ـ “يعني إنتي بعثرة متنقلة؟” ضحكت ضحكة مجنونة وقالت:
ـ “آه… بعثرة لطيفة!” مد إيده وشدها من وسط الكركبة لح.ضنه فجأة، وهي اتفاجئت ووشها احمر:
ـ “إيه ده؟!” ـ “ببعثر برضو، بس بطريقتي.” ـ “يزن!!” ـ “عارفة إني بحبك؟” سكتت… وبعد ثانية رفعت عينيها وقالت بضحكة خفيفة:
ـ “يعني بعد ما بهدلت الجناح، ولسه بتحبني؟” ـ “لو هتك.سّري الدنيا وأنا موجود فيها… فاك.سرّي زي ما تحبي.” سكت لحظة… وبعدين قال وهو بيبصلها بنظرة غريبة: ـ “بس انتي عارفة؟ ده أول جناح في قصري حد يدوّره غيري… يمكن علشان هو مكتوب ليكِ.”
آرين بصت له باندهاش… حسّت في صوته حاجة مختلفة، مش بس حب… كأن في حاجة عايز يقولها. لكن فجأة…. رنّ تليفونه بص على الشاشة، وعينيه غامت بغصب وآرين خافت منه ــ يتبع ــ رأيكم “مايختاره الله لنا هو خير لنا”♥️ حمدت ربنا النهاردة ولا مستني تعطس قولو الحمدلله علي النعمة اللي انت فيها يلا
# رواية الطفلة و الوحش
# الفصل السادس عشر
# بقلمي / نورا مرزوق
—
في جناح يزن الصياد…
كانت آرين لسه بتضحك معاه من قلبها من لحظات…
لكن كل حاجة اتبدّلت في ثانية.
رنّ تليفونه.
مجرد ما عينه وقعت على اسم المتصل… اتجمّد.
الابتسامة اللي كانت مرسومة على وشه اختفت، وتحولت لجمود مريب.
نظراته تغيّرت، تقيلة… حادة… كأنها طلعت من قلب الظلام.
آرين لاحظت على طول.
ـ “يزن…؟
في إيه؟”
حاول يزن يسيطر على ملامحه، تنفّس ببطء، شد عضلات وشه، وطلّع ابتسامة مصطنعة، ضحكته خفيفة لكنها ما أقنعتهاش:
ـ “ولا حاجة يا روحي… ارتاحي إنتي شوية، أنا جاي حالًا.”
قالها بنبرة ناعمة، لكن عيناه كانت مش في مكانها… كأنها بتفكر في الدم.
آرين، قلبها دق بخوف، حسّت إن في حاجة غلط…
أومأت بخفة، وقالت بصوت خافت:
ـ “حاضر…”
خرج يزن من الجناح وهو ماسك التليفون في إيده كأنه بيشد خيط جريمة.
في الممر الطويل المؤدي إلى الجناح الخلفي الخاص به…
الجو كان ساكن، إلا من خطواته.
فتح الخط بهدوء، بصوت ميت من أي انفعال:
ـ “اتكلم.”
ثواني… ثم بدأ يسمع.
صوت صراخ.
صراخ رجالي، مبحوح… متقطّع.
زي حد بيتعذب… صريخ بيقشعر له البدن.
وبعدها…
صوت خافت، رجولي، مكسور:
ـ “حرام… حرام عليكم… أنا قلت كل حاجة… قلتلكم اللي تعرفوه… أنا بريء… برئ…اااااه!”
صوت السوط وهو بينزل على الجسد، بوضوح.
يزن وقف مكانه، ميل براسه ناحية الصوت كأنه بيستمتع…
ضحك، ضحكة باردة… مش ضحكة إنسان.
ـ “صوتك وحش وأنت بتتألم… بس حقيقي ممتع.”
جاله صوت تاني…
صوت خشن من الطرف التاني:
ـ “المسخ اللي عندنا ده بيقول إنه من طرف الهواري… وبيقول عنده رسالة ليك.”
يزن لف عينه بسخرية:
ـ “ومن إمتى الهواري بعتلي رسائل؟”
ـ “بيقول إنها من الشخص اللي كنت فاكره مات.”
هنا…
الضحكة ماتت على شفايف يزن.
لكن ملامحه بقت أهدى… والهدوء في يزن دايمًا مخيف.
ـ “هاتله المايك.”
سمع صوت تقطّع في الخط، بعدها رجع الصوت الضعيف يتكلم:
ـ “يزن بيه… أنا بس رسول… بس رسول والله… جالي من واحد قال لي أوصل ليك رسالة… قالك: (لو قربت من الحقيقة، مش هتخسر بس مراتك…
هتخسر دمك كمان).”
لحظة صمت.
طويلة…
مربكة…
وبعدين قال يزن بصوت شيطاني، هادي، مبتسم من غير مشاعر:
ـ “قول له… إني خلاص قربت.
وقبل ما يخسرني… أنا اللي هخسره.”
قطع الخط.
سكت.
وابتسم… بس ابتسامة مش بتضحك…
ابتسامة فيها وعد… وعد إن الدم اللي اتريق، هيترد أضعاف.
خرج من الممر، دخل مكتبه السري، فتح خزنة مخفية،
طلّع منها ملف أسود… عليه اسم:
“ع. الهواري – المسار الثالث”
فتح الملف ببطء…
وفيه صور، أوراق، خريطة…
وصورة قديمة جدًا… لـ راجل واقف جنب طفل صغير.
كان مكتوب تحتها بخط رفيع:
“الطفل الناجي الوحيد.”
أغمض يزن عينه، وقال بصوت واطي، لكنه حاد كالسيف:
ـ “ما كانش المفروض تعيش… بس كويس إنك عايش…
علشان أمو.تك بإيدي.”
—
بعد ساعتين – جناح يزن الصياد
رجع يزن الجناح، وهو بيقفل الباب وراه بهدوء… خطواته كانت خفيفة، لكن فيها ثقة.
وشه عليه ابتسامة هادئة، ابتسامة مالهاش علاقة بالخطط أو الملفات أو الدم…
دي ابتسامة راجل دخل يشوف قلبه.
كانت آرين قاعدة على طرف السرير، بتلف في خصلات شعرها ببراءة،
شهادي لابسة بنطلون بيتي واسع وتي شيرت بسيط، وحاطة طرحتها بشكل عشوائي،
بس عينيها… كانت فيها لمعة مش موجودة في أي نجمة في السما.
أول ما شافته، قامت بسرعة:
ـ “يزن… اتأخرت قوي، كنت فين؟”
قرب منها، ولمس خدها بإيده الدافية، وقال بنبرة ناعمة:
ـ “كنت بجمع لحظة… تليق بيك.”
ضحكت بخفة:
ـ “يعني كنت بتأخر علشان تفاجئني؟”
ـ “مش بس مفاجأة… كنت بجهزلك وردة… بس من نوع تاني.”
نزل على ركبة واحدة، مسك إيديها، وبص فيها بحنية:
ـ “هتلبسي حاجة بسيطة… وهتمشي معايا من غير أسئلة، وعد؟”
ـ “بس رايحين فين؟”
ـ “مفاجأة يا أميرتي… والمفاجآت مش بنحرقها بالكلام.”
ضحكت:
ـ “حاضر يا عمو.”
—
[بعد ساعة – طريق خاص مؤدي إلى شاطئ البحر]
كانت السيارة ماشية بهدوء وسط ممر رملي ناعم، والأنوار الجانبية قليلة جدًا…
الجو هادي بشكل غريب، والسما كانت مليانة نجوم، كأن الكون كله جاي يتفرج على اللحظة.
السيارة وقفت، ويزن نزل وفتح الباب بنفسه.
آرين بصّت حواليها بدهشة:
ـ “فين ده؟ المكان فاضي خالص!”
ـ “ما أنا قولتلك مفاجأة…
البحر ده مأجّره ليكي الليلة.
ولا بشر، ولا موجة هتزعلك.”
مسك إيدها، ومشوا شوية لحد ما وصلت عند كوخ خشبي صغير،
عليه فانوس مضيء بلون هادي، جنب بابه وردة بيضاء مربوطة بشريطة حرير.
قالها وهو بيشاور:
ـ “ادخلي هناك… وخلي بالك، جوّاه حاجة بتخصك.
ولما تخلصي، اخلعي الحجاب واطلعيلي.”
ـ “إزاي؟!”م
ـ “أنا هنا… ومفيش غيري. خدي راحتك، يا أميرتي”
—
[داخل الكوخ]
رائحة فانيليا خفيفة، والمكان منور بشموع صغيرة،
وفي النص كان فيه فستان أبيض بسيط جدًا، لكن في جماله هدوء مطر نازل على وردة.
فستان ناعم من قماش شيفون، كم طويل، وسطه رفيع،
وتحت منه صندوق صغير، فيه عقد فضي مكتوب عليه:
“آرين – أنتي الأمان وسط العالم.”
آرين غطت شفايفها بإيدها، ودمعتها نزلت من غير صوت،
حسّت إن ربنا بعتلها لحظة كانت بتحلم بيها زمان…
لحظة هي وبس، مفيش مرض، ولا خوف، ولا وجع.
لبست الفستان، ورتبت شعرها اللي بقي خفيف جداب سبب المرض، وشالت الحجاب برقة،
وطلعت… وهي رجليها مش لامسة الأرض.
—
[على الشاطئ – أمام البحر]
يزن كان واقف، ضهره ليها، بنطلونه الأبيض بيتحرّك مع النسيم،
وقميصه الأبيض مفتوح أول تلات زراير، وشعره بيتطاير بخفة…
كان حاطط إيده في جيبه، وباصص للبحر كأنه بيسمعه، مش بيشوفه.
آرين قربت بخطى هادية…
ـ “يزن…”
لفّ بسرعة، ولما شافها…
اتسمر في مكانه.
عينيه اتسعت، ونبضه بان على رقبته…
كانت مِلاك… مش بس بفستانها… لكن بروحها، بدمعتها اللي لسه نشفة، وابتسامتها اللي طالعة من القلب.
بصّ لها كأنه بيشوفها لأول مرة، ومشي ناحيتها.