Uncategorized

جوازة ابريل ج2 القسم ال6 نورهان محسن

عند غرفة أبريل دقت ريهام الباب بخفة ، ولم تنتظر ردًا ، بل دفعته ببطء ودلفت إلى الداخل بخطواتها الواثقة التى تشي بشيء من الغطرسة ، قائلة بنبرةٍ تنم عن تحدٍ خفي : أبريل.. أنتي صاحية ولا أنا أزعجتك؟ رفعت أبريل عينيها ، والتعب يلوح في ملامحها الحزينة ، لكنها تحكمت في تعبير وجهها لتبقى ملامحها هادئة ، وهى تعتدل على السرير ، ويدها تشابكت بتوتر على ركبتيها ، محاولة السيطرة على مشاعرها المتضاربة. _لا .. كنت لسه هنام

جاء رد أبريل بنفى متكلف ، متصنعة الاسترخاء رغم أنها تتأمل بحذر ردود فعل شقيقتها التى إشتعلت زرقاوتيها بشيء من الشرارة ، تحمل في طياتها مشاعر مختلطة من الحقد والكراهية ، رغم تصنعها للهدوء. جلست ريهام على السرير ، ووضعت قدمًا فوق الأخرى بغطرسة، ثم تابعت بنعومة : كويس أني لحقتك .. عشان في موضوع كدا حابة أخد رأيك فيه رسمت ابريل ابتسامة زائفة على كرزيتها ، وهمست بصوت هادئ يكتنفه الارتياب ، حيث كانت مشاعرها تعكس إحساساً عميقاً بأن هناك تفكيراً شيطانياً يختبئ خلف ما ستتحدث عنه : اتفضلي…!!!

_بصراحة يا أبريل .. أنا بفكر أغير استايل لبسي كله من باب كس\ر الملل يعني .. وخطرت على بالي فكرة .. قولت ليه مابعتش هدومي القديمة لناس محتاجينهم .. أضافت ريهام بلطف ، وهى تتلاعب بأطراف أصابعها : منها مساعدة للمحتاجين ومنها أفّضي الدواليب عندي فوق بعضها هدوم لسه جداد في حاجات ملبستهاش خالص أو لبستهم مرة على الأغلب فهمت إبريل أن هذه الكلم\ات تخفى في طياتها سمومًا ، بابتسامة باهتة تلوح على وجه إبريل تظاهرت بعدم الفهم : كل دا كويس .. بس أنا لسه مفهمتش عايزة إيه بالظبط مني؟

_زي ما انتي عارفة معنديش خبرة في المواضيع دي ومعرفش إزاي أوصلهم للمحتاجين.. وكنت محتاجة لمساعدة وانتي جيتي في بالي قالتها ريهام بنبرة تبدو غير مكترثة ، لكن نظراتها بها خب/ثًا خفيًا ، مما جعل قلب أبريل ينبض بسرعة. _إزاي يعني؟ سألت أبريل مُحاوِلةً أن تُبقي على حذرها. _المكان اللي اتربيتي فيه بالمنصورة .. منطقة شعبية مش كدا!! وأكيد في ناس حالتهم صعبة ومحتاجين لمساعدات تغضنت ملامح ابريل ، وهى تدرك أن ريهام تحاول استدراجها إلى فخٍ ما ، بينما اضافت الأخيرة بإستفهام : بالمناسبة .. انتي لسه بتكلمي أهل مامتك ولا لأ؟

_أكيد .. ما هما حضروا كتب كتابي _ ايوه صح .. معلش .. مكنتش مركزة احمرّ وجه ريهام توترًا ، وابتسامة شاحبة تراقصت على شفتيها ، إذ كانت تسعى إلى التلاعب بعقل إبريل وكأنها خيوط عنكبوت ، تحيك فخًّا مفعمًا بكراهيتها لشقيقتها ، ولكن إبريل بهدوء ودهاء ، قصفت جبهتها حين ذكرتها أنها الآن زوجة باسم.

_كويس إن لسه في تواصل بينك وبينهم .. واحدة غيرك كانت نسيت المكان دا خالص بكل الموجودين فيهز.. خصوصًا بعد ما بقيت عايشة في فيلا بالمستوى دا ومخطوبة لراجل مشهور وغني أوي .. يعني أي حد لو في نفس ظروفك ماظنش كان هيبقى حابب يشوف حد من ماضيه تململ شعور ال\ في صدر أبريل من إستفزاز الأخرى لها ، لكنها قاومت الانجراف فيه ، وهى تهتف بإبتسامة واثقة : اللي مالوش ماضي مالوش حاضر .. الناس اللي بتكلمي عنهم دول بيتقال عليهم معندهمش أصل

أخذت ريهام نفسًا عميقًا ، محاولة استعادة توازنها : عندك حق طبعًا تابعت بخب/ث تحاول تسليط الضوء على شيئاً معين : بس كمان انتي طموحة أوي وبتفكري بذكاء عالي .. يعني بعد ما رفضتي تتجوزي جوازة عادية .. حياتك اختلفت خالص .. جيتي هنا وكملتي دراستك واتخطبتي مرتين لرجالة تقال في مجالهم .. وكل دا في وقت قصير أوي

أحست أبريل أن كلم\ات كانت كالرصاصات ، تصيبها في قلبها ، حاولت أن تحتفظ بهدوئها ، لكنها لم تستطع تجاهل شعور الضيق الذي بدأ يتسلل إلى أعماقها ، بينما ألأخرى تتابع بتخابث أنثوى : بنات كتير بيحسدوكي على فكرة .. بس يا تري دا ممكن نسميه إيه؟ نجاح ولا حظك حلو؟ لم تنتظر رد إبريل ، وواصلت حديثها البعيد كل البعد عن شعورها الحقيقى المبطن خلف نبرتها الماكرة : حقيقي أنا مبسوطالك أوي من قلبي .. بعد يا حرام ما عانيتي كتير من طفولتك من حرمان ومرض وم\اتربتيش وسط أهلك زي الناس الطبيعية، بس شوفي أهو ربنا بيعوضك

راقبت ريهام ملامحها علها تجد بها إنكسار أو حزن ، ولكن ابريل ظلت صامدة بالرغم من إستنذاف أعصابها. _الحمدلله ربنا لطيف بعباده .. بس مين فهمك إني كنت بعاني بالعكس؟ أحلى أيام طفولتي قضيتها مع الناس اللي بحبهم وبيحبوني .. وللسبب دا أنا متمسكة بذكرياتي هناك واللي بينسوا أصلهم بس هما الناس الواطية قالتها إبريل بحب لا يخلو من الترقيع الذى جمد ريهام للحظة ، قبل أن تضحك بلكنة مزيّفة : إيه دا!!! انتي زعلتي ولا إيه؟! صدقيني مقصدش اللي فهمتيه خالص.. أنا بدردش معاكي وبس

أومأت إبريل برأسها بثبات ، زعزع ثقة ريهام ، مما دفعها إلى النهوض من مكانها ، لترد بعبارةٍ تنمّ عن هدوءٍ مشوب بالتوتر : المهم مش عايزة أطول عليكي .. هسيبك تنامي .. و إحنا على اتفاقنا أنا وكام صديقة ليا هنحضر الحاجات دي .. انتي يبقى عليكي توصيلهم أوكي؟

خرجت ريهام من الغرفة ، قلبها يغلي بالإحباط الذي يثقل كاهلها ، فلم تُظهر ملامح إبريل أي علامة على حزنها ، كأنّ قناعًا من البرود غطّى مشاعرها ، مما جعل من الصعب على ريهام ، أن تدرك ما إذا كانت تصرفات مصطفى اليوم قد أثا*رت مشكلة بينها وبين باسم أم لا. أما إبريل أدركت أن حديث ريهام لم يكن مجرد كلام عابر ، بل كان بمثابة إنذار ، يشي بفرح أختها وشم\اتتها المحتملة عند علمها بتوتر علاقتها بباسم نتيجة مكائدهم الماكرة.

تساقطت دموع إبريل ، غارقةً في حزن عميق ، وكأن كل همومها تجمعت في لحظة واحدة ، لتثقل قلبها وتجرّه نحو الهاوية. احتضنت شال جدتها الحبيبة ، الذي يحمل عبق الذكريات الجميلة ، تستنشق رائحة الريحان المهدئة لروحها المنزقة وتذكّرها بالحنان والطمأنينة ، ثم غاصت في نومٍ مضطرب ، يتخبط بين كوابيس مؤلمة ، يعبث بسلامها ويغتال أحلامها الوردية. ☼بـ-ـقـ-❥ـلـ-ـم نـ-❥-ـورهـ-❥ـان مـ-ـحـ-❥-ـسـ-ـن☼ فى اليوم التالى بتوقيت الظهيرة

كانت الشمس تتوارى خلف سحب رمادية ، تملأ السماء فوق موقع البناء الضخم ، تتعالى فيه أصوات العمال الذين يركضون من زاوية إلى أخرى في تلك المساحة الهائلة ، ومعدات ثقيلة تتنقل بين الأساسات ، والأتربة تتطاير في الجو ، بينما تقف إبريل ترتدي الخوذة وسترة بيضاء بأزرار بسيطة ، وأكمامها مرفوعة قليلاً ، بنطال واسع بلون بني فاتح ، وشعرها مربوط على هيئة ذيل حصان ، مما يكشف عن ملامح وجهها الناعمة بوضوح ، ويمنحها مظهراً بسيطاً وأنيقاً في الوقت ذاته ، برغم إرهاقها الواضح ، ظلت تقف هناك بثبات ، مشغولة بفحص الرسوم\ات على اللوح ، تتنفس ببطء ،

صدرها يعلو ويهبط بصعوبة ، تُقاوم نوبات السعال التي تزورها بين الحين والآخر كضيف ثقيل ، لكن عنادها كان يُلزمها بالبقاء هنا ، هروبًا من أفكارها المتزاحمة. في تلك الأثناء ، توقفت سيارة باسم أمام موقع البناء بعد أن تتبّع مكانها عبر الهاتف ، ثم ترجل منها بخطوات واثقة ، مستفسرًا عن مكانها من أحد العمال ، وعيناه تشتعلان \اً وقلقاً ، إذ لم يكن يتوقع أبدًا أن يجدها في مكانٍ كهذا ، حيث يختلط ضجيج الآلات بصدى قلقه العميق.

_انتي كويسة يا باشمهندسة؟ سألها زميلها المهندس بقلق حالما لاحظ حدة سعالها ، لكن قبل أن تتمكن من الرد ، اخترق الهواء صوته العميق ، مما جعل جسدها يتصلب للحظة قبل أن تلتفت إليه ببطء ، تخفي في عينيها شبح الإرتباك : معلش .. استأذنك لحظة واحدة يا باشمهندسة تواكبت نبرته الحازمة مع نظراته المحذرة ، كعاصفة من الوعيد لا تقبل أي اعتراض منها ، جذب يدها بلطف متسلط دون الحاجة لتفسير ، كأنما أسس حولها هالة من الملكية التي جعلتها تتبع خطاه بلا تردد.

عندما ابتعدوا عن باقي الفريق ، توقفت محاولة أن تستجمع قوتها ، وواجهته بتحدي ظاهر في عينيها رغم السعال المزعج : إنت بتعمل إيه هنا؟! سألت ابريل بصوتٍ متهدج ، بدلاً من الرد نظر إلى وجهها بتركيز شديد ، ثم قال بنبرة باردة تحمل اهتمامًا خفيًا : فين بخاختك؟

أشارت بتردد إلى حقيبتها المعلقة على كتفها ، لكنها فوجئت بيده تسبق يدها ، يفتح سحاب الحقيبة بحركة سريعة وأخرج البخاخة ، ثم ناولها لها دون أن يقول شيئًا ، أخذت البخاخة منه بيد مرتعشة ، استخدمتها أمامه ، ولكن رغم شعورها بتحسن بسيط ، ظل قلبها يخفق بشدة بسبب وجوده بجانبها. دقائق قليلة مرت قبل أن تستعيد أنفاسها ، لكنها لم تنتظر طويلاً قبل أن تطرح سؤالها الحائر مجددًا ، بصوت متحشرج وغاضب : إيه اللي جابك هنا؟ وعرفت مكاني إزاي؟

حدجها بعينين غاضبتين ، وبنبرته الحادة يتخللها قلق صريح سألها : إنتي اللي بتعملي إيه في مكان زي دا؟ م\اتعرفيش إنه خطر عليكي وجودك هنا؟ ازدردت رمقها بتوتر ، ورفعت رأسها بعناد ، وقالت برقة مبحوحة : دي حاجة تخصني حاولت ابريل التسلح ببقايا كرامتها ، وقلبها ينبض بخوف من مواجهته ، بينما خطا باسم نحوها خطوة واحدة ، زادت من اضطرابها ، وهو يلتف بأصابعه حول ذراعها ، ليقول بنبرة آمرة : يلا امشي معايا .. كفاية عليكي كده

استدار يخطو بها ، لكنها زرعت قدميها في الأرض ، وعيناها تلمعان بالإستنكار والتمرد ، مخاطبة إياه بنبرة تُغلفها طبقة من الكبرياء : معاك؟ أنا مش هتحرك من مكاني .. امشي لوحدك! دمدم باسم بتحذير مكبوت : يلا يا إبريل .. ماطلعيش جناني عليكي ابتسمت إبريل بسخرية رغم الارتباك الذي يجتاحها من نظراته الغاضبة ، وقالت بتحدٍ متهكم : ولو طلع .. يعني هتعمل إيه؟ يعلم أنها عنيدة ، لكن هذا التحدي استفزه ، لذا دنا منها أكثر ، وعيناه تتسعان بشيء من الجنون المكتوم ، ونبس بنبرة باردة لا تخلو من الشر : هكتفك واخدك معايا .. إنشالله بالغصب

شعرت بتيار مثير يسري في جسدها ، وكأن التهديد تحول إلى حقيقة ملموسة أطاحت بقلاعها ، ومع ذلك إستفهمت بذات النبرة : وبأمارة إيه هتعمل كده؟ همس باسم بصوتٍ ثقيل مليء بالتهديد والحنان في آنٍ واحد : مراتي .. وحر فيها أضاف بلهجة أكثر رقة : يلا يا حبيبتي .. اسمعي الكلام أرادت ابريل الصراخ في وجهه ، أرادت دفعه بعيدًا ، لكنها وجدت نفسها عاجزة عن القيام بأي من ذلك ، بصعوبة تماسكت رغم خفقاتها التي زادت من سرعتها ، ثم قالت بمقاومة مريرة : مش فاضية أسمع كدبك

لم يهتز باسم ، لكن التوتر بدأ يتصاعد في عروقه من نبرتها الحزينة ، قال بنبرة تفيض بالإصرار والحب : وأنا مش ورايا غيرك اشاحت إبريل بوجهها بعيدًا عنه ، وهمست بنبرة حاولت أن تبدو حازمة : اتفضل امشي بالذوق يا باسم .. وخليني أروح أكمل شغلي عزمت الابتعاد ، لكن قبضته أحكمت سيطرتها على ضعف مقاومتها ، وتغيرت نبرته إلى جدية عميقة امتزجت بالحنان ، ليتركها عالقة بين رغبتها في الفكاك وسحره الذي يأسرها : إبريل .. عنادك ده هيضر صحتك .. أحسنلك م\اتزوديش فيه وخلينا نتفاهم

رغم محاولاته الواضحة ، لكن جراحها النفسية كانت أعمق من أن تلتئم بسهولة ، سكتت للحظة ، محاولةً استيعاب ما يدور في رأسه، لتخرج كلم\اتها من بين شفتيها بإندفاع : انت عاوز إيه تاني مني؟ إيه جاي تديني ورقة طلاقي بنفسك؟ رد باسم بنبرة حانية ، وكأنه يغزل الكلم\ات بخيوط من حبٍ خفي : هو احنا لحقنا نتجوز عشان اطلقك يا بندقة؟ نظرت إليه بعينين مليئتين بالشك ، لتتفجر كلم\اته داخلها كجمرة لم تنطفئ بعد : إيه! لسه لعبة انتقامك ماخلصتش؟ جاي تكملها؟

رد بصوت هادئ ممتلئ بالضيق : هنا مش هنعرف نتفاهم ردت عليه بعناد ، عيناها تلمع بالحدة والبرود معًا : مفيش بينا تفاهم يا باسم خلل أصابعه فى شعره بنفاذ صبر ، وامتلأت عيناه بالعزم ، وكأن شيئًا بداخله قد انكس\ر وأفسح المجال لتيار لا يمكن كبحه ، ودون سابق إنذار ، سحبها لتجد نفسها مجبرة على السير بجانبه ، بخطوات متسارعة أشبه بالركض ، تحاول مجاراة سرعته حتى لا تتعثر ، وكلم\اتها تخرج بلهاث متقط/ع : انت ساحبني وراك .. ورايح بيا على فين؟! سيب إيدي!!

تجاهلها باسم ، فزاد \ها وعلت نبرتها بغيظ ، محاولة تحرير يدها بتهديد يائس : انت مابتسمعش؟ بقولك سيب إيدي! بدل ما أصوت وأنادي على العمال يقط/عوك! _أنا كنت عارف إن الذوق مش هينفع معاكي انفلت صبر باسم في لحظة ، واستدار ليحملها بقبضة حازمة فوق كتفه بسهولة ، امتزجت الصدمة بال\ والخجل على ملامحها ، وهتفت بنبرة محتقنة ، وهي تض/رب بقبضتيها على ظهره بمقاومة : إيه دا؟! إنت مجنون؟! نزلني! ضحك باسم بيأس من لسانها السليط ، ورد عليها وهو يسير بها بخطواته الواثقة : يلا .. قادرة تصرخي؟ ولا أساعدك؟

صرخت إبريل بخجل : انت اكيد اتجننت! مايصحش اللي بتعمله دا؟ وفجأة ، سمعا صوتًا آتٍ من الخلف: إيه اللي بيجرا هنا؟! إيه اللي بتعمله دا يا حضرتك؟!

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى