Uncategorized

كبرياء الهواري مايا خالد

كبرياء الهواري. بقلم مايا خالد
الكلمة في الصعيد “عهد”، والد.م مابينطفيش بن,,ار، بيطفي بصبار ووجع قلب.. ومصعب الهواري مكنش بس كبير النجع، ده كان “غول” الجبل اللي قلبه اتحجر من كتر ما شاف غدر ود.م.
​السرادق كان منصوب، والرجالة واقفين صفين، السـ,ـلاح في الإيد بس القلوب هي اللي كانت مشحونة بارود. في النص كان واقف مصعب، لابس جلبابه الصوف الأسود، ماسك عصاية الأبنوس كأنها سيف، وعينيه بتقدح شرار وهو بيبص لـ “عيلة المحمدي” اللي قـ,ـتلوا أخوه غدر. الشيخ الكبير قرب منه بصوت مرعوش: “يا مصعب يا ولدي.. الصلح خير، والبنية صبا هي اللي هتكون الضمان..

جوازة ح.قن د.ما، ونقفل الدفاتر القديمة.” مصعب بص لبعيد، وحدف الكلمة زي رصاصة في نص الديوان: “أنا موافق.. بس م,,اتقولش جوازة. قول “أسيرة” داخلة بيت الهواري. هتدفع تمن كل نقطة د.م سالت، واليوم اللي هتدخل فيه داري، هو اليوم اللي هتنسى فيه إن ليها أهل أصلاً!”
​في “المندرة” الكبيرة، كانت صبا واقفة. مكنتش بتعيط ولا منهارة زي ما مصعب كان راسم في خياله. كانت لابسة طرحة سودة تقيلة، ملامحها هادية بزيادة، عينها واسعة بس فيها لمعة ذكاء وتحدي مكتوم. دخل مصعب الأوضة، قفل الباب برجله بـ رزعة هزت الحيطان، قرب منها وهو بيفك شاله بغلظة: “منور يا وش البومة..

فاكرة إنك لما تدخلي هنا هتبقي ست الدار؟ أنتي هنا “خادمة” لتراب جزمة أصغر واحد في الهوارة، فاهمة ولا لاء؟”
​صبا فضلت مكانها، لا اترعشت ولا نزلت عينيها. بصت له بهدوء غريب، وبصوت ناعم بس “مسموم”: “الدار بتنور بأهلها يا ولد الهواري، وأنا داخلة هنا حق مش س,,رقة. وقسوتك دي خليها للي بيخافوا منك في النجع، أنا لا قـ,ـتلت أخوك ولا شلت سـ,ـلاح.. أنا صبا المحمدي، اللي أبوك جيه وباس يد أبويا عشان يوافق يستر الد.م بالجوازة دي.”
​مصعب عينيه جحظت، قرب منها ولف إيده حوالين رقبتها بضغط خفيف: “انتي لسانك عايز القطع..

انتي بتعرفيني مين اللي طلب مين؟” صبا ابتسمت ببرود، وعينيها في عينيه: “أنا بعرفك إن اللي يك.سر الناس بالقوة، بيبقى أضعف واحد لما يتحط في مواجهة مع “الحق”. اقطع لساني يا مصعب، بس ساعتها هتعيش عمرك كله في بيت أخرس، لا فيه ونيس ولا فيه حد يقولك إنك ظالم.”مايا خالد
​نزلوا المندرة الكبيرة عشان العشا قدام “الحاجة ونيسة” أم مصعب. مصعب كان عاوز يك.سر صبا قدام الكل، حدف قدامها طبق الأكل بقلة ذوق: “كلي.. وانزلي من الصبح المطبخ، مفيش هوانم بتقعد في داري.” صبا بصت للطبق، وبعدين بصت للحاجة ونيسة وبمنتهى الأدب:

“الأصول بتقول إن العروسة ضيفة تلات أيام يا حاجة، بس عشان خاطر هيبة ولدك اللي خايف عليها، أنا هقوم دلوقت أنضف المندرة كلها.. بس اللي يطلب يآمر بأدب، مش بحدف أكل.”
​مصعب خبط التربيزة بيده وصوته زلزل المكان: “صبااااا!”
​وقفت صبا، عدلت طرحتها بمنتهى الشموخ، وبصت له بصه خلت الكلمة تقف في زوره: “تصبح على خير يا ابن الأكابر.. وشيل حديد القسوة ده من صوتك، عشان الحيطان في البيت ده بتسمع، وأنا مش حابة حد يشفق عليك لما يلاقيك بتزعق لست وحيدة في دارك.”
​مشيت وسابته، وسابت ريحة بخور وعناد في المكان.

