سمعت صيحتها المنصدمة وهى تقول بعدم تصديق :
_ جواز ايه ، أُسيد قالك كده مش معقول لا ! ، منظره ميوحيش انه ليه فى الحجات دى !!! اندفعت تصيح بها فى نفاذ صبر :
_ حجات ايه انتى متخلفة يازمردة ، هو انا بقولك عرض عليا نتجوز عرفى !! قهقهت بشدة لتسحبها وتجلسها على المقعد الوثير وهى تهتف بفضول كاد ي…ها :
_ لا ده انتى تحكيلى كل حاجة من طقطق لسلام عليكم ، يلا بسرعة اخلصى لاحسن هتشل مكانى من الفضول اخلصى
علت وجه ملاك البريء ابتسامة دافئة عليها لتبدأ بسرد لها ماحدث كما يريح فضولها هذا ! ، فتصمت زمردة لبضعة من الوقت ومن ثُم تجيبها بعد أن تفكرت مليًا :
_ أن جيتى للحق فهو عنده حق ، مفيش حل انك تبقى فى أمان من أكرم الحيوان ده غير لما تبقى معاه دايما وقدام عينه لكن كده هو مهما عمل انتى برضوا اسمك عايشة وحدك وده بيدى فرصة لاكرم اكبر انه يأذيكى بسهولة
همست متبرمة فى عبوس وضيق :
_ ماشى انا معاكى فى الموضوع ده يازمردة ، بس بجد مش عايزة تحصله حاجة وحشة بسببى سواء هو او ريان عايزاهم يبقوا بعاد خالص عن موضوع اكرم ده ، ده غير انتى تخيلى انه يدخل على امه واخته اللى بيكرهونى سم ويقولهم انا وملاك هنتجوز ، انا مش مستعدة للوضع ده ابدًا يازمردة أنتصبت فى جلستها بوجه مبتهج لتجيبها بعد إن اخذت شهيقًا قوى واخرجته زفيرًا على تمهل ، عارضة سؤالها الجريء فى جدية :
_ هسألك سؤال وتجاوبى عليه ، انتى عايزة أُسيد ولا لا ؟!
رمقتها بطرف عينها فى أضطراب بدأت الان تحس بأن حبها يهفو إليه من تحت غشاء القلق لا تعرف بماذا تجيبها ولكنها حتمًا آثرت الصراحة حيثُ اماءت لها بهدوء فى حياء بسيط فأردفت هى متشجعة بحرارة الحديث :
_بس ملكيش دعوة بقى بمرات عمى او أسمى انتى هتتجوزى أسيد مش هما ، وبصراحة ده فى صالحك ياملاك لانك كده هتكونى فى امان اكتر ، ورغم كده فكرى برضوا مع نفسك وردى عليه بكرة
مطت شفتيها مضمومتين بعدم حيلة من امرها وجهلها بماذا تفعل ، اتوافق ام ترفض ، تلاقى كل من السلاحين فى حرب قادية ، حرب شهدت أجتماع كل من العقل الذى يؤمن بالابتعاد عنهم تمامًا ورفض ذلك العرض السخيف ! ، والقلب الذى يريد قُرب معشوقه يريد أن يشعر بالامان الذى يبحث عنه فى صحراء الظــ,,ـلم منذ سنوات يريد ملاذ يبنى عشه تحت ظله ، شدة الثورة التى تعصف بين ضلوعها تكاد تك.سرهم الى أشلاء مثلما تمزق قلبها …….. !!؟
***
تحدثت عبر الهاتف وهى تصيح بمن تحدثه فى لهجة لا تقبل النقاش نبرة لا تحمل مثقال ذرة من المزح :
_ خالد انت هتجبلى قرار ملاك ده بالتفصيل عايشة فين ومع مين وبتعمل ايه عارضها بهدوء فى خوف :
_ مابلاش يا أشجان هانم انا بفضل اننا نخلينا بعاد عن ملاك الفترة دى
ثارت به كالبركان وهى تصيح بقسوة :
_ ومالك خايف اكده ليه ، متنساش انك مشترك معايا فى كل حاجة من البداية يعنى خلاص طريقنا بقى واحد ومجبور تكمل معايا وانا مش هسيب بنت فردوس دى تخربلى جوازى وتكره ولدى فيا ، هتعرفلى مكانها يا خالد وهتقولى وخلال اليومين الجايين فاهم مسح على شعره وهو يهتف بخوف جلى فى سخط :
_ يا أشجان هانم افهمينى ارجوكى مهو لو ملاك دى حصلها حاجة انا وانتى هنروح فى داهية مش لوحدى يعنى ، فخلينا بعيد عنها افضل لينا صدقينى !!
حسمت امرها لتجيبه بثقة ممزوجة بلهيب الانتقام :
_ اعمل اللى قولتلك عليه احسلك وملكش دعوة ياخالد ، انا مقولتلك هقلتها انا عايزة عنوانها بس ! لم تمحنه حل اخر سوى القبول بما تريده ليهتف مغلوب على امره منها :
_ تمام يا هانم هعرف واقولك !! ***
تتحسس تلك العلبة الحمراء الصغيرة ، تتساءل أن كان منظر العلبة هكذا فماذا ستحمل بداخلها وبالفعل فتحتها ولم تخطئ ، فقد كان خاتم مرصع بقطع الماظ صغيرة ذو لون ذهبى ، هادى ، كلاسيكى ، من اشتراه لديه ذوق خاص فى أختيار الاشياء ..
تحسسته بأناملها فى إبتسامة خبيثة ، ثم وضعته فى الوسطى وهى تحرك يدها فى الهواء تراقب لمعان الالماظ مع الضوء ، وكأن الخاتم ازداد جمالًا فى اصبعها ، ريبة تتجلى فى عينها حين مضت فترة ذهول وهى تفكر ” هل يخطط للتقدم لخطبة فتاة وذلك الخاتم لها ، ترىَ من تلك الفتاة الذى تجعله يشترى خاتم باهظ الثمن هكذا ” … امسكت بهاتفها وأجرت أتصال به فيأتيها صوته الناعس قائلًا :
_ الو يا أسمى فى ايه !؟
هتفت بصوت أشبه بالضحك فى مكر وهى تحرك اصبعها امامها تتفحص الخاتم :
_ حلو اوى الخاتم دى يامروان ! ، تعرف شكله حلو اوى على ايدى .. جايبه لمين بقى يالئيم انت وثب من فراشه واقفًا وفتح الادراج يبحث عنه فلم يجده ، ضــ,,ـرب على رأسه وهو يلعن ويسب نفسه فيجيبها بمضض :
_ اخدتى الخاتم ازاى يا أسمى مبتسمة فى لؤم همست بأستمتاع :
_ لما كنا بنتكلم فى الجنينة تحت انت نسيته ومشيت ، بس ايه ده طلعت مريش يامروان لا وكمان زوقك حلو لتكون ناوى تخطب !؟
أتسعت إبتسامته التلقائية ليجلس على الفراش ويردف بنعومة :
_ طاب كويس انه عجبك ، طلاما عجبك يبقى هيعجب اللى اشتريته ليها طبعًا اصلها زيك مبيعجبهاش العجب فى براءة هتفت ضاحكة :
_ طاب ماتقولى مين دى والخطوبة امتى علشان اجهز نفسى _ هتعرفى متستعجليش على رزقك وهتجهزى نفسك كمان اصبرى بس ، المهم دلوقتى تشيلى الخاتم ده علشان لما اجى اخده أنتصبت جالسة وهى تضع ساق فوق الاخرى وتجيبه بغرور :
_ تدفع كام وادهولك !؟
طفق يقول فى تهديد واضح يحمل القليل من المرح :
_ أسمى بلاش تتنصحى عليا بدل ما اقلع اللى فى رجلى واديكى بيه ، يانتنة يلى مستخسرة فيا فنجان القهوة هاجت بركانيها وثارت لتهتف فى وعيد مغتاظة :
_ انا نتنة ! ، ماشى يامروان ابقى شوف مين هيديك الخاتم بقى علشان تديه لحبيبة القلب ده انا هذلك ذل عليه اصبر عليا لم تمهله ثانية حتى ليجيبها فأنزل الهاتف من على اذنه وهو يضيق عينيه بدهشة ، فترتسم الابتسامة على ثغره فى عشــ,,ـق ………….. !
***
أستيقظت من نومها فى صباح يحمل الفرج ، يحمل كل شئ جميل بالنسبة لها ، فى كل مرة تقول ستشرق الشمس ولكن يخيب ظنها فى الاخير ولكن تلك المرة تشعر وأن الشمس ستشرق من جديد بالفعل ، ستعيد النور الى داخلها المظــ,,ـلم وقلبها الهالك على أيدى الحيونات المفترسة ، سئمت العيش من كونها ضعيفة دائمًا تضحى بما تحبه لاجل الاخرين او بسبب خوفها منهم ، قررت وحسمت القرار انها ستوافق على عرضه ، تريد قربه ، تريد إن تشعر به بجانبها دومًا ، عندما تلوذ يكون هو اول من تلوذ له ، يكون سندها عمودها الصامد التى تستند عليه
فى أوقات انهيارها ، أن كان ترددها لسبب فسيكون لخوفها عليه وليس للخوف من أحد ……….
نهضت من فراشها وذهبت الى المرحاض لتأخذ حمامًا دافئًا سامحة للمياء بأنعاشها وازالة ارقها وتعبها … وعند خروجها كان الهاتف يعلن أتصال صاحب الحديث اليوم لتجيبه بخفوت :
_ ايوة يا أُسيد ! بصفاء وعذوبة تمتم :
_ صباح الخير _ صباح النور تحولت نبرته الى الجدية البسيطة مغمغمًا بتساءل :
_ فكرت فى اللى قولتلك عليه امبارح بليل ؟
اماءت برأسها وهى تجيبه بحسم أمتزج ببعض الاستحياء :
_ ايوة فكرت ، مـ.. احم ، موافقة يا أُسيد !!! ارتفعت الابتسامة الى ثغره وكأنه كان على ثقة انها ستوافق واجابها بصوت رجولى قوى :
_ تمام جهزى نفسك يلا علشان هاجى اخدك ونروح نكتب الكتاب وخلى زمردة كمان تجهز صاحت بصدمة فى توتر :
_ كتب كتاب بسرعة كده يا أُسيد ، وبعدين هو مش موضوع ساهل لازم يكون فى شهود وموضوع كبير
بخشوع تام وإبتسامتها التمستها فى صوته :
_ ولا كبير ولا حاجة ياملاك ، انا مجهز كل حاجة وبعدين اننا نسرع ده فى صالحنا لانى مش ضامن ممكن يعمل ال*** اكرم ده تانى لو أتاخرنا اكتر هزت رأسها بالموافقة وهى تجيب مجبرة على الموافقة على ذلك الزواج السريع ، مازالت لم تهيء نفسها لمقابلة كل من أسمى وزوجة عمها :
_ تمام يا أُسيد هجهز نفسى وارن عليك !
ضمها كفيها الى صدرها ، تقيس نبضات قلبها المتسارعة ، احيانًا كثيرة يستشعرها عقلها الباطن انها داخل دوامة حُلم لا ينتهى حتى يهلكها ، والأن تحس أن هذا الحُلم غير مساره من اليسار الى اليمين ، من كابوس تحول إلى حُلم تتجسد فيه كُل أشكال السعادة والطمائنينة التى ستحظى بها بقربه ، لا تريد أستباق الاحداث قبل حدوثها ، تود أن تُفاجء بكل حدث جميل سيقابلها فيما بعد ، فى تلك اللحظات لا يمكنها فعل شئ سوى التضرع إلى الله ودعائه ، فلبت ما أمرها به عقلها ورفعت يدها تتضرع بالدعاء إلى الله فى نفس مطمئنة تدعو من صميم قلبها وثقة
تامة فى أستجابة خالقها ” يالهى أن كان هذا الزواج شرًا لى فأصرفنى عنه وأن كان خيرًا فأجعل لى منه نصيبًا ، أمرتنا بالدعاء ووعدتنا بالاستجابة ولدى ثقة تامة فى أستجابتك ، أخرجنى من هذا الوحل الذى تلطخت به منذ سنين ، كُن معى ولا تتركنى بمفردى ، انك انت العليم بذات الصدور وماتخفيه الأنفس فى جوفها ” …………
بدأت بالفعل فى أرتداء ملابسها الفضفاضة وتجهيز حقيبة ملابسها وأذا بها تذهب إلى زمردة فى غرفتها فتفيقها من نومها بحرص وحذر ، فتلوح بيدها فى خنق طالبة أن تتركها وشأنها وتجعلها تكُمل نومتها ولكنها وثبت واقفة كالذى لدغته عقرب عندما صكت
سمعها كلماتها وهى تقول بهدوء تام :
_ أسيد أتصل بيا وانا قولتله موافقة وقالى هنكتب كتب الكتاب دلوقتى وانا لبست وجهزت نفسى وانتى قومى يلا جهزى نفسك لانى مستحيل اسيبك وحدك مضمنش أكرم ممكن يعمل ايه ؟! فركت عيناها بعدم أستيعاب هاتفة بذهول :
_ دلوقتى علطول يعنى ، لا لا أُسيد ده مستحيل يكون طبيعى ، ماشى انتى وافقتى وتمام بس مش بالسرعة دى !!! _ يلا البسى يازمردة مش وقته الكلام ده ، هو يمكن يكون على وصول اساسًا
هزت رأسها مرات متتابعة فى حماس يكاد يصيبها بالجنون وهى تندفع نحو المرحاض لتجهز نفسها وتخرج ترتدى ملابسها ، فتسدير ملاك وتعود الى غُرفتها ، منهم من يصيبها الحماس لحد الجنون ومنهم من أدركها التوتر والارتباك واستدرجها الى متاهة عجزت عن الخروج منها ، عقلها الصغير ذو العقلية الطفولية ألتف حوله التوتر والخجل والارتباك فى لفيف من القيود التى تمنعها عن التفكير بأى شئ وتوقفه عن العمل ……………… !
***
مايقارب الساعة حتى أمرها بالنزول وانه فى انتظارهم بالأسفل ، فعلت ما أمرها به فى طاعة ، أستقلت بالسيارة بجوراه وأتخذت زمردة مقعدًا لها فى الجزء الخلفى للسيارة ، ثُم أنطلق الى مكتب المأذون الذى سيعقد زواجهم ، كان بإنتظارهم هناك مراد يبدو انه سيكون أحد الشاهدين على الزواج ، وسُرعان ما بدأو بأجراءات الزواج وأنتهى كل شئ على سنة الله ونبيه وكما يرضيه لينتهى بقول المأذون مُبتسمًا بصفاء :
_ بارك الله لكم وجمع بينكم فى خير
وتلقوا المباركات من المأذون بصدر رحب ثُم خرجا ، ودّ مراد أن يبارك لاخيه على زواجه ولكنه على أشد العلم بأنه ليس سعيد بهذا الزواج فقد قام به ، حتى تكون فى حمايته ولا يستطيع أحد أذيتها ، مازال لم يتقبل وفــ,,ـاة رفيقة دربه قلبه يزرف الد.ماء لفراقها كيف له أن يتزوج ويعيش حياة سعيدة ، عكس ما ظهر على وجه ملاك من معالم السعادة التى تحاول اخفائها تحت قناع أن ذلك الزواج لم يكن سوى لحمايتها وانه سينتهى قريبًا …!!
سحب مراد أُسيد من يده إلى زواية بعيدًا عن مسامعهم ليقول بجدية طاغية :
_ مش شايف ان جوازك من غير ما ماما تعرف هيصعب الموضوع وانك تحطها تحت الامر الواقع هيعقد الامور أكتر ، انا الصراحة مش صعبان عليا غير المسكــ,,ـينة ملاك اللى هتتاخد فى الرجلين وسط امك وأسمى رتب على كتف اخيه بنظرات هادئة وناعمة وهو يقول بنظرة كُلها ثقة :
_ متقلقش انا حاسب حساب كل ده ، ثُم انى مش متجوز ملاك علشان ابهدلها معايا
طالعه بعدم حيلة امتزجت بإبتسامة دافئة ، كانا الفتيات يراقبوا حديثهم وبالاخص زمردة التى كالعادة كانت مراقبتها لهم بدافع الفضول اما ملاك فكان حديثهم المنفرد يزيدها توتر وخوف من القادم ، اعادها الى الواقع صوته وهو يقول مشيرًا لهم بيده :
_ يلا علشان نمشى ؟!
تحركت نحوه بخطواط بطيئة ، أستحوذ على قِسمات وجهها البريئة حالة من الزعر والخوف ، تغير لون وجهها الى الاصفرار فجأة بدأت الرؤية تصبح ضبابية امامها ، دوار شديد راودها لولا استنادها بيدها على الحائط لكانت فى الارض يحاولون افاقتها ، أخفضت رأسهًا ارضًا مغمضة عينها ، ساكنة تمامًا ثابتة فى أرضها منتظرة تحررها من تلك الدوامة التى سببت لها الدوار والأرق .. فتحت عيناها بضعف على صوته التى التسمت فيها نبرة القلق :
_ مالك ياملاك انتى كويسة ، اخدك ونروح للدكتور !؟
هزت رأسها بنفى قاطع مجيبة بصوت مبحوح :
_ لا انا كويسة بس دوخت شوية ! اتاها صوت زمردة الذى لا يختلف عن أسيد زيادة عنه ببعض الغضــ,,ـب :
_ لازم تدوخى مش نايمة على الفجر ومكالتيش حاجة من امبارح ، اقعدى وهروح اجبلك حاجة تاكليها
أحست زمردةبقرصة منها فى ذراعها تحسها على الصمت رامقة اياها بنظرة نـ,,ـارية ترغمها على الصمت فقد فتحت عليها أعاصير غضــ,,ـبه الان بمعرفته عن امتناعها عن الاكل وبالتالى عن تناول الدواء ، رأت فى عينه نظرة متقدة ملتهبة تعرفها جيدًا شعرت بحلقها أصبح مرًا كالعلقم وهى تبتلع ريقها اخيرًا تحدث الاخير بصوت اجشَّ :
_ امشى ياملاك وفى البيت نشوف موضوع الاكل ده !
دقات قلبها تسارعت بخوف من براكينه وبطشه ولكنه لم يمهلها الوقت لتتفرغ إلى نفسها وتشعر بالخوف أكثر ، فأنتفض جسده وكأنها لمست كهرباء وهى واقفة فى وسط الماء حين احاطها بذراعيه من كتفيها يساعدها على السير ، سارت معه على أستحياء تخطف نظرة سريعة إليه فى حبٌ من آن إلى آن حتى توقفا امام السيارة فنظرت الى زمردة قائلة :
_ انتى مجبتيش شنطتك ليه يا زمردة مش هتاجى معانا !! هزت رأسها نافية بأعتذار مهذب :
_ لا ياملاك مش هاجى اجى ليه اصلا انا هروح البيت اخد شنطتى وهرجع بيتنا !
القت نظرة إلى زوجها نظرة ساخطة وهى تقول له منفعلة :
_ أتكلم معاها انت علشان لو انا اتكلمت هبهدلها فى الشارع خرج صوته الرجولى فى حزم :
_ مينفعش يازمردة تقعدى وحدك فى الوقت ده بذات قبل كده انتى كنتى بتقعدى وحدك لان مفيش حاجة ممكن تأذيكى لكن دلوقتى فى هزت كتفيها لاعلى فى عبوس قائلة :
_ عارفة يا أُسيد بس صدقنى مش هرتاح لو قعدت هناك الافضل انى اقعد فى بيتنا متقلقوش عليا
تحدث مراد إليهم فى نبرة رزينة مغمغمًا :
_ خلاص متغطهوش عليها انا هشدد الحراسة قدام بيتهم ومفيش حاجة هتحصل أندفعت تصيح ملاك بنبرة شبه مُرتفعة فى أستياء :
_ مهو كان فى حراسة برضوا يامراد لما دخل أكرم البيت وهددنى ، أكرم انا عارفة كويس انه مش انا هدفه يعنى مش عايز يأذينى انا عايز يأذى ريان وأُسيد وزمردة همس لها أُسيد بصرامة فى نظرة مشتعلة أوقعت بقلبها :
_ وطى صوتك ياملاك احنا مش فى البيت
أخذت تغرز الارض بكعب حذائها والنيران تجعل كل خلية يجسدها تغلى فيزداد غليانها حين وجدته يهتف الى مراد قائلًا :
_ خدها وصلها البيت يامراد واعمل اللى قولتلك عليه فيشير لها مراد بيده نحو السيارة مبتسمًا فتلبى طلبه فى طاعة وتصعد بالمقعد المجاور له فيستقل هو بجوراها وينطلق بها كالسهم بخترق الحشود .. رمقته ملاك شرزًا لتنفجر به فى عصبية :
_ ازاى تخليها تمشى وحديها على أساس انك غصبت عليا ومخلتنيش اقعد فى بيتنا وحدى سبتها ليه ولا هى عادى تحصلها حاجة لكن انا لا
رأت بعيناه نظرة أستقرت مخيفة بل مرعبة فتوقعت سببها من تلك الطريقة التى تاحدثه بها ، التزمت الصمت جاهدة فى عدم أظهار ارتيعادها ليهمس هو بصلابة :
_ مسبتهاش لما تهدى هكلمها واشوف حل معاها ، واخر مرة تتكلمى بالطريقة دى اركبى يلا العربية !
صاحب الحالة المزاجية عاد من جديد ، عادت طريقته التى تجعل منها شخص يخشاه كمن يرى وحشًا امامه ، بدأت تتفهمه قليلًا وعرفت ايضًا انه ، فى الوقت الذى يحــ,,ـادثها بجفاء يكون هناك ما عكر صفوه قبل أن يقابلها فتلتمس له العذر بعض الشئ وتبتعد عنه حتى لا ترى بركان يخرج حممه لتدمر الاخضر واليابس ..
صعدت بالسيارة بدون أن تتفوه ببنت شفة …………
ترجلت من السيارة امام منزلها الجديد الذى لن يكون ذو اختلاف عن سابقه فيزداد توترها ورعبها أكثر ، ودت لو تقبــ,,ـض على يده وتتشبت بملابسه تسلب منه بعض القوة ، تمنت عناق دافء منه يعيد له شجاعتها المسلوبة ولكن خجلها كان حاجز كحاجز الماء والنـ,,ـار يمنعها عنه او بالكاد هو الذى يصنع ذلك الحاجز ، خطت عتبة المنزل ودخلت لتقابل أسمى وزوجة عمها كأول مرة قابلتهم بها على تلك العتبة وكأن الايام تعيد نفسها ولكن بظروف أصعب واكثر قسوة ، اتضح ذلك عندما وقفت ليلى تقول مستنكرة :
_ ايه هى الضيفة جات تانى ولا ايه !! بثبات وصوت قوى أستطرد :
_ مبقتش ضيفة يا امى بقت صاحبة بيت يعنى بقى بيتها ! عادت لسخريتها وهى تقول مبتسمة :
_ ايه لتكون كتبتلها البيت من غير ما نعرف كمان يا أُسيد !؟ أخترق صوته مسامعهم كالرعد ، ولكن الكلمات كان وقعها أكثر كالنفخ فى الصور الذى احياهم فى لحظة واماتهم فى لحظة اخرى ، او أشبه بوقف الزمن !! :
_ لا بقت مراتى !
(( أشلاء القلوب )) _ الفصل الحادى عشر _ أخترق صوته مسامعهم كالرعد ، ولكن الكلمات كان وقعها أكثر كالنفخ فى الصور الذى احياهم فى لحظة واماتهم فى لحظة اخرى ، او أشبه بوقف الزمن !! :
_ لا بقت مراتى !
لحظات من الصمت هيمنت على الجميع ، تهجمت ملامح ليلى وأسمى وأختلطت الصدمة بالثوران الهائج وهو يستمعون الى كلمة ” مراتى ” أذانهم تحاول تكذيب ما يلقى عليها ، أصبحت ليلى كجمرة نـ,,ـار متوجهة وأسمى أكتفت بتعابير وجهها الثورانية وكان السبق لليلى فى الصياح قائلة :
_ مراتك ايه !!! ، انت بتهزر صح ! ، لا مهو مش معقول توصل معاك لكده يا أُسيد .. هو ده اللى كنت خايفة منه دلوقتى وضحت نيتها كويس اوى الله اعلم قالتلك ايه واقنعتك بده ، مهى حرباية ليها كذا شكل ولون وبتمثل دور الغلبانة والبريئة
غامت عيناها بالعبرات الحارقة فتلك الكلمات ثقيلة على القلب ، الى متى ستظل بهذا العذاب ، أفرت هى من بطش نيرة وأكرم لتقابل زوجة خالها وابنتها ، سمعت صوته الرقيق هامسًا بجانب أذنها :
_ اطلعى على اوضتى فوق انتى عرفاها اماءت بموافقة فى أعين دامعة وهرولت مُسرعة إلى اعلى وسط نظراتهم النـ,,ـارية التى تكاد تحترقها أرضًا ، فتعود مُجددًا ليلى لصياحها الغاضب :
_ مش واضح زعلك على مراتك ، رايح تتجوز وهى مكملتش لسا ست شهور ، لا ورايح تتجوز مين أاااا …….
صرخ بصوت جهورى أهتزت له أركان المنزل أيقظت البركان الخامد بداخله بذكرها زوجته ، جعلهم ي…عون عن الكلام فورًا فى خوف :
_ جوازى من ملاك ملوش اى علاقة بحزنى على مريم ده حاجة وده حاجة ، قسمًا برب العزة وادينى بحلف اللى هيدايق ملاك بحاجة هتشوفوا أُسيد اللى انتوا عارفينه والكلام بذات ليكى يا أسمى هانم .. بقت مراتى خلاص واللى هيوجه اى اهانة ليها كأنه بيهنى انا وصل الكلام يارب اللى حصل دلوقتى ده ميــ,,ـتكررش تانى
سمعت صوته فى الغُرفة ، أرتعدت اوصالها وفقدت القدرة على التحرك ، كان هذا أخر شئ تود حدوثه أن يرفع صوته على والدته واخته ، ستفتر العلاقة بينهم بسببها ، عاتبت نفسها وأنبها ضميرها ، أين كان عقلها حين وافقت على هذا الزواج الذى لن يجدى نفعًا لاى من أطراف البيت وبالاخص هى ، كان بأمكانها أن تطلب منه المساعدة فى تخلصيها من هذا العذاب ولكن عن طريق ترك البلاد ، ترك كل شئ خلفها تعيش فى مكان جديد بحياة أفضل لعلها تجد فى تلك البلد الشخص المناسب لها الذى يخرجها من الظــ,,ـلمات ، تكاد الشجون تشق صدرها وتقسع اضلاعها ..
خالطتها فكرة مجنونة وهى أن تطلب منه الطلا.ق بمجرد قدومه !!!!! بالاسفل تقدمت ليلى ناحية ابنه تتطلع اليه بخيبة أمل وأسف لتهتف بصوت يخالطه البكاء :
_ هتعمل ايه يعنى يا ابن ياسر لو زعلت ست الحسن لتكون هتمد ايدك عليا ، مهو ده اللى ناقص فاضل ايه بعد ما تعلى صوتك وتهددنى ، روح خليها تنفعك اللى بتعصى امك علشانها دى
لتسدير وتتجه نحو غرفتها والعبرات تنهار على وجنتيها لترمق أسمى اخيها نظرة غاضبة ولا تختلف كثيرًا عن نظرة والدتها ، ثُم ركضت تلحق بها وكذلك الاخير صعد الى غرفته ليفتح الباب على مصراعيه ويدفعه بعنــ,,ـف ليصدر صوتًا أهتزت له أركان الغُرفة ومعها جسدها الذى أرتجف رعبًا من هيئته المخيفة وعيناه التى تحولت الى كتلة د.ماء أوشكت على الانفجار … راقبته وهو ينزع سترته عنه ويلقيها بعنــ,,ـف على الفراش بجانبها ثُم يتجه ليجلس على الاريكة الوثيرة دافنًا وجهه بين ثنايا قبــ,,ـضتى يديه ، ساد الصمت لدقائق طويلة بينهم حتى خرج صوتها المبحوح الذى يغالبه البكاء :
_ كل ده بسببى ، صدقنى لو كنت اعرف أن الامور هتوصل لكده مكنتش وافقت على الجواز ده نهائى انا توقعت انها هتتعصب فعلًا وهتحصل مشكلة بس مش للدرجة دى ! ظل على وضعيته كما هو لم ينبث ببنت شفة او يرفع نظره لها حتى فطغى البكاء عليها مردفة بنشيج مسموع :
_ روح صالح امك يا أُسيد وبوس على ايدها وراسها متخلهاش تغضــ,,ـب عليك بسببى ، امك مش هتتعوض لكن انا هروح وهتاجى الف وحدة غيرى ! ، ولو طلبت منك تط.لقنى متقولهاش لا !!
رفع رأسه اخيرًا متاملًا وجهها الذى امتلأ عبارات ، رأى الطيبة الناطقة فى وجهها ، لم يخطئ عندما شبهها بطفل صغير يستطيع نسيان من احزنه فى ظرف لحظات ، طفل لا يحمل فى ثنايا قلبه حقدًا او كره تجاه أحد ، صافى القلب كصفاء المطر .. أكملت بصوت مرير :
_ هى عندها حق فى كل حاجة بتعملها انا لو مكانها هعمل كده ، يعنى هى مقتنعة أن ماما كانت السبب فى موــ,,ـت جوزها طبيعى هتكرهنى وهتكون معاملتها ليا كده وعلشان كده انا مش برد عليها وبستحمل كلامها وبسكت ، انا مش زعلانة والله غير انى اتعودت على كده كمان انا عارفة انه هياجى يوم وهتعرف لوحدها انها ظــ,,ـلمتنى والامور هتتحسن نهض من مقعده ليسير ويجلس بجانبها هامسًا بنبرة تفيض حنانًا :
_ انتى ملكيش ذنب فى حاجة ياملاك !
هتفت ببكاء مرير وقد سيطرت عليها موجة بكاء عنيفة :
_ لا ليا متقولش مليش ذنب ، انت حملتنى اكبر ذنب دلوقتى وهو انك بتعصى امك وتتعصب عليها بسببى .. عندهم حق انا من ساعة ماجيت مجبتش الخير وجات المشاكل معايا احاط وجهها بكفيه متشدقًا بعينان تبتسمان وصوت ينسدل كالحرير ناعمًا :
_ معندهمش حق طبعًا ، هو فى ملاك بيجيب الشر والمشاكل لما يدخل البيت ! ، يلا اهدى وامسحى دموعك كده
دفعت كفيه بعنــ,,ـف صائحة به لاول مرة فى أنفعال جلى :
_ مش هـهدى يا أُسيد غير لما تروح تصالح امك وتعمل اللى تطلبه منك ، متحملنيش ذنب زى ده ارجوك .. قوم يلا هز رأسه بالموافقة فى هدوء وهب واقفًا متحفزًا ثُم أنصرف متوجهًا نحو غُرفة امه … !! ***
أشار للنادل بيده وثوانٍ وكان امامهم وهو يقول اه بنبرة رسمية ممزوجة بإبتسامة عذبة :
_ طلبات حضرتك ايه ؟ علق نظره على زمردة مجيبًا بخفوت رجولى :
_ هتشربى ايه ؟
تنهدت بعمق زامة شفتيها بضيق زائف فقد أجبرها على القدوم معه أبت أن تتحدث لولا نظرته الصارمة يأمرها بالاجابة فهتفت باقتضاب :
_ عصير مانجا !! انتصب فى جلسته وأردف محدثًا النادل بخشونة :
_ اتنين عصير مانجا ! اراخت ظهرها على المقعد غارزة طرف حذائها فى الارض بعصبية وترمقه شرزًا واخيرًا تحدثت بأنزعاج :
_ عايزة ايه يامراد هاا ، اخلص اشتعلت دمائه فى عروقه ليهتف بسخط زائف :
_ فى ايه يابت ما تتعدلى بدل ما اعدلك !!
أستقرت فى عيناها نظرة ملؤها الكبر والاستعلاء ، فتأففت بخنق وهى تهتف بغيظ :
_ هتعملى ايه يعنى ! ، انا معرفش انتو شايفين نفسكم على ايه ، اخلص قول عايز ايه علشان انا واصلة معايا لهنا قالت أخر جملاتها وهى تسير الى تفاحتها فمد يده بكوب الماء متمتمًا بإبتسامة مستفزة :
_ طاب خدى اشربى ونزليها لتكتم على نفسك !! أشاحت للجهة الاخرى مستغغرة ربها مرارًا وتكرارًا تجاهد فى أخفاء الضحكة التى تنشب الحروب لخروجها ، نظرت له وهمست بوجوم ولكن العيون تبتسم :
_ مش وقت هزارك البايخ ده على فكرة !
ضحكة صامتة ظهرت على محياه فأستطرد مبتهجًا :
_ طيب سيبك دلوقتى من الهزار ولمى لسانك الطويل ده احسلك ، وقوليلى مش عايزة تقولى لمروان ليه انك اخته تنفست الصعداء بأمتعاض لتجيبه بمرارة :
_ انا مرتاحة كده يامراد ، انت شايف اللى حاصل لملاك من ساعة مادخلت العيلة صدقنى كنا عايشين مرتاحين .. ثُم إن ملاك عملوا معاها كده ولسا كمان جدى وعمى لما يعرفوا أن هى وأسيد اتجوزوا هيعملوا ايه يبقى انا هيعملوا ايه معايا
اتكأ بساعديه على سطح الطاولة مغمغمًا بنبرة لا تحمل اى من المزح نبرة تحمل من الجدية والزمجرة مايكفى لاخضاعها :
_ ملاك وضعها مختلف يازمردة وجدى وعمى فاكرين انها بنت مش شرعية علشان كده محدش قابل وجودها ، لكن انتى وضعك مختلف ومينفعش تقعدى وحدك وسط الظروف دى من جهة معتز ومن جهة أكرم متعانديش واسمعى الكلام وانتى بذات وضعك أصعب من ملاك وانتى عارفة انا قصدى كويس ايه اعتدلت فى جلستها وتهمس برعب جلى :
_ اوعى تكون قولت حاجة لحد يا مراد
بنبرة كلها ثقة وثبات هتف :
_ اطمنى محدش يعرف حاجة بس علشان محدش يعرف حاجة لغاية ما انا احل الموضوع ده ، تبطلى عند كده وتوافقى اننا نقول لمروان أغمصت عيناها بعبوس تكره ضعفها الذى يضطرها لقبول تلك الامور ، لا تريد آثر ذلك الرأى الذى يقترحه عليها ولكنها مجبرة حتى تستمر فى أخفاء الحقيقة التى تحاول هى ومراد فى اخفائها عن الجميع ، تابع بنبرة مهتمة :
_ زمردة انا خايف عليكى عايزك تبقى جمب اخوكى علشان لو حصل اى حاجة واتكشف الموضوع تبقى فى امان
رفعت يدها فى وجهه متشدقة بضجر ، تخرج الكلمات من فمها بصعوبة كان هذا اخر شئ تود حدوثه :
_ خلاص يامراد خلاص قوله هعمل ايه يعنى ، اما نشوف هيحصل ايه كمان لما يعرف هو وامه وبقية البيت
***
تجلس أسمى بجانب امها تحاول تهدئتها ، لم تتوقف عن البكاء منذ ما سمعته من فم ابنها .. تلك الشمطاء ستقدى علينا جميعًا أقنعته بالزواج منها بحيلة ماهرة لم تعرفها واوقعته فى شباكها ، نعم لقبتها بشمطاء !! ، ذلك الملاك الذى لا يحمل فى قلبه سوى الحبٌ والودٍ والعطف يلقب بشمطاء ! ، تتوعد مرارًا وتكرارًا وتخبر ابنتها بأنها لن تترك ابنها لتلك الشمطاء !! .. ترىَ ماذا سترى المسكــ,,ـينة ملاك على ايدى هذه المرأة القاسية التى جهزت عدتها لخوض حرب عزمت من البداية على الخروج منها بأنتصار عظيم وسحقها كالجراد !
…………
دخل أسيد غرفة والدته وعندما رأى وضعها المزرى أشار بعينه الى شقيقته بالخروج فتطلعت إليه بنظرة متمردة ساخطة ورحلت ، أغلق الباب وتوجه جالسًا امام والدته ، هم بألتقاط يدها لتقبيلها فسحبتها بعنــ,,ـف بعيدًا عنه فى نفس تنم عن عدم رضى ، أصدر تنهيدة حارة فى خنق ليهمس بحنو :
_ حقك عليا ياست الكل مكنتش أقصد صدقينى ، انا أسف !
اشاحت بوجهها للجهة الاخرى معبرة عن تنافرها وغضــ,,ـبها المستمر فاعتدل فى جلسته أكثر وقرب رأسها من شفتيه طابعًا قبلة حانية على جبينها متمتمًا :
_ انا مستحملش اشوفك زعلانة منى ، ده انا ماشى فى الدنيا دى برضاكى .. متزعليش منى يا امى قوليلى انتى عايزة ايه بس واللى يخليكى راضية عنى وانا اعمله ؟! لمعت عيناها ببريق خبيث لتنظر له هاتفة بجفاء :
_ تطلق الحرباية اللى اسمها ملاك دى !
تأفف بقوة ليجيبها بشئ من الزمجرة :
_ أطلق ايه يا امى .. ده احنا مكملناش كام ساعة متجوزين ، انتى مش عايزانى مبسوط انا مبسوط بجوازى خلاص بقى عايزة ايه تانى
أثار نيرانها فأشتعلت وتوهجت ، الجميع يعرف انه لن يكون سعيد بهذا الزواج قط ، الكل يعى جيدًا حقيقة انه مازال لم يتخلص من ذكريات زوجته الباقية بعد رحليها ، ولن يستطيع التخلص منها ولو بعد حين .. اذًا لماذا يحاول اقناعهم انه سعيد هكذا وهو العكس !! ، صاحت به منفعلة :
_ انت بتضحك على مين علينا ولا على نفسك ، مبسوط ايه .. لا واضح السعادة الصراحة فى عينك .. أُسيد انت اتجوزت البنت دى لسبب احنا منعرفهوش وانت مش مضطر تعمل كده الجواز مش ساهل ولو مطلقتهاش دلوقتى هتطلقها بعدين ..
كنت قادر تصبر لغاية ما تلاقى الوحدة اللى تعوضك شوية عن فقدان مريم وتعوضك عن خسارة ابنك وتجبلك العيال اللى نفسك فيهم ، حرام عليك يابنى بتعمل فى نفسك كده ليه ؟!
قامت بالقاء الملح على جـ,ـرحه الذى لم يلتئم بعد ، هاجت شجونه وعصفت الاعاصير بقلبه الممزق خاصة عند ذكرها الاطفال ، فهو أكثر مايشتهيه الان طفل يحمل اسمه أنتظره لسنوات وفى الاخير لم يأتِ .. تناثرت أجزاء قلبه فى كل جزء يحاول جمعهم من جديد ولكنه يفشل فى كل مرة ، صعد العبوس والمرار الى سحنته وظهرت فى عيناه التى كانت ملجأ لتلك الشجون .. واخيرًا همس بإبتسامة مريرة :
_ ومعنديش نية انى اتجوز جواز حقيقى تانى يا امى فعلًا يمكن يكون نفسى فى ابن بس واضح انى هكمل حياتى وحيد كده ، فأرجوكى احترمى قرارى واقبلى بملاك مرات ابن ليكى على الاقل لفترة معينة زى ماقولتى لغاية مانتطلق ، عامليها كويس لو مش علشانها علشانى يا امى احترامًا ليا هى دلوقتى مراتى يعنى كل كلمة موجهة ليها كأنها موجهة ليا انا .. اهم حاجة دلوقتى بس متكونيش لسا زعلانة منى
أثرت كلماته فى داخلها وتحركت عاطفة الامومة بداخلها عندما رأت الحزن والشجن بعينه ، وأشفقت على زهرة قلبها البكرية الذى القت به الظروف القاسية فى محيط يمتد لطول النظر من جميع الجهات وحتّمت عليه الموــ,,ـت غرقًا او جوعًا او من البرودة او الأشدهم المًا عن طريق أسماك المحيط المتوحشة !! .. مدت يدها وملست على لحيته الكثيفة بأعين دامعة هامسة بصوت باكى :
_ ربنا مبينساش حد ياحبيبى وهيكرمك صدقنى ويعوضك مش عن مريم بس لا على طيبة قلبك وحنيتك كمان ، وبخصوص اللى اسمها ملاك دى علشان خاطرك بس هحاول اتعامل معاها كويس ، هحاول يعنى مش اكيد
ظهرت إبتسامته الساحرة ليرفع يدها الى فمه ويقبلها بدفء وكذلك يتجه الى جبينها ثُم نهض من جوارها بعد أن اخبرها بأنه سيذهب لمباشرة اعماله ………………..
***
أستل الليل ردائه كاملًا ، قضت ملاك يومها وحيدة بعد رحيل أُسيد ، اعتكفت فى غُرفتها بمفردها لم تخرج حتى لتناول الطعام خشية من أن تتلقى ما لا يرضيها من افواههم .. أدركت انه اذا علم انها لم تتناول الطعام طوال اليوم ولم تأخذ دواءها سيكون لها من بطشه نصيب فقد أكد عليها قبل الرحيل أن تأخذ دوائها وتتناول الطعام ، ولكن ماذا عساها أن تفعل ليس لديها الجرأة الكافية للخروج امامهم ، رغم انها لم ترتكب ذنب لتخشاهم ولكن نفسها الطفولية تمنعها من الاشتباك معهم ..
شعرت بأنها أخطأت فى أمر الزواج ظنًا منها انها ستتمكن من خضوع قلبه لها وتجعله عاشقًا ولهان لها كما أصبحت هى الان ، ذلك الشعور يعتصر قلبها أن تكون عاشقة له وتنتظر نظرة منه ترىَ فيها رغبته بها وحبه الجنونى وهو غير مبالى لها فقط يريد مساعدتها وحمايتها زارعًا فى عقلها أنه يحبها ولديها جزء من قلبه تحتله وحدها ولكن ضمن محتويات العائلة ” شبيهة بمكانة شقيقته ” وهو فى الحقيقة لم يكن شعوره تجاهها سوى شفقة منه ورأفة بحالها … رياح باردة اقتحمت الغُرفة معها امواج تحمل اصوات نباح الكلاب المرتفع وكأنهم شئ اخافهم او يتشاجرون حول شئ ……..
على الجانب الاخر كان ريان قد وصل القاهرة بعد سفر دام لساعات فى سيارته وكان اول من نزل من سيارته امامه هو منزل أُسيد الذى تكمن به ملاك ، او الذى كانت !! .. اصابته حالة من التوتر والقلق حين لم يجد الرجال امام المنزل ! ، سار نحوه وهم بطرق الباب فأذا به يجد زمردة تفتح الباب ويفاجئ بحقيبة ملابسها التى فى يدها وتستعد للخروج .. وقعت نظرتها عليه لتقرأ فى عينه التساؤلات والدهشة فتقابل نظراته ببرود ونظرة أستحقار مجيبة اياه مستنكرة :
_ طبعًا جاى تسأل على ملاك ، زى ما انت شايف ملاك مش موجودة وانا راجعة بيتى دلوقتى ضم حاجبيه على بعضهم مردفًا بأستغراب :
_ مش موجودة ازاى يعنى !! ، راحت فين ؟!
أستقرت نظرة منها عليه ملؤها الحقد والغضــ,,ـب مازالت لن تنسى الاهانة التى القاها كالسهم المسموم فى تجاه قلبها غبر مباليًا لذلك القلب الصغير ، لم تسيء معاملته قط ولكنه فعل كأنها نكرة لا تساوى شئ ، والان يقف امامها وكأن لا شئ حدث ، اطالت النظر فى وجهه تكاد تنفجر به وتك.سر أضلعه ولكن حتمًا لن تخرج من الحرب منهزمة دون أن تصنع خسائر فى العدو ، وستسخدم أشد الاسلحة المًا تكاد تكون الهزيمة الحقيقية له !!
تقدمت خطوة نحوه وهى تقول مبتسمة بمكر وتتصنع الصدمة :
_ ايه ده معقول ريان بيه ميعرفش ملاك فين ، تؤتؤتؤ ملهاش حق ملاك متقولكش هى و أسيد .. اصل الصبح كنا عند المأذون عقبالك كده أن شاء الله ، وكان كتب كتاب أسيد وملاك ، وهى دلوقتى فى بيت جوزها !!