“عتبتها فقر زيها… أول ليلة ابني أغمى عليه جنبها، نحسك المنيل دا هيجيب أجله بعيد الشر عنه.” “ابنك عندك هو؟ أنا جيت جنبه أصلًا ولا شوفته؟ لو خايفة عليه أوي نيميه في ح.ضنك.” ابتسمت على ردها وبصيت لعيون جدي؛ كنت فاهم كويس إنه مردش على أمي عشان هي تتكلم وتاخد حقها بلسانها، وإنه كله كلام فاضي. “يلا يا بهية روحي عند جوزك. وأنتِ يا ورد، خدي بالك من جوزك واتأكدي إنه ياخد دواء الضغط تلات مرات في اليوم، قبل الأكل بنص ساعة.”
خرج جدي وأمي وأنا ابتسمتلها وقلت: “ممكن تخليهم يحضروا عشا ونتعشى سوا؟” “أنا مش جعانة.” “طب أكليني أنا وأاخد دوا من غير ما أكل.” هزّت راسها وخرجت تنادي على سارة، وبعدها دخلت الأوضة تاني، لقتني واقف. “أنا هدخل البلكونة، الزجاج متصنفر يعني مش هشوفك من جوّه. هريح على الكنبة اللي جوّه لغاية ما الأكل يجهز، وانتِ اقفلي عليّا واقلعي طرحتك شوية.” مكنش في اعتراض ولا موافقة، عشان كده دخلت من سكات البلكونة وريّحت، وهي فعلاً قفلت الباب عليّا. كنت مضايق، بس راضي على الأقل إنها بتطمن بالحاجز اللي بينّا.
بعد شوية سمعت خبطة وبعدين فتحت الباب وهي ماسكة صينية وقالت: “الأكل جه.” أخذت منها الصينية وحطيتها قدّامي وقلت: “قولتي لسارة تحضّرلك عشا؟” “لا.” “طب ممكن تقعدي تتعشي، وأنا هخلي حد يحضرلي عشا غيره، عشان لو مش عاوزة تاكلي معايا.” اتنهدت وقعدت قصادي وبدأت تاكل بصمت، لقمة في التانية، وأنا متابع كل حركة منها ولسه مبدأتش. وبعد لحظات بدأت آكل، وابتسامتي بتكبر وأنا شايف إنها رضيت تاكل معايا لوحدي. بس قامت بسرعة جدًا. قمت وراها وأنا بقول:
“بصي، لو عاوزاني أنام في البلكونة قولي. بس بالله تصحّيني على الفجر عشان أنزل أصلي، وكمان الساعة 7 تفتحيلي عشان عندي شغل.” هزّت راسها بتأكيد، وأنا أخذت غطا ومخدة ودخلت نمت. —————————-————————————- اليوم كله عدى، وبعده أسبوع واتنين، التوتر قلّ وكذلك الخوف، وبقيت بفكر في أمري العجيب. كنت حاسة بإحساس غريب، بحاول أتهرب منه، وإحساس جديد خالص تجاه يوسف، وهو إنه صعبان عليا. شاب عنده 30 سنة، إيه يخليه مريض ضغط لدرجة إنه لو لخبط معاد الدواء بيتعب أوي كده؟ وكنت شايفة فيه كم طاعة عشان يريح… يريحني.
أنا مستغربة جدًا أفعاله معايا. جدي مثلًا، لما اتجوز تيتا زينب، كان بالغصب، وكانت بتحب واحد غيره. كانت مكرَهة على كل لمسة منه، وكان لها ورد يومي من الإهانة والضـ,ـرب. توقعت إني هقابل ولو 50% من اللي هي اتعرضت له. لكن يوسف محسسني إحساس غريب، كأني لقائق ثلج، اللي لو نفخت فيها تذوب.
من يومين بس بدأت أحس إنه مش مصدر أذى، بس لسه مش عارفة أنام في وجوده. فضلت كعادتي كل يوم صاحية لغاية ما سمعت أذان الفجر. شدّيت على طرحتي اللي اتراخت وقمت، خبطت على الباب وفتحته، لقيته بيتعدل على مهله وشعره متبدل وبيحاول يصلحه بإيده. ابتسم لي ابتسامته الهادية اللي بشوفها كل يوم وهو بيقول: “صباح الخير يا ورد. جزاكِ الله خير، كنت نايم قلقان لتنامي ومتصحيش على الفجر.”
فضلت ساكتة وخرجت للبلكونة، كان فيها لسعة هوا فجرية محببة لقلبي. دخل الأوضة، جهّز هدومه، ودخل الحمام بسرعة وخرج. سألني لو محتاجة حاجة، فهزيت راسي بـ “لا”، فقال بابتسامة وبنبرة هادية ما سمعتش غيرها منه: “أنا هاجي بعد الصلاة… قومي صلي الفجر إنتِ كمان.” صليت الفجر بسرعة وكمان غيرت هدومي. كنت مضايقة إن الفساتين معظمها مش مقاسي. كنت بتضايق وأنا قاعدة أو نايمة بيهم، ومش عادتي أصلًا إني أقعد بهدوم الخروج فترات طويلة. خرجت فستان زيتي واسع شوية ولبست طرحة سودا سريعة.
الباب خبط، فسمحت له بالدخول. لكن مكنش يوسف، كانت سارة. “صباح الخير يا آنسة ورد، أستاذ يوسف قالي أجهزلك شاي بالنعناع عشان بتحبيه. تحبي أحطه هنا ولا في البلكونة؟” اتنهدت بعدم استيعاب. الراجل ده عاوز مني إيه؟ قلتلها تحطه، وقبل ما تخرج ناديت عليها: “استني يا سارة…” “نعم يا آنسة ورد.” “إنتِ ليه بتقوليلي يا آنسة وإحنا لوحدنا، ولما بيبقى في حد بتقولي يا مدام؟؟” “عشان أستاذ يوسف قال إنك بتضيقي من كلمة مدام، فمش بقولها إلا لو حد غريب واقف عشان محدش يعترضلك بكلمة. شوفي إنتِ عاوزة أقول لحضرتك إيه وأنا هقوله.”
سكت شوية وبعدين ابتسمت وقلت لها: “جربي تقولي ورد بس، لا مدام ولا آنسة.” “ميصحش، جدي هارون لو سمعني هيعقبني.” “طب اشمعنا إنتِ بتقولي جدي هارون، ومامتك وباقي خدم البيت بيقولوا الحج هارون؟” “عشان أنا اتولدت على إيده هو وأستاذ يوسف، ومن صغري وهو بيسيبني ألعب مع أحفاده. حتى خدمة البيت أنا مش بشارك فيها إلا لأستاذ يوسف وأستاذ خالد ومراته ليلى… قصدي مدام ليلى.” “مسكتك متلبسة… قولتي ليلى. معنى كده إنك متعودة تقولي اسمها من غير ألقاب.”
“فعلاً بقوله من غير ألقاب وإحنا لوحدنا، بس لو معانا حد واجب عليا أحترمها.” “شكلك غالية على أهل البيت ده يا سارة.” ابتسمت بخجل، وأنا شايفة رحمتهم في معاملة البنت دي. كلامها عن هارون وحتى نبرتها ونظرتها ليوسف كله بحب وعِشم، كأن في علاقة جميلة بتربطهم. سكت شوية وبعدين قلت: “زي ما بتعملي مع ليلى، اعملي معايا أنا كمان. اعتبريني صحبتك أو أختك الكبيرة… أظن كمان إنك بتعاملي خالد زي ليلى.” “أستاذ خالد وأستاذ يوسف وليلى كلهم إخواتي الكبار. بناديهم من غير ألقاب وبطلب منهم اللي أنا عاوزاه كمان.”
“يعني بتقولي لخالد يا خالد عادي، وكذلك ليوسف؟؟” “أيوه، بس يوسف مش دايمًا بقوله باسمه. أحيانًا بقوله يا يويو، لأني زمان كان اسمه صعب عليا، فكنت بقول يويو من ساعتها.” “عشان الفضيحة دي ما فيش شوكولاتة النهاردة يا ست سارة.” قالها يوسف وهو داخل من وراها وحاطط إيده على كتفها. لأول مرة أركز في طوله الفارع. أنا نفس طول سارة تقريبًا، فانكمشت شوية وأنا بتأكد إن الطرحة مضبوطة. بصت سارة له وقالت: “بالله عليك يا يوسف… قصدي أستاذ يوسف…”
“أستاذ يوسف إيه بقى، ده إنتِ قولتي لها إن بيتقال ليا يويو!!” انسحبت سارة بلطف، وبقينا أنا وهو لوحدنا تاني. بصلي وتنهد تنهيدة مش مفهومة، كأنه شايل هم أو زعلان من حاجة قوي، وبعدين قال: “أنا هخرج من الأوضة، هروح أشتغل في مكتب جدي، بس ممكن أرجع أخد ملف أو اتنين لو احتاجتهم. خليكي على راحتك.” هزيت راسي، وفضلت مترددة إني أطلب منه الطلب ده. بس هو شجعني وقال: “لو محتاجة أي حاجة قولي، في ظرف دقايق هنفذها لك.”
عـ,ـضيت شـ,ـفايفي بتردد أكبر وأخيرًا قلت: “عاوزة… كنت عاوزة أعرف أنا هكلم أهلي إمتى. يعني ده تالت أسبوع وما سمعتش صوت ماما.” “بصي، هو مينفعش… بس ممكن تكلميها من موبايلي لو حابة، لغاية ما أتصرف في الموضوع ده وأجيبلك موبايل، وتقدري تخرجي من القصر براحتك وتزوري أهلك.” “إيه اللي يمنع أصلًا؟” “عُرف العيلة… عُرف عداوة غريب وهارون… عُرف مستحيل حاجة تحصل غير لما يتحقق. بس أنا هلغيه، وهكسّر أي حاجة علشانك. عشان محدش يجبرك على حاجة إنتِ مش راضية بيها.”
كلمة “علشانك” بتهز كيان أي واحدة تسمعها. كلمة دورت عليها في كلام ناس كتير أوي. بس يوسف، مش عارفة ليه، حاسة إنها خارجة منه على هيئة أفعال صامتة. مش عاوزها حتى تخرج للنور ويتشكر عليها. خرج من قدامي، ويوم كامل مر، وبعدها أسبوع… شبه مش بخرج غير وقت العشاء. لسه بينام في البلكونة، ولسه بيصعب عليّ. بس النوم سلطان… اتعودت أنام وهو موجود. كنت بلاحظ إنه بيصحى جسمه مكسّر، وبيخد شاور سخن كل يوم عشان تشنج عضلاته. هو طويل، والكنبة صغيرة خالص. خلاني أكلم ماما يوم ويوم.
وفي يوم، طلعنا سوا من العشا الصامت، وهو دخل أخد أوراق مهمة من مكتبه. وفجأة خرج ليا بآيباد، فتحه وادهولي وقال: “ممكن أطلب منكِ طلب؟” سكت شوية وبصيت له بخوف… خوف وقلق كبير. لقيته فرك وشه بضيق ملحوظ وقال: “يا ورد، افهمي… أنا مش هطلب منكِ حتى تقلعي طرحتك طول ما إنتِ مش راضية وموافقة. فبالله عليكِ بلاش نظرة الخوف مني… عشان بتق.تلني. أنا مقدرش آذيكِ.” كلامه أصابني برجفة في قلبي. دلوقتي فهمت سر نظراته الحزينة وتنهيداته المتعبة لما عيونا بتتلاقى. هو مضايق عشان أنا خايفة منه!