مرت ساعتين و ها هي الآن تدخل لحارتها مبتسمة بأنتصار ، ممتنة لذلك الباب الخلفي للحديقة الذي تُرك مفتوحاً . كانت تشعر أن الله معها و أنها ما أن تحاول الهرب سيساعدها و ييسر لها الأمر خصوصاً و أنها قررت التراجع عن سـ,ـرقة غانم أو ما ذهبت لأجله فساعدها الله بالفعل . أول ما رأت بيتها و أصبح بينه و بينها خطوات حتى رددت : أخيراً ، أشهد أن لا إله إلا الله. لهست بتعب ، لولا المواصلات لوصلت مبكراً لكن لا بأس المهم إنها هربت من أثر غانم .
ابتسمت بأتساع ستدخل لبيتها ، لكن ….. توقف إمامها سيارة سوداء عالية و أنفتح الباب الأمامي لها لتشهق عالياً و هي تراه أمامها تماماً. يرتدي نظارة سوداء ذات الموقف رهبة و هيبة ، لا ينظر لها و إنما ينظر للأمام برأس مرفوع و لم ينتطق إلا كلمة واحدة بصوت قادم من نار ملتهبة : أركبي . بقت مكانها ثابتة ، جامدة ، تلهث بوضوح ، لم تتوقع ، ما يحدث معها الآن لم بحدث حتى في أي فيلم عربي شاهدته مسبقاً .
أبتلعت رمقها تبحث عن بصيص من الشجاعة داخلها ثم قالت : مش راكبة . لم ترى منه سوى تحرك فكة المتشنج من الغضب ، و مازال مثبت نظره أمامه و ردد مجدداً لكن بصوت أشد حزم : كلمة واحدة ، أركبي . لتجيب : مش هركب و هصوت و ألم عليك الناس. غانم : براحتك ، خليها تبقى فضيحة و انتو لسه جداد في الحارة.
يزيد من عصبيته بعدم نظره لها ، لكنها خائفة ، و قد زاد خوفها بعد حديثه الأخير خصوصاً و قد طال وقوفها أمام سيارته المفتوحه لها و قبلها دخوله بتلك الطريقة السينمائية الخاطفة ، فصعدت للسيارة بإذعان و هو أنطلق سريعاً ما أن أغلقت بابها . صمت …. صمت … صمت . طوال الطريق و هو صامت ، لم تحن منه و لو نظرة واحدة ناحيتها و هي قد تلفت أعصابها نهائياً فقالت : أنت إيه إلي جابك ورايا ، أنا مش عايزه أرجع.
لكنها لم تجد منه أي إجابة لتفلت أعصابها و تثور : أنت …. أنا بكلمك . فجاوب عليها بضيق و ترفع : شششششش . حلا : أنت بأي حق تكلمني كده ، هو الشغل بالعافية . توقف بالسيارة ، لقد وصل للمنزل. خرج منها و إلتف حولها يفتح الباب، أخرجها منها عنوة ، يقبض على عضدها و يجرها للداخل. فتح باب غرفتها و القاها بالداخل حتى سقطت على الأرض متأوهه . مال عليها يشهر إصبعه في وجهها منذراً : الي عملتيه ده مش هيعدي على خير ، سامعه ، مش هيعدي على خير .
صرخت فيه: و هو أنا كنت عملت إيه ، جيت عشان أشتغل و مش عايزه أكمل مشيت . غانم : قولت لك الخروج من هنا بمزاجي و بأمري . انتفتضت تصرخ بقهر : أنا عايزة أمشي أنت ما أشترتنيش على فكره. فقال بدون تفكير : مين قالك ، أشتريتك و بقيتي ملكية خاصة. وضعت يدها على فمها بصدمة و هو وقف مبهوتاً مما تفوه به للتو . مرر أصابعه في شعره بضيق و توتر ، متوتر مما وصل إليه بنفسه .
و هي سكنت مكانها تنتظر أن يقول المزيد ، أي حديث ، فليقل أي شيء. و قد قارب على التحدث من جديد و هو ينظر لها نظرة خاصة بأعين لامعة ثم قال : حلا أنا …. غانم…. غانم. كان هذا صوت سلوى زوجته تبحث عنه. يستمع كل منهما لها و هي تقف بالقرب من غرفة حلا تسأل كرم : البيه فين يا كرم . كرم : مش عارف يا ست هتلاقيه في مكتبه . سلوى : مش هناك ، قولي صحيح ، ايه اللي حصل في غيابي ؟
كرم : لااا ده يطول شرحه . سلوى : طب أعملي قهوتي هاجي أشربها و انت بتحكي لي على ما أشوف البيه . كرم : أعتبريه حصل . نظر غانم على حلا و أطبق جفناه ثم قال : قومي غيري و كلي أي حاجة. حلا : مش عايزة. غانم: مش بمزاجك ، قولت لك قومي كلي يبقى تقومي . حلا : أنت بتعمل معايا كده ليه ؟ أنا أذيتك في أيه عشان تعاملني كده ؟
تحركت شفتيه ، عاجز عن البوح ، و خرج من عندها ، تحركت خلفه لكنها تصنمت عند الباب و هي تراه قد تقابل مع سلوى التي كانت لا تزال تبحث عنه و أول ما رأته أخذته في أحضانها مرددة : حبيبي ، كنت فين ، بدور عليك. أبتسم بصعوبة و قال: أنا هنا . أشتعلت نار مستعرة في قلب حلا لا تعلم من أين و لما ، و بقت متواريه تراقبهما و لم تغلق الباب و تدخل غرفتها كأي تصرف طبيعي.
ربما أرادت قـ,ـتل شئ ما تولد داخلها ، تتنفس بسرعه و عيناها ترغب بالبكاء لكنها لم تبكي . بينما غانم أحتضن سلوى هو الآخر و حاول مراضتها و قال: حقك عليا ما توعليش مني . لكنها هزت كتفيها و قالت: لأ لسه زعلانه. أغمض عيناه و سحب نفس عميق بتعب شديد ثم قال: و إيه يرضيكي ؟ تعلقت سلوى بكتفية ثم قالت بدلال : تخرجني دلوقتي ، اتفسح و ادخل سينما و بعدها نعمل شوبنج للبيبي.
تنهد بتعب من جديد ثم قال: حاضر ، روحي غيري . مسحت سلوى على وجنته و هي تقول : تؤ ، تعالى أختار لي إلي هلبسه . غانم : حاضر ، يالا. ذهب معها دون أن ينظر خلفه و صعد . و هي دخلت غرفتها و أغلقت بابها تبكي و تنتحب . في منتصف الليل . تسلل لغرفتها يفتح الباب ثم يسير بخطى حثيثه. حتى توقف أمام سريرها ، يراها و هي ممدة أمامه بجلباب قطني قصير و مريح لونه وردي يناسبها جداً.
جلس على ركبتيه أمام فراشها يبتسم براحه و صدر منشرح ، الأن فقط يمكنه النظر لها على راحته و بلا أي حرج أو موارة. تقلبات على الفراش فكان هنالك فراغ ، وقف عن الأرض و جلس فيه بجوارها . مد أصابعه يزيح بعض الخصلات عن وجهها و أبتسامته تتسع رويداً رويداً. سؤالها مذ سألته و صداه يتردد في عقله حتى و هو بالخارج مع سلوى ( انت بتعمل معايا كده ليه) .
ليتحدث إليها كأنها أمامه تسمعه و قال بصوت خفيف للغاية كي لا تستقيظ : هتعامل معاكي إزاي و أنتي جيتي قلبتي كل موازيني في يومين بس ، هتعامل معاكي زي ما أنا حابب و عايز إزاي و أنا كنت لسه مزعق لسلوى ، ما عرفتش . عض شفته السفلى بشعور لا إري قد تملكه ، كأن موعد جرعته قد حان . قأقترب منها يضع أنفه بالقرب من رقبتها يسحب القدر الممكن من رائحتها لصدره و هو يبتسم بإنتشاء .
ضيق عيناه و قد أنحسر الرداء عن رقبتها قليلاً فأظهر جزء من كتفها ليبتسم و هو يرى ثلاث شامات على كتفها . رغماً عنه مال على كتفها يقبله قبله سطحية تعمقت رغماً عنه فبدأت حلا تتحرك بإنزعاج . ليخرج سريعاً قبلما تستيقظ و تراه ، وقف خارج غرفتها يلهس و كأنه عاد تلميذ صغير و قبل فتاة لأول مرة. وضع أصابعه على فمه و أبتسم ، بقى مكانه لدقيقة ثم تحرك لغرفته ، الآن فقط يمكنه النوم .
نام سعيد جداً و أستيقظ سعيد. على عكسها تماماً ، فقد دلفت أليه بالقهوة التي طلبها متعمدة عدم النظر له فلم ترى بالطبع نظراته التي شملها بها و سعيد وحده و زادت سعادته حينما رأها . وضعت القهوة و تبعها كوب الماء بسرعة ، تسارع كي تغادر و تتخلص من حضرته و تأثيره عليها. إلا أنه قبض بيده على يدها ، رفعت أنظارها له متفاجئة فرأته و هو يبتسم لها ثم ردد: البطة مكلدمة النهاردة ليه ؟
جعدت ما بين حاجبيها بإستغراب من طريقة حديثه معها و تغير مزاجه. وقف عن كرسيه و دار حوله و هو لا يزال متمسك بكفها حتى توقف أمامها. نظر لعيناها و أبتسم ثم قال : زعلانة مني مش كده ؟ لم تجيب فقط نظرت بعيداً عنه ثم قالت: و أنا هزعل من حضرتك ليه؟ ربنا ما يجيب زعل . غانم : حضرتي ؟ حلا : أيوه. زم شفتيه ثم أبتسم و قال: طيب حضرتي جايب لحضرتك هدية .
نظرت له و قد جعدت ما بين حاجبيها و سألت : ليا أنا ؟ هز رأسه و قال بابتسامة تشرح صدر أي فتاة : أيوه. أدخل يداه لجيب سرواله و أخرج منه علبة من القطيفة الزرقاء وفتحها لتتسع عينا حلا غير مصدقة و هي ترى سلسال رائع الشكل ذهبي اللون. أقترب منها و قال: ممكن حضرتي يلبسها لك بقا ؟ لم تجيب ، لم يكن عقلها معها ليصدر رد فعل ، فقد طار مما يحدث الآن.
فاتخذ هو الخطوة و أقترب منها يميل على رقبتها، لا بل يحتضنها له مستغل للفرصة و سحب جرعته التي يحتاجها يومياً من رائحة جسدها ، يتذكر قبلته لها مساءً ، يجاهد على ألا يكررها الأن. كل هذا و حلا مصدومة مبهوته ، وما أن أقترب منها حتى شعرت و كأنها فوث غمامة وردية جميله ، ارتفعت دقات قلبها ، و أوشكت على الذوبان . علت وتيرة أنفاس كل منهما و لم تجد حلاً سوى الفرار .
أخذ يناديها : حلا ، حلا. لكنها لم تجيب و فرت ، عاد خطوتين للخلف يحاول إلتقاط أنفاسه و هو يردد : كويس أنها جريت ،و إلا كنا جبنا عيال هنا . عض شفته السفلى من جديد و بقى جسدة متدغدغ من تلك الأحاسيس التي تملكته و هي بأحضانه . ركضت بإتجاه المطبخ لتصدم بكرم يقص على سلوى أدق أدق التفاصيل التي حدثت في غيابها . و ما أن أبصرتها سلوى حتى ألتمعت عيناها بكره شديد ثم أتسعت و هي ترى ذلك السلسال على صدر حلا .
تشنج تنفسها ثم وقفت عن كرسيها تقول لكرم : خلاص يا كرم ، كفاية كده النهارده و لما ترجع أبقى كمل . وقف كرم مستغرباً يسأل : أرجع منين يا ست ؟ سلوى : أصل البيه ربنا ما يقطع له عادة جاب شوية هدايا للفقرا إلي في الخان عشان البيبي … خدهم وزعهم. إلتفت تنظر لحلا ثم قالت متفاجئة و كأنها لم ترها إلا الآن: حلا ، أنتي هنا ،طب كويس عشان تاخدي خديتك ، ايه ده ؟
مدت يدها للعقد و قالت : هو غانم أداهولك خلاص ، طول عمره سباق بالخير و يحب يجبر بخاطر الغلابا . لفت لكرم و قالت: ورايا يا كرم يالا . ثم غادرت بخيلاء تاركة حلا التي قد سقطتت للتو من سابع سماء لسابع أرض . الفصل الثامن ركضت لغرفتها سريعاً تبكي ، لم تتحمل ما سمعت.