نورهان محسن: الفصل الثالث والعشرون شبح حياتي أنتِ جميلة كـ قطرة يغوصُ من أجلها الماءُ ليعرف أين وقع قلبه؟ ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ابتسمت لها ريم واستدارت نحو الباب لتغادر بخطوات هادئة. : كارت و ورد جو ابيض واسود جدا قال بدر بسخرية تامة خلفها عندما تتحرك ، لتضع الورود على الطاولة ، ثم أردف ، عندما لم يتلق ردًا منها ، بينما كانت نظرته مثبتة على الورقة بين أصابعها : افتحي الكارت يا حياة
شعرت بشكل غريزي أن ما ورد في هذه الورقة لن يرضيه على الإطلاق ، فهزت رأسها رافضة ، وقالت بابتسامة مرتبكة ، حيث استدارت تنظر إليه بحذر : اكيد هفتحه بس .. مش دلوقتي رفع حاجبيه وشد صدغيه قائلاً بدهشة وتلاعب مزيفين : ليه حابب اعرف الدكتور المنحنح بعتلك ايه؟ رتل بصوت هادئ يخفي خلفه الغيرة المتوهجة في عينه : افتحي الكارت وخليني اقرأه بنفسى الغريب أن هذا الشعور يكتسح أعماقه في أقل من ثانية ، يفرض سيطرته عليه ، ويعيق تفكيره العقلاني ، ويفقده السيطرة على تعابيره وأفعاله.
عبست حياة بلطافة ، ثم نظرت إليه من زاوية عينها ، وسألت بإمتعاض تدعى القوة : وانت مالك دي حاجة تخصني؟ حدجها بدر بنظرات محتدمة ، وهو يحاول السيطرة على هدوئه أمامها ، ثم هتف في سخط : وتخصني كمان نسيتي انك هنا بصفتك حبيبتي ومرتبطة بيا شعرت أن قلبها يرقص بفرح بين ضلوعها من قوله تلك الجملة الصريحة التي بها الكثير الغضب والإنفعال ، ولكنها في مقابل ذلك تحتوى على معاني أخرى.
انهمكت بأفكارها الوردية شاردة فى نقطة واهية بحماقة شديدة لدرجة أنها نسيت للحظة أنه يقف أمامها منتظرًا بملل ردًا ، مجبراً اياها على العودة إلى الواقع حينما أضاف تحذيرًا خشنًا : يلا يا حياة ماتضطرنيش اخليكي توريهولي بالعافية نظرت مرة أخرى إلى ملامحه الحانقة بنوع من الحيرة ، علاوة على ذلك ، متوجسة من رد فعله ، حتى لو كان شبحًا غير مؤذٍ ، لكنه بدا مرعبًا فى غضبه. زفرت حياة ، قائلة بإستسلام لتصميمه الغريب ، وهي تفتح الورقة بأصابعها المرتجفة : ماشي
قال ساخرا ، موزعا نظراته بين وجه حياة والورقة : ماشاءالله ماشاءالله .. حضرته بيطلب من سيادتك توافقي تخرجي تتغدو برا انهاردة على الرغم من ظهور علامات استغراب واضحة على وجهها ، إلا أنه سرعان ما ظهرت ابتسامة ملتوية على فمها ، وامتلأت عيناها بالشقاوة ، راغبة فى ردَّ له صاعًا بصاع بسبب ما حدث من دقائق قائلة بإعجاب : قد ايه هو دكتور ذوق بجد!! اكيد صعبت عليه من قعدتي هنا ففكر يغيرلي الجو شوية
ظل ينظر إليها بحاجبين معقدين في سخط ، ثم تحدث باستهزاء : لا والله .. هو علي اي اساس و بصفته ايه يعمل كدا معاكي؟ أنهى كلماته بسؤال جاد لتشعر حياة بجفاف في حلقها من التوتر وحرارة تزحف ببطء إلى وجنتيها ، لا تعلم حقًا بماذا ترد ، لتهز كتفيها متمتمة : معرفش .. يعني .. عادي استفزته كلماتها جداً حيث لم يكن هذا الجواب الذي ينتظره ، ليهدر بعيون واسعة من الغضب : عادي!!! انهي راجل كاجول هيوافق بكدا؟
تراجعت خطوة للوراء عندما اقترب منها في فورة صراخه ، فازدرت لعابها وتساءلت بقلق : ايه المشكلة ؟ الموضوع على فكرة مش مستاهل كل العصبية دي يا بدر نفث الهواء الساخن من فمه حينما لاحظ حالته ، ليفرك مؤخرة رأسه ، متهربًا من نظراتها ، ثم أجاب بوجه مقتضب : مش متعصب .. بس مستغرب من جراءته ازاي يعزمك بقلب جامد!! سكت لوهلة ليعاود النظر إليها ببطء ، متسائلا بترقب : الا اذا كان شايف منك قبول سمحلو يتصرف كدا؟
هزت حياة رأسها نفيًا بسرعة ، موضحة له بكلمات متفرقة وهي تحرك يديها بشكل عشوائي أمامه : اااا ايه اللي بتقوله دا!! لا طبعا قبول ايه وانا مالي بيه .. انا ماليش ذنب ؟ كل الحكاية انه كان بيساعدنا .. هو اللي من نفسه عمل كدا انا ماليش دعوة مسح جبهته براحة يده والشعور بالغضب يتفاقم بداخله من هذا النقاش المثير للأعصاب ، لكنه تنفس بعمق وقال بصبر : يبقي اسمعي اللي هقولك عليه .. هتتصلي بيه حالا يا حياة و تنادي علي الممرضة ترجعلو الورد دا و…
اتسعت عيناها بدهشة من حديثه لذا فتحت فاهها تتفوه بإعتراض : بس دا… ضغطت بأسنانها على شفتها بقهر ، من مقاطعته لإكمال كلامها حتى النهاية حينما صاح قائلا بنبرة لا تسمح لها بالجدال أو الاحتجاج ، بينما عيناه تفيضان اشتعالاً ويده على خصره : بإختصار .. هتقوليلو انك مش هتروحي معه في اي حته وانا شخصيا مش عايز منه حاجة .. لأني انا مش كبري عشان يتواصل معاكي علي قفايا
نطق كلماته الأخيرة بانزعاج ، مجعدًا حاجبيه ، لتحاول إقناعه بالهدوء ، وكأنها تتحدث إلى طفل صغير : انت ليه مكبر القصة؟ ليه نعمل مشكلة معه علي حاجة مش مستاهلة!! هو اكيد عمل كدا بحسن نية على فكرة .. والورد ذنبه ايه نرجعو دا حتي ذوقه خطير!! زمجر بها محذرا حالما لاحظ تغير نبرتها ، وابتسامتها المضمومة بكلماتها الاخيرة ، وكأنها تحاول استفزازه : حياة!! رمشت جفنيها ببراءة وهي تحدق فيه ، وهناك ابتسامة عريضة في نفسها لتلك الفراشات التي ترفرف بسعادة حول قلبها ، والذي انتعشت دقاته بسبب غضبه من سيرة مازن.
لقد أنقشع الضباب الذي كان يغطي عينيها عن كل ردود أفعاله الغريبة السابقة تجاهها ، منذ أن اكتشفت حبها له. أومأت له حياة بالموافقة ، مرددة بضجر ، على مضض ، محاولة عدم ترك ابتسامتها تفلت أمامه : خلاص ماشي هبقي ارجعلو الورد .. اصلا لعلمك انا مش حابة اروح معه اي حته يعني مش عشان انت قولت .. تمام كدا؟
بدأت ابتسامة راضية بالظهور تدريجياً على وجهه حيث لانت ملامحه العابسة ، بينما صمتت حياة لالتقاط أنفاسها ، ثم استدارت نحو النافذة ، ووقفت أمامها مبتسمة بخفة عندما شعرت بنفحة من الهواء البارد ، تطايرَت اثره بعضًا من خُصلاتٌ شعرها البرتقالي المجعد على ظهرها وحول وجهها الجميل. ★★★ مرت عدة دقائق ، ساد الصمت في جميع أنحاء الغرفة ، لم يقطعه سوى أصوات الرياح. وقف بدر مستقيماً ووضع يديه في جيوبه ، يراقب تلك التي آسرته دون أدنى جهد منها ، حيث تمنى بعمق أن يأتي ذات يوم ويغمر أصابعه بين تلك الخصلات النارية ويشعر بدفئها ويستمتع بمداعبتها.