مصعب قعد، إيده كانت بتترعش من الغيظ.. بس لأول مرة، كان حاسس إن في “ند” قصاده، مش مجرد عروسة جاية بك.سرة نفس، حاسس بإن البنت دي هي الوحيدة اللي ممكن تخليه يخاف من نفسه.
​الشمس طلعت على “نجع الهوارة” وهي محملة بتقل ملوش آخر. صبا كانت صاحية من قبل الفجر، صلت وجهزت نفسها، ولبست خلقاتها الصعيدي الوقورة، ونزلت المطبخ. مكنتش خايفة، كانت عارفة إن المعركة الحقيقية مش مع مصعب وبس، دي مع دار كاملة شايفة إنها “دية” مش بني آدمة.
​في المطبخ، كانت “هنادي” و”سعدية” حريم إخوات مصعب واقفين، بيبصوا لها من فوق لتحت بغل وحقد.

“هنادي” رمت السكي,,نة من إيدها وقالت بصوت مسموع:
— “يا مري.. هي العروسة نزلت من أول يوم؟ فاكرة إن الكحل والزينة هيخلونا ننسى إنك بت القاتل اللي شربنا المر؟”
​صبا مشيت ببرود، مسكت “الكنكة” وجهزت قهوتها، وردت وهي بتولع الن,,ار:
— “القاتل والمقتول عند ربنا يا هنادي.. وأنا هنا في داري، يعني اللي تقوله “ست الدار” هو اللي يمشي، والضيفة هي اللي تلم لسانها عشان متبقاش تقيلة على القلب والمكان.”
​في اللحظة دي، دخل مصعب بطلته اللي تهز الجبل. سمع كلمتها الأخيرة، وعينيه جت في عينيها. كان لابس لبسه الرسمي ونظراته حادة زي الموس.

قرب من صبا، والكل سكت كأن على رؤوسهم الطير.مايا خالد
— “بتقولي إيه يا بت المحمدي؟ ست الدار؟ أنتي هنا “خداشة” للكل، والكلمة اللي قولتيها دي حسابها معايا بعدين.”
​صبا لفت له، ورفعت القهوة في إيدها بهدوء مستفز:
— “قهوتك يا ولد الهواري.. عشان تعدل دماغك قبل ما تخرج للناس بوشك العابس ده. الناس بره محتاجة “كبير” يحكم بالحق، مش “ديب” مبيعرفش غير العويل.”
​مصعب اتنرفز، مسك إيدها بقوة خلت القهوة تدلق على إيده وهو مش حاسس بالوجع من كتر الغيظ:

— “انتي فاكرة إنك بكلمتين هتك.سري هيبتي قدام حريمي؟ اطلعي على فوق.. ومشوفش وشك في المطبخ ده تاني، أكلك وشربك هيجيلك لحد عندك، كأنك م.يتة ومستنية الد.فن.”
​صبا بصت لإيده اللي اتلسعت من القهوة، ملامحها اتغيرت للحظة، وبحركة مكنش متوقعها، سحبت إيده وبدأت تمسحها بطرف شالها وهي بتهس بصوت واطي مسمعوش غيره:
— “إيدك اتلسعت يا مصعب.. والوجع اللي في قلبك لسه مأثر عليك. اهدى، الن,,ار مابتح,,رقش غير اللي بيمسكها. أنا طالعة، بس مش عشان خايفة، عشان القهوة باظت.. ومرارة قلبك كفاية عليك الصبح.”
​سابت إيده وسابت الكل واقف في صدمة.

مصعب فضل باصص لإيده، ريحة ريحتها (مسك وعنبر) لسه في الشال، وكلمتها رنت في ودنه. “هنادي” حاولت تتكلم:
— “شفت يا مصعب؟ شفت قلة الأدب؟”
​مصعب لف لها بعين حمرا، وزعق بصوت هز المطبخ:
— “حسكم عينكم حد يدخل بيني وبينها! دي “مراتي” وليا حساب معاها، اللي هتفتح بوقها بكلمة هقطع لسانها.. مفهوم؟”
​خرج مصعب للديوان، بس باله مكنش مع الناس. كان بيفكر في البنت دي.. إزاي قوية كده؟ إزاي عينيها فيها عزة نفس وهي “مكسورة” الجناح ووحيدة في وسطهم؟

ليل نجع الهوارة كان دايمًا هادي، بس في جناح مصعب كانت الن,,ار قايدة من غير حطب.
​دخل مصعب الجناح وهو شايل حمل الدنيا فوق كتافه، رمى شاله على الباب وهو ناوي يفرغ غله كله في صبا. بس أول ما خطى عتبة الأوضة، وقف مكانه. ريحة المكان اتغيرت.. مابقتش ريحة السجاير المكتومة والتراب، بقت ريحة “بخور عدني” وعطر هادي يخلي الأعص,,اب تسترخي غصب عنها.
​الأوضة اللي كانت عبارة عن “مخزن” لواحد عايش عشان يقتـ,ـل وبس، اتغيرت. السجاد مفروش بنظام، هدومه اللي كانت بتترمي بإهمال مترتبة فوق السرير، وصبا..

صبا كانت قاعدة على الكرسي الهزاز، ماسكة كتاب في إيدها، ولابسة جلابية بيت بيضا حرير، وساترة شعرها بطرحة خفيفة.
​مصعب بصلها وعيونه بتلمع بغض,,ب مكتوم:
— “مين اللي أذن لك تمدي يدك في حاجتي؟ ومين قالك إني عايز أشم الروائح دي هنا؟ أنا أوضتي تفضل زي ما هي، سامعة؟”
​صبا قفلت الكتاب بهدوء، وقامت وقفت قصاده. كانت أقصر منه بكتير، بس وقفتها كانت بتحسسه إنها هي اللي مالكة المكان:
— “حاجتك هي حاجتي يا ولد الهواري، والدار اللي مفيهاش ريحة ست، تبقى قب,,ر..

وأنا لسه حية، ومحبش أعيش في قبور.”
​قرب منها مصعب بخطوات سريعة لحد ما حاصرها بينه وبين الحيطة، حط إيديه الاتنين حواليها وسند على الحيطة، وهمس بصوت زي فحيح الأفاعي:
— “انتي بتلعبي بالن,,ار يا صبا.. فاكرة إنك لما ترتبي الأوضة وتفتحي البخور هنسى إنك بت المحمدي؟ هنسى إن د.م أخوي في رقبة أهلك؟”
​صبا منزلتش عينها، بل بالعكس، قربت وشها منه أكتر لحد ما أنفاسهم اختلطت، وقالت بكلم,,ات تقطر ثقة:
— “مانسيتش.. وعمري ما هنسى. بس أنا هنا عشان أطفي الن,,ار دي، مش عشان أزودها. وبعدين يا مصعب.. أنت خايف من إيه؟ خايف ترتاح؟

خايف ريحة البخور تنسيك قسوتك وتفكرك إنك بني آدم؟”
​مصعب ق,,بض إيده على الحيطة بقوة لدرجة إن مفاصل صوابعه بيضت:
— “أنا مابخافش! واعرفي مقامك كويس.. أنتي هنا “سد خانة” وبس.”

​صبا رفعت إيدها وبمنتهى الجرأة حطتها على ص,,دره، ناحية قلبه، وقالت بصوت واطي ومبحوح:
— “لو كنت سد خانة، مكنش قلبك دق الدق ده كله أول ما شوفتني.. أنت “خايف” مني يا مصعب، خايف عشان أنا الوحيدة اللي قادرة أبص في عينك ومأغمضش، والوحيدة اللي قادرة تلمس الحتة اللي أنت حابسها جوه.”
​مصعب اتنفض كأن كهربا لمسته، مسك إيدها وبعدها عنه بعن,,ف، بس عينه كانت بتقول كلام تاني خالص.. كان فيها لمعة “رغبة” متخانقة مع “غل”.
​— “انزلي هاتيلي وكل (أكل)..

وبلاش كتر حديد، ليلتك مش هتعدي لو فكرتي إنك ملكتيني.”
​صبا ابتسمت ابتسامة نصر خفيفة وهي ماشية ناحية الباب:
— “الوكل جاهز في المطبخ، ملوخية ناشفة بالتقلية اللي بتحبها.. أصل سألت أمك وعرفت إنك مابتاكلش غيرها لما تكون “مهموم”.”
​خبطت الباب وراها وسابته يغلي.. مصعب رمى نفسه على السرير، ودفن وشه في المخدة اللي كانت ريحتها “هي”.. ـ,ـضـ,ـرب السرير بإيده وهو بيشتم نفسه:
— “يا مري.. البت دي هتركبني وتدلدل رجليها ولا إيه؟ دي واكلة عقلي بلسانها!”
​الهدوء اللي كان في الجناح انقطع بصوت ضـ,ـرب ن,,ار حيّ زلزل أركان النجع.

صرخات الرجالة بره وصوت الخيل وهي بتصهل خلى “مصعب” ينتفض من مكانه زي الفهد. سحب بندقيته الآلية من فوق الدولاب، وعمره ما كانت إيده بتترعش، بس المرة دي عينه جت على “صبا” اللي واقفة عند الباب.
​مصعب بصوت يرعب:
— “ادخلي جوه واقفلِي عليكي بالمفتاح.. “المطاريد” هجموا على النجع، ولو حد عتب عتبة الدار دي، اضـ,ـربي في المليان بالمسدس اللي في الدرج، سامعة يا صبا؟”
​صبا وشها شحب بس متهزتش، قربت منه ومسكت دراعه بقوة:
— “خلي بالك من نفسك يا ولد الهواري..

اللي يك.سر القسوة بالحب، ملوش حق يمـ,ـوت دلوقت.”
​بصلها نظرة أخيرة، نظرة فيها وداع وخوف وحاجات كتير هو نفسه مش فاهمها، وجري لبره.
​المعركة كانت حامية، الرصاص زي المطر، ومصعب في نص الن,,ار بيضـ,ـرب بقلب ميت. فجأة، لمح خيال بيتحرك من ورا السور الداخلي للجنينة.. حد من المطاريد قدر يتسحب وعاوز يد
خل البيت من باب المطبخ.ماياخالد
​قلب مصعب سقط في رجله، ساب المعركة بره وجري بجنون ناحية البيت وهو بيصرخ:
— “صبااااااااااااا!”
​دخل المطبخ والد.م بيغلي في عروقه، كان متوقع يشوفها مقتولة أو مخطوفة، بس اللي شافه خلاه يثبت مكانه من الذهول.

​صبا كانت واقفة ورا “التربيزة” الكبيرة، وفي إيدها سكي,,ن دبح كبيرة، والراجل اللي حاول يقتحم البيت واقع تحت رجليها بيصرخ وماسك رجله اللي غرقانة د.م، وهي حاطة السكي,,نة على رقبته وبتقول بصوت واطي ومخيف:
— “اللي يدخل دار الهوارة من غير إذن، يخرج منها من غير روح.. قولتلك يا مصعب، أنا مش ضعيفة.”
​مصعب قرب منها وهو بينهج، شد السكي,,نة من إيدها وهو بيترعش.. لأول مرة “الغول” إيده تترعش. مسك كتافها وهزها بعن,,ف وهو بيزعق:
— “انتي مجنونة؟ كان ممكن يقتـ,ـلك!

كان ممكن تروحي مني يا صبا!”
​صبا بصت له، ولأول مرة شافت “دموع” محبوسة في عين مصعب الهواري. رفعت إيدها ولمست وشه بهدوء:
— “خفت عليا يا مصعب؟ خفت على “الدية” اللي سددت د.م أخوك؟”
​مصعب ساب البندقية تقع منه على الأرض، وشدها لحض,,نه بقوة كأنه بيحاول يخبيها جوه ضلوعه، ودفن راسه في رقبتها وهو بيقول بصوت مكتوم ومنك.سر:
— “ملعون أبو الد.م، وملعون أبو الثأر.. أنتي لو جرا لك حاجة كنت ح,,رقت النجع باللي فيه. أنتي مابقتيش دية يا صبا.. أنتي بقيتي النفس اللي طالع وداخل مني.”
​صبا في اللحظة دي عرفت إنها انتصرت.

مش بالسـ,ـلاح، ولا باللسان.. انتصرت لما خلت الراجل اللي مبيخافش من المـ,ـوت، يترعب من فكرة غيابها.

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى