منوعات

بدر ونهال

رمى بدر عقب السيجارة من البلكونة وهو حاسس إن دماغه هتتفجر من كتر التفكير. كلام أمه كان نازل عليه زي المطرقة، بس نظرته لنهال وهي بتمسح جبهتها بتعب وترجع خصلة شعر شاردة لورا أذنها، كانت بتذوبه وتكويه في نفس الوقت. دخل الصالة بخطوات ثقيلة. سميحة كانت لسه واقفة، حاطة إيدها على خصرها ومنتظرة الرد، بس بدر عدى من جنبها من غير ولا كلمة ودخل أوضته وقفل الباب بالمفتاح. عدى أسبوع.. وكانت الحارة كلها بتتكلم عن “العريس الجديد”. راجل تاجر قماش مقتدر، عنده بيت وشغل ومستعد يشيل نهال وولادها في رموش عينيه.

في ليلة من الليالي، كانت الساعة عدت واحدة بعد نص الليل. البيت كان هادي تماماً، وبدر قاعد في صالون الشقة في الضلمة، مش عارف ينام. فجأة، سمع صوت حركة خفيفة في المطبخ. قام بالراحة عشان يشوف مين، ولقى نهال واقفة قدام الحنفية، بتشرب مية وبتحاول تداري دموعها اللي نازلة على خدها. الضوء الخافت بتاع الشارع كان داخل من شباك المطبخ وعاكس على وشها الشاحب. بدر وقف عند الباب بصوت مخنوق: — “نهال.. إنتي كويسة؟” نهال اتخضت واتلفتت بسرعة، مسحت دموعها بإيدها وهي بتهز رأسها بنفي:

— “مافيش يا بدر.. كابوس صحاني بس.” قرب منها بدر خطوة، ولأول مرة من سنتين، يعلي صوته بشوية جـ,ـراءة وهو بيعدي كل الخطوط الحمراء اللي حطها لنفسه: — “كابوس ولا الكلام اللي الحارة كلها بتتكلم فيه؟ أمتي اتكلمت معاكي أمي في موضوع العريس؟” نهال سكتت وسندت على الرخامة، وديرت وشها عنه: — “طنط سميحة عندها حق يا بدر.. العيال بيكبروا، ومصاريفهم كترت، وأنا مش هفضل طول عمري حمل عليكم. الراجل اللي يتقدم ده شاريني، وقال إنه هيراعي ولاد حامد الله يرحمه.”

أول ما نطقت اسم “حامد”، بدر حس بدمه بيفور. قرب منها أكتر لحد ما بقى يفصل بينهم خطوات معدودة، وصوته بقى يرعش من الغيـ,ـظ والغيـ,ـرة: — “وراجل غريب يربيهم ليه؟ وأنا رحت فين؟ أنا أكل التراب ولا إن راجل غيري يمسك إيد ولاد أخويا، أو ينام في الشقة دي!” نهال رفعت عينيها فيه، وكانت أول مرة تبص له بالجـ,ـرأة دي، عينيه كانت مليانة دموع وعتاب هز كيانه:

— “طب وأنت يا بدر؟ هتفضل لحد إمتى واقف في النص؟ لا سايبني أعيش حياتي، ولا قادر تاخد خطوة؟ أنت فاكر إني مش حاسة بيك؟ فاكر إني مش شايف النظرة اللي في عينك من يوم ما دخلت البيت ده؟” الكلمات نزلت على بدر زي الصدمة. سكت، وعروق رقبته جمدت. نهال كملت بصوت متقطع ودموعها بتنزل بغزارة:

— “أنا شيلت فوق طاقتي يا بدر.. حامد الله يرحمه كان جوزي وعلى راسي، بس أنت.. أنت كنت دايماً الروح اللي بتتحرك في البيت ده. بس أنت جبان يا بدر! خايف من كلام الناس وخايف من خيال أخوك، وسايبني أحتـ,ـرق لوحدي بين نـ,ـار أملك ونار كلام الناس!” بدر حس إن الأضلاع في صدره بتتكسر. رفع إيده المحـ,ـروقة بالغيـ,ـرة وكان هيلمس كتفها، بس وقف في الهواء على بعد سنتيمترات، كأن فيه جدار شفاف من الذنب بينه وبينها.

— “أنا مش جبان يا نهال..” بدر قالها بصوت وطي جداً، مليان كسرة: “أنا بس بحب حامد.. وبحبك أنتِ لدرجة إنها بتقتلني كل يوم.” في اللحظة دي، اتفتح باب الصالة فجأة، وصوت خطوات سميحة وهي داخلة المطبخ قطع اللحظة المكهربة: — “فيه إيه يا عيال؟ واقفين في الضلمة بتعملوا إيه؟” بدر اتراجع بسرعة لورا، ونهال أخدت نفس عميق ومسحت دموعها بسرعة وبصت للضلمة. سميحة بصت لبدر بنظرة مكر وهي فاهمة كل حاجة، وقالت بثبات: — “العريس جاي بكرة بعد صلاة العشا يا بدر.. لو مش هتقف جنب أخوك وتربي ولاده، يبقى تجهز نفسك عشان تستقبل الراجل اللي هيصون مراته!”

بدر بص لنهال، ولقى عينها بتترجاه ياخد قرار، وبص لأمه اللي بتضغطه لأقصى حد. سابهم وخرج من المطبخ وهدم الباب وراه، وهو عارف إن ليلة بكرة.. مش هتعدي على خير، وإن القرار اللي هياخده بكرة، ياهيبني حياته.. يا هيدمـ,ـر كل حاجة للأبد!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى