“بصيلي يا ورد، إنتِ مش بتكدبي أبدًا. قولي إنك لسه بتحبّيني… قولي إن ياسر لسه حبيبك الوحيد و…” بعدت عنه بسرعة وسبت إيده. كنت مفكرة هيكون عاقل؛ إزاي يقول كده لوحدة متجوزة! حتى بعد كل ده، أنا على ذمّة رجل غيره، حتى لو قلبه لسه بيخاف عليه؛ مينفعش أنطق بكده. كانت غلطتي إنّي وقفت معاه. مشيت من قدامه من غير كلمة، فجاء ورايا وصوته عالي زي المجنون ومسك إيدي أكتر قبل ما يقول أي حاجة. سمعت صوت يوسف الجهوري وهو بينطق:
“ياسر! ………… يتبع
“ياسر.” إيدي اتزعزعت وبعدها بسرعة بعدت عن ياسر. في لحظة كان يوسف واقف جنبي — لا، يوسف كان قدامي بخطوة، شبه مخبيّني ورا كتفه العريض. “چو… وحشني. بقى كده متقولش إنك اتجوزت، وكمان اتجوزت ورد الغريب!” سبق بيها ياسر بعشم غريب، وابتسامته كانت مش صافية. ويوسف مش غبي عشان مايلحظش دا، فقال: “طب ما أنت عارف إنها مراتي، بتمد إيدك تسلّم عليها ليه؟” نفسي كان متقطع؛ مكنتش شايفة اتهام، دا كان تحقيق. عيون يوسف بتحاول تترجم الموقف، علشان كده وقعت جنب يوسف وانا بقول:
“كانت بسلم عليه، أصل… أصل أنا أعرف ياسر… من الكلية.” كلامي متقطع ووشي باهت، ضـ,ـربات قلبي للسما — خايفة عليه الغبي! غبي وجاي برجله لهلاكه. معرفتي بغيرة رجالة الصدّيق تخليني أمـ,ـوت رعب على ياسر لو بس يوسف حس إنه بيرفع عيونه فيا! “أسلّم عليه أنا بالنيابة عندك. ستات آل صدّيق ما بيسلموش على حد غير محارمهم.” نبرته كانت شديدة، بس نظراته كانت متصلبة على ياسر. ومرة واحدة لف ذراعه ناحيتي وضمّني بهدوء وهو بيرفع إيده التانية وبيسلّم على ياسر. مكنش سلام، دا كان إعلان ملكية!
“أنت اتجننت… وأنت على فكرة مش قد كلامك… أنت قلت إنك مش هتلمسني.” “لو على الجنّان… فأنتِ إزاي تمدّي إيدك لرجل غريب تسلّمي عليه! أولًا حرام، وثانيًا عدم احترام ليا.” “أنت مالكش حق إنك تحاسبني يا يوسف.” قولتها بصوت عالي وانا برفع راسي لطوله وببص له بغضب. مش عارفة بحاول أوجّه غضبه واشتّت دماغه أنه يفكّر في ياسر. لقيته قرب بزيادة، عيونه فيها غضب مكتوب:
“يعني إيه مليش حق أحاسبك! رجل غريب عنك ولا إيه! إنتِ مراتي يا ورد، زي ما أنا مينفعش أروح أمسك إيد واحدة وأسلم عليها. ولو وقفت قصادي واحدة بلف ظهري لها، وبحترمك في غيابك قبل وجودك. إنتِ كمان واجب عليكِ تحترميني. اللي بيحصل بينا في الوضة دي مينسّكش إنك متجوزة يا ورد.” “قصده إيه يعني… عايز توصل لإيه؟ عمال تغني إني مراتك.” “اللي عاوز أوصّله إن مينفعش رجل يلمسك غيري. تفهمي إنك مراتي، أفهمك إيه… مينفعش تسلّمي على رجل، تتكلمي معاه لغير حاجة. إنتِ في حياتك رجل.”
نقاش حاد. دخل البلكونة وانا دخلت الحمام أهدى شوية. عشر دقايق وسمعت صوت كركبة برّه، فخرجت. كان بيدوّر على دواء الضغظ. جبته له وروحت عنده وبحاول ما أبصش في عيونه؛ عارفة إنه على حق في كل كلمة. أديته الدوا، فأخده وغمض عينه ورمى جسمه على السرير. اتخضّيت وانا بقعد جنب راسه وبناديله: “يوسف… يو…” “أنا صاحي… مغماش عليا أنا بس فصلت.”
فكرت أغمى عليه، بقيت أتعاطف معه شوية، فكرة إنه شاب، وعايش مربوط بمرض زي دا، وحياته كلها على ما يبدو إنها طحن وضغط فيه، فضل مغمض فترة طويلة وأنا قمت من مكاني بتوتر من كوني كنت قريبة فيها، فضل مكانه بيتنفس وجسمه نصه على السرير، عشان كده قمت أخذت اللحاف من الدولاب وقلت ” يوسف ” ” هممم ” قالها وهو بيتعدل على مهل وماسك راسه وباين جدًا إنه دايخ ومصدع، وبعدين لما شاف في إيدي اللحاف قال
” حاضر … أنا داخل البلكونة ..” ” لا … ما هو أنا… أنت شكلك تعبان أوي، هنام أنا في البلكونة النهاردة وأنت نام على السرير ” بعد الكلمتين المقطوعين قلت كل اللي في بالي مرة واحدة وبسرعة، سكت لحظة وابتسم بسخرية تقريبًا وهو بيقرب ناحيتي وبيقول ” دماغي مصدعة أوي ومش حمل مناهدة ”
قالها وهو بياخد اللحاف من إيدي وزقني ناحية السرير، ودخل البلكونة، ابتسمت على زقته، حرفيًا لكنه حركني بصوابعه، دون أدنى مجهود.
صحينا تاني يوم، كان بيسعل وبيكح، أخذ لحافه وبدأت بطبعه كالعادة وأنا لسه بفتح عيني، اكتشفت إنه في نص الأوضة، نسيت أقفل باب البلكونة، كانت حالتي متبهدلة، وانتهت إني شعري باين فلميته بسرعة. هو دخل الحمام وغاب، لما خرج الحمام كان بيطلع بخار دافئ أوي، اتعصبت وأنا بقول ” أنت بتعمل إيه! استنى بس عندك هقفل التكييف والمروحة، أقف مكانك ”
آه كنت بديه أوامر، وآه كان بينفذها بضحكته الغريبة دي ووقوف فعلًا مكانه، الجو خد شوية، قمت من مكاني أخذت فوطة ناشفة من الدولاب واديتها له عشان يحطها على شعره ” خطها على شعرك ورقبتك، وارمي المبلولة دي قبل ما تيشيرتك يتبل والبرد أكتر! ” ” حاضر ” قالها بطواعية، كأنه ابني، باصص لعيوني بتعب وبيقولها إنه واثق فيها، زي الأم لما بتقول لابنها على حاجة، بيبقى متأكد 100% إنها هتنفع مش هتضره.
رجعت قعدت مكاني، واتغطيت، كالعادة هو مش بيسند على السرير أصلًا لو أنا قاعدة عليه، وقف عند المكتب وفتح الدرج بتعب، أخذ دواء معرفش نوعه إيه، مكنش الضغط، غالبًا مسكن آلام، عضيت على شفـ,ـايفي، هو مأكلش حاجة من امبارح. ” يوسف ” بص لي بإرهاق وقال ” نعم يا ورد ” ” أنت مكلتش حاجة من امبارح، ممكن تنزل تأكل ” ” لا أنا مستعجل، يا دوبك أخذت المسكن وألبس عشان نازل، عندي شغل كتير أوي ”
سكت شوية، وهو لبس بليزر كلاسيك، كان شكله رجل أعمال ثلاثيني بجد، جمعت شجاعتي وقلت ” أنت هتقعد هنا لغاية ما سارة تحضر لك فطار عشان أنت شكلك أخدت مسكن وكمان دوا، والغلط إنك تاخد كل دا على معدة فاضية! ” كان باصص لي باستغراب كبير، أنا تجاهلته وأخذت تليفونه اديته له وقلت ” ممكن تتصل بسارة تجهز لي فطار معاك ” ابتسم وغمزاته ظهروا، أخذ التليفون واتصل بيها فعلًا، وبعدين قال ” هقعد في البلكونة عشان تقعدي براحتك، لما الأكل ييجي افتحي لي ”
“هزيت رأسي بموافقة وهو دخل وانا قمت أقفل عليه. مكنتش مضايق إنّه قاعد، كان بس صعبان عليه عشان الأكل بدأ يبرد برّه وهو كان نايم طول الليل في البلكونة، وحاليًا خرج من الدش ورجع على البلكونة برضو. فضلنا قاعدين مستنيين سارة تيجى وفعلاً جت والأكل اتحط على الترابيزة وفتحت له عشان ياكل. قعدنا ناكل في صمت لغاية ما سامع غسل إيده ورجع ينشّفها وقال: “أنا قلت لليلى تبعت لك فستان جديد من بتوعها متكونش لبسته قبل كده. البسيه وجهّزي على الساعة ٧ عشان ننزل نشتري اللي يعجبك.”
هزيت راسي وبعدين سالني لو محتاجة حاجة فقلت له لا. ——————————————————— خبطت على مكتب جدي وسمحّ ليا بالدخول. كان أعمامي وزابويا موجودين، حتى محمد وخالد وباقي عيال العم. دي حاجة معتادة إننا كل شهر بنتجمع وجدي بيحاسبنا على شغلنا ويعرف إيه الزيادة وإيه النقص. “يوسف… أقعد حاسب عيال مع عمك، واعرفلي إزاي في عجز 10% في مينا إسكندرية، واعرف امتى الاجتماع مع المستورد عشان تسافر.”
قعدت راجعة الورق وكل شوية باسأل واحد فيهم عن حاجة وهم ماسكين موبايلاتهم مشغولين، الملفات واللاب كان قدامي ومسكت ورقة وقلم والآلة الحاسبة وقعدت بتاعة ساعة ونص لغاية ما فهمت إيه حصل وقلت بضيق كبير من الكارثة اللي حصلت: “مين فيكم كان مسؤول إنه يبعت إيميلات الشحنة بتاعت البتروكيماويات؟؟ ومين فيكم دفع رشوة الفحص الأمني عشان السفينة تعدي؟؟؟” متأكد إن صوتي كان مسموع للِّي قاعدين حوالينا بس. معرفش إزاي جدي سمعنا وزعق فيهم كلهم وقال:
“مش بتردوا ليه؟ هو مش بقاله ساعة بيرجع شغلكم خرع زيكم، محدش بيتكلم فيكم ليه؟” كانت أعصابهم وأعصابي أنا كمان مشدودة من عصبية جدي. اتنحنح محمد وقال: “أنا اللي ببعت الإيميلات وبحدد الشحنات يا جدي.” “مين دفع الرشوة لموظف الفحص؟ اتكلموا.”