منوعات

ست الحسن ريناد يوسف

وبعد يومين كانت بهانة جايبالها شغل مع البنات في غيط الحج منصور (كبير الناحية)، وقالت لها هتطلعي الغيط تجمعي القطن، وحسنة وافقت. وفنفس الليلة سمعوا هيصة، وعرفت حسنة إن عواد عيتجوز والليلة فرحه.. وفضلت تبكي على الود والعشرة اللي هانوا، وعلى سنين العمر اللي راحت هدر. قامت الصبح بدري ونزلت الغيط مع البنات، وهناك: عزام: «يلا شدوا الهمة منك ليها! مش هتتدلعوا.. عايزين ننجزوا!» عظيمة: «ما إحنا شغالين أهه يا سي عزام! ولا لازمن الكلمتين دول؟»

عزام: «اتحدثي عن حالك يا عظيمة! أني شايف إن فيه ناس ما عتشتغلش، ويدها ونيّة.» (وكان عيبص على حسنة وهو عيتكلم). عظيمة: «داي حسنة وهي جديدة، أول نوبة تطلع وتشتغل في الغيط.. يوم ولا اثنين ويدها تأخذ وتوبقى أشطر واحدة فينا.» عزام بص لها لقاها مش معاهم ولا كأن الكلام عليها، وعمالة تخلص هدومها من فروع شجر القطن وتجمع في القطن وتعافر.. فابتسم على لبختها وسأل عظيمة: «بت مين هي يا عظيمة؟ وليه مغطية وشها؟ شكلها مش من نواحينا.»

عظيمة: «له، من نواحينا.. وبعدين داي مش بت، داي مرت عواد الأجير -قصدي طليقته- ومغطية وشها عشان لساها في العدة ما تمتهاش.» عزام: «عواد اللي كان فرحه عشية على بت الخياط؟» عظيمة: «أيوه هو.» بص عزام لحسنة بتركيز وهي رفعت عيونها عليه، وهمس لما عيملت إكده: «يااا أبوي! بقى البهيم يهمل عيون الغزلان داي ويروح يأخذ نعمة الحولة؟» فضل طول الوقت مراقبها وهي عتشتغل، وشكلها باين عليه إنها ما اتبهدلتش في الغيطان وشغلها قبل سابق. وطول الوقت البنات تضحك وتهيص وتغني أغاني جمع المحصول، وهي ساكتة وهادية، تبص بعيونها بس وتسمع لغاية ما خلص اليوم وجه وقت قبض الأجرة.

قبّض عزام الكل، وهي خلاها للأخر.. وجه عندها ومد لها الأجرة وهو عيقولها: «خدي يااا.. مع إنك ما اشتغلتيش زين النهاردة، المفروض تأخدي نص يومية بس!» هي سمعت الكلام ومسكت الفلوس اللي عطاهالها وقسمتها على اثنين، ومدت له نصهم وقالت له: «وأني ما مأخداش زيادة عن حقي واللي أستحقه!» عزام: «وه! أنتِ زعلتي ولا إيه؟ أني عضحك معاكي ما بتحدثش بجد! بس أنتِ باين عليكِ طبعك حامي ما عتتحمليش.. خدي يا بوي فلوسك خدي، ربنا يبارك لك فيهم. أنتِ تعبتِ وده حقك، ومش ذنبك إنك أول مرة ما عارفاش تشتغلي.»

حسنة: «له، ما عاوزاش! أني قلت مش هاخد غير حقي وخلاص.. ولما أبقى أتعلم الشغل زين، أبقى آخذ أجرتي كاملة.» خلصت كلامها ومشيت طوالي من قدامه، وهو فضل مراقبها وهي عتمشي وعيقول في عقل باله: «إيه عزة النفس دي اللي عمري ما شفتها على واحدة قبل سابق؟» ورجع البيت وهو طول الوقت عيفكر في حسنة وموقفها وكلامها. ولما أمه شافته شارد سألته: «مالك يا عزام عتفكر في إيه؟ لو يا ولدي اتوحشت مرتك قول أروح أجيبهالك؟»

رد عليها عزام: «يا مة مرتي إيه بس؟ هي جمالات حد يتوحشها؟ أني عفكر فشي ثاني!» الأم: «عتفكر في إيه يا ولدي قولي؟» عزام: «أقول لك يا مة.. أني عايزة أسألك سؤال: هو عواد طلق مرته ليه؟» الأم: «ما أعرفش يا ولدي، بس من زمان أمه عتقول إنها عاقر ومش هتخلف، يمكن عشان إكده اتجوز عليها وطلقها.» عزام: «أيوه يا مة، بس هو اللي يتجوز عشان الخلفه يطلق مراته ليه؟ وخصوصي وهي اللي مش هتخلف، ما كان خلاها معاه ويقعد الاثنين مع بعض في بيت واحد!»

الأم: «الله أعلم يا ولدي ظروف الناس إيه.. وبعدين إحنا لناش صالح بحد، خلينا في حالنا.. البيوت مليانة أسرار.» عزام: «طيب يا مة، وغلاوتي عندك تعرفي لي هو طلقها ليه؟» الأم: «مالك يا عزام حاطط الموضوع في بالك قوي كده ليه؟» عزام: «مفيش يا مة، بس اسأليلي وارضي فضولي.» الأم: «ماشي يا ولدي، هبقى أسألك بكرة.» وثاني يوم راحت حسنة الغيط وفضل عزام برضه مراقبها، وسأل عليها واحد من الرجالة الشغالين في الأرض معاه: «ليه عواد طلقها؟»

فقال له إنها هي اللي طلبت الطلاق وما رضيتش تقعد معاه على ضرة، وخيرته قالت له: يا مرتك الجديدة يا إما أني! وهو اختار مرته الجديدة عشان يخلف، وبصراحة حقه! وأهي اتطلقت بدل ما كانت في بيتها معززة مكرمة، وعتاكل وتشرب ومستتة ومتاحة، أهي طلعت تشقى في الأرض وتشتغل بلقمتها.. تستاهل الحريم اللي ما تصونش نعمتها! عزام: «طيب وهي قاعدة فين دلوك؟ أني أسمع إنها ملهاش حد ويتيمة!»

خميس: «قاعدة حدا صاحبتها بهانة، جوزها مسافر وراحت تقعد حداها لبين ما يعاود جوزها.. وأهي هتتنقل دلوك من قرنة لقرنة لغاية ما ياجيها واحد يكون عايزله خدامة ليه ولعياله! مالها لو قعدت خدمت جوزها وأهله واللي تعرفه أحسن من اللي ما تعرفهوش؟» عزام: «إلا هي حلوة يا د يا خميس؟» خميس: «إلا حلوة يا سي عزام! داي ست الحسن كله!» عاود الأجير لشغله، وفضل عزام متابع حسنة اللي شغلها اتتحسن قوي النهاردة عن امبارح، وبرضك على نفس هدوئها وثقلها ورزانتها.

ولما جه وقت القبض أداها أجرتها وبزيادة، وقال لها: «عشان النهاردة اشتغلتي زين أني واعي لك.» وهي أخذت منه الفلوس من سكات ورجعت عالبيت. بهانة: «هاه يا حسنة، ما قلتيليش.. مرتاحة لشغلك ومرمطتك؟» حسنة: «الشغل والتعب أهون من المذلة وكسرة النفس يا بهانة! وبعدين أني مرتاحة وزينة، وعن قريب هشوف لي موطرح غير اهنه أقعد فيه.. عارفة إن أني ثقلت عليكِ.» بهانة: «إخص عليكِ يا حسنة! وهو أني عشان عطمن عليكِ تفكري إن أني كليت منك ومن قعدتك حداي؟ لا والله! ده أنتِ تقعدي وتتربعي وعين فرش وعين غطى!»

حسنة: «ربنا يخليكي ليَّ يا بهانة، أني ما عارفاشي من غيرك كنت رحت فين ولا جيت منين!» بهانة: «ما تقوليش إكده، إحنا أهل وخيات وبيتي مفتوح لك دايماً.» مرت الأيام والشهور وعدت حسنة.. خلاص النهاردة آخر يوم، واتفاجأت بعواد جاي يخبط على باب بهانة، ويقول لها إنه عايز حسنة. طلعت له حسنة: «عاوز إيه يا عواد مني؟» عواد: «مش بزياداكي إكده؟ أني سبتك على راحتك والنهاردة جاي أخذك لبيتك وأردك.»

انت في الصفحة 4 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى