بعد ليلة المطاريد، النجع كله كان بيتحدث عن “بنت المحمدي” اللي وقفت وقفة رجالة، بس الخبر وصل لعيلتها بشكل تاني.. وصلهم إن مصعب الهواري بيذلها وأنه رماها في المطبخ تخدم، وده كان العذر اللي استناه “سلطان المحمدي”، أخو صبا الكبير، عشان يك.سر الصلح ويرجع يفتح بحر الد.م.
الصبح كان لسه بيبدر، والضباب مغطي الزرع، لما لقى مصعب غفر النجع بيجروا عليه:
— “يا عمدة! رجالة المحمدي واقفين على حدود الأرض، وسلطان راكب خيله وبيصرخ عاوز “أخته”، ومعاهم سـ,ـلاح يكفي بلد!”
مصعب غسل وشه ببرود، وبص لصبا اللي كانت واقفة ورا الشيش بتراقب بقلق.
لبس شاله، وحط مسدسه في جيبه، وخرج لهم لوحده، من غير غفر، ومن غير سـ,ـلاح ظاهر.. وقف قدام سلطان والرجالة والشرار بيتطاير من عيونهم.
سلطان صرخ وهو ماسك بندقيته:
— “سلمنا البنية يا ولد الهواري! الصلح انك.سر، وإحنا مابنرميش بناتنا للخدمة والذل في دياركم. صبا هترجع معانا، والد.م اللي بينا وبينكم يرجع يسيل تاني!”
مصعب وقف بكل هيبة، ربع إيده وبص لسلطان بنظرة استهزاء:
— “البنية اللي بتتكلم عنها دي مابقتش “بت المحمدي”.. دي بقت “صبا الهواري”، يعني عرضي وناموسي.
واللي بيفكر يمد يده على حاجة تخص مصعب، بيبقى بيحفر قب,,ره بيده.”
سلطان نزل من على خيله وقرب من مصعب بغل:
— “أنت هتغصبها علينا؟ البنت داخلة دارك دية، يعني مكسورة.. واليوم جايين نرفع ك.سرها.”
في اللحظة دي، الباب الكبير لبيت الهواري اتفتح، وخرجت صبا.. كانت ماشية بخطوات واثقة، لابسة عبايتها السودة وشالها الحرير، ووقفت جنب مصعب، لا، دي لفت إيدها ورا ضهره وتمسكت بجلابه بقوة قدام أخوها والكل.
صبا بصوت عالي وواضح:
— “ارجع يا سلطان.. وقول لأبوك إن صبا لقت سندها.
أنا مدخلتش الدار دي دية، أنا دخلتها “ست”، وخرجت منها “ملكة” بقلب الراجل اللي واقفين قصاده ده.”
سلطان ذهل:ماياخالد
— “انتي بتقولي إيه يا واكلة ناسك؟ ده اللي قـ,ـتل أخوكي!”
صبا ردت بحدة:
— “واللي قتـ,ـلوه كان في حرب، واليوم إحنا في سلم. مصعب الهواري صان كرامتي لما الكل كان عاوز يك.سرها، ولو فكرت تاخدني منه، هتاخد ج,,ثتي يا سلطان.”
مصعب في اللحظة دي، لف وبص لصبا بنظرة كلها فخر وشغف، وكأنه لأول مرة بيشوفها بجد. رجع بص لسلطان وقال بصوت زلزل الأرض:
— “سمعت؟ البنت اختارت.. والمرة دي مفيش صلح د.م.
المرة دي اللي هيقرب من حدود داري، هاكله بسناني. خد رجالتك وارجع، وقول لأبوك “صبا” مابقتش للبيع ولا للإيجار.. صبا هي “القلب” اللي بيحرك مصعب الهواري.”
سلطان عرف إن المواجهة خسرانة، مش عشان السـ,ـلاح، عشان “روح” صبا اللي بقت ملك لمصعب. ركب خيله ومشي هو ورجالته والغل بياكل قلوبهم.
مصعب لف لصبا، مسك وشها بين إيديه الخشنة، وهز راسه بذهول:
— “ليه عملتي كده يا صبا؟ كان ممكن ترجعي لاهلك وتخلصي من قسوتي.”
صبا ابتسمت بدموع وقالت له:
— “عشان قسوتك دي يا مصعب، هي اللي خلتني أعرف إنك أكتر راجل بيعرف يحب في الدنيا..
بس كنت محتاج “بنت” تطلع الحب ده من تحت الصخر.”
مصعب سحبها لحض,,نه قدام النجع كله، وهو بيهمى في ودنها:
— “من اليوم يا صبا.. مفيش كلمة تمشي في الدار دي غير كلمتك، ومفيش حد يخوفني في الدنيا دي غير “زعلك”.”النجع كله بات ليلته يتحدث عن “زل,,زال” الهواري.. إزاي “الغول” اللي مابيلينش، وقف يحامي لمراته قدام أهلها، وإزاي البنت اللي دخلت بك.سرة نفس، بقت هي “الآمرة الناهية” في حياته.
دخل مصعب وصبا الدار، والسكوت كان سيد المكان، بس المرة دي مكنش سكوت خوف، كان سكوت “هيبة”. مصعب قفل الباب الكبير وراه، ولف لصبا اللي كانت لسه واقفه وشها منور بنور النصر، بس عيونها مليانة تعب.
قرب منها بخطوات بطيئة، سحب “الشال” من على كتافه ورماه بإهمال، وبص لها نظرة طويلة خلت قلبها يدق بعن,,ف. مد إيده ولمس طرف طرحتها، وهمس بصوت فيه “بحة” شوق مكتوم بقاله سنين:
— “قولتي لأخوكي إني صنت كرامتك.. وإني بقيت سندك.
أنتي كنتي بتقولي كدة عشان تمشيه، ولا ده كلام طالع من جوه يا صبا؟”
صبا خدت نفس طويل، وقربت منه لحد ما بقت المسافة بينهم معدومة، رفعت إيدها ولمست ذقنه الخشنة وقالت بصدق هز كيانه:
— “أنا مابقولش كلام عشان أمشي حد يا مصعب. أنا صبا المحمدي، والكلمة عندي ميزان. أنت قسيت عليا.. أيوه. وحاولت تك.سرني.. كتير. بس في عز قسوتك، كنت بشوف في عينك “خوف” عليا أكتر من خوفي على نفسي.
والست مالهاش غير الراجل اللي يخاف عليها حتى من نفسه.”
مصعب ق,,بض على إيدها اللي على وشة، وباس كفها ببطء، وكأنه بيعتذر عن كل لحظة وجع سببهالها:
— “أنا متربي وسط ديابة يا صبا.. القسوة كانت درعي. بس أنتي جيتي وك.سرتي الدرع ده، ودخلتي في حتة مفيش مخلوق داسها قبلك. أنا دلوقت “تايه”.. مابقتش عارف أكون الغول اللي الناس بتخاف منه، ولا أكون الراجل اللي “بيترعش” من نظرة عينك.”
صبا ابتسمت بجمالها الهادي وقالت له:
— “خليك الاتنين.. غول على اللي يعاديك، وراجل حنين في حض,,ن مراته.
هي دي الهيبة الحقيقية.”
في اللحظة دي، مصعب شالها فجأة بين إيديه، صبا شهقت بخضة وحوطت رقبته بإيدها. ضحك مصعب لأول مرة من قلبه، ضحكة خلت الحيطان نفسها تستغرب:
— “دلوقت بقى.. مفيش صلح د.م، ومفيش مطاريد، ومفيش أهل. دلوقت مفيش غير “مصعب وصبا” وبس. وعايز أشوف بقى، “الست اللي بتخوفني” دي، هتعرف تخوفني وأنا قافل علينا الباب ده؟”
صبا دفنت راسها في ص,,دره وهي بتهمس بدلال:
— “الخوف مش بالصوت العالي يا ابن الهواري..
الخو..ف في إنك م,,اتقدرش تغيب عن عيني لحظة واحدة، وده اللي هيحصل.”
طلع بيها الجناح، ومن الليلة دي، نجع الهوارة مابقاش يسمع صوت زعيق مصعب، بقى يسمع صوت “المواويل” اللي بتغنيها صبا، ويشوف “الغول” وهو ماشي في وسط الناس، وعينه دايمًا بتدور على شباك واحد بس.. الشباك اللي فيه “روحه”
.
مرت سنة كاملة على نجع الهوارة، سنة اتغيرت فيها ملامح النجع زي ما اتغيرت ملامح “مصعب”. الجبروت اللي كان بيهز الأرض، بقى يلين تحت يد “صبا”، والبيت اللي كان صمت وقسوة، بقى فيه حياة بتدب في كل ركن.
في جناحهم الواسع، كانت الشمس لسه بتبدأ تشق طريقها من ورا الستاير الحرير اللي صبا اختارتها. مصعب كان واقف قدام المراية، بيلف شاله بإتقان، بس عينه كانت مراقبة السرير من خلال المراية بابتسامة مخفية.
صبا كانت نايمة، وفي حض,,نها حتة من قلب مصعب.. “يحيى”. عيل صغير مكملش شهرين، بس واخد سماره، وعروق جبهته، وحتى القفلة بتاعة إيده اللي بتدل إنه طالع “هواري” أصيل.
مصعب قرب من السرير ببطء، خطواته اللي كانت بترج البيت بقت دلوقت حذرة كأنه بيمشي على قشر بيض. وطى وباس راس صبا بحنية، وبعدين باس يد ابنه الصغيرة.
صبا فتحت عينها بهدوء، وابتسمت أول ما شافته:
— “صحينا يا بو يحيى؟ كل ده وقوف بتتأمل فينا؟”
مصعب قعد على طرف السرير، وسحب إيدها باسها:
— “بتأمل في الرزق يا صبا.. السنين اللي فاتت كوم، والسنة اللي عشتها معاكي دي كوم تاني. كنت فاكر إن هيبتي في الخوف، طلعت هيبتي في إن الكل يشوفني وأنا ماشي جنبك وراسي مرفوعة بيكي.”
صبا قامت نص قاعدة، وعدلت يحيى في حض,,نها:
— “الناس بره بتقول إن “الغول” بقى بيمشي يضحك في السوق، وإن صبا المحمدي سحرت لولد الهواري.”
مصعب ضحك ضحكة رجولية واثقة:
— “وقوليلهم السحر ده هو اللي خلى الزرع يطرح، والد…م يبرد. النهاردة سلطان أخوكي جاي على الغدا.. وعاوزك تجهزي “الوليمة” اللي تليق بـ خالي ولدي.”
صبا استغربت ورفعت حاجبها:
— “سلطان؟ أنت اللي عزمته يا مصعب؟”
مصعب قام وقف بكل شموخ، ولبس عبايته:
— “أيوه.. اللي يصون عرضي، أصون أهله. والصلح اللي بدأ بد.م، النهاردة بيثبت بـ “يحيى”. أنا مش عاوز ولدي يكبر وفي قلبه غل من حد، عاوزه يطلع زي أمه.. قوي بس قلبه أبيض.”
صبا قامت ووقفت وراه، لفت إيدها حوالين خصره وسندت راسها على ظهره العريض:
— “تعرف يا مصعب..
أنا كنت بخاف منك أول ليلة دخلت فيها الدار دي، دلوقت بقيت بخاف “عليك” من نسمة الهواء. أنت بقيت الوحيد اللي يقدر يخليني أضعف، والوحيد اللي يخليني أهد الدنيا لو حد لمسه.”
لف مصعب وحض,,نها هي وابنه بقوة، وغمض عينه وهو بيستنشق ريحتها اللي بقت هي “الأمان” بالنسبة له:
— “وأنا يا صبا، بقيت الوحيد اللي “يخاف” من ست.. بس الخوف ده هو اللي خلاني راجل بجد.”
نزل مصعب للديوان، وصوت خطواته كان فيه نغمة جديدة.. نغمة راجل شبع حب، وست عرفت تروض الوحش بكرامتها وهدوئها.
وانتهت قصة “مصعب وصبا” بإن الد.م مابقاش يغسل الد.م، لكن “الحب” هو اللي بيغسل القلوب وبيبني البيوت.
تمت. بقلم مايا خالد