” أنا هاجي معاكم، عاوزة أشوفها يا عيسـى”..
هز عيسى رأسـه برفـض و أقتـرب تجـاهها يقول بحزن:
” مش هتستحمـلي يا ماما و هتتعبـي، خلـيكِ هنـا و صلي وادعيلها “..
” لا يا عيسـى هاجي، ملهـاش لا أم ولا أخت يقفـوا علي غُسـلها، أمك مش ضعيـفة وأنت عارف.. دقيقـة واحده هغير هدومي، أوعي تمشي “..
اومأ لها بإستسلام ثم جـلس علي الأريكـه بتعـب، ينظـر للأعلي بشـرود، تدمـرت حيـاة منتصـر بلحـظة واحـدة، لفـظت نسـرين أنفاسها الأخيرة و رحـلت عن عالمنـا وأغمضت عيناها عن دُنيـانا، وهذه هي نهايـة الرحلة مهما طـالت…
ابتعـد عن اخوتـه لسنـوات لئلا يكـونوا نقطـة ضعف أو تهـديد لـه، ولكن بلحـظة ضعف تزوج منهـا و وضعها هي أمام المخـاطـر بأكمـلها، إن أحبها حقا مـا كان ليتزوجـها هو فقـط أراد زائـرة أحلامه و أراد منـع ظُلم عمـه المماثل لأبيـه.. هي بريئـه، بسيطـة عاديـة تحـاول الإندماج في عالمه الباهت المزيـف، لا يملك مشاعر الحب ليقدمهـا لهـا، هي نقيـه وهو كان يـري نفسـه ملاكـا لرفضـه أي فتاة تُجـبر عليـه و يساعدهـا، ولكنـه كان يتغافـل عن معصيـته مع غيـرهم من سمحـوا لـه بما لا يحـل لـه أبدا..
اعتـدل يلتقـط أنفاسـه ليـجدهـا أتت أمامـه بكوب من المـاء البـارد وشطـيرة صغيـرة علي حاملة الطعـام الصغيـرة:
” أنت علي فطـارك من إمبـارح ولسه بكرا اليـوم طـويل، أنا بصراحه معرفش حاجه لسه في المطبخ وإلا كنت عـملتلك حاجـة تانيه “..
أمسك بيدهـا وربت عليهـا بهدوء ثم أخذ الطـعام يتنـاولـه و احتسي كـوب الماء البـارد لعلـه يُطفئ نيـران قلبه، سحبـت يدهـا بهدوء وابتعـدت تبحث عن هاتفـها الذي تركـته لتشحـنه من فتـرة، أخذته مع وصـول زينـات بذلك الرداء الأسـود…
دلفـت زينـات لذلك المكـتب ولم تشعـر بنفسهـا إلا وهي تضم منتصـر تربت عليـه بحنان و هو تشبث بـهـا ازداد بكاؤه وكأنه انتظر من يشـاركه الضعف والبكـاء بدلا من قوته الزائفه التي اصطنعهـا أمام عيسـى..
سحـب عيسـى والدتـه لتجـلس علي الكرسـى المقـابـل لمنتصـر في النهايـة هو ليس ابنهـا الحقيقـي، قال منتصر بخفوت:
” الدكـتور خد مني العينـه، روحـله أنت و مراتك علشان نلحق ندفـن قبل الضهـر مش هبهدلها الليل و اليوم كـله، كفايـه عليها كدا “..
تحـرك عيسـى للخـارج يسحـب زمـرد خلفـه و بالفعـل أنتهـي الأطبـاء من تلك الإجراءات خـلال ساعـات قليـله، وأنتهـي الغُسـل فـدلف منتصـر يقتـرب منهـا بأعين مرهقـه من كثـرة البكـاء، جثا علي ركبتيـه ليصبح وجهه أمام وجهـها وقـال بين دموعه:
” هتوحشيني يا قلب منتصـر، كنتي نعم الزوجـة يا نوسـه، راضي عنك و أتمني مكونش ظلمتك في يـوم، لو دا حصـل سامحيـني “….
ابتعـد عنهـا بصعوبـه و بـدأت مراسم الدفـن، كان يُغلق ذلك القبـر تاركا روحـه وأنفاسـه بداخـله، ابتعـد الجميـع حتي ان عيسـى أرسـل زوجته و والدته مع أحد حراسه الموثوقيـن وبقي خـلفه…
قـال منتصر بتعب:
” روح أنت يا عيسـى أنـا قاعد شوية”..
” هو أنا سألتك هتقعد شوية ولا كتير!! أنا هفضـل معـاك مش هتحرك من غيـرك “…
تحـرك منتصـر معـه بعد مرور سـاعـة أخرى، أصر عيسـى عليه أن يأخذه لقصـره ولكنـه رفض رفضـا قاطعـا يقول بصـوت مليئ بالغضـب والتوعد:
” خـدني عنده… خليني أبرد نـاري يا عيسـى”..
نـظر عيسـى أمامه بملامح جـادة تخـفي خلفهـا الكثـير من الغضـب و الدهاء والمكـر، تخطـت سرعته الحـد المسمـوح بـه ولكنه يعلم بأن هذا الطـريق خاليـا من السيـارات، وأخيـرا توقف أمام مبـني قديم، تستطـيع من الخارج سماع صوت زئيـر ذلك النمـر الجائـع..
ابتسم عيسـى بخبث وتحـرك للداخـل وخلفـه منتصـر، فتح لهـم الحراس البـاب فتحرك الإثنـان بهيبـة و حضور طاغي برغم يومهم المتعب وكل ما مروا بـه..
اقترب منـتصر ينظر بتشفي لذلك الذي تصبب عرقـا وهو ينظر بخـوف يري مصيـره بين أسنان ذلك النمر الجـائع فقال بصوت مرتجـف:
” أنا.. والله ما قولتلـه يقت.لهـا، هو اللي غـبي.. خلينا نتفـاوض يا منتصـر!!!، متنـسـاش أنا نبيـل الصيـرفي.. ورايا اللي أكبر من عيسـى اللي أنت بتتحـامى فيـه “..
” صـح، عندك حـق خلينا نتفـاوض ”
كـان عيسـى يجـلس بعيـدا يتـابع المشهـد أمامه و لا ينـوي التدخـل بأي شكـل حتي إن أثـار نبيـل استفـزازه بكل الطـرق، تحـرك منتصـر لداخل القفـص و بدون أي مقدمـات كور قبضـته و لـكم نبيـل بقـوة لدرجـة أنه سمع صـوت تكسـر عظـام فكـه و ارتطم جسد نبيـل بالأرض بألم حاد في وجـهه ولم يكـتفي منه منتصـر بل أنقص عليـه بوابـل من الضـر’بات المؤلمـة و هو يراها أمامـه، يراهـا غارقـة في الد’ماء، يري مو’تتها القاسيـة…
خـرج منتـصر و أحضر زجـاجه من الماء ثم أفرغهـا علي رأس ذلك الفاقد لوعيـه فابتعد نبيـل للخلف يقول بتعب:
“كفـاية، كـفايـة.. اؤمره يبعـد يا عيسـى”..
رفـع عيسـى نظراته تجـاهه بكبـرياء و غرور فهـو يعلم جيدا بأن منتصـر حتي في هذه اللحظه سيمتثـل لأوامـره ولكنه قال بغضب:
” أنا بحـرم نفسي اني أخد حق واحده كنت بعتبرها أختي علشان منتصـر يطفـي نا’ره ويكتفي منك.. أنا اللي جايبك هنا يا نبيـل مش منتصـر… لتكـون فاكـر اني مكنتش عارف بتهـد’يداتك!! بس أنت بالنسبـالي حشـرة متسواش، أنا عارف من قبـل ما البوليس يكتشف ان اللي أنت باعته مكانش نـاوي علي قتـ.ل، بس نصيبك الأسود هو اللي وقعـك تحت ايـد عيسـى و منتصـر “..
نـظر عيسـى تجـاه منتصـر يأمره:
” اخرج يا منتصـر، خلي تايجـر يرحب بضيفنـا “…
تحـرك منتصـر للخـارج وأشـار عيسـى بعينه للحـراس فأقتـربوا من ذلك القفص يحـركوه فأصبح بـاب القفصيـن متقابـليـن وبمجـرد فتحـهم سيصبح قفصـا واحدا، أشـار عيسـى لمنتصـر أن يفعـلها بنفسـه، فتحرك منتصـر يقف فوقـهم يسحب البابيـن و قد علت صوت أنفـاسه وهو يُشــاهد ما يحـدث فقد أقتـرب منـه تايجـر و علت صـوت صرخـات نبيـل المرتعبــه وكـاد يُغشي عليه من خـوفه حتـي شعـر بسهـم يصيب ذلك الحيـوان فترنح تايجـر قليلا ثم سقط…
نـظر نبيـل تجـاه مصدر ذلك السهـم ليجـده هو بنفسـه:
” عيسـى “..
نـظر له عيـسـى بتقـزز ليهبـط منتصـر من أعلي القفصـين ومد يده يربت علي تايـجر:
” متزعلش مني يا صاحبي، بس متنفعكش اللحمـة الفاسـدة “..
نـادى عيسـى أحد حـراسه أو يمكننا القـول الحارس الخـاص ب تايجـر وأشار له أن يأخذه للداخـل:
” و… سيبـوه هنا البوليس قدامه دقيقـتين بالظبـط “..
تحـرك عيسـى وخـلفه منتصـر وقبـل خروجهم للسيـارة ألتقوا بقـاسم الذي قال بحده:
” مكـانش في داعي للتصـرفات دي يا عيسـى بيه “..
ابتسم عيسـى يقول بسخرية:
” يا رب بس يوصـل عندكم للإعد’ام يا قاسم باشا، ولو دا محصـلش يبقـي هضطر أوسخ إيدي بد’مـه، القضـية لسه متقفلتش، أنا عاوز الواد اللي عمل كدا بأوامر نبيـل “..
أكمل حديثه بسخـرية أكبر:
” ولا أني أشك أنكم توصلوا قبـلي يا حضـرة الظـابط.. “..
تحـرك عيسـى من أمامه و بالطبـع خلفه منتصـر لينـظر قاسم تجـاهه بضـيق و اتجــه للداخـل ليفتح عينيه بصدمه:
” دا الراجـل بينازع!!! “..
…………………………………………………
كـانت تحـك ذقنهـا الصناعيـه بضـيق وتأفف، انتفضـت علي صوت فتح الباب وإغـلاقـه بقـوه و غضـب بدي علي ملامحـه، نظرت تجـاهه بريب فهو متغيـب منذ البارحـه ويبدو أنـه يواجـه مشاكـل بعمـله…
ولكنـها لم تهتـم وبدأت في تسخـين الطعام الذي أعدتـه مسبقـا وبدأت في وضـعه علي الطـاولـه فرأتـه يعـود من جديد يجـلس علي السفـرة يتنهـد بتعب، فضولهـا لم يمنـعها أبدا من التدخـل في شئـونه:
” مالك يا دكتور؟! “..
تأفف سليم يقـول بضيق:
” الحـالة كانت زي الزفت امبـارح، بنت مكمـلتش خمسـة وعشـرين سنـه جـايـه مد’بـوحه…
جوزهـا كانت حـالته صعبـه أوي، أنا لولا بحب شغـلي و شاطر فيه كـان زماني في مستشفي الأمراض العقـليه من اللي بشـوفه “..
قـالت زيـن بآسي:
” ربنا يرحمها، اهي استريحـت من الدنيا وقرفها “…
نظـر تجاهه سليـم بضيق:
” أنت يا ابني بائس ليـه كدا!! شغال هنا بقـالك يجـي شهرين وعمري ما شوفتك مره بتنـزل تخرج و لا ليك أهل ولا صحـاب بيكـلموك!! “..
أرتبكـت زين من تطـرقه للمـرة الأولي عن حيـاتها فقـالت بتوتر:
” أصل أنا شخص إنطـوائي مبحبش الناس ولا الزحمـة و لا بحب الدوشــه “…
كـانت كل تلك الصفات عكس شخصيـتها الحقيقـية، فالملل يكـاد ي***ها في هذا المنـزل ولكنـها تخشي أن يجـدها أحد من أهلهـا أو ضاحـي و أهلـه، ولولا فقـدانهـا لهاتفهـا لكانت تواصلت مـع أخيـها ولكن سـُرقت حقيبتهـا في محطـة القطـار بالقاهـرة….
قـال سليم بمـلل:
” عاوز أحلق دقنـي بس المكـنه بتاعتـي باظت، مش معـاك واحده أظبط بيهـا نفسي دلـوقتي علي ما أبقي أشتري واحده”..
حكـت رأسهـا بتردد تقول بحيره:
” لا أنا.. اه دي استخدام شخصي وأنا بصراحه مبحبش اشارك حاجتي “..
نـظر سليـم تجـاهه بضـيق وعاد ليكمـل طعامـه بمـلل و ارتكـنت زيـن علي طـاولة المطبـخ تأكـل أظافرهـا بمـلل حتي انتهـي فأقتـربت تنظـف السفـرة و تحـرك هو يغسـل يديـه ثم عاد يـُلقى بجـسده علي الأريكـه وهي انسحـبت كعـادتها بعدما يعود من عمله و ينتهـي من الطـعام تذهب للغـرفة ولكنـه أوقفهـا..
” زيـن هاتلي التيشـرت الأبيض من الدولاب “..
خلـع قميصـه و ألقاه لهـا فأخذته بإرتبـاك وهي تنـظر أرضا و بعـدما ابتعدت عنه هربت دمـعه منها تهمس ببكاء:
” يا رب اغفـرلي، يا رب اغفرلي.. “..
وقفـت أمام خزانتـه تبحـث عمـا يـريد أخذتـه فألتفتت لتصطـدم بجسـد كالحـائط، يقف كالسد المنيـع أمامهـا، رفعت عيناها له تنـظـر له بتعـجب بينما هو ابتسم يرفع يده يسحـب عن رأسها ذلك الشـال يقـول بسخـرية:
” التمثليـة طالت وبوخت اوي علفـكرا… “.. يتبع….
الحلقة الخامسة
“التمثليـة طالت وبوخت اوي علفـكرا… “..
” أنا.. أنا.. هفهمك كـل حـاجه “..
أقتـرب سليـم تجـاهها يُكمـل ما بدأ و سحـب ذلك الذقن المصطنـع يرميـه علي الأرض، إمتلأت أعين زيـن بالدمـوع و حـاولت الإبتعـاد ولكنه منعهـا يسألها بصوت أقرب للهمس:
” اي اللي يخـلي بنت زيك تقعـد في بيـت واحد عازب بالتمثيليـة دي!! “..
رفـع يده يتلمس خصـلاتها فأبعدت يده ثم دفعـته بكل قـوته في صـدره ليبتعـد عنها وبالفعل ابتعد سليـم للخـلف ولكـن بإرداتـه فقوتهـا أمامه لا تُذكـر..
تحـركت زيـن لخـارج الغرفـة سريعـا وتحرك هو خلفهـا يرتـدي ثيـابه يناديهـا بغضب:
” أقفي عنـدك “…
أرتبكـت زيـن لكنـها أكمـلت سيـرها تجـاه غرفتـها وعادت بعد دقـائق بعدمـا لملمت خصلت شعرها و وضعت فوقـه حجـابا ليعـلو صوت ضحكـاته، و انتظرت هي بضيق حتي ينتهـي من سخريـته…
” أنت عـارف من أمتي!! “..
” من أول ليلـة قعـدتي فيـها هنا، أنتي مين و عاوزة اي بالظبط!! “..
” عـاوزة أكل عيش والله مش أكتر، أنا.. أنا هربت من أهلي من ٣ شهـور، أول ما وصلت القاهرة اتسـرقت..
بعد يوميـن من الجـوع واللف في الشوارع طلبت أكـل من واحد بـواب عمارة، إدالي ١٠٠ جنيـة وقالي أمسح سلم العمارة كـله، ومن هنا قولتله لو عندك أي شغلانه أنا موجوده، بعرف أطبخ وأغسل و اعمل كل حاجه، جـابلي شغـل في بيـت ناس كدا بس الزفت ابن البيه الكبير مكانش سايبني في حـالي فسيبـت المكان كـله علي بعضـه وأنا ماشيه في ارض الله لقيـت احتفـالات و ناس بتوع عرايس و مهـرجين وقفت اتفـرج لحـد ما جت بنت من بتاعة العروض ولـزإيذاءي علي وشـي شنب، من هنا جـاتلي الفكره، لما لقيت شغل هنا اترددت كتير بس بسبب ان جيبي مكانش فيه جنيـة واحد
و أسباب تانيـه أنا وافقـت، خصوصا لما عرفت انك بتقضي معظم اليوم بـرا البيت “…
جـلس سليـم علي الأريكـة وهي وقفت أمامـه كالمذنبـة تخفض رأسها أرضا ليسألها من جديد: