شعر يوسف بأن أخيه قد وضع الملح على جراحه ولكنه استطاع ان يخفي ذلك الألم الذي شعر به خلف ابتسامته وهو يتجه ناحية السلم: تصبح على خير يا صاحبي.
وليد: وانت من أهله.
توجه يوسف ناحية غرفة مريم وكان قد اعتاد ان يطرق الباب قبل دخوله, وعلى الرغم من انه كان متأكدا أن مريم ستكون نائمة في تلك الساعة المتأخرة الا انه طرق الباب , ولكنه اندهش عندما سمع صوت مريم الهادىء تقول: ادخل.
ففتح يوسف الباب ثم أغلقه خلفه ليجد مريم تجلس على أحد الكراسي بجوار الهاتف مرتدية روبا للنوم وفوقه الطرحة كما اعتادت ان تكون في وجوده حيث ما زالت تعتبره رجلا غريبا عنها.
يوسف: مساء الخير.
أجابت مريم وقد بدا الارهاق في نبرة صوتها: مساء النور.
يوسف: ايه اللي مصحيكي لحد دلوقت؟
مريم: جدو في العمليات و مستنية أطمن عليه.
فقال يوسف وقد خالطه شعورا بالذنب: اه صحيح, انا كنت ناسي. المهم مفيش اي اخبار؟
بدت مريم في حالة لا تحسد عليها من شدة القلق:
المفروض ان جوة من حوالي أربع ساعات, مش عارفة هما اتأخروا كدة ليه؟
فقال يوسف بلهجة واثقة أراد بها ان يطمئنها: عملية زي دي أكيد بتاخد وقت, ما تقلقيش ان شاء الله خير, هو معاه احسن الدكاترة الالمان وكمان المصريين.
مريم: يارب.
يوسف:طيب انا هدخل اخد دش سريع وهجيلك.
مريم: لا مفيش داعي شكلك مرهق, انت روح خد دش ونام على طول وانا اول ما اطمن على جدو هنام انا كمان.
يوسف:
على فكرة يا مريم, جدك دة مهم بالنسبالي زي ما هو مهم بالنسبالك, يعني انا خايف عليه زيك بالظبط وكلامي دة مش مجرد مجاملة, ياللا انا مش هتأخر.
فهزت مريم رأسها بالموافقة دون أي رغبة منها للدخول معه في جدال, فكان كل ما يهمها ويشغل تفكيرها في تلك اللحظة هو حياة جدها التي على المحك. فهي لا تشعر بالأمان الا في وجوده, هو دائما بالنسبة لها رمز الحب والأمان والدفىء الأسري الذي فقدته منذ وفاة والدها. وقد شعرت في تلك الساعات الرهيبة من الانتظار ان ليست حياة جدها وحده هي التي على المحك بل أن حياتها هي أيضا أصبحت كذلك.
الحلقة الثالثة عشر
*ما بين الجاني والضحية*
في شقة محمود البدري, وبعد أن أم أسرته في صلاة الفجر كما كان يفعل دائما, استأذن كريم وهو يتثاءب: طب عن اذنك يا بابا هروح أكمل نوم.
محمود: ماشي يا كريم,بس هبقا أصحيك تنزل معايا لصلاة الجمعة.
كريم: اوك يا بابا.
ووجه محمود ابتسامة صافية لزوجته وهو يقول لها: ما تقومي يا أم كريم تعمليلنا كوبايتين شاي من اديكي الحلوين دول.
فأسرعت حياة: خليكي يا ماما, انا هقوم أعمل الشاي.
فأوقفها صوت والدها قبل أن تنهض من على سجادة الصلاة:
خليكي انتي يا حياة, انا عاوزك في كلمتين.
مها بابتسامة هادئة ونظرة ذات معنى لزوجها: خلاص,خليكي انتي يا حياة.
وتركت مها حياة لوحدها مع محمود الذي نهض من على الأرض ليجلس على الاريكة وأشار الى ابنته: تعالي هنا يا حياة اقعدي جنبي.