Uncategorized

طفلة في قلب الفرعون القسم ال2 رحمة سيد

هزت رأسها نافية، وخرجت حروفها مشتتة كحالتها الباكية وهي تخبره:
-محصلش، حاول يـ…..
ولم تستطع نطقها…الكلمة كانت ثقيلة على روحها ق.بل لسانها… وازدادت السعرة احتدادًا بعينـا يزيد حتى شعرت دنيا أن مصير ياسر كله متعلق بين ش.فتاها…!
اخذت نفسًا عميقًا تحاول تهدئة نفسها، ثم اردفت:
-بس ايمن ده جه وزقه وهو مشي
عاد ليضمها لصدره مرة اخرى بجنون اكبر ولكن الارتياح صاحبه….ولكن ذلك النداء العاجل ل ياسر لم يخفت…. لم يختفي من عقله ولكنه يزداد علوًا وشحذًا……….
نظر يزيد نحو أيمن متابعًا بجدية:

-ايمن تعالى امن لنا طريق الخروج وهاتلي سلاحي، واما نخرج من هنا انت خليك على تواصل مع ياسر على التليفون واوعى تخليه يجي هنا تاني، يمكن يهرب… هو مش هيلحق يهرب المرة دي بس ممكن!
اومأ ايمن مؤكدًا وهو يقدم له سلاحه بسرعة، ليربت يزيد على كتفه كحركة معبرة عن امتنانه وشكره:
-ماخيبتش ظني فيك يا ايمن وماغلطناش لما زرعناك في ح.ضن ياسر من بدري وكنت عارف إننا هنحتاجك كتير…
ابتسم ايمن ابتسامة عملية مفتخـرة… ثم تقدم امام يزيد وخلف يزيد دنيا التي لم تخف ارتجافتها المصدومة..

ليخرجوا جميعهم وما إن خرجوا لم يعطهم يزيد الفرصة للتص.رف فانطلق الرصاص منه ومن ايمن لينبطح الخم.س رجال ارضًا نازفين دماءهم…
ركض كلاً من يزيد ودنيـا فسمع يزيد صوت ايمن يهتف:
-انا اتصلت بيهم وزمانهم وصلوا يا باشا
اومأ يزيد برأسه واستمر في ركضه هو ودنيا حتى خرجـا فوجد بالفعل سيارة شرطة تنتظرهم حينها صعدها هو ودنيا وهو يتنهد بارتيـاح… ولكن ذلك الارتياح مطعون بأشواك الحقد والجنون داخل يزيد تجاه ياسر…….! **** في نفس الوقت…….

دلف ياسر منزله القديم بنفس الحالة الغريبة… عينـاه تبحث عن كنه تلك الحالة التي بعثرت مكنونات حياته الساكنة….!!!؟
كان يبحث عن عهد…. وقد كانت اسمًا على م.سمى…. هي عهد…. ولكن عهد بالقسوة….. عهد بال !!…..
وجدها كما كانت متسطحة على الأريكة وقدمها على حجر والدته فتقدم منهم بخطى سريعة لتسأله والدته بقلق:
-مالك يا ياسر؟
لم يجبها وهو يم.سك ذراع عهد يهزها بعنف صارخًا بغضب متهور شاحذ كان يلون ادراجه بالثبات امام والدته على الاقل:

-قومي، قومي يلا يا قذره
إنتفضت عهد من نومتها القصيرة تحدق به بعين قط مذعور، ولكن والدته لم تتم.سك كثيرًا برداء الصمت المذهول بل راحت تهدر فيه بعدم تصديق:
-انت اتجننت!! شكلك فعلًا اتجننت
وهو لم يكن بحالة اقل جنونًا من الوصف فكان يستطرد بصوت اجش عالي:
-ايوه اتجننت، اتجننت بسبب بنت اختك الفاجرة العاهرة
لم تتردد والدته وهي ترفـع يدها لتصفعه بعنف….. تصفعه…..!!؟ ليت الصفعات تمحي الخطايا… ليت الصفعات تنتشل جذورنا من ماضي ملوث لتنبطح في ارض الواقع ولكن بصورة أنقى…..!
كان ساكنًا للحظات فقط… ثم سحب عهد فجأة من ذراعها بعنف نحو الغرفة….

دفعها نحو الغرفة ثم دلف واغلق الباب بالمفتاح متجاهلًا ص.راخ والدته المحتد عليه……..

كانت نظراته تتفحص عهد التي كانت شاحبة… مرتعدة…. ولازال الخوف والعذاب ي فيها بريق الحياة الذي كان يلفت الانظار بأعجاب لها……!!
بدأ يتقدم منها بخطى بطيئة…. بينما هي تهز رأسها نافية ترجوه بضعف:
-ياسر انت هتعمل ايه.. ابعد والنبي ماتقربش يا ياسر خلاص بالله عليك
رفـع يده عاليًا ينوي صفعها ليفر.غ تلك الطاقة المشحونة بالقسوة…. فص.رخت وهي تخبئ وجهها بخوف….. ولكن بلحظة إنقلب كل شيء… فوجد ياسر نفسه يجذبها لأح.ضانه بقوة… يدفعها بج.سده نحو الحائط ويداه تشدد من عناقها لتنفجر هي باكية في طوق تلك العاطفة التي اغدقتهم فجأة…..
تبكي ضياع شرفها….

تبكي كره ياسر لها… تبكي خسارته…. تبكي خسارة نفسها وذاتها…..!
غرز وجهه عند رقبتها يستنشق رائحتها بشغف غريب… الوجع والدواء منها… كيف لها أن تكون بهذا التناقض في حياته ؟؟…..
قطع رنين بكاءها صوته الذي اتاها من وادي بعيد يسألها وكأنه ليس هو:
-عايز أعرف كل حاجة حصلت، ازاي وصلتي لكده؟؟!!
رفعت رأسها على استحياء له… ببطء كطفلة مرتجفة تسأله بصوت متحشرج:
-هتصدقني؟
كان م.ستسلم لطوفان فطرته فهز رأسه يجيبها بما يريد أن يفعل:
-هصدقك
وكاد يبتعد عنها ولكنها تشبثت بأح.ضانه وكأنها تستمد القوة والجرأة منه…. فهم.ست واخيرًا:
-ماتبعدش! خليني في ح.ضنك..

الموضوع بدأ من بدري اوي.. كنت قاعده معاكم عادي بس انت ماكنتش مهتم بيا اطلاقا، حتى ماكنتش تعرف انا بروح فين وباجي منين.. في مرة كنت راجعه من الكلية بس اتأخرت مع صحابي شوية، نزلت من الميكروباص وقررت اتمشى شوية وكنت مخنوقة جدا…. بس حصل اللي ماكنتش اتوقعه، فجأة لاقيت واحد شكله غريب قدامي، تقريبا كان شارب حاجة.. فضل يقرب مني… حاولت اهرب منه.. حاولت اجري…. حاولت اض.ربه… اعمل اي حاجة بس المهم ماسبهوش ياخد اغلى حاجة عندي.. ماكنتش قادرة امنعه.. حاولت بس كنت ضعيفة مقدرتش كنت عامله زي الفرخة اللي بيدبحوها، كنت شايفه كل حياتي بتدمر..

مكنتش حاسه بالالم الج.سدي على قد ما كان قلبي واجعني اوي.. وكأنه بيعيط معايا.. تخيل يا ياسر…ساعة كاملة وفي حد بينتهكك بكل ما تحمل الكلمة من معنى، ساعة كاملة وفي ايد قذرة بتلم.س كل حته في ج.سمي ببشاعة… ساعة كاملة بعيط وبص.رخ لحد ما حسيت إن صوتي راح !!!
وضع يده بسرعة على فمها…يريد إيقاف سيل تلك الكلمات التي تنطلق من بين ش.فتاها لتنغرز واحدة تلو الاخرى كالسكاكين في منتصف قلبه…يكفي… يا اللهي لم يعد يحتمل سماعها اكثر…. يشعر بروحه تنزف… تتوسل الرحمة… سيختنق حتمًا من تلك الرائحة بالعجز التي احاطت به من كل جانب وهو يستمع تفاصيل انتهاك حقه…..!!

خرجت حروفه مختلطة بدموعه التي بدأت تسقط ر.غمًا عنه وهو يهم.س لها:
-اسكتي.. كفاية، مش عايز اسمع ارحميني
هزت رأسها نافية، ستخرج تلك الحكاية من بين ثنايا لتستطع التنفس حتى…. ثم اخبرته دون روح:
-لا، انا عايزه احكي… سنة وانا شايله في قلبي ومحدش حاسس بيا !!!
لم تنظر لعيناه التي تقطر وجعًا وندمًا وراحت تكمل:

-اخدت تاكسي في نفس الليلة بعد ما الحيوان هرب، مش هنسى في حياتي نظرة الش.فقة اللي سواق التاكسي كان بيبص لي بيها… مع انها كانت ش.فقة بس انا كنت حاسه ان نظرته بتعريني، في اليوم ده ماكنش في حد في البيت وخالتي كانت شغالة في الفندق فكانت بتخرج من ١٢ الضهر وترجع ١٢ بليل، بمجرد ما دخلت البيت انهرت… حتى اني فكرت انت\حر.. بس حتى ده كنت عاجزه فيه ومقدرتش اعملها.. فكرت فيك…. كان نفسي تبقى موجود في حياتي زي زمان، كان نفسي اجري استخبى في ح.ضنك، بس ماكنتش لاقياك.. انت كنت بعيد اووي، وانا كنت في حالة غريبة….

وفجأة لاقتني قررت اروح اعيش في شقة بابا وماما الله يرحمهم، رجعت اخد معاش بابا و اخدتلي حوالي شهرين مش بخرج من البيت وصحبتي كانت بتجيلي احيانًا وبتجبلي المعاش كل شهر، وفي مرة افتكرت ان واحدة اعرفها بتشتغل في كباريه! ومحدش كان يعرف بس انا عرفت منها في مرة صدفة، كلمتها…. قالتلي إنها بتشتغل كجرسونة مش اكتر! ومن غير اي مقدمات لاقتني بشتغل معاها.. كـ جرسونة برضو بس بطريقة غريبة، اللي هو اقعدي مع الزبون اشربي كاسين واضحكي وهزري وممكن ترقصي وخدي منه النقطه وامشي، بس انا كنت في حالة مش طبيعية..

زي اللي من غير عقل… خدت فترة بشتغل كده وبعد كده لاقتني بقول لنفسي طب ما انا اساسًا خلاص خسرت الحاجة اللي مفروض ما اعملش كده ع.شانها، يعني لو طورت شغلي وزودت مرتبي محدش هيعرف اصلا، واكيد انا مش هتجوز اساسًا فـ عادي بقا…. وفعلًا بقيت كده، بس مع اول ليلة واول زبون مقدرتش.. مقدرتش اسيبه يكمل كنت حاسه كأن نار بتولع في ج.سمي والليلة اياها بتتعاد في ذاكرتي تلقائيًا، طبعا خربت الدنيا والزبون اتصدم وطفش وساعتها صاحب الكباريه بهدلني ورجعني مجرد جرسونه تاني…. لحد ما انت شوفتني في اليوم اياه… شوفت الموضوع سهل ازاي يا ياسر؟

وما إن انهت كلماتها كان هو يهز رأسه نفيًا وهو يتراجع بسرعة نحو الخارج.. بدا وكأنه يحاول التملص من بين مخالب الماضي القاسية التي ركض لها بقدماه….!!!
خرج من الغرفة دون كلمة اخرى…. لا يحتمل اساسًا…. يشعر أن كلماتها تحرق جلده… تختر.ق روحه لتنشر به س.م اصعب من المو.ت…. سم يشعره أن يمو.ت وهو على قيد الحياه!!!
بمجرد أن رأته والدته ص.رخت فيه بجنون:
-انت عملت فيها ايه؟؟ وايه اللي انا سمعته ده؟؟؟ ايه اللي انت بتقوله عن بنت خالتك ده انت اتجننت
تنعته بالجنون بينما هي التي بدت في قوقعة الجنون تمامًا….

بالر.غم من أنها سمعت كل اعترافات “عهد” ولكنها لا تريد الاستيعاب….!!؟

فتح ياسر باب المنزل وكاد يخرج ولكن هاتفه رن فأخرج بصمت يجيب:
-خير يا أيمن؟؟
-انت في البيت القديم يا ياسر صح؟
اومأ ياسر مؤكدًا:
-ايوه لية حصل حاجة؟؟؟
ولكن بمجرد أن أطلق سراح سؤاله… قرر القدر عدم اطلاق سراحه فكانت طرقات حادة على الباب تصدح… فتح ياسر الباب ليصدم بوجود الشرطة امامه…….
لم يتوقع قط أن يعلموا بمكان منزلهم القديم الذي لا يعلم مكانه سوى….. أيمن!!
صديقه الوفي الذي أعتقد أنه درعه الواقي… فوجده فجأة السهم الذي يصيبه بض.راوة!!!….
كان متخشب مكانه صامت….. لا يعلم كيف اتفقت دنيا مع الشرطة….

ولا يريد أن يعلم….
خسر كل شيء…. عمله الفاسد… رب عمله… صديقه…. وصغيرته عهد !!؟
رفع يداه امام الضابط بصمت فوضع الضابط “السلاسل” في يداه حينها انتبهوا على ص.رخة عهد باسم والدته التي سقطت ارضًا مم.سكة بقلبها بألم…….
حينها ادرك أنه خسر والدته ايضًا……….! **** في القص.ر الذي يقيم به يزيد……..

كانت دنيا جوار يزيد الذي كان يجلس على الفراش مم.سكًا برأسه المضمدة من الألم الذي لم يزول….
اقتربت منه دنيا حتى اصبحت ملتصقة به فابتعد هو بتلقائية بهدوء… ليجدها تقترب مرة اخرى.. فابتعد مرة اخرى… فاقترب اكثر وهي تحدق به متمتمة بنبرة مشاكسة تخصه بها وحده:
-يا زانقني وجمبك فاضي.. ازنقني كمان وانا راضي!
فانفجر يزيد ضاحكًا… وتلقائيًا تسللت الضحكة لثغر دنيـا…. عندما تفعل شيء وتصدح ضحكاته كهذا كأعزوفة ايقاعها الشغف… تشعر أنها فعلت شيء….. فعلت شيءً كبيرًا….!
توقف عن الضحك وهو ينظر لذلك الضجيج العاطفي بعنيـاها.. فاقترب هو بخبث هذه المرة يهم.س بعبث واضح….

-من العين دي ق.بل العين دي!
اخذ يقترب ببطء منها فهتفت هي بنفس المرح الطفولي:
-يا جارحني بلُقمه ناش.فة والعيش عندك طري، تقلان عليا لية ما تحن يا مفتري!!! إيه بقا هفضل م.ستنيه كده كتير؟
ظل يهز رأسه نافيًا من وسط ضحكاته يخبرها مشاكسًا:
-لا لا إنتِ مش معقولة، بتفكريني بـ دقدق القهوجي، نفس شقاوته!
حينها لم تتحمل فنهضت واقفة تتخص.ر وهي تهتز ببطء مزمجرة بغضب لذيذ:
-نعممم ياخويا !! يعني انا بقالي ربع ساعة عماله اقولك حِكم واعاكسك ع.شان افكرك بدقدق القهوجي؟؟؟

ثم إنقضت عليه تم.سكه من ياقة قميصه وتهز رأسها نافية بجدية مصطنعة:
-لا لا أنت ڤيروس عاطفي، أنت اللي زيك مش لازم يعيش!!
مال يزيد للخلف ليتمدد على الفراش متنهدًا ولم يكتم ضحكاته الرجولية التي لم تكف عن التوغل لثنايا روحها فتجعلها أسيـرة… اسيرة له… لضحكاته…. اسيرة لا تريد حريتها !………
فاقتربت هي منه حتى اصبحت تطل عليه.. خصلاتها الطويلة تحيط وجههما سويًا…. تفصلهما عن عالمنـا هذا…. لينغم.سـا في جذور عالم آخر…. عالم النظرة فيه بمثابة الكلمة…. والتنهيدة فيه بمثابة حرف….. حروف وكلمات منبعها الع.شق منسدلاً من خيط العاطفة……

اقتربت اكثر وهي تهم.س له بما يشبه التوسل الطفولي:
-يزيييد… انت بتحبني ولا لا؟؟
لم يتخلى عن ابتسامته وهو يجيبها بنفس الهم.س:
-لو ماحبتكيش احب مين غيرك؟!
رفعت كتفاها تصطنع التمنع متابعة:
-فيه بنات كتير
-كلهم بالنسبالي غفر!
ازدادت جرعة الحماس تدفقًا داخلها فاقتربت منه اكثر تسأله بابتسامة واسعة:
-وانا بالنسبالك ايه؟!
رد بنفس البساطة:
-شيخ الغفر..!
تجمدت تلك الابتسامة على فاهها لتنصهر شيءً فشيء تذوب بين ثورة الغضب التي اندلعت داخلها وهي تندفع تكاد تبتعد وهي تص.رخ به بجنون:
-شيخ الغفر!!!!

انا مهزقه اصلاً ع.شان بحب واحد بارد زيك مفكر نفسه الخليل كوميدي..
ولكن يزيد التقطها ق.بل أن تبتعد ضاحكًا، كبل خص.رها بيداه وهو يقربها منه عنوة… ولكن عندما وجدها تبتعد بتمنع مصطنع نهض في حركة واحدة لينعكس الوضع……
ليقترب منها ببطء…. وعندما تتلم.س ذلك العبث في بُطء حركته ونظراته الرجولية تشعر أن عظامها تذوب…. بل تشعر بكيانها كله يذوب بين يداه……
شاكس أنفها بأنفه ثم غمغم بخشونة مثقلة بعاطفة حادة:
-مش بحبك بس… لا انا بع.شقك… بع.شقك بكل الجنون اللي في الدنيا، بع.شقك لدرجة اني مش هخليكي تخلفي ع.شان مايجيش حتة عيل خلبوص يشاركني فيكي!

هذه المرة هي من ضحكت… والضحكة لم تكن من ش.فتاها فقط بل كانت من منابـع تلك الروح التي طال بكاءها فحل الربيع ضاحكًا عليها اخيرًا…..!!
هم.ست هي بتوهان عاطفي:
-يزيد
-روحه….
هم.س بها ولم يبتعد بل اقترب اكثر…. وش.فتاه تلقائيًا تبحث عن مأواها…. يحلق بها في اعلى قمة للاكتمال العاطفي الذي يسكن كلاهما….. ينسى بها ما مر به وما سمعه وما عاشه اليوم…. وهي تنسى به كل م.ساؤها…. بل تنسى به حياتها السابقة بأكملها….. فتبقى هي بالجزء الحالي… ويبقى هو بجزء الحالي…. ويكمل كلاً منهما الاخر يقيدهما ذاك الع.شق…………….!

**** طفلة في قلب الفرعون الفصل العاشر ( الأخـير ) :- بعد مرور أيـام………
وفي المنزل الجديد الصغير الذي انتقلوا له مؤخرًا…..

كان يزيد يتحدث في الهاتف مع احد زملاؤه بخصوص القبض والحكم على ياسر وما شابه ذلك… فأوشك على الاغلاق عندما اقتربت منه دنيا تدندن كالأطفال بصوت مزعج ومضحك:
-علمني هواك إيه معنى الحيرة، علمني اشتاق أكلني فطيرة!
اقتربت منه اكثر فأكثر.. حتى وقفت خلفه مباشرةً…. رفعت عيناها لخصلات شعره القصيرة الناعمة… لتمد إصبعها تتفحص تلك الشعرة التي طالت عن باقي الخصلات… ظلت تتفحصها بتمعن طفولي وكأن الكون يدور حول تلك المشكلة !!….
أغلق يزيد الهاتف ليجذبها من خص.رها يقربها له بحركة مباغتة صائحًا فيها بصوت ضاحك:
-اهدي يا حبيبتي أنا مش عايش مع بنت اختي!

هزت رأسها نافية بسرعة وهي تشير للشعرة وتهتف ببراءة:
-لا لا بجد.. في شعرايه طويلة جدًا عن باقي الشعر، هو انت بتحلقه وبتسيب دي؟!
كانت ملامحه مبهمة… مغلقة حتى شعرت أنه على وشك الإصابة بأزمة قلبية…!
فعض على ش.فتاه يتمالك نفسه ق.بل أن يخبرها بهدوء:
-ياسر اتحكم عليه بـ ١٥ سنة
ظلت صامتة للحظة… تكاثرت عليها مشاعرها ما بين الش.فقة على ذاك الشاب… والارتياح لأنه نال عقابه…!
-ربنا يهديه لنفسه
ثم ابتلعت ريقها بتوتر تستعيد مرحها تهم.س له:
-خلاص المهم بص عايزه اسألك سؤال بحق وحقيقي!

اجبر ش.فتاه على التم.سك بازدال الابتسامة السمجة التي تهدد انفجار ضحكاته وقال:
-قولي.. قولي يا عملي الاسود في الدنيا
مطت ش.فتاها بعدم رضا ثم سألته:
-هو انت مش بتخرجني لية من ساعة ما ام المهمة دي خلصت؟!
هز رأسه نافيًا بكل هدوء:
-معلش مش بخرج مع ستات متجوزه!
صاحت فيه بذهول طفولي:
-بس انا مراتك!
رد بنفس الجدية التي كادت تها:
-اسف جدًا مفيش استثناءات…
إنفجرت ضاحكة بقوة وهي تبتعد عنه شيءً فشيء… استمرت ضحكاتها وهي تم.سك بطنها من قوة ضحكاتها… لم تضحك يومًا بهذا الارتياح والسعادة….

لطالما كانت السعادة كالجنة مُحرمة على الشياطين… ولكن عندما هجرت مكمن الشياطين شعرت أن جنتها اصبحت على الارض…..!؟
وعندما انتهت لاهثة… استدارت تتركه بكبرياء مزيف ليرمي هو نظرة عابرة نحو المنزل المقلوب رأسًا على عقب… ليشير نحو تلك الفوضى مزمجرًا فيها بغضب مصطنع:
-وبعدين ايه ده.. انتِ مهملة وهتعلمي ولادك الاهمال، إنتِ عايزه الناس تقول عليكي ايه؟!
ردت ببساطة:
-ام المهملين!
وفجأة وجدته يركض خلفها وهو يضحك فركضت هي الاخرى… كالأطفال تمامًا في غمرة فرحهم… في ضحكاتهم… في عبثهم اللذيذ الذي يجذب كل من حولهم كالمغناطيس…..!

سقطت على الفراش فكان هو خلفها يكبل خص.رها وهي تردف له من وسط ضحكاتها:
-خلاص طب خلاص والله سبني
ولكنه لم يتركها بل بدأ يدغدغها بقوة لتتعالى ضحكاتها المرحة…. ضحكاتها التي تبثه طاقة من نوع آخر… تشعره بل وتؤكد له أن نصفك الاخر مهما تأخر…. مهما أبتعدت السعادة عنك اميال واميال…. ستأتي دفعة من حيث لا تدري تدفعك نحو رحاب تلك السعادة……..!! **** في السجن……..

كانت “عهد” في الغرفة التي سترى بها ياسر… مشوشة…. يعتمل داخلها ضجيج فكري عنيف… أصبحت تشعر أنها داخل متاهات…. لم تعد تدري تسلك أيًا منها ؟!….
وصوت واحد يعلو تلك الضجة… صوت كان كالناقور في لن تنتهي !!
صوت قلبها….. ذلك الصوت الناشذ الذي اصبح كالضوء الخافت ينير ظلمة عقلها…
قلبها يص.رخ… بالر.غم من كون ياسر ربما يكون مذنب فيما حدث لها… وبالر.غم من صدمتها هي ووالدته ما إن سمعوا التهم الموجه له… ولكنها تبرر له… تبرر له كما لم تبرر لنفسها…..!

فُتح الباب ودلف ياسر ببطء…. لم تراه منذ أن حُكم عليه بخم.سة ع.شر عامًا….!
نهضت بأقدام متجمدة… تحدق به… شعره الأشعث وملامحه التي ازدادت ظلمة… ولكن ربما تلك الظلمة تختلف عن سابقتها…. تلك الظلمة ستزيد وتزيد حتى ينفجر من بين ثناياها النور……
اقترب منها ببطء ينظر لها بنظرة غير مفهومة بالنسبة لها… ثم سألها بخشونة:
-امي عامله ايه ؟؟
اومأت برأسها بسرعة تطمئنه:
-متقلقش هي كويسة جدًا والله وخرجت من الم.ستش.فى بس انا مرضتش اجيبها الجلسة بتاعتك ع.شان ماتتعبش اكتر
اومأ لها برأسه دون رد..

فاقتربت هي اكثر… حتى وجدته يفتح ذراعاه لها ويومئ لها برأسه لذا ومن دون تردد ركضت نحوه ترتمي بين أح.ضانه بلهفة مغموسة بالشوق الدفين….
بينما هو يدفن رأسه عند رقبتها… يشتاقها حد الجنون…. يشتاق رائحتها…. يشتاق ضمها هكذا بين ذراعاه…. يشتاق النظر لعيناها الغائرة…. يشتاق ويشتاق كما لم يشتاق يومًا… يشتاق لدرجة أن هذا الاشتياق بدأ يحرق احشاؤه…!!

رفعت هي عيناها له ببطء…تنطق بما صكه قلبه دون الرجوع لعقلها:
-هستناك
لم يستطع منع تلك الضحكة الصغيرة الساخرة من الظهور على ثغره وهو يستطرد م.ستنكرًا:
-هتستنيني ١٥ سنة يا عهد ؟!
اومأت مؤكدة وهي تم.سك يداه الخشنة بين كفاها الصغيران… تؤكد له بنظراتها التي توهجت بسيلان ع.شق تسرب لها منذ زمن ق.بل لسانها:
-انت قولتها… عهد….! وكل واحد ليه نصيب من اسمه، ع.شان كده بقولك عهد عليا يا ياسر ما أبص ولا افكر في راجل غيرك لحد ما تخرجلي.. وساعتها هنبدأ من جديد… وهتعملي فرح كبير اووي..

بس هتكون ياسر تاني ملهوش علاقة بالأولاني وعهد تانية ماك.سرهاش الزمن!
أغمض عينـاه يُسكت ذلك الانفجار العاطفي الذي شعر به الان نحوها…. لأول مرة يشعر أنه لم يعد ياسر الذي ينظر لها بنظرة الاخ الاكبر الذي يخشى على اخته فقط….
يشعر أنها اكثر بكثير من ذلك بالنسبة له…. تراه هل كان يع.شقها ولم يستطع عقله ترجمة هذا الع.شق ؟!…..
فتح عينـاه التي استوطنتها مشاعره الجياشة ليهم.س لها:
-عهد…
-عيون عهد…
ردت بلهفة لم تخفى عنه، ليتابـع دون تردد بعينان تقطر شغفًا:
-بحبك….

لم تستطع أن تكتم تلك الدموع التي غزت عيناها فانحنت دون شعور تق.بل يداه متمتمة من بين ق.بلاتها:
-وانا بع.شقك والله بع.شقك وكان نفسي تحس بيا من بدري، كان نفسي تبطل تبص لي إني مجرد اختك الصغيرة الطفلة…!

جذبها لأح.ضانه مرة اخرى… يضمها له بقوة… يود دفنها بين ضلوعه ويكمل هم.سه الملتاع:
-اسف… اسف يا عهدي… عهد عليا إني هعوضك عن كل لحظة وحشة شوفناها !
فُتح الباب وظهر العسكري يغمغم بجدية:
-يلا يا ياسر
اومأ ياسر مؤكدًا ثم اقترب من عهد يلثم جبينها بعمق هامسًا لها:
-تعالي زوريني على طول ما تغيبيش عليا، وسلميلي على امي وقوليلها تسامحني وترضى عني.. قوليلها إن شيطاني كان اقوى مني….
اومأت مؤكدة ثم قالت:
-م.سمحاك صدقني وبتدعيلك كتيير…
ظهرت شبح ابتسامة على ثغره ق.بل ان يبتعد ببطء عنها وهي تحاول الصمود امام شلال الدموع الذي يهاجمها حتى اختفى من امام عيناها……..

**** بعد مرور حوالي ثلاث اسابيع……. كانت دنيا في غرفتها… إنتهت من اجراء اختبار حمل فاكتش.فت أنها تحمل قطعة صغيرة من يزيد داخلها…. نبتة صغيرة ستقوي جذور ع.شقهم اكثر واكثر…..
خرجت من المرحاض تقفز بسعادة…. كلما تقدمت خطوة من السعادة تشعر أنها اقوى من سابقتها…. حتى شعرت أن العوض يأتي من الله بدون مقدمات او اسباب….!!
بدأت تقفز تمامًا كالأطفال تهز خص.رها يمينًا ويسارًا وهي تصيح مدندنة بسعادة حقيقية:
-انا حامل……. حامل..حامل.. حامل !
ثم بدأت تضحك على جنونها… ستفاجئ يزيد ما إن يأتي من عمله…. ستفاجئه بطريقتها الخاصة…!
ولكن فجأة وجدت يزيد يدلف الغرفة بإنهاك وكأنه قرأ افكارها….!!

فص.رخت بحنق دون مقدمات وحتى ق.بل أن ينتبه لوجودها:
-يزييييييد
فص.رخ هو فيها بانفعال متفاجئًا:
-الله يخربيتك وبيت يزيد في يوم واحد، قطعت الخلف!!
ركضت نحوه ضاحكة بقوة ليجلس هو على الفراش متنهدًا وهو يضحك لتجلس هي على قدماه… ثم احاطت عنقه تهم.س له بنعومة:
-اصلي عايزه اقولك حاجة مهمة جدا جدا جدا
عقد ما بين حاجباه بعدم فهم:
-حاجة ايه اللي تخليكي تفزعي امي كده على الم.سا ؟؟
اقتربت من اذنه ببطء… لتهم.س له برقة شعت ببريق الفرح:
-انا حامل!….
إتسعت حدقتـاه بعدم تصديق… حامل….

طفلته تحمل طفلًا منه داخلها… شعر بشيء عميق يدغدغ دواخله… شيء اعمق من اي شعور شعر به حتى عجز عن تفسيره او تسميته….!!
نهض فجأة حاملًا اياها.. يدور بها عدة مرات وهو يصيح بصوت أجش:
-حااااامل…. المجنونة حااامل واخيرًا وهبقى اب يا نااااااااس
تعالت ضحكات دنيا على جنونه الذي لم يكن اقل جنونًا منها…. كل يوم يمر يصك تأكيدًا حتميًا… أنهم اصبحا مترابطان ببعضهما بطريقة عجيبة….. برابط يزداد قوة ومتانة كل يوم عن سابقه…!!
انزلها ببطء وهو يغمز لها بعبث حفظته عنه عن ظهر قلب:
-طب ايه بقا مش هنحتفل بالباشا الصغير ؟!

هزت رأسها نافية وهي تخبره راكضة نحو احدى الغرف الاخرى ثم غمزت له هي هذه المرة بشقاوة :
-خليكي يا كنكه على نارك… لا بن ولا سكر حطالك!
و أغلقت الباب عليها بسرعة وهي تضحك على الأنفجار الذي اقسمت أنها رأته في عينـاه السوداء الضاحكة ر.غم كل شيء لتسمعه يصيح بصوت عالي لتسمعه…..
-طب طالما ممنوع بقا اعملي حسابك هنروح لجدتي البلد قريب جدًا بالمرة! **** بعد اسبوع آخر……

كانوا في منزل جدته الصغير…. وكانت دنيا تجلس جوار يزيد على تلك الأريكة بتوتر تستشعر نظرات جدته المتفحصة لهم سويًا… صحيح أن يزيد أخبرها بكل شيء منذ فترة كبيرة…. ولكن الدافع الأمومي داخلها يحثها لأستكشاف تلك الـدنيا للأطمئنان على حفيدها الوحيد…..
نظر يزيد لدنيا نظرة ذات مغزى فتنحنحت وهي تهتف بود ونبرة تلقائية:
-والله مبسوطة اني شوفتك يا حجه!
إتسعت عينـا يزيد بذهول… ثم وبحركة مباغتة ض.ربها “بكوعه” بعنف هامسًا لها يزجرها:
-ماحبكتش تطلعي البيئة اللي جواكي دلوقتي؟! ايه حجه دي هي قاعده بتشوي دُره؟

اسمها تيتا او ماما…
رمقته بنظرة حادة تهم.س له هي الاخرى ببراءة:
-ما أنت ماقولتليش!!
كاد يبكي ويضحك في آنٍ واحد… طفلة… هي طفلة حرفيًا…. طفلة ولكن تلك الطفلة تحيط به بهالة غريبة من الشغف…. هالة تشعر أنه يُعزل في عالم اخر…. عالم لا يريد به سواها……!
عقلها عقل طفلة حرفيًا…. ولكن تلك الطفلة تجعله كجمرة مشتعلة عندما تظهر كل اسلحة الدلال والرقة له….!!
انتبه لضحكات جدته التي صدحت وهي تخبره:
-سيبها يا يزيد والله انا حبيتها شكلها عسولة
نظف يزيد حنجرته بتوتر هامسًا لنفسه:

-ربنا يستر
ولكن عندما إتسعت ابتسامة دنيا وهي تربت على صدرها بعفوية متابعة:
-الله يكرم اصلك يا اصيلة يابنت الاصول!
لم يستطع كبت ضحكته التي صدحت وبقوة على تلك “البيئة” التي يع.شقها وبجنون…!
لتشاركه جدته الضحك فقال هو م.سرعًا يداري حرج دنيا الطفولي:
-معلش يا امي هرمونات الحمل انتِ عارفة بقا
لم تتحدث جدته ولكنها جذبت دنيا لأح.ضانها ولم تتوقف عن الضحك متمتمة بود حقيقي:
-دي جميلة اوي يا يزيد وبتضحكني ابقى هاتها لي كل اسبوع تضحكني شوية!

فتعالت ضحكاتهم جميعًا ودنيا هي الاخرى تضحك من قلبها… واخيرًا ذلك الدفئ الاسري م.س قلب دنيا… م.س اعماقها وجعلها متكاملة المشاعر…. سليمة من كافة الجوانب…….!! **** بعد انقضاء سنوات سجن “ياسر” ……… كانت تنتظره هي ووالدته امام السجن… عيناها اُهلكت من كثرة الشوق وقلبها يدوي بجنون… وما إن رأته يخرج حتى ركضت نحوه بكل الجنون الذي عرفته يومًا لترتمي بأح.ضانه… فضمها له بكل قوته يستشعر بها اخيرًا وج.سدها الغض يسكت أنين ج.سده……
رفعت عيناها له ببطء وبوجه ضاحك قالت:
-انا وعدتك استناك… ووعد الحر دين عليه!
ثم عادت تحتضنه… تهدئ لوع قلبها الذي كان يص.رخ بالأحتياج والشوق له…….

*** تمت بحمدالله. بقلم رحمة سيد.

انت في الصفحة 5 من 5 صفحاتالتالي
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى