Uncategorized

رواية جوازة ابريل الجزء الثالث من سلسلة حافية علي جمر الهوس القسم الثالث بقلم نورهان محسن

لم يمنحها فرصة للرد ، إذ جذبها من وجهها بتوتر عذب ، وهو يشعر بالنار تلتهم صبره ، وتشتعل في عروقه ، وانقض على شفتيها بقبلة عميقة عبّرت عن شوقه المكبوت. انزلقت يده إلى أسفل ظهرها ، تشدها إليه أكثر ، فضاعت تمامًا في متاهة جنونه العاطفى ، بينما جسدها يستجيب لنبضاته المتسارعة بين ذراعيه.
أخيرًا تراجع بصعوبة ، أنفاسه لاهثة ، وابتسامة متسلطة ترتسم على شفتيه وهو يراقبها تحاول التقاط أنفاسها ، قبل أن تستدير نحو المرآةبغضب ، تتحسس شفتيها المتورمتين ، لتتذمر بضيق : باسم! حرام عليك بوظت الروج اللي بقالي ساعة بظبط فيه!

ضحك باسم بصخب ، رافعًا حاجبيه بتسلية ، ثم مال نحوها برغبة لا تخلو من العبث ، قبل أن يهمس في أذنها كلمات أشعلت وجنتيها بحمرة الخجل من جراءته اللامحدودة. بعد عدة ساعات
داخل منزل خالد
كان الهدوء يلف الغرفة كوشاح حريري ، جلست لميس على الكرسي أمام المرآة ، ظهرها مستقيم قليلاً ، ويديها تمسك بطرف فستانها الأبيض الطويل بحركة لا إرادية ، وعيناها البنيتان تحدقان فى انعكاسها بشرود ، تتأمل ملامحها الناعمة التي ازدادت وهجًا تحت أضواء الغرفة الدافئة ، وشفتيها ممتلئتان بارتعاشة خفيفة ، وكأنها لا تصدق أنها أصبحت الآن زوجة خالد.

أناملها تحركت بتردد على طرف الطرحة تزيلها ببطء ، لينساب شعرها البني الناعم فوق كتفيها ، وصدرها يعلو ويهبط بنمط غير منتظم ، انعكاسًا لذلك المزيج بين الترقب والخجل. شعرت لميس بالبرودة تلمس كتفيها المكشوفين ، وهى تحاول أن تستجمع شتات أفكارها ، لم يكن التوتر خوفًا ، بل شيئًا أقرب إلى الحياء الطبيعي الذي يغمر كل عروس في تلك اللحظة المهيبة ، وأنها على وشك بدء حياة جديدة.

فُتح الباب ببطء ، ودخل خالد ملامحه القوية بدت أكثر صرامة تحت الإضاءة ، لكن دفئًا شغوفًا تسلل فى نظراته إليها ، وهو يستشعر توترها من تلك الحركة الخفيفة لأصابعها ، وهي تعبث بأطراف الطرحة.

اقترب خالد بخطوات ثابتة حتى وقف خلفها ، تلاقت أعينهما في المرآة ، فابتسمت لميس بخجل ، وأسرعت بخفض نظرها إلى الأسفل. تأمل خالد انعكاسها جميلة إلى حد أربكه ، فوضع يديه على اعلى كتفيها ، وقال بصوته العميق الممزوج بحنان : تحبي أساعدك في حاجة؟ رفعت لميس عينيها له بحرج ، وتحدثت بتردد ، وهي تشير إلى الفستان : شكرا .. كنت هقوم أغيره في الحمام
نهضت لميس من مكانها بِارتباك فور أن أنهت جملتها. _لميس

جاء صوته منخفضًا بينما كفه يحيط بمعصمها بنعومة ، لكنه بحزم في الوقت ذاته ، ليوقفها قبل أن تخطو نحو الباب. خفقت نبضات قلبها ، وهي تلتفت إليه ، وعيناها تحملان خليطًا من الخجل والاضطراب : نعم
خالد بابتسامة صغيرة يشوبها القليل من التردد : كنت بفكر ..
ينفع أطلب منك حاجة؟ حملقت لميس به بحذر ممزوج باستفهام : إيه هي؟ مدَّ خالد يده برقة ، لتمرَّ على خصلة من شعرها ، ثم تحدث بهدوء : ما تغيريش الفستان دلوقتي .. لو مش مضايقك!! تعجبت لميس من طلبه ، وبابتسامة رقيقة ارتسمت على شفتيها استفسرت :

مش أوي .. بس ليه؟ مال خالد برأسه قليلاً ، وعيناه تغرقان في تأملها بعشق خالص تجلى في نبرات حديثه : مالحقتش أشوف تفاصيل الفستان عليكي بصراحة .. الليلة ضاعت وأنا ملخوم ومتوتر في مية حوار .. اللي يسلم واللي يبارك .. كل ده منعني إني أركز في أهم حاجة في الليلة دي …

جمالك!!! كلمته الأخيرة المفعمة بإعجاب صادق ، كانت كفيلة بأن تجعل قلبها يخفق بتوتر ، بينما شعرت بحرارة وجهها تزداد ، وكأن لهباً دافئاً قد اشتعل فيه. حرك خالد إبهامه برقة على ظهر كفها المخملي ، ثم أكمل بمرح : بس ممكن نلحق باقي الليلة .. ونعوض اللي فاتنا .. مفيش داعي نستعجل .. ولا احنا لازم نحرق كل حاجة بسرعة؟ غمز خالد لها بنظرة مشاكسة في نهاية عبارته ، فأجابته ضاحكة بصوت ناعم ، بينما شعرت براحة غامرة لقدراته على كسر التوتر بينهما : طيب .. هفضل بيه

ظل خالد ماسكًا يدها برفق داخل كفه ، بينما استخسائل حيوي يده الأخرى ليخرج الهاتف من جيب بنطاله ، وعبث به قليلًا قبل أن تملأ الغرفة نغمات موسيقية هادئة بألحان رومانسية ساحرة ، ثم قال بابتسامة جذابة : تسمحيلي بالرقصة دي؟
نظرت لميس إليه بعينين يلمع فيهما مزيج من الدهشة والسعادة ، وهزت رأسها موافقة. جذبها خالد برفق نحو صدره ، فوضعَت يدها على كتفه ، بينما أحاطت يده الأخرى بخصرها ، ويداهما تشابكتا معًا ، وبدأت تتحرك معه بخطوات بطيئة ، لم تكن الرقصة مُتقنة ، بل كانت تنساب على إيقاع مشاعرهما المتناغمة.

همس خالد بصوت منخفض بالقرب من أذنها : اقولك علي حاجة .. بس متضحكيش عليا ولا تفكريني ببالغ
نظرت لميس إليه بابتسامة هادئة ، وتمتمت بفضول : قول

_بتمنى تلبسيلي كل يوم الفستان الأبيض .. نفسي كل يوم نعيشه كأنه بداية جديدة لينا مع بعض.. شعرت لميس بلهيب مشاعره يخترق خجلها ، لكنها لم تستطع الرد ، فصمتت وهي تخفض عينيها.
_ساكتة ليه؟ سألها خالد بابتسامة ، فقضمت شفتيها بحركة عفوية أثارته ، ثم همست ردًا بصوتٍ بالكاد يُسمع : محروجة شوية
رفع خالد ذقنها بتأنٍ ، متأملاً عينيها البنيتين بكل عاطفة، قبل أن يضيف بصوتٍ أعمق : من الليلة بقينا روح واحدة يا لميس .. مفيش بينا مسافات ولا إحراج ولا كسوف
مازحها خالد ، وهو يضحك بمرح :

طب سمعيني صوتك عشان اطمن
نظرت لميس إليه بتحدٍ خفيف ، وهمست بصدق : بحب اسمعك يا خالد .. كلامك بيطمني ومشاعرك الحلوة دي بتخطف قلبي

شدها خالد إليه أكثر ، حتى تلاحمت أنفاسهما ، وهمس بصوتٍ أجش يعكس شوقه العميق : كلي ليكي يا روح وعيون خالد
همساته أشعلت كل خلاياها بنيران شغفٍ لا يُقاوم ، ولم تشعر إلا بذراعيه تحيطان بها بحنانٍ قوي ، بينما أصبحت الموسيقى خلفية خافتة لمشاعر جارفه انفجرت بينهما.
تسللت يده بهدوء ليفك قيود فستانها من الخلف بتأنِ ، بينما أنفاسه الحارة تداعب رقبتها بنعومة لا يمكن مقاومتها ، وكل لمسة تُثير في قلبها تفاعلًا لا يمكنها كبحه.

بدأ خالد بإزاحة الفستان عن كتفها ، فتلاحقت أنفاسه بنارٍ من الرغبة المشتعلة ، حينما لمحت عيناه بريق شاماتها التي تزين كتفيها وبداية صدرها ، وكأنها نجوم تسطع على جسدها ، ليتنقل بين رقبتها ونحرها وكتفيها بقبلات ألهبت مشاعرها برقة مهلكة ، لتغرق في بحر من الشوق والشغف ، فلا تملك أمامه سوى الاستسلام. رفع خالد رأسه بحذر ليطبع قبلة على جبينها ، ثم بدأ ينزل بشفتيه ليلامس وجهها بحرارة تُثير كل حواسها ، حتى التقت شفاهما ، فارتشف من رحيقها العسل الصافي بنهم ووله ، قبل أن يحملها بين ذراعيه إلى السرير ، ليعبر لها عن عشقه بأسلوبه الخاص.

ليلاً وسط سكون الغرفة ، التي غلفها نور خافت صادر عن المصباح بجانب السرير ،
نهضت إبريل كأنها تحاول الهروب من شيء ما ، خطواتها حذرة ، تكاد تلمس الأرض بأطراف أصابع قسائل حيوييها ، كي لا توقظ باسم الذي كان يغط في نوم عميق بجانبها ، بعد عودتهما منهكين من حفل زفاف لميس وخالد ، لكن النوم استعصى عليها ، وشعرت أن صدرها يضيق بأنفاس متقطعة ، وحلقها جاف كأنه صحراء ملتهبة. خطت ابريل إلى المطبخ ، ثم فتحت الثلاجة ، وأمسكت زجاجة الماء بيد ترتعش ، وارتشفت منها بنهم كأنها تحاول أن تطفئ الحريق المشتعل بداخلها.

فجأة ، كسر الصمت صوت باسم المبحوح الذى غلب عليه النعاس : إبريل… بتعملي إيه؟ تجمدت ابريل في مكانها للحظة ، ثم حاولت أن تبدو طبيعية ، وهي تدير رأسها نحوه ببطء : أنا .. بس .. صحيت أشرب ميه
اقترب باسم منها بخطوات ثابتة بعد أن أشعل الإضاءة ، وعيناه الحادتان تركزان على ملامحها ، ويديها المرتعشتين التي تمسك الزجاجة بصعوبة ، ثم سألها بريبة : إيدك بترعش ووشك محمر كده ليه؟ أنهى باسم جملته بقلق ، وعيناه متسمرتان على وجهها الشاحب ، ثم اقترب أكثر ، ولمس جبينها بحذر قبل أن يقول بوجل : حرارتك عالية!

في حاجة وجعاكي؟

أجابته ابريل بصوت مبحوح وضعيف : حاسّة بخنقة… وريقي ناشف… وفي وجع فرقبتي وزوري
عبست ملامحه محاولاً السيطرة علي قلقه المتصاعد ، ثم استفسر بجدية : من إيه! كلتي إيه ولا شربتي؟ سعلت ابريل بتحشرج ، وترددت للحظة وهي تستعيد ذكرى الكعكة التي تجرأت على تناولها في زفاف لميس وخالد ، رغم يقينها أن الكريمة تخفي خطر اللبن الذي يثير حساسيتها ، لكنها بدافعٍ من رغبة عابرة ، أقنعت نفسها بأن جرعة الدواء ستكفي عند العودة ، لتجد الشريط فارغًا. ازدردت إبريل ريقها بصعوبة ، والكلمات خرجت منها مرغمة كاعتراف مذنب : كلت حتة من الجاتوه في الفرح ..

بس ..
مكنتش عارفة إن فيها لبن.. توقفت إبريل للحظة تطالع عينيه التي تتابعها بإمعان ، ثم أضافت وهي تخفض رأسها بخجل ونسائل حيوي : بصراحة كنت عارفة بس .. بس والله أنا كنت هاخد الدوا لما نرجع .. بس لاقيته خلص

لم يضيع باسم لحظة في التعبير عن سخطه ، بل استدار بخطوات سريعة يبحث عن الهاتف ، وهو يسألها بصوت جاف : اسمه إيه الدوا ده؟ استمع باسم الي اجابتها ، ثم أسرع بطلب الدواء من الصيدلية القريبة منهم. غاب باسم عن عينيها للحظات ، فاستندت بتعب على حافة المنضدة ، قبل أن يعود سريعًا يحمل كوبًا من الماء في يده ، ومده لها :

اشربي ده على ما يوصل الدوا
تناولته إبريل منه ، وفور انتهائها من الشرب ، استمعا إلى صوت جرس باب الشقة ، توجه باسم بسرعة نحوه ، لكنه عنسائل حيويا عاد لم يجدها في مكانها ، تطلع حوله باضطراب حتى انتبه إلى صوت يأتي من الحمام ، فتوجه إليه.

دخل باسم ممسكًا بشريط الدواء ، فرآها جالسة على الأرض ، وجسدها المنهك منحني قليلاً ، وهي تحاول أن تلفظ ما في بطنها بألم. جثا باسم على ركبتيه بفزع ، ودون أن ينبس بكلمة ، مسّد على ظهرها برفق وحنان. رفعت إبريل رأسها إلى الأعلى تستنشق الهواء بشق الأنفاس ، فمدّ يده ليضع قرص الدواء في فمها ، ثم أعطاها الماء لتبتلعه ، بينما يده الأخرى ترفع شعرها المبلل عن وجهها الشاحب ، ولاحظ أن حرارتها لم تهدأ.

_حرارتك لسه عالية… تمتم باسم بصوت قلق مشوب باللهفة ، ثم رفعها بين ذراعيه بدعم ، وأسندها إلى حوض الاستحمام ، دون تردد فتح صنبور الدش ، وترك الماء البارد يتساقط عليهما معًا ، وعيناه تراقبان وجهها بتوتر ، يبحث في ملامحها عن أي علامة تدل على أنها بخير.

أما إبريل ، فكانت تقف بين ذراعيه بضعف ، بالكاد قادرة على التقاط أنفاسها ، كغريق نجا لتوه من أعماق البحر. رفع أنامله ليبعد خصلات الشعر المبللة عن وجهها الشاحب ، ثم همس بصوت مليء بالتوتر : انتي كويسة؟ بدا كأنها لم تسمعه ، لكنه استمر في مراقبتها بقلق متقد ، وذراعاه تحتويانها أكثر ، كل شيء حولهما كان ساكنًا إلا نبضاتهما المتسارعة وصوت الماء المتساقط ، يتناغم مع كل نبضة يشعر بها.

انت في الصفحة 3 من 3 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى