طالعتهم “سلسبيل” بخجل؛ فهي -مَازالت- لم تعتاد على مناكفتهم واندماجها معهم كــ عائلة واحدة. _ “سلسبيل” مش هترد عليكي وخدي “سفيان” لاختك اللي عماله تتنطط هنا وهناك. كادت أن تتحدث “زينة” لتأتي “منار” من ورائهم تصيح بلهفة. _ أنتوا مالكم عَمّالين ترموا ابني لكل واحد فيكم شويه، عملوا فيك إيه يا حبيبي؟ إلتقطته “زينة” من على ذراعيّ شقيقها ثم دفعته إلي شقيقتها برفق قائلة: _ خدي ابنك لأنه عزول ولو متحركناش إحنا كمان دلوقتي هنكون عزول.
خرجت شهقة “منار” بصدمة ونظرت نحو “زينة” التي أخذت تحرك رأسها لها بتأكيد ثم مالت بجسدها نحو “سفيان” الجالس ولم يعطي إهتمامه لهن. _ اتغيرت يا “سفيان”، اتغيرت واتخليت عن اخواتك. لم تشعر “سلسبيل” بحالها إلا وهي تضحك ثم أسرعت بوضع يدها على شفتيها. _ اضحكي يا “سلسبيل” ما أنتِ خلاص اخدتيه مننا، ده أنا هعمل عليكي حما خلاص. قالتها “زينة” وهي تضحك، فهتفت “سلسبيل” بحرج. _ أنا مش قصدي والله.
•••• _ بناتك مبسوطين أوي بخطيبة اخوهم يا “صباح”، ياختي مشوفتش فرحتهم دي مع “مروة” بنتي.
نظرت “صباح” نحو اِبنتيها ووقوفهم بجانب شقيقهم وأخذت تتمتم بسرها ببعض الآيات. _ “سلسبيل” كانت قريبة من “زينة” من قبل ما “سفيان” يفكر يخطبها، حتى “مروة” من اول ما “سفيان” فكر يخطب “سلسبيل” وهي دايمًا كلامها طيب عليها. اِمتقعت ملامح “فاتن” وإلتوت شفتيها بإستنكار. _ “مروة” بنتي دي طول عمرها هبله، أنا البت دي لما كانت بتطلع عندنا ساعات تقعد مع “مروة” كنت احرس ليكون “حاتم” اجازة وقاعد. ضاقت حدقتيّ “صباح” ونظرت نحو “فاتن” تتساءَل.
_ تحرسي من إيه يا “فاتن” وإيه كلامك ده… لأ فهميني ياختي في إيه من ورا كلامك. اِبتسمت “فاتن” وهي تُلقي بنظرة متفاخرة نحو عائلة الفتاة التي خطبها ولدها. _ يا “صباح” يا اختي ابني ما شاء الله عليه زينة الشباب وأي واحدة تتمنى تكون ليه وتدخل العيلة، أنا لحد دلوقتي مش عارفه أنتِ وافقتي بالبنت دي إزاي، ما في عائلات تانيه في البلد تستاهل نناسبها. زفرت “صباح” أنفاسها براحة بعدما فهمت كلام “فاتن” المبطن وقالت:
_ “سلسبيل” مهندسة ما شاء الله وبنت ناس اصل ومحترمين وجميلة والأهم هو اختارها… هو أنتِ يا “فاتن” قدرتي تخلي “حاتم” يتجوز “أحلام” بنت اخوكي. اِحتقنت ملامح “فاتن” وشعرت بالسخط ليخرج صوتها بتهكم. _ مهندسه وكانت شغاله عند “محمد” ابني في الصيدلية. قالتها “فاتن” بعدما لم تجد حديث تقوله ثم واصلت كلامها وهي تلوي شفتيها. _ لكن “حاتم” ابني ما شاء الله عليه عرف يختار، شايفه النسب يا “صباح”. اِبتسمت “صباح” وربتت على كف يدها وقد اِرتفعت أصوات الموسيقى عاليًا بعدما أعلن منظمين الحفل عن قدوم العروسين أخيرًا.
_ ربنا يسعده يا “فاتن”، “حاتم” ده ابني وفرحتي بيه النهاردة متتوصفش. شعرت “فاتن” بالضيق؛ فمهما حاولت أن تكيد “صباح” لا تستطيع. بدأت مظاهر الإحتفال، وظهرت العروس الجميلة سليلة الحسب والنسب تتأبط ذراع “حاتم” المبتسم بسعادة. نغزة قوية اِنغرست في قلب “سلسبيل” وهي تراه سعيد. تعلقت نظراتها نحو “سفيان” الذي تركها مع شقيقاتها وقد أتت والدته للجلوس معهم على نفس الطاولة. _ إن شاء الله هنعملك احلى حفل زفاف يا عروسة ابني. قالتها “صباح” عندما ظنت أن نظرة الحسرة التي رأتها بعينين “سلسبيل” ما هي إلا نظرة حزن لأنها لم تحظى بــ حفل خِطبة كهذا.
اِبتسمت لها “سلسبيل” وحاولت أن تخرج صوتها بثبات حتى لا تفضحها حرقة قلبها على وهم كانت تعيشه. _ أبدًا يا طنط أنا مش زعلانه ولا بفكر في حاجة زي دي، و ماما الحمدلله عودتني مقارنش حياتي بحد. إلتمعت عينين “صباح” بسعادة؛ فرغم عدم حماسها بالبداية من اختيار ابنها لها وترددها؛ إلا أن “سلسبيل” يومًا بعد يوم تظهر لها مدى تربية والديها لها وطيبة أصلها. _ ربنا يرضى عنك يا بنتي ويكمل فرحتي بيكم على خير.
كانت الإبتسامة تعلو شفتيّ “سفيان” الذي وقف جِوار عمه “سليمان” وابن عمه الطبيب “محمد” وباقي رجال العائلة. _ يا بني هي هتهرب منك، دي حتى قاعدة مع الحاجة “صباح” وشكلهم هيعملوا حلف نسائي عليك. قالها “محمد” بهمس خافت بعدما زجره بذراعه؛ فارتبك “سفيان” قائلًا: _ مش فاهم قصدك يا “محمد”. ارتفع كلا حاجبين “محمد” ونظر له بنظرة بإستنكار. _ هنستعبط يا ابن عمي. اِبتسم “سفيان” وأشاح عيناه بعيدًا عن الطاولة التى تجلس عليها والدته و “سلسبيل”.
تلك التنهيدة الطويلة التي خرجت من بين شفتيّ “محمد” جعلت “سفيان” يتجه بأنظاره إليه. _ مالك يا “محمد”؟ تبدلت ملامح “محمد” التي كانت البهجة تحتلها منذ لحظات واِحتل الوجوم ملامحه. _ عجبك اللبس والمسخرة اللي إحنا فيها، ده الواحد حاسس إن واقف في ملهي ليلى. تنهد “سفيان” بقوة، فجميع رجال عائلتهم ينظرون حولهم بإستياء ويتهامسون؛ فاستطرد “محمد” قائلًا وهو ينظر نحو شقيقه الذي نهض ليرقص مع عروسه. _ النسب ده مينسبناش يا “سفيان”، تفتكر البنت دي هتقبل تعيش عندنا في الأرياف.
هَـز “سفيان” رأسه بآسف ثم ألقىٰ بنظرة سريعة حوله. _ بس أهلها ناس كويسين. _ لكن مش شبهنا يا “سفيان”. تمتم بها “محمد” وهو ينظر نحو والده الذي ظهر على ملامحه عدم الرضىٰ بما يحدث حوله ويراه.
•••• لم تبرح “سلسبيل” مكانها رغم محاولات “زينة” و “منار” في جذبها لتقف بينهم وسط فتيات ونساء العائلة. حاولت مرارًا ألا تنظر نحو “حاتم” الذي طغى الفرح على ملامحه وتصرف عيناها بعيدًا عنه لكن رغمًا عنها كانت تنظر إليه وتبتلع غصتها.
لم تفرح بخِطبتها وهو الآن يطير من السعادة والفرح… صدقت “هبة” عندما أخبرتها في مكالمتهم هذا الصباح أن تفيق من هذا الوهم وتنظر إلى ما بين يديها حتى لا يزول. تنهيدة حارة خرجت من بين شفتيها عندما وقعت عيناها على خاتم خِطبتها وهي تخفض رأسها نحو يديها المتشابكتين ببعضهم.
•••• عادت “سلسبيل” في نفس الليلة إلى البلده مع “سفيان” لكن بقية العائلة قرروا قضاء الغد بالعاصمة؛ فهم يمتلكون -بحي المعادي- عدد من الشقق في أحدى البنايات التي تعد من أملاك “جمال الراشد”.
_ احكيلي يا “سلسبيل” اتبسطي. تساءَلت والدتها عند دلولفها ليهتف والدها قائلًا: _ الصباح رباح يا “روحية”، سيبي البنت ترتاح. اِمتقعت ملامح “روحية” لتقترب منها “سلسبيل” وتُقبل خدها. _ اتبسط اوي يا ماما. _ طيب يعني اتبسطي مع خطيبك.