Uncategorized

ورد ويوسف القسم ال1 بقلم نورهان علام

هزّت راسها ومشيت قدامي بخطوات سريعة، وأنا دماغي مشغولة. يظن الجميع من شرودي إني بفكر في ورث العيلة أو مثلا كوني شايل هموم التجارة الكبيرة ومعظم البيت، لكني بفكر: هعمل إيه لو الفساتين كلها ضيقة كده؟
أنا جبتهم مقاسات متقاربة من المقاس دا! وصلت الأوضة وقفلت الباب، خبطت وسمحت ليا بالدخول بعد ما استأذنتها.

“معلش بس، في دواء في الدرج اللي جنبك ممكن تجيبيه.”
قولتها وأنا واقف بعيد عند الدولاب، لأني مش عاوز أقرب أوي من السرير اللي هي قاعدة عليه عشان ما تخافش مني. اتحركت بتوتر وجابت الدواء على الترابيزة. أنا جهزت هدومي وعيوني لسه على الفساتين المعلقة، أخذت فوطة ودخلت الحمام، أخذت دش سريع ولبست لبس رسمي لأن عندي اجتماع شغل مهم أوي في المينا النهاردة.
خرجت ووقفت أسرح شعري وهي في مكانها ما تحركتش، رشيت العطر بتاعي ولِفِت ناحيتها وقلت:

“سارة بنت أم وليد هتلاقيها حوالين الأوضة، وقت ما تحتاجي أي حاجة نادي عليها. وغيري هدومك وارتاحي، أنا طول اليوم مش هكون في القصر، عندي اجتماع مهم وهاجي بعد معاد العشا…” مكنتش لسه كملت كلامي لكنها قطعتني وقالت: “مش مهتمة أعرف سبب غيابك، قول اللي عندك واتفضل…” اتنهدت وأنا بكمل كلامي وقلت: “لو مش حابة تنزلي تتغدي تحت اطلبي من سارة الغداء في أي وقت وهي هتجيبه، وكمان تقدري تقفلي على نفسك وتقلعي الطرحة، ولو محتاجة مني أي حاجة قولي لسارة وهي هتتصل بيا.”

تجاهلت كلامي، ضبطت هدومي وخرجت لخالد وسارة وقلت: “سارة… متبعديش ٣ متر عن الأوضة، بلاش تخبطي ولا تخلي حد يدخلها من غير إذني. كل طلباتها موجبة؛ لو أمي بالذات حاولت تدخل لها اتصلي بيا فورًا.” انصرفت من قدامي وخالد وقف قدامي وتطبطب على كتفي بابتسامة: “هتهون وقلبها هيلين يا يوسف، شوية صبر بس.” “أنا خوفي أكبر يا خالد، خايف نكرر قصة زينب وغريب، خايف أكون أنا غريب اللي أدفـ,ـن بالحِيا في جوزته.” اتنهدت، مكنش فاهمني ولا يفهم ليه شبهتنا بزينب جدتها وجدها غريب، لكن لو حكيت ألف مرة هي ورد بس اللي هتفهمني!

———————————————————— كان خرج من ساعتين أو تلاتة، وبدأت اتحرك في الأوضة. قفلت الباب بالمفتاح، وأخذت فستان أسود برضه غير اللي لابسته، مع حجاب نبيتي ودخلت الحمام أخد دش. خرجت من الأوضة ولسه بدور على سارة لقيت بنت ١٧ سنة جات وقفت قصادي وبتقولي: “آنسة ورد… حضرتك محتاجة حاجة؟” “هو معاد الغدا امتى؟” “أستاذ يوسف قال إنك مالكيش دعوة بالمواعيد، لو حابة تكلي قولي وأنا هبعت لهم يحضروه.” “تمام… حضري أي حاجة بس اوعي تحطي بقدونس في أي طبق عشان…”

“أيوة عشان حضرتك عندك حساسية، متقلقيش أستاذ يوسف نبهني.” قالت كلمتها وفضلت واقفة وأنا متنحب ازاي عرفت حاجة زي كده! “أنتِ يا زفتة مش بعَت ليك أمك عشان تنادي عليكي، واقفة تتسايري مع مين أنتِ وسيباني بنادي عليكِ.” “أنا آسفة يا ست راندا، بس الأستاذ يوسف نبهني إني مبعدتش عن مدام ورد عشان لو محتجاني.” كانت سارة متوترة وأنا وقفت من شرودي على نظرات راندا دي ليا؛ نظرات تقليل وتفحُص. وجهت نظراتي لها بعدم اهتمام حقيقي وقلت:

“لما تتكلمي مع إنسان، يا ريت تتكلمي بلغة البشر. مالناش دعوة أنتِ نوعك إيه وبتتكلمي بالطريقة الهجومية دي في العادي؛ زي ما هي احترامك تحترميها.” قولتها وأنا واقف وسارة جنبي وببص لعيونها. آه أنا أقصد أنها حيوانة عادي، بس للأسف معنديش الطاقة اللي أنا هدّي معاها بيها. “أنتِ إزاي تتكلمي معايا كده؟ ولا تكوني فرحانة بالكلمنتين اللي جدي قالهم على الفطار؟ ده بس عشان أنتِ من ريحة زينب، لكن خاطرها مش هيفضل كتير لو تجاوزتي حدودك مع حد فينا!”

كان صوتها عالي! مزعج، ومحتاجة طاقة للرد وأنا استنفذت. لسه كنت ناوية أرد لكن لقيت شاب من سن يوسف كده دخل وهو ماسك ذراعها جامد وباين عليه الذعر: “أنتِ اتجننتِ يا راندا! ازاي تتكلمي بالطريقة دي وتنطقي اسم زينب بالطريقة دي؟” كان بيشد عليها وهي اتوترت، ولحظة وجي شاب تاني، يبان أصغر بكام سنة ووقف وظهره ليا بيكلمهم: “خُد مراتك يا محمد وادخل على أوضتك، وحسابها مش هيبقى مع جدي هارون بس، حسابك أنت الضعف مع يوسف لما يرجع.”

“خالد دي غيرة ستات، مدخلش يوسف في الموضوع، وخلاص راندا هتعتذر لورد.” لف وشه ناحيتي وقال وعيونه في الأرض: “ها يا مدام ورد، تسمعي اعتذارها ولا أحول الموضوع لجدي هارون ويوسف؟” “مش عاوزة اعتذار ولا غيره، بس علموها الأدب وإزاي تتكلم مع الناس. واحدة زي دي بتفكر بدماغ بهايم مينفعش تعيش وسط البشر.” كانت بتبص ليا بغِلّ كبير. أخذت يد سارة ودخلت أوضتي؛ لاحظت إن خالد نغز محمد عشان يبص في الأرض وانا معديه من قدامهم وفعلاً عمل كده.

———————————————————————- كنت في مكتبي الزجاجي الكاشف للبحر كله والمينا، بتتحرك رايح جاي بخطوات رنّانة، ودماغي بيدور وبيتلَف. كان الخريف في بدايته، ونسمة الهواء الباردة مرحّبة. نزلت لغاية عربيتي وفتحت المبرد بتاعها عشان آخد قزاز المياه، بس كنت ناسي شريط الدواء على المكتب. اتنهدت بزهق وركبت العربية. كنت فاهم إن دا خطر، وأصلًا الصداع من التفكير هيفرتك دماغي. قبل ما أتحرك الباب اتفتح، وقبل ما تتقعد وصلت ليها ريحة عطرها الأنثوي النفّاذ، وفستانها القصير اللامع. اتنهدت بزهق وتكبّر، وقبل ما أقول كلمة نطقت بنبرة دلعها المعتاد لكن ممزوجة بعتاب:

“مش عيب يا چو تتجوز من غير ما تعزمني… يتبع يلا شجعوني يا حلوين عشان اكمل ❤❤❤😍😍😍 ” مش عيب يا چو تتجوز من غير ما تعزمني! ” “انزلي بالأدب يا تاليا، عشان مش فاضيلك.” “ألاّه يا چو، أنت على طول شادد أعصابك كده، روق شوية عشان الضغط عالي لوحده.” “والله ضغطي مبيعلاش إلا لما بشوفك، انزلي أحسن لك.” “طب وسّع وسّع بس، أنا هسوق لغاية القصر. انت متأكد إنّي لو سبتك هتعمل حـ,ـادثة؟”

كانت بتتكلم بجد. الصداع هيق.تلني، والدوخة والرؤية المشوشة. بدلّت مكاني معاها، وفعلاً اتحركنا للقصر. كانت كالعادة بتتكلم وأنا مش سامع أصلًا بتقول إيه. التفكير مرض مزمن ممكن يفتك بالإنسان. وصلنا قدام بوابة القصر الكبيرة، ودخلت بيا لغاية جوه. نزلت وهي نزلت بسرعة تسندني لكني بعدها قلت: “ابعدي عني.” “خلاص لو وقعت على وشك، مش هقومك حتى.” قالتها بتحدٍ لكني تجاهلتها ودخلت. كان الكل متجمع على العشا وهي فوق، ولقيت سارة واقفة جنبهم فناديت عليها بتعب:

“سارة! إيه نزلك من عند ورد؟ أنا مش قلت متتحركيش عن بابها؟” جت لعندي بسرعة وهي بتقول: “مدام ورد قالت لي إنها هتنام شوية وخلتني أنزل.” هزت راسي بلطف وتعب وطلعت فوق. جدي كان فاهم إني تعبان عشان كده ما تكلمش. وصلت لبابها وخبطت، كنت متوقع أنها مش نايمة وفعلاً سمعت صوتها صاحي وبتقول: “مين؟” “أنا يوسف… ممكن أدخل؟”

توقعت إن دقيقة أو اتنين تضبط فيهم حجابها وبعدين تقولي ادخل، لكن بعد ما استأذنت سمحت لي بالدخول في نفس اللحظة. دخلت؛ كانت لابسة فستان أسود تاني، وبرضه ضيق، ويمكن مستفز أكتر من التاني. زفرت بتعب وأنا بقرب من الردهات وخايف إن زَيّني يخونني ويغمى عليا. اخذت شريط الدوا وقبل ما ارفع كوباية الميّ، فقدت الوعي لدقايق، لكني صحيت على صرختها باسم سارة: “سارة… سارة…” فتحت عيوني وكان جدي واقف وهي وخالد جنبه، وأمي وتاليا كمان واقفين الناحية التانية.

“أنا كويس يا جدي، هات الدوا يا خالد وكوباية مياه عشان الصداع هيمـ,ـوتني.” “شوفت يا جدو هارون؟ بينسى مواعيد الدوا إزاي، وكمان تلاقيه مأكلش لقمة طول النهار.” كان صوت تاليا اللي مابحبش نبرته أبدًا. بصيت لخالد وهو ما كدّبش خبر؛ أخد تاليا وطلع بيها.

انت في الصفحة 3 من 9 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى