلهفاً:-
عاملة في نفسك أكده ليه؟ _ تراجعت للخلف متوجسة منه ولم تجرأ على محادثته، شعر الآخر بالإختناق يطبق على صدره لحالته المذرية وأعاد سؤاله بنبرة محتقنة:-
انطجي يا مروة إيه اللي حوصل عشان تخافي مني أكده؟ _ فغرت فاها وأجابته بنبرة خافتة لم تصل إلى أذناه:-
أنت مفاكرش اللي حوصل!
_ صمت لبرهة محاولاً استعادة ذاكرته ليعلم ما الذي اقترفه ليسبب لها الذعر منه لكن لا يتذكر، عقله واقفاً تماماً ولا يذكر شيئاً، حاول جاهداً السيطرة على أعصابه التي على وشك التلف وأعاد النظر إليها وأردف بنبرة حنونة لكي يبث فيها الطمأنينة منه:-
مفاكرش أيتها حاجة، جوليلي أنتِ إيه اللي حوصل أني أذيتك؟ مديت يدي عليكي؟ _ أماءت له نافية ما قاله فواصل هو أسئلته بضيق شديد:-
أومال إيه اللي حوصل؟
_ شهيقاً وزفيراً فعلت مروة وقالت بنبرة متحشرجة تهدد بالبكاء:-
طول الليل كنت بتناديلي بورد، كانك شايف واحدة غيري جدامك، خلتني أكره الليلة اللي أي بت عتحلم بيها بيوم .. _ أجبرها حيائها علي عدم تكملة الحديث وجهشت باكية كلما تذكرت الألم النفسي والجسدي الذي عانته بسببه، لعن طاهر غبائه الذي أوصله إلى تلك النقطة، فهو لم يتوقع فعل ذلك مطلقاً فأخر ما جاء في مخيلته أنه سيفقد صوابه ولا يشعر بوجودها معه في تلك الليلة.
_ كاد أن ينفجر غاضباً إلا أنه تحلى بالهدوء لكي لا يزيد من خوفها منه، نهض من وضعه الذي سبب له ألم في ثائر جسده وجذبها برفق من يديها أوقفها أمامه ثم أردف بنبرة تميل إلي اللين:-
ادوشي وبدلي خلجاتك وتعالي رايد اتحدت وياكي _ ملس بيده على وجهها بنعومة وقال:-
تمام. _ أماءت له بقبول ثم أولاها هو ظهره وانسحب للخارج ولم يكف عن السُباب لتهوره اللعين، أوصد الباب وانتظر أمامه حتى يرى إن كانت ستفعل ما أمرها به أم لا
_ تأكد من سماعها للحديث حين صغى إلى ارتطام قطرات المياه علي أرضية المغطس، سحب نفساً عميق وتوجه إلى الفراش محاولاً تذكر أي شييء لكن بالأخير تبوء محاولاته بالفشل فهو لم يستمع إلى تنبيه صديقه وأخذ القرص كاملاً ظناً منه أن سيفقد صوابه بتلك الطريقة أسرع لكنه قد فقد صوابه وإنسانيته. _ كور قبضته بغضب حتى بزرت عروق معصمه، كاد أن ينفجر في تحطيم الغرفة إلا ان ظهورها قد منعه من فعل ما يتمنى فعله، حاول ضبط أنفاسه المتهدجة ليتحلى بالسكينه داخله ويُصلح ما اقترفه في حقها دون وعي منه.
_ أقبل عليها مشكلاً بسمة زائفة لكي تشعر بالراحة من وجوده، وقف مقابلها وبدأ يشرح لها سوء التفاهم الذي حدث:-
أني آسف عارف اللي إن الأسف ميكفيش بس أني كنت غايب عن الوعي أني حتى مفاكرش إيه اللي حوصل _ رقق من نبرته وواصل حديثه المسترسل بنبرة حنونة:-
في اليوم اللي كيف ليلة إمبارح ديه صحاب العريس بيوجبوا معاه ببمنوعات طبعاً غلط أنه ياخدها بس بتبجى الجلالة واخداه كيفي إكده يعني كل اللي جولته ديه من خيالي الباطن أني معرفش عنيه حاجة واصل بتكون هلوسة مش حجيجة فهمتي؟
_ ارتخت ملامحها ببعض الراحة التي اكتسبتها من حديثه، رفعت بصرها عليه وعينيها تترقرق فيهما العبرات، وبنبرةٍ تميل إلى الشجن سألته:-
يعني مفيهش ورد؟ _ فوجئ طاهر بسؤالها الذي اخترق صمام القلب مباشرةً فسبب له ارتفاع في معدل نبضاته، ابتلع ريقه وطالعها بإيلام فلن يقدر على قول ما تأباه كل ثغرة فيه، تطلعاتها عليه في انتظار إجابته ترغمه على التفكير جيداً في انتقاء كلماته لكي لا يؤذي مشاعرها فيكفي ما تسبب في فعله. _ هرب بسودتاه بعيداً عنها وبصعوبة بالغة قابلها في إخراج كلماته التي ترفض النطق أردف:-
مفيش ورد..
_ كز علي أسنانه بضجر، كم يود الصراخ عالياً ويصرح بأن القلب لا يدق إلا لإسمها، لكن لا يسمح الزمان ولا المكان وما عليه الأن سوى الرضوخ لتلك الزيجة ومعاملة زوجته بحُسنة. _ تقوس ثغر مروة ببسمة بريئة عذبة ثم فاجئته بعناقها الهادئ الذي لمس شيئاً مختلف فيه، لا يعلم أي وصف يصف تلك اللحظة لكنه يجزم بأن غضبه قد تبخر من خلف عناقها المفتقر. _ أحاطها طاهر بذراعيه ليكتمل عناقهم الأول، أخذ نفساً عميقاً ورفع وجهها بسبابته ليقابل عينيها وسألها مستفسراً:-
بتتوجعي من حاجة؟
_ تلونت وجنتيها بالحُمرة الصريحة بسبب سؤاله الجرئ، عادت إلى صدره دون أن تجيبه فاستشف طاهر خجلها لكنه لن يتراجع قبل يعلم إلى أي درجة قد مسها أذاه:-
طمنيني عليكي، أنتِ زينة؟ _ اكتفت مروة بإيماءة خفيفة من رأسها فتسللت الراحة إلى قلب طاهر، انتبهوا كليهما على طرقات الباب الخفيفة، ابتعد عنها وتوجه نحو الباب ليعلم هوية الطارق، أدار مقبض الباب فإذا بها والدته، شكلت إبتسامة عريضة على محياها ما إن رأته وهللت بسعادة:-
صباحية مباركة يا ولدي
_ أجابها طاهر مختصراً:-
الله يبارك فيكي تسلمي ياما _ مالت ثريا برأسها لتلتقط العروس الواقفة خلف طاهر هاتفة:-
كيفك يا عروستنا؟ _ جائتها مروة تمشي على استحياء شديد، وقفت خلف طاهر من فرط حيائها وشدت على ثيابه فسببت له القشعريرة إثر لمستها وبنبرة تكاد تصل إلي أذان ثريا هسمت:-
الحمد لله _ اتسعت ابتسامة ثريا وأخبرتهم بما جائت لأجله:-
أهلك تحت يا مروة ورايدين يطمنوا عليكي _ أماءت لها مروة بينما قال لها طاهر:-
هنبدل خلجاتنا وننزلوا وراكي ياما
_ وافقته ثم انصرفت من أمامهم ترحب بضيوفها لحين حضور طاهر مع زوجته الحبيبة، عاد طاهر إلى مروة وبتردد طال لبرهة أردف بإرتباك حرِج:-
ينفع محدش يعرِف باللي حوصل ليلة امبارح، خليها بيناتنا _ أماءت له بطاعة ثم شرعا كليهما في تبديل ثيابهم سريعاً وهبط معاً حيث توجد عائلة مروة، رحبت أميمة بإبنتها بحفاوة شديدة وكأنهن مفترقتين منذ زمنٍ بعيد وليست سوى ساعات قليلة. _ لاحظت أميمة تورم جفن مروة الواضح كذلك لاحظها الجميع، نظرت أميمة إلى ثريا واستأذنتها بلُطف:-
متواخذنيش يا ثريا ينفع أعاود مع مروة الأوضة؟
_ اتسعت حدقتي ثريا بذهول ورددت معاتبة:-
أباه أنتِ بتستأذني يا أميمة الدار دارك يا حبيبتي اعملي فيها ما بدالك _ شكرتها أميمة ممتنة:-
تسلمي يا غالية عن إذنكم _ وجهت أميمة بصرها على إبنتها الأخرى وأمرتها:-
تعالي ويانا يا بسمة. _ نهضت بسمة بتعب ورافقتهم إلى الأعلى بينما ظل طاهر متابعاً لتحركاتهم غير مطمئن لتلك الجلسة النسوية ودعى داخله بأنها لا تشي بفعلته. _ أعاد انتباهه إلى ضيف ورحب به مراراً ثم سأله بفتورٍ:-
فينه الحاج حنفي مچاش وياكم ليه؟
_ رد عليه ضيف معللاً سبب عدم مجئ والده معه:-
أبوي ملوش في الحديت ديه بيجول أنه يخص الحريم ملهوش صالح بيه _ طالعه طاهر لثوانٍ فاستشف ضيف الهدف الذي أحرزه في مرماه فانفجرا كليهما ضاحكين، توقفوا عن الضحك حين تدخلت صباح بقولها:-
عربيتك ديي يا ضيف اللي عتجفل الطريج، فيه ربع نقل رايد يعدي _ رمقها ضيف بإمتعاض شديد ثم استأذن وهم بالخروج لكي يزيح سيارته عن الطريق، فوجئ فور خروجه بعدم وجود سيارات أخرى في الارجاء، لعن تلك البغيضة التي يكرهها وكاد أن يلتفت إلى حيث جاء لكنها منعته من العودة بوقوفها أمامه.
_ كز ضيف أسنانه بغضب عارم وبرغم نبرته المنخفضة إلا أنها كانت أشد قساوة وغضباً:-
أنتِ مهتجيبهاش البر أبدا يابت حمدان بعدي عن طريجي عشلن سكتي واعرة وأنتِ مش كدها _ لوت شـ,ـفتيها بتهكم بائن وهمست له بانتصار:-
كانك مشوفتش عيون أختك المورمة _ دنت منه وواصلت هامسة:-
ديي البداية يا أخوها..
_ ابتعدت من أمامه مسرعة وعادت إلى الداخل بينما لم يجرأ ضيف على رفع ساقيه كأنهما التصق في الأرض، خرج من شروده على طيفها الذي اختفى من أمامه حين غطت والدته وشقيقاته عليها، استأذنت أميمة من أهل المنزل ثم غادرت برفقة بسمة وضيف الذي لم يتحلى بالصبر حتي يبتعدوا عن المنزل وألقى بسؤاله متلهفاً لسماع إجابته:-
مالها مروة عاد ياما؟ _ توقفت أميمة عن السير ورمقته متعجبة من سؤاله المريب ورددت متسائلة بحيرة:-
مالها مروة يا ضيف؟