رواية جوازة ابريل الجزء الثالث من سلسلة حافية علي جمر الهوس القسم الثاني بقلم نورهان محسن
استأنف حديثه بجدية واضحة بعد جلوسها ، بينما يشَبَكَ أصابعه ببعضها على سطح المكتب : انا راجعت التقارير كلها للحالة .. الامل ضعيف جدا يا دكتورة هالة .. ومن خلال كلامك مع جوز المريضة هو مش عايز يخليها تتعذب علي سرير جوا مستشفي او في اوضة عمليات ودا ابسط حقوقهم تابع فريد بسؤال : لما أنا عارضت كلامك .. فاكرة كان ردك عليا إيه؟ أومأت هالة برأسها ، ثم ردت بهدوء : ايوه قولت اننا كمان مسؤولين عن حياتها .. ليه نغامر واحنا عارفين كويس ان وضعها مش هيتحمل العملية دي؟ والنسبة الاكبر انها تفقد حياتها..
فريد بجدية أكبر : انا يومها عارضت كلامك بصفتي جراح .. وقولتلك احنا هنعمل اللي نقدر عليه .. المخاطرة جزء من مهنتنا وماينفعش اسمح لمشاعري تتحكم فيا وتدخل في مصير حياة بني ادم.. أضاف بلهجة عميقة ، وعيناه لا تفارقان عينيها : لكن لما انهارت المريضة بليل وجوزها كان هيجنن من خوفه عليها .. وفقد السيطرة علي نفسه لدرجة انه ضرب اتنين من الممرضين من عجزه انه يعملها حاجة تساعدها .. المنظر خلاني اعيد تفكير في الموضوع .. عشان كدا وافقت انه يقضي معاها اخر ايامها وهما مع بعض بعيد عن جو المستشفيات ومضيتلو خروج الصبح..
صمتت هالة للحظات ، ثم ابتلعت حرجها ، وسارعت بالاعتذار بصوت رقيق : انا ماكنتش عارفة كل دا .. انا آسفة .. اتصرفت باندفاع وقلة ذوق ..كان لازم أسمعك قبل ما أهاجمك بالعصبية دي!! فريد بابتسامة رجولية جذابة : اعتذارك مقبول .. وبالعكس دايماً بحب أشوفك بتعترضي وتناقشي رفع حاجبيه بابتسامة غامضة ، ثم اردف بهدوء : على فكرة .. شكلك نسيتي الدبلة مرة تانية!!
ارتبكت هالة للحظة ، وإختطفت نظرة نحو يدها التى كانت تسندها على المكتب ، قبل أن ترفع عينيها إليه بتوتر ، وقالت بتلعثم وكذب : آه .. لا مانسيتهاش .. هي بس واسعة عليّ شوية ومش لاقية وقت أوديها للصيّاغ تراجع فريد إلى الوراء قليلا في كرسيه ، وقال بنبرة عادية تحوى بين طياتها إلى شيء أعمق : الحبايب دايمًا ليهم الأولوية عندنا في كل حاجة .. خصوصًا الحاجات اللي بتربطنا بيهم تظاهرت بالثبات وأجابت بإبتسامة هادئة رغم الارتباك الذي يلف مشاعرها : أيوه صح .. بس فعلاً عندي شغل كتير وكل يوم بيزيد الضغط
رفع فريد حاجبه الأيمن ، وهو يراقبها بنظراته المربكة ، وتحدث مبتسماً : الشغل من إمتى بيقل ولا بيخلص؟ سارعت هالة بالنهوض لتنهي الحوار : ربنا يقدرنا ويوفقنا .. عن إذنك انا هروح أكمل شغلي تأمل فريد أثر خطواتها إلى الخارج للحظات ، ثم انفلتت من بين شفتيه ضحكة خافتة على كذبها الفاضح الذي لم تنجح في إخفائه ، وارتباكها المستمر أمامه يثير فيه مزيجًا غريبًا من المتعة والفضول ، هل هى محرجة من البوح له بالأمر ، أم أن هناك أمراً أخر لا تريد الإفصاح عنه ولكن فى جميع الأحوال هو يحترق شوقًا للحظة التى سيواجهها بها بالحقيقة.
☼بـ-ـقـ-❥ـلـ-ـم نـ-❥-ـورهـ-❥ـان مـ-ـحـ-❥-ـسـ-ـن☼ فى المساء كان الليل يلقي برداءه الساحر على شاطئ البحر ، حيث امتزجت أنغام الموسيقى الصاخبة مع ضجيج الأمواج التي تتهادى برفق ، بينما تلألأت أضواء الحفلة كأنها نجوم هبطت لتشارك في بهجة الساهرين ، الهواء مشبع بالمرح اللهو ، وأجواء الاحتفال تفيض بالحياة التي لم تألفها إبريل من قبل. كانت الموسيقى كالسحر ، وإبريل ترقص بخفة ، حركاتها عفوية وبسيطة ، لكنها تحمل طاقة كبيرة ، وباسم عينيه تلمعان بعشق ، وهو يشاركها الرقص والجنون.
وسط تلك الأجواء المفعمة بالنشوة ، أخرج باسم هاتفه فجأة ، وأشار لها بضحكة ليقتربا من بعضهما ، ضحكت إبريل بدورها ، واقتربت منه بخفة ، ولفت ذراعها حول رقبته ، بينما رفعت قامتها القصيرة حتى لامس وجهها دفء وجهه برقة ، وابتسامتها العريضة تشع ببهجة بريئة كأنها طفلة تكتشف العالم لأول مرة ، إلتقط الصور واحدة تلو الأخرى.
حين انشغل باسم بالنظر إلى الصور مأخوذًا بابتسامتها التي بعثرت كيانه ، انسلت إبريل مبتعدة بخفة ، لتقترب من النادل ، رفعت أحد الكؤوس عن الصينية ، وتأملته للحظة بعطش شديد قبل أن تجرعه دفعة واحدة ، شعرت بحرارة السائل اللاذع تسري في حلقها ، مما جعلها تسعل بقوة. _ابريل! تعالى صوت باسم فوق صخب الموسيقى ، وهو يهرول نحوها بخطوات سريعة ، ملامحه مزيج من القلق والتوبيخ. التفتت ابريل إليه ، وأخذ الكأس الفارغ منها بينما اقترب منها أكثر برأسه ، وحذرها بصوت منخفض ، لكن نظراته حاسمة : بلاش العصير ده! مخلوط بفودكا يا إبريل
رفعت حاجبيها بدهشة حيث استمتعت بطعمه الغريب ، ثم ضحكت بعدم اكتراث : طعمه حلو أوي! أنهت إبريل جملتها بحماس ، ثم مدّت يدها لتأخذ كأسًا آخر ، قبل أن تتابع بنظرة ساحرة مفعمة برجاء مخملى : طب هاخد كوباية كمان بس .. عشان خاطري يا باسم!! _ لا سيبي انتي ماتتحملهوش .. لو تعبتي مش هعرف اعملك حاجة وسط الزحمة دي؟ قال ذلك بجدية ، وهو يطالعها بنظرات جامدة بعد أن اختطف الكأس من يدها.
اقتربت ابريل منه ، وأمسكت بكتفه تلقائيا حتى ترفع نفسها قليلا في محاولة لاسترجاع المشروب ، لكن ملامحها عبست من الغضب عندما رأته يصب محتوياته على الرمال ويرميه بعيدا ببرود ، لتدب بقدمها حنقاً ، وهي تهتف بأنفاس لاهثة من الرقص وذكرته بسأم مشوب بالذهول : ليه كدا!! مش قولتلي هننبسط يا هادم اللذات انت!!
لم يرد عليها ، إذ نسي للحظات وجود من حوله من قربها القاتل ودلالها العفوى عليه ، مع أنفاسها التي تداعب ذقنه من شدة قربها منه ، بينما هو تائهاً في فيروزيتها اللامعة سخطاً ، ليطوق خصرها بكلتا يديه حتى يجعلها تتوازن فى وقفتها ، فيما أدارت رأسها إلى الجانب هرباً من رماديتيه الثاقبة التي تحدث ارتباكاً في أعماقها. ضاقت عيناها بدهشة ، وغمغمت بصوت هامس : بص شوف الناس الاجانب اللي وقفين قريبين منا دول بيبصو علينا اوي كدا ليه؟
نظر باسم فى اتجاه الناس المتجمعين بالقرب منهم بطرف عينه ، وتحدث بنبرة هامسة مماثلة : عادي مالهم يعني؟ خفضت نظرها إلى فستان الزفاف الأبيض الذي ترتديه ، ثم تأملته لثوانٍ قبل أن تشير برأسها نحو بدلته السوداء الأنيقة ، وهي لا تزال متمسكة بكتفيه ، قبل أن تغمز له ، مجيبة إياه بشقاوة ساخرة : اكيد فاكرين اننا بلبسنا دا .. عروسة وعريس طبعا!!
ألجمت الصدمة لسانه ، حالما أنهت جملتها بطبع قبلة خفيفة على خده ، لكنها لامست طرف شفتيه فإضطربت دواخله ، بينما ضحكت عليه باستمتاع ، فاستجمع جأشه ، مستلماً منها زمام الأمر وهو يجذبها إلى حضنه أكثر ، ليسألها بذات الهمس : وانتي ايه رأيك؟! تيجي نلعب عروسة وعريس قدامهم!! رمشت بأهدابها كفراشة مذهولة ، وسألته بدهشة غامرة : مش لسه عاملين كدا من شوية في حفلة نيكولاس؟ إلتقت نظراتهما للحظة قبل أن يميل نحو خدها ، ليغمره بقبلة رقيقة أرجفت قلبها ، ثم همس قرب شفتيها بصوت رجولي خشن مشبع بالإغواء : وفيها ايه لما نكررها؟
انفرجت شفتاها الرقيقتان ، وارتفعت نبضاتها بجنون متناغمة مع خففات قلبه المدوية على يدها التي وضعتها على صدره لمدى قربهما لدرجة الالتصاق ، فأردف بخفوت : اقلعي دبلتك وهلبسك الخاتم اللي قدموه نيكولاس وماغي ليكي .. مش عاوزة تنبسطي خلينا نجرب ونلعب شوية .. هنخسر ايه يعني؟! خفضت نظرها ثانيتين ، ثم نظرت إليه مرة أخرى ، لتقابله بحاجب مرفوع ، فتابع بخبث : بس لو تعبتي بلاش؟! سارعت ترد بحماسٍ كبير : لا هلعب هلعب
إلتوى فمه بابتسامة مشاغبة تشير إلى أشياء كارثية على وشك الحدوث ، وتمتم بنفس النغمة المتحمسة : شكلنا هننبسط اوي واحنا بنشتغل الاجانب سحبت نفسا عميقا ببعض الارتباك ، ثم ازفرته ببطء قبل أن تجيب بابتسامة متحمسة : يلا.. نزعت الخاتم من إصبعها في حركة خفية ، ثم سلمته إياه بهدوء ، وضعه في جيبه ، ثم أخرج علبة مخملية سوداء أغلقت على خاتم ماسي ، فاخراً يتلألأ بضوء خ..افت ينعكس على وجهه.
فتح العلبة ببطء ، وعيناه تلتقيان بعينيها للحظة ، ثم بحركة رومانسية ركع على ركبته أمامها ، وبصوته مشبع بعاطفته الجامحة قال : أعدكِ من هذه الليلة ، وحتى يفرقنا الموت أنني سأحفظكِ في عيني كما تحفظ الزهور نور الشمس ، وأبقيكِ في قلبي كما يضم البحر أسرار أعماقه ، سأفعل كل ما يجلب لكِ السكينة والفرح ، فكل رغبة في قلبكِ هي أمر لي ، حتى لو طلبتِ نجمة من السماء ، سأرفعكِ حتى تتمكنين من قطفها بيديكِ ، يا من أسكنتِ قلبي
لمعت الدموع في عينيها الشبه مغلقتين من شدة السعادة والتأثر ، مع ابتسامتها التي تشع سحراً سلبت لبه ، ليواصل حديثه مبتسمًا بجاذبية مهلكة : هل تقبلي تكوني زوجتي؟ في هذه اللحظة تعالت الهتافات حولهما بأصوات سياح متحمسين ، وهم يهتفون بصوت عالٍ : وافقي .. وافقي .. وافقي! بينما يتابعون المشهد بلهفة ، ويصفقون بإعجاب ، ووجوههم تعكس الإنبهار والتأثر. رفع باسم الخاتم بين أطراف أصابعه ، وهتف مع الجميع بإبتسامة واسعة : وافقي!
ما لبثت هي أن جثت على ركبتيها أمامه ، عينيها تلتقيان بعينيه في سكونٍ عميق ، ثم نطقت برقة ، صادقة كما لو أن قلبها كان يتحدث عن لسانها : موافقة _مستني ايه؟ ما تدخله بقى!! قالت ابريل ذلك بدهشة ، وعينيها تتسعان بتساؤل، بينما تتابع حركة يده ، وهو يحاول إدخال الخاتم في إصبعها برفق ، فتمتم بصوت حائر ، وهو يركّز ببصره على الخاتم : بحاول .. بس مش راضي يدخل في صباعك!!
رفعت حاجبها بعدم رضا ، واحتل الإحراج وجهها ، لتحاول الدفاع عن نفسها : قصدك تقول ايه؟ ان العيب في صباعي؟ علي فكرة انا ماتخنتش!! تابعت ابريل تحثه بإبتسامة متوترة : حاول تاني .. شكلي بقي يكسف قدام الاجانب زفر باسم بإحباط مؤكداً بصوت منخفض متأفف : شكلك تخنتي بجد ترقرق الضيق فى نبرات صوتها : لا والله .. حاول جامد بس تنفس باسم بعمق ، وقال بتحذير : بس كدا هيوجعك يا ابريل!! رددت ابريل بتصميم : هستحمل هستحمل
أطلق باسم زفرة أخرى بإستسلام : خلاص انتي حرة بقي ماتلومنيش!! ألمٌ حارق اجتاح أصبعها حين مر الخاتم إلى نهايته ، فانبثق العبوس على وجهها ، وهى تئن بخفوت ، ليتساءل بقلق : اتوجعتي؟ برمت ابريل شفتيها بتذمر : وجعني طبعا .. بس مش مهم الوجع المهم انه دخل اخيرا أنهت كلماتها بضحكة راضية ، فقهقه معها براحة ، بينما رفعت ذراعها فى الهواء لتجذب الأنظار نحو الخاتم ، وهتفت بصوتٍ مشبع بالحماسة : هنئوني!
انطلقت صيحات التهليل والتصفيق، لتملأ المكان دفئًا وحيوية ، بينما ينهض باسم من علي الرمال ، محتضنًا خصرها بين ذراعيه القويتين ، ورفعها معه بخفة لتشعر ان قلبها يحلّق بجناحين فوق سحاب من السحر ، لا يثقلها خوف ولا يطاردها قلق ، فقط شعور عميق بالسعادة يشدها نحوه ، ثم بتهور ألقت بنفسها بين ذراعيه بعشق معانقة اياه للحظات ، بينما تعالت أصوات الجميع : قبل العروس .. قبل العروس!!
تلاشت الابتسامة من شفتيها بصدمة ، واحتل الاضطراب عقلها ، بينما نظراتها تتلاقى مع إقتراب وجهه منها ببطء ، ويلامس وجهها بهدوء ، لترفع قليلاً قامتها تجاهه ، فيما ارتسمت على شفتيها ابتسامة تُمزج الإرتباك بالإثارة. تلاحمت أنفاسه مع أنفاسها في سيمفونية حالمة ، تنبض بينهما كأنها لحن من عشقٍ أبدي ، قبل أن تتسع عيناه في ذهول عارم ، وهو يشعر بجسدها يرتخي بين ذراعيه ، ثم سقطت مغشياً عليها ، ليتهاوى معها قلبه الهادر بعنف على الرمال.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نهاية الفصل السابع
#رواية_جوازة_ابريل3
#روضتني_عشقاً
#سلسلة_حافية_علي_جمر_الهوس
#نورهان_محسن الفصل الثامن (عشقه الخاص) رواية جوازة ابريل3 “أنتِ العاصفة التي تسحقني ،
والشوق الذي يقطع أنفاسي ،
كل لمسة منكِ تحدد مصيري ،
كل همسة منكِ تزلزل أعماقي ،
لا أطلب منكِ سوى أن تملكينني ،
أن تذوبين في كل ركنٍ مني ،
أنتِ البحر الذي أغرق فيه بلهفتي ، والسماء التي أحتجز فيها عذابي ،
كل لحظة بعيدا عنكِ هي موتٌ بطيء ، وكل لحظة معكِ هي لذة لا أريد لها أن تنتهي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ تلاحمت أنفاسه مع أنفاسها في سيمفونية حالمة ، تنبض بينهما كأنها لحن من عشقٍ أبدي ، قبل أن تتسع عيناه في ذهول عارم ، وهو يشعر بجسدها يرتخي بين ذراعيه ، ثم سقطت مغشياً عليها ، ليتهاوى معها قلبه الهادر بعنف على الرمال. جثي بها على الرمال ، ورفع جذعها ليُسنده على معدته ، بينما أصابعه المرتعشة مرت على خدها بقلق مكبوت إنعكس علي ملامحه ، وصوته المختنق بالخوف يناديها : إبريل! حبيبتي! ردي عليا .. انتي كويسة؟ إبريل!
اقترب وجهه منها أكثر ، حتى كاد أن يلتصق بأنفاسها ، يراقب حركة صدرها لا صوت حاد يخرج منه يشعره بالخطر ، فزفر براحة ثقيلة حين تأكد أن نوبة الربو لم تصبها ، وأنها فقط غاصت في سبات عميق من التعب. من خلفه ، تردد صوت السياح بضحكات وهتافات عالية ، غير مدركين لعالمه المنعزل في تلك اللحظة ، رفع ذراعه مشيراً لهم بإنهاء الاحتفال قائلاً بالإنجليزية بصوت ثابت : حسنًا ، شكرًا لكم، ليلة سعيدة جميعًا!
عاد بنظره إليها، ليراها على حالها ، فابتسم بسخرية ، ورفعها بين ذراعيه ، وسار بها بخطوات هادئة ، يدور بنظره في المكان المظلم ، وقد ضل طريق الغرفة ، لم تمضِ لحظات حتى رفّت أهدابها الثقيلة ، وابتسمت بخفة ، تنظر إليه بتساؤل : احنا مشينا من الحفلة مش كدا؟” تجمدت قدميه فى الحال ، وعيناه تتسعان بدهشة مذهولة ، وبصوت مثقل بالاستغراب والشك سأل : يعني .. انتي كل دا فايقة وماكنتيش نايمة؟
ضحكت بخبث طفولي : مالقتش وسيلة للهروب غير دي .. أومال يعني كنت عايزني أسيبك تبوسني قدام الأجانب؟!” ضحك رغمًا عنه ، بمشاعر متناقضة بين غيظه وإعجابه بها ، وهمس بنبرة مغتاظة : حريفة هروب ومعجونة بمية أبالسة! _انا يا حبيبي؟! تصنعت البراءة بغنج ماكر ، وهي تضع كفها فوق وجنته ، لكنه أسرع بإبعاد وجهه عن متناول أصابعها الباردة ورد بإنزعاج : إيدك زي التلج! ابريل بتبرم : طيب مستني إيه؟ نزلني بقى
أنزلها على الأرض بحذر ، ليشعر بآلامٍ خفيفة في ظهره بسبب حملها ، بينما وقفت بتوازن مهتز محاولة السير ، لكنه أخرج حذاءها من جيوبه ، ورفعه أمام وجهها مباشرة ، لتأخذه بتذمر واضح. خطت خطوتين بتشوش ، ولكن سرعان ما اصطدمت به بلا وعي ، أسندها بيديه وهو يبعدها عن صدره قليلاً ، ناظرًا إلى عينيها النصف مغمضتين ، متسائلا بعدم رضا : هتمشي إزاي وانتي نايمة على نفسك؟ شعرت كأن السؤال جاء من مكان بعيد
، لكنها دفعت يديه عن ذراعيها بعناد ، وخرج صوتها ضعيفاً مبهماً : هعرف أمشي!
رد باسم بسخرية مشوبة بالشك : متأكدة؟ نظرت حولها برؤية غارقة في ضبابية الخمر والنعاس ، ثم أجابته ببطء : آه .. بس .. هي فين؟! رفع باسم حاجبيه ، وهو يسألها بدهشة : “بتدوري على إيه؟ ردت ابريل ببساطة : الأوضة… أحاط كتفها بذراعه حينما كادت أن تسقط ، بينما ضحكته المرحة تنتشر في الهواء : واضح إنك مصحصحة أوي يا حبيبتي رفعت وجهها نحوه بنظراتٍ تتسلل منها براءةٌ وتشوش ، وبهمسٍ مليء بالتعب قالت : يلا خدنا على الأوضة .. خليني أنام
فجأة هبطت على عقبيها ممسكة بطنها ، لتئن بألم مكبوت ، فانحنى باسم أمامها ، يداه تستند على ركبتيه بقلق : قعدتي كده ليه؟ مالك؟ همست بخجل ، وجهها يتلون بحمرة الآحراج : عايزة أروح الحمام! جحظت عيناه بصدمة ، وهمس بنبرة متفاجئة : نعم يا أختي؟! ردت ابريل بتقطع : شربت عصير كتير .. محتاجة أروح الحمام حالًا قبل ما المثانة تنفجر! مسح باسم على وجهه بيده محاولاً السيطرة على ارتباكه ، وتساءل بحذر : وقاعدة كده ليه؟ أكيد مش هتفضحينا تعمليها هنا؟!
أجابت ابريل بانفعال : انت عارف خطر قد إيه حاجة زي دي تتكتم؟! رفع باسم يديه أمامها ، وهو يحادثها بصوت هادئ ، محاولاً منعها من فعل ما تفكر فيه : امسكي نفسك يا حبيبتي! حاوطت ابريل نفسها بذراعيها أكثر ، وهى تتألم وصاحت بنبرة متوسلة : مش قادرة… مش قادرة! ألقى باسم نظرة سريعة على رقم الغرفة المنقوش على المفتاح ، ثم التف حوله في محاولة التركيز وسط الظلام ، وهو يهمس بتحذير متوتر : حاولي معلش .. الاوضة اخر الطرقة مش بعيدة يعني
هزت ابريل رأسها بألم يعتصر أحشائها ، فزفر بعمق ومد يديه لمساعدتها على الوقوف ، وهو يقول بسرعة : يلا قومي معايا! تأوهت ابريل برفض ، وعادت لتحيط نفسها بذراعيها ، محاولًة جاهدة السيطرة على تماسكها : لالا .. ماتحركنيش أنا على شعراية والله تسارعت نبضاته بعنف ، وهتف بنبرة مضطربة يكسوها غضب مكتوم : كمان!! اعمل ايه فيكي دلوقتي يا مجنونة؟ خرجت الحروف عنوة من بين شفتيها : وحياة أبوك اتصرف بسرعة يا باسم!!
أعطاها باسم ظهره ، وآمرها بحسم : طلعي على ضهري .. يلا علي مهلك! ترددت ابريل لوهلة ، لكنها امتثلت لآمره ، وتشبثت بعنقه بكلتا يديها ، فرفعها بتأنٍ ، وساقيها ملتفتان حول جانبيه ، ليحمر وجهه بقوة ، وهو يشعر أن أنفاسه تكاد تنقطع من شدة الإختناق : براحة هتخنق! إنتي قافشة حرامي! سعل باسم بخفوت وهو يبعد يدها عن حنجرته ، ثم هرول بها في الممر ، متجهًا نحو الغرفة بأسرع ما يمكنه.
✾♪✾♪✾♪✾♪✾ وقف مستندًا بظهره إلى الحائط المجاور للحمام ، وذراعاه متشابكتان أمام صدره بتململ واضح ، دحرج عيناه بين عقارب ساعة معصمه ، وبين الباب المغلق أمامه ، وصوته اخترق الصمت أخيرًا ، محاولًا تهدئة ما بداخله من قلق : إبريل! بقيتي عاملة إيه دلوقتي؟ انتظر لحظة ، لكن لم يتلقَ ردًا ، ضغط بأسنانه على شفتيه ، والنفَس الذي زفره خرج ممتزجًا بنبرة فقدت صبرها :
طيب .. خلصتي ولا إيه ظروفك؟ تسللت لمحة من القلق إلى نبرته ، وهو يطرق الباب بعنف خفيف يمتزج بلهجة تهديد : ردي بدل ما أكسر الزفت الباب ده!
كتم أنفاسه لثوانٍ ، ينتظر سماع صوتها ، لكن الصمت ظل سيد المكان ، مد يده نحو مقبض الباب وضغط عليه بقوة ، ليفتح بسهولة عكس توقعاته ، لم يكن مغلقًا من الداخل ، مما أثار ذعره أكثر. تردد للحظة في الدخول ، وهناك صراع داخلي بين خوفه مما قد يراه ، وبين يقينه بضرورة الاطمئنان عليها ، حسم أمره أخيرًا ، مقنعًا نفسه أنه لابد من التأكد أنها لم ترتكب حماقة.