همست بجوار أذنه: -هتجبلي اللي بتوحم عليه؟. ضيق عينيه متسائلًا: -هو أنا هسترخص فيكي حاجة!..رفعت عينيها اللامعة بسعادة مأخوذة بعشقه اللامتناهي، ونبض قلبه الذي تشعر به تحت كفيها: -عارفة إنك مش هتسترخص، بس يمكن، تابعت ماتقول:
-مم..كن تسبني، عايزة أخد شاور..جذب رأسها وطبع قبلةً أعلاها قائلًا: -هسيبك ياعمري علشان مشغول أوي..قالها ونهض متحركًا ولكنه توقف عندما استمع لقولها: -راكان تعال خد شاور علشان نصلي مع بعض، أنا شايفة إن دا أهم حاجة، أهم انشغال.. استدار بجسده كليًّا إليها، وارتجف جسده عندما أعادت حديثها:
-نفسي جوزي يصلي بيا جماعة، عشان لما ولادنا يجوا ويشوفونا بنصلي مع بعض، يتعلموا القيم والأخلاق ونكون قدوة ليهم، لم تشعر بنفسها وهي تخرج متجهة له، تسحبه من كفيه: -النهاردة هنبدأ حياتنا الجديدة مع بعض في كل حاجة، اعتبر الليلة دي أول ليلة لينا مع بعض، عايزاها تكون نقطة لمسح الماضي ونبدأ من أول السطر.. لحظات وهو يتأمل عيناها الراجية، وعبراتها المحتجزة تحت أهدابها، فهمست من بين شفتيها: -لو سمحت، ولادنا عايزة نربي قبل مانعلم، نربيهم على دينهم ومينفعش دا من غير لما تصلي..دنا يحتضن وجهها:
-ليلى إنتِ أجمل حاجة حصلتلي، ربنا يخليكي ليا طول العمر. بعد قليل كانت تقف خلفه يؤم بها لأول مرة بصلاتهم، حتى انتهيا من صلاة الفجر، فجلس على سجادته بقلبٍ ينتفض حزنًا لما فعله من آثام، تذكر شريط شبابه من معاصيه، شعر بتثاقل جفونه بسبب عبراته التي تكورت به..
كانت تجلس خلفه مباشرة، تسبح ربها مع بعض أدعيتها، تركته يغسل همومه بسجدةٍ ضاعت في غيابت عصيانه، فلا توجد سعادة أيها الأنسان دون التقرب إلى الله الواحد القهار..شعرت باهتزاز جسده، فانحنى يسجد لله كي يزيل همه من آلام قلبه المثقلة التي أظلمت بذنوبه، ظل لبعض الدقائق وهو يدعو ربه، انسدلت عبراتها من جمال مارأته بزوجها الحنون..اعتدل جالسًا يستند على الجدار، يدعو ويستغفر ربه بقلبٍ منتفضًا حزينًا بما فعله..أطبق على جفنيه، فربتت على كفيه: -مش هتقوم تروح شغلك؟.،نظر لوجهها الذي يشع نورًا، ماأجملك زوجتي بنور وجهك الذي ظهر به نور الإيمان..فرد جسده متوسدًا ساقيها ثم أطلق زفرةً حارةً وهو يهمس:
-لا مش هروح هعتذر، إحنا هنسافر بعد العصر لسة بدري، المهم عايز أنام دلوقتي، عايز أنام كتيير أوي ياليلى، ينفع؟.. مسدت على خصلاته قائلة: -قوم نام على السرير الجو برد، علشان ضهرك مش يوجعك. اعتدل يطالعها وكفيه يلامس وجهها: -وإنتِ مش هتنامي، شكلك مرهق..ابتسمت له وطبعت قبلةً على كفه الذي يلامسها به قائلة: -هقول الأذكار، وأقرأ وردي وبعدين هنام.. رجع منفردًا كما كان قائلًا: -هنام هنا لحد ماتخلصي، معرفش أنام بعيد عن حبيبي، ظلت تمسد على خصلاته، فنزلت بجسدها تطبع قبلةً على جبينه:
-لو هتفضل صاحي، سبح ربنا على صوابعك ياحبيبي.. أغمض عينيه وفعل مثلما تفعل ممسكًا كفيها يسبح معها، حتى غفا بمكانه.. انتهت بعد قليل، أيقظته بهدوء، فنهض مرهقًا ثم اتجه يسحبها من كفيها: -هنام مش عايزك تقومي من جنبي حتى لو البيت ولع سمعتي، ابتسمت وهي تقوم بخلع إسدالها، أتت لتجمع خصلاتها، ولكنه أمسك كفيها: -سبيهم بحب أشوفهم وهما مفرودين على وشي وأنا نايم، حاوطت خصره بذراعيها، تتمسح به كالقطة: -هيضايقك..أخرجها يرفع ذقنها بإبهامه: -يضايقني، قالها وهو يرسم ملامحها المهلكة لقلبه..
-تعرفي أنا اتمنيت كدا أد إيه، اتمنيت لحدِّ مافقدت الأمل، تراجع بجسده يستند على ظهر تختهما واسترسل وعيناه تهيم عشقًا بعينيها: -كنت بقول مش عايز غير دقايق بس ألمسك فيهم، أحط إيدي جوا شعرك، ألمس وشك، دنا يهمس أقولك بحبك، رفع كفيه يلامس وجهها بالكامل: -وأشوف عيونك الحلوة دي وهي بتبتسم بسعادة وتردي عليا وتقولي أنا كمان بحبك، ومش عايزة من الدنيا غيرك، إنت حبيبي وكل حاجة.. وضعت رأسها بقربه: -إنت حبيبي وروحي وعمري وكل حاجة، إنت راكاني ونبض قلبي.
أطبق عيناه، فاردًا جسده، لينعم بنومٍ هادئ..
❈-❈-❈ بمشفى الكومي بعد يومين، دلف يحيى الكومي لتلك المنكمشة بعد أخذها من راكان إجباريًا.. جلس على المقعد ينادي على أحد أمنه: -فكوها وهاتولها أكل، فعل الرجل مثلما طُلب منه، بعد قليل كانت تجلس أمامه بجسدٍ ينتفض رعبًا وعيناه الحارقة تحرقها، أشار بيده وتحدث بصوته الفظ الغليظ: -تعالي هنا يابت..اتجهت إليه بساقين كالهلام؛ حتى توقفت تحتضن جسدها من برودة الجو.. وضع ساقًا فوق الأخرى، يدخن سيجاره: -كنتِ حاطة ايه في الحقنة ومين طلب منك تعملي كدا؟..نكرت حديثه وهي تهز رأسها:
-معملتش حاجة، نصب عوده مقتربًا منها يجذبها من خصلاتها، ثم لكمها بقوة بالجدار حتى أطلقت صرخة: -هقول، هقول، اللي طلب قاسم الشربيني والحقنة كان فيه مركب يدمر أعصاب المخ بالكامل..لم يشعر بنفسه إلا وهو يلكمها بقوة حتى نزفت رأسها، ثم اتجه إلى رجله قائلًا: -البت دي عايزك تقطع صوابع إيديها كلها علشان تفكر مليون مرة إزاي تئذي الناس، وبعد كدا ارميها في مزبلة، اتجه بنظره إليها قائلًا: -إياكي أشوفك وأسمع إنك قولتي حاجة لحد..أسرعت تتشبث بركبته:
-والله ياباشا ماهعمل كدا تاني، متخلهمش يعملوا فيا حاجة، ركلها بقوة، ونزل بجسده يمسكها من خصلاتها: -كنتي عايزة تمـ,ـوِّتي ابني ياكلبة، احمدي ربنا إني هسيبك عايشة، بس عايشة ميتة، علشان يبقى تلعبي مع يحيى الكومي حلو.. خرج متجهًا لمكتبه متصلًا بمدير أعماله: -عايزك في مكتبي بعد خمس دقايق، جلس وهو يتحدث بهاتفه بعصبية؛
-قدامك يوم ومسمعش عن واحد اسمه قاسم الشربيني، عايزك تمسحه من السوق، عشان الحقير بعد كدا يفكر إزاي يقرب ويئذي ابني، كل مايملك يكون في الأرض، وعايزك تبعتله ناس يربوا ابنه، بس مش ابنه الصايع دا، لا دا الولد اللي عند أمه بتاع الطب، مشفش فيه حتى سليمة، بس إياك تمـ,ـوته، مش علشان الحقير لا علشان الولد يستاهل إنه يعيش لأمه، بس لازم أبكِّي الشربيني عليه لأنه بيمـ,ـوت في ابنه دا. بمزرعة نوح.. حاول أن يعتدل ولكنه لم يستطع.. ضغط بكفه على الفراش بقوة يطبق على جفنيه وأنفاسه تحرق مايقترب منه، طاح بيديه على الكومود حتى أسقط ماعليها صارخًا:
-مش معقول، فيه حاجة غلط..هرولت أسما التي كانت تعد له طعامه، اتجهت تقف أمامه وتحاول تهدئ من روعه، ممسكةً كفه الذي بدأ ينزف: -نوح حبيبي إيه اللي حصل!..إيدك بتنزف كدا ليه؟!.. نظر إليها بغضب: -رجلي فيها إيه؟! أنا نصي اللي تحت دا مش قادر أحركه خالص ليه؟..
ومتقوليش أعصاب، بلاش تستغبيني عشان مزعلكيش.. كانت تمارس أقصى درجات ضبط النفس حتى لا تبكي أمامه وتضعف، فاقتربت منه وقامت بإعدال وسادته قائلةً بنبرةٍ هادئة متزنة:
-إحنا منعرفش إيه اللي في رجلك، وحضرتك دكتور وعارف إن الحاجات دي بتظهر في الإشاعات وبما إن الدكتور يحيى رافض يعمل أي إشاعات هنا، فأنا معرفش غير إن حبيبي ربنا بيختبر قوة صبره وإيمانه.. رفعت أهدابها المنطفئتين وارتعش قلبها تطالعه:
-أنا كل اللي فكرت فيه إنك تكون قدامي، أسمع صوتك وأشوفك بخير، ميهمنيش رجلك ولا حتى دراعك، جلست بمقابلته تحتضن كفيه بين راحتيها، وانهارت قواها الواهنة واسترسلت: -أهم حاجة تكون قدامي وبس، دي أكبر أمنية اتمنتها لما شوفت حالتك، سحبت كفيه تضعها على أحشائها وأكملت بصوتٍ متحشرج بالبكاء:
-مش عايزة غير إننا نربي ولادنا مع بعض، حتى لو هتفضل على الكرسي، ميهمنيش اللي يهمني إنك موجود وعايش، دا في حد ذاته أكبر نعمة ليا.. أصعب شعور قد يمر على الإنسان هو شعوره بالعجز أمام من يحبه، نهضت للتحرك، جذبها إليه يحاطها بين ذراعيه طابعًا قبلةً على رأسها: -آسف حبيبتي اتعصبت عليكي، خايف من اللي بفكر فيه ياأسما، خايف مقدرش أقف تاني وقتها أتمنى المـ,ـوت ولا أكون عاجز.. رفعت رأسها تنظر لمقلتيه والدموع تترقرق في عينيها وأردفت:
-صدقني يانوح أهم حاجة إنك تكون قدام عيوني وبتكلمني كدا، ميهمنيش الباقي، أنا واثقة في ربنا مستحيل يوجع قلبي عليك، وعارفة إنك هتقوم تمشي تاني، بس عايز صبر وقوة تحمل.. لمست وجهه تنظر لعينيه: -أهم حاجة إنك عايش وبس، وبعد كدا كله سهل، إنتَ مشفتش نفسك كنت عامل إزاي، أنا كنت فاقدة الأمل إنك تفتح عيونك تاني..سحبت كفها على رأسه المضمدة بالشاش: -بص لنفسك واحمد ربنا إنك معافى، يمكن دا اختبار لربنا عشان نفوق من غفلتنا..
آهة من جوفه كأنفاسه الحارقة: -آه ياأسما مش هتحمل حبيبتي العجز صدقيني مش هتحمل، ضغطت على خصره وأجهشت بالبكاء: -إن شاءالله هتقوم تاني، نوح أنا كنت همـ,ـوت عليك، كنت مستعدة أضحي بحياتي كلها، وأشوفك بتناديني باسمي بس، دا كان أقصى أماني، تقولي رجلك، مستعدة أفضل طول حياتي تحت رجلك وإنتَ كدا ولا أتحرم منك يوم واحد حبيبي، أنا ماليش غيرك يانوح، إنت كل حياتي، تخيل لو حصلك حاجة هيكون لازمته إيه إني أعيش.. ابتلع جمرات حزنه، معنفًا نفسه على ما قاله لها، وأخرجها يحتضن وجهها، يوزع نظراته على ملامحها بهتت، فدنا منها بنظرةٍ يبث فيها أسفه واعتذاره..
بقصر البنداري.. دلف أسعد لوالده ينظر للممرضة التي تنشغل بهاتفها متسائلًا: -بابا عامل إيه النهاردة مفيش تحسن خالص؟.. اتجهت إليه مرتبكة: -لا يافندم زي ماهو..تحرك حتى وصل لفراشه يجلس أمامه، سحب نفسًا وزفره بحزن من حالته: -عامل إيه ياحبيبي، ليه الاستسلام دا يابابا؟..عندي ليك مفاجأة حلوة، استناني دقيقة وراجعلك.. تحرك حتى وصل إلى جناح سيلين الذي نقله راكان بالخلف بعيدًا عن توفيق، وطلب منها ألا تقترب منه مهما حدث. كانت تتسطح بظهرها على الفراش تنزل ساقيها للأسفل تنظر بسقف الغرفة وهي تتذكر سقوط ليلى بسبب كلماتها الجارحة، ورفض راكان لها..