تبددت كل أفكاره ، وعادت تعابير وجهه متجهمة مرة أخرى ، بالأحرى احتدت عيناه حين أدار وجهه إلى الجانب الآخر على ذلك الفظ الذي دخل الغرفة دون أن يطرق الباب كالمعتاد. عقد ما بين حاجبيه أكثر حين ظل الأخر متصنمًا على عتبة الباب ، بصمت ، عيناه تراقبها بهدوء ، بينما حياة غافلة تمامًا ولم تشعر به يقف خلفها ، يتابعها لثوانٍ طويلة بعيون لامعة. هتف بدر قائلًا بنبرة صارمة : بصي وراكي
استفاقت حياة من إلهاءها على صوته ، فالتفتت بعفوية لتتفاجأ بأن معاذ يقف خلفها ، الذي خرج من أفكاره بسرعة عندما استدارت نحوه ، محاولًا تدارك نفسه ، وتمتم متحكمًا في ثبات صوته : ازيك يا حياة؟ رمقت بدر بنظرة خاطفة قبل أن تنقل بصرها مرة أخرى نحو معاذ قائلة بابتسامة : الله يسلمك يا معاذ .. ايه اخبارك انت؟ حدق في ابتسامتها الحلوة لبضع ثوان بعينيه التي طغى عليها بريق غريب ، قبل أن يبادلها الابتسامة مجيبًا بتريث : كويس .. كنت عايزك برا في موضوع هستناكي في الكافيتريا تحت
حركت رأسها بالموافقة ردًا على ذلك ، محاولة كبت الشعور بالقلق الذي هاجمها ، ثم غمغمت بهدوء : ماشى جاية وراك تفاجأت عندما وقف بدر أمامها في غمضة عين ، وعينيه مفعمة باستهجان غير مفهوم ، وازدادت ملامحه تعقيدًا ، وزأر بحدة وبنبرة منفعلة : اللي بيجرا دا كتير اوي .. اشمعنا مانجتي كلو باصص فيها ماعندهم موز وفراولة و تفاح ولا حتي بطيخ!!؟ هذا السؤال الغريب هرب من شفتيه بغير إرادته ، وكأن لسانه قد أصبحت لديه إرادة منفردة ، بينما تركزت نظراتها في عينيه كأنها تحثه على الإكمال.
صمت بدر قليلا ، ينظر إلى ملامحها ، التي تغيرت من الدهشة إلى الاهتمام ، لترتخى تعابيره ببطء ، وهو يستوعب أخيرًا ما قاله بإندفاع. ظل يتأمل في عينيها بصمت ، قبل أن يستدير إلى الباب المفتوح ليغادر دون أن يقول أي شيء آخر. عضت خدها من الداخل بتعجب ، وجعدت حاجبيها بعدم فهم ، وهي تصفع راحة يدها على الأخرى ، لتتحدث بصوت مسموع مليء بالدهشة : مانجة ايه و بطيخ ايه!! ايه سوق العبور اللي بيخرف بيه المجنون دا .. كل مرة يرميلي لغز احتار فيه بعدها يسيبني و يمشي كدا
أطلقت تنهيدة من أعماق قلبها ، وابتسامة عذبة سعيدة زينت شفتيها ، ثم ازاحت خصلة من شعرها خلف أذنها ، وانجرفت شلالات الفرح من عسليتها حينما أنارت تلك الفكرة عقلها ، لتخاطب نفسها مرة أخرى : بس شكلو غيران والله شكلك غيران يا ابو الهول هزت رأسها بقلة حيلة بسبب برودة قهوتها التي قد نسيت أمرها تمامًا ، ثم تبعته بنفس الابتسامة التي تزين وجهها. ★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★•••••★••• جلسوا جميعًا حول طاولة كبيرة في كافيتيريا المستشفى ، لمناقشة تفاصيل الحادث.
عقفت حواجبها بانزعاج من الألم تشعر بقرع طبول داخل جمجمتها ، حيث يوجد صداع قوى في رأسها نتيجة قلة ساعات النوم ، وأيضًا لأن تلك الجلسة مرت عليها أكثر من ساعتين ، وظهرها تصلب من الكرسي. رفعت راحة يدها ، ودلكت رأسها بخفة ، وهي تسترق النظر إليه بين الحين والآخر ، وهو يقف خلف كرسي جاسر الذى يجلس أمامها من الجانب الآخر ، وتجاورها شذى على يمينها ومعاذ بالجهة اليسرى.
