لحظاتٌ فقط كفيلةٌ لتُغرق كلَّ واحدٍ بجبروتِ عِنادِه..أكملَ وعيناهُ مثبتةً بعينيها، ثمَّ سحب نفسًا وطردهُ حتى لفحت أنفاسُه وجهها واستطرد:
– خليني بعيد عنك ياليلى لو سمحتِ مش عايز أأذيكي وترجعي تكرهيني تاني..لو سمحتي متخرِّجيش الوحش اللي جوايا ناحيتك.. اللعنة على صوتهِ الذي ذبذب جسدها بـالكامل، وهمسهِ الهادئ بـاسمها، ارتجفت شفـ,ـتيها تُحاول الحديث، ولكن حروفها قد هربت بـالكامل..انتشلها من سيطرته الطاغية، وأنفاسِه القريبة، ونظراته التي خدَّرتها بـالكامل طرقات الباب..
اعتدل تاركًا إيّاها..محاولًا السيطرة على نفسهِ فـخرج صوتهِ متزنًا بعض الشئ:
– ادخل..دلفت العاملة وهي تتحدثُ بـوقارٍ لشخصهِ:
– توفيق باشا والعيلة كلَّها وصلت يافندم..والستِّ زينب بعتتني عشان أعرَّف الستِّ ليلى تنزل..أشار بـكفيهِ بـانصرافها..فـتحرَّكت العاملة سريعًا، وعيناها تُلازم الأرض..ثمَّ استدار لِلتي جلست على الفراش تهربُ بـنظراتها في كافة الاتجاهات.. مسمعتيش؟! قومي اجهزي…عشر دقايق وألاقيكي تحت وإيّاكي تتأخري.. وقتها هـطلعلك، وبلاش أكمِّلك… تحرَّكَ خطوتين فتوقَّف عندما تذكَّر شيئًا:
– آه بلاش تحتكِّي بِـسارة وسلمى نهائيا.. قالها وهو يُغادر بخطواتهِ المهرولة، كأنَّهُ يهربُ بعيدًا عن عينيها..
أخيرًا استطاعت التنفس، الذي سحبهُ بـالكامل من حولها..وقفت تضع يدها على صد*رها، وهي تُحا*دثُ نفسها:
-“وبعدهالك ياليلى هـتفضلي لحدِّ إمتى كدا؟..لازم تخلصي منه ومن كلِّ اللي يُربطك بيه..وضعت يديها على أحشائها:
– وإنتَ كمان هخلص منَّ إزاي، يارب ساعدني..قالتها بقلبٍ يأنُّ وجعًا.. -بعد قليل هبطت إلى غرفةِ الطعام التي تضُّم العائلة بـأكملها…بـهيئتها الخاطفةِ للقلوب، وفستانها الأبيض الذي يصل لـِكاحِلها بـنقوشهِ الزرقاء التي بـلون السماء…رمقها الجميع بـنظراتٍ..منها الحنونة، ومنها نظراتُ كرهٍ وغيرة..
كان الجدُّ توفيق يترأسُ الطاولة، وبالمقابل أسعد وبـجوارهِ إخوتهِ وزوجاتهم وأولادهم..
– صباح الخير… قالتها ليلى بـهدوء..
– صباح النّور حبيبتي تعالي اقعدي جنب جوزك..هزَّةٌ عنيفةٌ أص*ابت جسدها، عندما خصَّتها زينب بـزوجته..رمقها الجدُّ بسخ*رية وأردف:
– تعالي اقعدي شوية قبل ما مراته الجديدة تستحوذ على المكان؛ مع أنه مش ملكك من الأول..أخذت جرعةً كبيرةً من الهواء تحبسهُ بـداخلها، علّها تُهدئ من نيران الغ*ضب الممزوج بـالحزنِ الذي ظهر على ملامح وجهها؛ وعيناها التي رمقته وهو يتناول طعامه بـهدوء وكأنهُ لم يستمع لحديث جده..
ابتسمت سلمى بـحبورٍ وهي تُطالع ليلى التي مازالت واقفة وأجابت جدها:
– قولَّها ياجدو..وعرَّفها إن نورسين مبتحبش اللي يقرَّب من ممتلكاتها.. جذبت ليلى المقعد بـعن*ف، عندما شعرت بـانهيارها وجلست بجوار سيلين وتحدثت:
– لا نورسين ولا غيرها، خليها تيجي وتاخد القصر كلُّه…أنا هنا عشان ابني وبس.. أومأ الجدُّ برأسه وطالعها بغموض:
– برافو عليكي خليكي دايمًا متذكِّرة كدا.. إنتي هنا عشان أمير ولَّا إيه ياراكان؟!! استدار راكان لجده:
– عارفين الموضوع دا وحفظينه، ليه دايمًا بتحسِّسنا إننا في حصة وبـتسمَّع لنا الدرس؟!!!
-غيره ياتوفيق بيه..قولي إيه سبب الجَمعة الحلوة دي، مش هو كان يوم الجُمعة، ولَّا أنا غايب بقالي سنين وغيَّرت النظام؟!! -ازداد غ*ضب توفيق واستشاطَ داخله فــرمقه قائلا: – هشام النمساوي اتصل وقال نحدِّد فرحكم قبل اجتماع مجلس الادارة.. وطبعًا إنتَ عارف يقصد إيه..إحنا عايزينه شريك للمشروع الكبير.. أنهى طعامه واتَّجه ليُونس وتساءل:
– هو نوح مش بــيحضر الاجتماعات ولا إيه؟..مال النمساوي بــاجتماعاتِ الشركات وبعدين حضرتك دخلت يحيى الكومي قبل كدا ودلوقتي النمساوي..إيه ياباشا عايز تاخد اقتصاد البلد كلها؟!..
قوَّس فمُّه وأكمل:
على فكرة تفكير غبي؛ لأنك كل ما الحاجة تبقى بتاعتك لوحدك أحسن من الشركاء.. أظل*مت أعين توفيق وارتسمت عيناهُ بنظرةٍ قاسية:
– أنا اللي هــوطَّد العلاقات بينا..وكدا كدا إنتَ هــتتجوّز بنته فــعادي أنه يحضر..غبي ولا غيره..إنتَ مش عندك شركاتك، مالك ومال شُغل العيلة، ولا عشان نصيبك الأكبر هــتتفرعن على جدَّك يا حضرة النايب زي كلِّ مرة؟!!.. زفرَ بــهدوء، محاولًا السيطرة على غ*ضبه، عندما حثّتهُ والدته بــعينيها بـعدم الغ*ضب..
– تمام ياتوفيق باشا، اعمل اللي حضرتك عايزه، شُغلكم ماليش دعوة بيه، والفرح حدِّده معنديش مانع..قالها وهو يرمُق تلك التي جلست تتلاعبُ بــطعامها بــعينينِ تقطرُ ألمًا، وملامحَ يكسوها الحزن الذي تغلغلَ لروحها.. ❈-❈-❈ قاطعهم دلوفُ نورسين..
– جود مورننج جدو..جود مورننج للجميع..
اتَّجهت لــراكان:
– حبيبي حمدًلله على سلامتك، وحشتني أوي..قالتها عندما قبَّلتهُ على وجنتيه.. أشارَ توفيق على المقعد الذي يُجاور راكان: – صباح الخير ياحبيبتي.. اقعدي، بنت حلال كنا لسة بــنجيب في سيرتك.. طالعت راكان وأردفت:
– إيه ياراكي..أوعى تكون كنت بتقول لجدو إنِّي وحشتك؟!..
-ابتسم بجانب فمهِ بسخ*رية..فــأجابها دون النظر إليها وتحدَّث:
-أيوه طبعًا يا حبيبي كنت بـقول له نورسين دي مفيش زيَّها وحشتني لدرجة هنعمل الفرح بعد أسبوع… هنا رفعت ليلى عيناها سريعًا إليه، فــتلاقت بــعينيه..شيّعها بــنظرةٍ خبيثة وأكمل:
– كفاية تأجيل..إحنا كنا هــنتجوز من فترة لولا مو.ت سليم الله يرحمه.. رمقت نورسين ليلى فــاستطردت قائلة:
– وياترى ليلى هتفضل معانا فوق؟!..سوري لكن من حقي ياجدو..مش كدا ولَّا إيه؟!!
حمحمَ راكان وطالع ليلى مُردفًا:
– مدام ليلى أصلًا مش هــتكون موجودة في إسبوع الفرح، معنديش مانع لو عايزة تقضي أسبوع الفرح في بيت المزرعة، وأكيد مش هعرَّفها الجو هناك بيكون عامل إزاي الأيام دي.. كان وقعُ كلِم*اته على مسامعها كــصدى صوتِ رعدٍ بــليالي الشتاء القاسية وزوابع عواصفها..لم يرحم قلبها فأكمل:
– مش عايز الناس يفهموا علاقتنا غلط، وجودك هــيسبب الشك.. ودا عكس شخصيتي أبيِّن حاجة وأعمل حاجة تانية..
استقرَّت كلم*اته القاسية وسط قلبها، فــمزقتهُ لأشلاء حتى شعرت بــآلامٍ شديدةٍ بــأنحاء جسدها، مما جعلها تتشبَّثُ بــيد سيلين بــجوارها،
طالعتها سيلين وهمست إليها
– إنتِ كويسة؟…هزَّت رأسها، وغشاوةٌ من دموعها احتُجزت بــعينيها منعتها من التحرر، ولكن أكمل ما هشَّمَ الباقي من كرامتها حينما أردف:
– ماما ممكن تنقلي ليلى وأمير للجناح التاني، عشان حضرتك عارفة نورسين وغيرتها، وأنا مش عايز دوشة حريم…
قبَّلتهُ نورسين مرةً أخرى على وجنتيه أمام الجميع، وهمست له:
– راكي خلَّص فطارك بــسرعة عندنا فسحة هتغيَّر مود الشغل اللي خط.فك منِّي بقاله أسبوعين…
-رفعت نظرها، وعبرةٌ غائرةٌ انسدلت عبر وجنتيها مسحتها سريعًا، حتى لايرى ضعفها فأجابتهُ وهي توزِّعُ نظراتها عليه وعلى نورسين:
– أنا اتكلِّمت مع طنط زينب من فترة كبيرة من بعد مو.ت سليم، وحضرتك رفضت..يعني أنا اللي طلبت من الأوَّل..
ودلوقتي مستحيل أخرج من جناحي، دا بتاع جوزي واللي مش عاجبه ممكن ينقل في مكان تاني..ووقت مايجيلي مزاج ياحضرة النايب أنقل هــنقل مش هستنى حد يتأمَّر عليا…
ذُهل الجميع من شراسة حديثها، شعر راكان بــصفعةٍ مدويةٍ فــاتجهَ بــنظره لوالدته:
– كلامي يتنفذ ياماما..سليم ما.ت ومش موجود بينا ودلوقتي مينفعش..
-قاطعته عندما هبَّت كــالملسوعة تُوزعُ نظراتها بين الجميع:
– سليم ما.ت عندكم بس، لكنُّه لسه عايش جوّايا، عايش في ابنه دا..مش من حق حدِّ فيكم يجبرني على حاجة مش عايزاها…أنا اتجبرت مرتين ياحضرة المستشار، المرة دي لا..دا حق ابني إحنا هنا اللي لينا الحق الأكبر..
وقفَ أسعد محاولًا تهدئتها:
– ليلى حبيبتي اقعدي يابنتي هنعمل اللي إنتي عايزاه… -إزاي ياأسعد؟!!
أردفَ بها توفيق بــقوة..هــتسمع كلام أرملة ابنك..ثمَّ رمقها وأردف:
– إنتِ بأيِّ حق تتكلِّمي كدا..نسيتي نفسك؟!..