تساءلت حياة أخيرًا بحيرة من كثرة التفكير دون أن تتمكن الوصول إلى أي شيء مفيد منه : لما بدر كلم اميرة بعد ما كلمك يا جاسر قبل الحادثة .. راح فين بعد كدا ومين اللي فك فرامل عربيته؟ رفع جاسر منكبيه للأعلى ، وعقب قائلا ، وهو يعقد كلتا يديه إلى صدره : هو كلمني يومها بليل و قالي انه معه اوراق تودي كريم في داهية و هيطلع بيها علي النائب العام .. دي كانت اخر مرة اتكلمنا فيها ومعرفش حصل ايه بعدها؟
رمشت بأهدابها فى فهم لكلماته ، ما لبث أن تحولت نظرتها إلى الأسفل عاقدة حاجبيها بتوتر ، حينما شعرت بلمسات أصابع خفيفة جدًا قد مرت على ظهرها ، مما تسبب في رجفة ﺧﻮف ﺳﺮت ﰲ ﺟﺴﺪها ، بينما عقلها يدور بسرعة كبيرة ، وتفكر لمن هذه اللمسة ، فلا أحد بجانبها إلا معاذ ، لترمقه من زاوية عينها بإنشداه ، عندما رأت يديه متكئتين على الطاولة.
تمتم لها بدر كإجابة لسؤالها الداخلي ، ليستطرد كلماته بعد أن دنى إلى جانب أذنها ، حيث أنه اقترب منها فى لجة أفكارها المتضاربة وهى غافلة تماما : انا ماحستش بلمسة الممرضة ليا الصبح .. هي واحدة بس اللي لمستها ليا بتحسسني بالحياة أنهى كلماته بابتسامة جانبية ، ثم ابتعد واقفًا في مكانه السابق بأعصاب هادئة تتناقض مع دقات قلبها التي كانت تقرع مثل أبواق القطارات من دهشتها المفرطة. حاولت الخروج من قوقعة الصدمة للتركيز على ما يقولون ، و للاستماع لمعاذ الذى قام بتوجيه سؤال لجاسر بجدية : انت ماشوفتش اللي جوا الورق دا؟
هز جاسر رأسه نفيًا ، وقال كلماته مملوءة بالحزن و قلة الحيلة : لا رفض يجيبو علي المكتب دوى صوت خشن من الجالس بجوار كرسي معاذ بالجهة الأخرى ، يخاطب جاسر متسائلا بجدية : تفتكر ليه ليلة الحادثة كان رايح اسكندرية .. مع انك لسه قايل انه كان هيروح للنائب العام ومعه الورق دا واتأكدنا من كدا فعلا عرجت الأنظار إلى طارق الضابط المسؤول عن التحقيق في حادثة بدر ، ليرد معاذ بدلاً من جاسر بنبرة حائرة : الغريبة انه لما جه المستشفي ماكنش معاه اي اوراق ولا حتي في العربية لما فتشناها يا طارق باشا
تدحرج بصر حياة على بدر الذي رفع يده إلى صدره من فوق القميص وكأنه يبحث عن شيء ، ثم تحركت عينيه نحوها ، وقال بنبرة هادئة : ماكنش معايا ورق كانت فلاشة في جيبي ظلت حياة تتطلع إليه بذهول لعدة لحظات ، لتردد كلماته متعجبة بعفوية : فلاشة!! رفع معاذ رأسه إليها حينما سمع صوتها الهامس ، وهي جالسة على مسافة صغيرة جدًا منه ، مجعدًا حاجبيه بتساءل من كيفية معرفتها عن ذلك ، ليقول بتوتر خفى : ايوه كان في فلاشة
واصل معاذ حديثه بعد أن أدار وجهه بعيدًا عنهم حين تحولت الأنظار إليه بتعجب : الدكتور قال ان بدر لما اتنقل للمستشفي في اسكندرية كانت في جيبه فلاشة وحطوها في الامانات و موظفة الاستقبال سلمتها لمدام اميرة لانها مراته ومن حقها تستلم حاجته