تحرك سريعًا قبل أن يراه أحد، ظل يتحرك بسرعةٍ جنونية ورغم خطواته السريعة إلا أنها متعثرة، لم يعلم أين يسير وأين يتجه، طابق فوق الآخر حتى وصل إلى سطح المشفى، وهو لم يشعر بكمِّ الطوابق التي صعدها..
كتم صرخة مهتاجة بآلامه شقت صدره، هو يملس على صدره حينما شعر بكم آلامه..
وقف بأنفاسٍ متسارعة كمتسابق لمارثون من الكيلومترات، دمعة خائنة انزلقت بجوار جفنيه بعدما حاول السيطرة على نفسه بألا يضعف مرةً أخرى، ولكن شعوره بضعف قلبه وانهياره جعله يشعر بضعف الدنيا أمامه..
سقط كمن تلقى ضــ . ـربةً موجعة اخترقت صميم قلبه حتى شعر بتوقف نبضه..
آآآهة صرخة خرجت من أعماق روحه قائلًا لنفسه بعتابٍ من قلبه الذي تمادى على شخصيته:
-إنت تستاهل، اللي يخلي واحدة ست تعمل فيك كدا، غبي وضعيف، حب إيه اللي يعمل كدا!..
دقائق وهو بتلك الحالة حتى استمع إلى رنين هاتفه، نظر للهاتف محاولًا السيطرة على نفسه:
-أيوة يايونس؟..
على الجانب الآخر تساءل يونس:
-راكان إنت في؟.. أنا روحت أوضة ليلى وإنت مش موجود..
أطبق على جفنيه بألمٍ يعتصر عيناه قائلًا:
-نزلوها تحت وأنا كنت في مشوار، شوية وجاي، هستناكم تحت..
قطب يونس جبينه متسائلًا:
-راكان إنت كويس؟!
صوتك بيقول فيه حاجة، راكان عرفت مين حاول ينزل الولد؟..
-لا لسة معرفتش، ياله أنا مستنيكم تحت..
نظر يونس إلى نوح باندهاش قائلًا:
-دا بيقول نزلوها تحت، تفتكر صدق إنها هي اللي حاولت تنزل الولد؟..
هز نوح رأسه رافضًا حديثه:
-لا مش معقول دا يبقى اتجنن رسمي، هو لسة قايلي هتأكد منها، واللي عرفته إنه مجاش عندها..
لا فيه حاجة تانية حصلت معاه توصله إنه ميجيش ينزلها، لدرجة يقولك هاتها، مش راكان.دلف نوح إليهم يوزع نظراته:
-متأكدين راكان مجاش هنا؟..
-لا ياأبيه هو قابلني برة، ومن وقتها مشفتوش..
نظر لليلى التي تنظر في شرود، وعيناها الذابلة:
-ليلى هتقدري تمشي، ياله عشان نوصلك..
رفعت نظرها إليه بحزن، وتساءلت بعينها:
-أين هو؟! اقترب نوح يساعدها على الوقوف بمساعدة أسما هامسًا لها:
-هو تحت، مستنيكِ، نهضت ثم جلست على المقعد المتحرك للخروج بها..
وصلت للأسفل، في أثناء هبوطه من مبنى المشفى، استقل السيارة دون التوجه إليها بنظره..
فتح يونس الباب الأمامي حتى تركب ولكن قاطعه راكان:
-ركبها ورا عشان تاخد راحتها، قالها وهو ينظر أمام.
ذُهل يونس من جموده الذي ظهر على وجهه، وعيناه التي أخفاها بنظارته السوداء..
رفعت ليلى نظرها إلى نوح:
-نوح وصلني، شكلي تقلت على حضرة النايب، بس عايزة أقوله، أنا مكنتش هركب جنبه..
كانت النيران مازالت مشتعلة بصدره، حتى أصبحت عيناهُ بلون نيرانه فتحدث:
-خلاص اقفل يايونس، وخلي نوح يجبها، أنا هسبقكم، قالها وهو يتحرك بسيارته دون حديثٍ آخر..
صدمة أصابت الجميع مما فعله، نظرت أسما إلى نوح بصدمة قائلة:
-هو فيه إيه؟!
جلس نوح أمام ليلى التي بكت بنشيج من أفعاله:
-ليلى متزعليش منه، إنتِ متعرفيش إيه اللي حصل، راكان مفكرك إنك اللي حاولتي تجهضي نفسك، بعد ماعرفوا الإجهاض بفعل فاعل..
هزة عنيفة أصابت جسدها وشعرت بانهيار عالمها، لم تستمع لباقي حديث نوح إلا من كلماته:
-شاكك فيا يعني ممكن توصل بيه أنه يفكرني مجرمة وأقــ . ـــتل ابني!..لم تشعر بأحدٍ حولها، تساقطت دموعها بشهقاتٍ مرتفعة، حتى ضمتها أسما تنظر بحزن إلى نوح:
-ودا معقول إنها عايزة تقــ . ـــتل ابنها برضو..
دقق نوح النظر إليها:
-مش إنتِ اللي قولتي له، بتمنى أمــ . ــوت وابني يمــ . ــوت ولا أتجوز واحد زيك؟..
تجمدت بجلوسها وشعرت للحظة برغبتها في التلاشي، فلم تعد تتحمل كلمة أخرى، يكفيها ماعانته منذ معرفته..
بعد قليل وصلوا إلى قصر البنداري..
ترجلت ببطء، كانت تنتظرهم زينب بمقعدها المتحرك على أعتاب الباب الداخلي للقصر، وصلت ليلى إليها بمساندة أسما وسيلين..
طالعتها زينب بعينيها المغرورقتين بالدموع:
-عاملة إيه ياحبيبتي؟! والجنين عامل إيه؟..
أومأت برأسها حينما شعرت بعدم قدرتها على الحديث، فأجابتها سيلين:
-ماما، ليلى كويسة، ممكن تسبيها ترتاح وبعد كدا نتكلم، دلفت إلى المصعد جسدًا بلا روح..حتى وصلت غرفتها.
❈-❈-❈
مساء اليوم بمزرعة نوح..
دلف للداخل يبحث بعينيه عليها، وجدها تقوم بإعداد مائدة الطعام، وضع أمامها صندوق كبير وبجواره علبة صغيرة..
رفعت نظرها إليه وتساءلت:
– إيه دا ياحبيبي؟!
اقترب، ثم طبع قبلةً على جبينها قائلًا:
-افتحيه وإنتِ تعرفي، قامت بفتحه وإذ بها تضع كفيها على فمها من الذهول:
-فستان فرح!! إحنا هنعمل فرح، اقترب يحاوط خصرها رافعًا ذقنها:
– أنا آسف حبيبتي، كان لازم أعملك فرح، جهزي نفسك هنعمل حفلة صغيرة، ولو عايزة تعرَّفي مامتك وأختك معنديش مانع..
احتضنت كفه ورفعت عينيها المترقرقة بعبراتها:
-نوح أنا بحبك قوي، ضمها لأحضانه وطبع قبلةً على خصلاتها:
-وأنا بعشقك ياقلب نوح.
بفيلا خالد البنداري..
استيقظ يونس بعد عدة ساعات استغرقها بالنوم، بسبب سهره بمشفاه الخاصة ليلة أمس..
هبط للأسفل بعد روتينه اليومي، قابلته أخته سلمى:
-أخيرًا صحيت، إحنا فكرناك مغمي عليك..
تحرك للخارج ولكنه توقف عندما تساءلت:
-يونس، هو حمزة معدش بيجي عندنا ليه؟!
استدار مضيقًا عينيه:
-وإنتِ يخصك في إيه؟! رجع إليها بخطوة ووقف أمامها:
-سلمى حبيبتي انسي حمزة، هو خلاص لقي البنت اللي هيكمل معاها حياته..
جحظت عيناها ودمعاتها التي انسدلت على وجنتيها فجأة فهمست:
-بتقول إيه؟! خطب حمزة خطب غيري!!.
احتضن وجهها وأردف:
-حبيبتي ليه جاية تندمي دلوقتي؟!..
مش دا حمزة اللي قولت مبشوفش غير إنه أخ..
وضعت كفها على فمها لتمنع شهقاتها وتحركت سريعًا من أمامه، صدمة أصابته، وقف ينظر إلى تحركها بذهول:
-إيه اللي حصل ياسلمى، ياترى ليه دلوقتي حمزة عجبك، الموضوع دا مش مريحني..
تنهد بألمٍ متجهًا لقصر عمه الذي بجوارهم، قابلته درة تدلف من البوابة الرئيسية:
-مساء الخير يادكتور.
أومأ رأسه بابتسامة:
-عاملة إيه باشمهندسة؟..
نظرت للأسفل وأجابته:
-الحمد لله، بعد إذنك رايحة أشوف ليلى..
أومأ برأسه، فتحركت من أمامه، وقف وقام بإشعال سيجارة، ينفثها وينظر لمكان تحركها..
-تستاهل ياحمزة، صبرت ونولت ياصاحبي.
جز على شفتيه ورفع هاتفه بابتسامة تسلية:
-عامل إيه يانص متر؟..على الجانب الآخر:
-أهلًا بدكتور الستات.
قهقه يونس بعدما جلس على الاريكة في الحديقة:
-عقبالك لما أنثاك توقع تحت إيدي..
-ولا..اتجننت ولا إيه هو أنا اهبل عشان أخلي مراتي تروح لواحد فاشل زيك، دا إنت أخرك تضــ . ـرب سرنجة عضل..
رفع حاجبه وتحدث:
-لا والله أنا فاشل، غيرك قالي قبل كدا، وإمبارح كان هيتجنن وأول واحد فكر فيه العبد لله.
قطب حمزة مابين حاجبيه متسائلًا:
-قصدك راكان، ليه إيه اللي حصل؟!
وضع ساقًا فوق الأخرى وهو يقهقه:
-كان نفسي أصوره وأبعتهولك، شوفت المجــ .
ــنون اللي هرب من مستشفى المجانين..
نهض حمزة وصاح فيه بغضــ . ــب:
-إنت واحد مجــ . ــنون يابني، وليلى حصلها حاجة؟..
توقف يونس متجهًا لسيلين التي ترجلت من سيارتها:
-كويسة وروحت، وحبيبة القلب هنا، جاية تزور أختها.
زفر حمزة بغضــ . ــب قائلًا:
-عارف قالتلي رايحة أشوف ليلى، لكن مقالتش إنها تعبانة، أغلق يونس واتجه سريعًا إلى سيلين بعدما قال له:
– تمام تعال وصلها يابغل بدل ماتروح لوحدها..
دلف سريعًا خلف سيلين ثم جذبها بقوة، حتى أصبحت بأحضانه:
-دفعته بقوة وصاحت بغضــ . ــب:
-ميت مرة أقولك بلاش تبقى قليل أدب كدا، مش مشكلتي إنك هلاس..
خرج راكان من مكتبه على صوت صرخات أخته، وقف يوزع نظراته بينهما، فهو في حالة لا تنم إلا على الغضــ . ــب..
دفعها يونس اتجاه راكان، ودلف يجذبها لداخل المكتب، وهو يصيح بغضــ . ــبٍ أمام راكان:
-البت دي كانت فين؟..هي معندهاش جامعة النهاردة..
جلس راكان على مكتبه واضعًا رأسه بين كفيه..
عندما أسرعت سيلين تلكمه بقوة كقطةٍ شــ . ــرسة:
-أوعى تفكر عشان أكبر مني بكام سنة، هكون ملزومة منك، أنا ملزومة من أخويا وأبويا، إنت مالكش دعوة..
جذبها من خصلاتها ودفعها يلكمها بقوة بالحائط:
-لمي نفسك يابت، هو عشان أنا ساكت هتسوقي فيها، وحياة ربي أدفــ . ــنك في سابع أرض..
نظرت إلى راكان بعينيها الباكية من عنــ . ــف يونس إليها، ولكنه كان مازال واضعًا رأسه بين كفيه، فهمست بصوتٍ مفعم بالبكاء:
-سايبه يهين فيا وإنت قاعد، طيب لما بيعمل كدا وإنت موجود، هيعمل إيه وإنتَ مش موجود..
رفع نظره إلى يونس وتحدث بهدوء رغم نيران قلبه المشتعلة:
-يونس، سبها، ثم اتجه بنظره لأخته:
-اطلعي أوضتك، بعدين نتكلم، تركها يونس وهو يرمقها بنظراتٍ جحيمية..
بعدما اقترب يهمس لها بصوتٍ كفحيح أفعى:
-همــ . ــوتك لو شوفتك قريبة من أي جنــ . ــس مذكور إنه ذكر، حبيبتي الجميلة..
تحركت سريعًا من أمامه وشهقاتها بالارتفاع، اتجه يونس إلى راكان يدقق النظر بملامحه:
-مالك ياراكان، من وقت ماعرفت نتيجة التحليل، وإنت متغير، هو إنت عرفت مين عمل كدا؟..
فتح الكاميرا التي أمامه ووجهها إلى يونس:
-محدش طلعلها غير والدتك، هب فزعا كالملدوغ:
-اتجننت ياراكان، إنتَ عارف بتقول إيه؟!.
ماما مستحيل تعمل كدا.
نهض راكان متجهًا للنافذة ينظر بالخارج، وكأن الأكسجـ . ـين انسحب من غرفته:
-كله هيتحاسب يايونس، أتأكد الأول، هعرف أنا لسة متكلمتش مع الباشمهندسة..
اتجه يقف بجواره يرمقه متسائلًا:
-باشمهندسة؟! إنت حكايتك إيه يابني، مرة تقولِّي أمي، ومرة تشك في ليلى..
-امشي دلوقتي يايونس مش عايز أتكلم مع حد.
استدار له بجسده فتحدث:
-عايز أفحص ليلى، وأطمن عليها، كان المفروض أكون شوفتها من ساعة، بس نمت من التعب.
تحرك معه للأعلى مرتديًا نظارته الشمسية، توقف يونس أمامه:
-بعد ماأطمن عليها لازم تحكي لي كل حاجة.
تحرك دون حديث، صعد للأعلى، دلفا بعد الطرق..
كانت تخرج من مرحاضها بمساعدة أختها، تعثرت بخطواتها حينما وجدته بغرفتها، لولا أيدي يونس الذي تلقفها ودرة من جانبٍ آخر..
-مدام ليلى خلي بالك، نزلت ببصرها بعيدًا عنه تهز رأسها وتحركت لمخدعها..
-شكرًا لحضرتك، قالتها بألمٍ حينما توجه راكان للشرفة:
-خلص كشف يايونس، معاك الباشمهندسة درة لو محتاج حاجة..
أطبقت على جفنيها، وتسطحت بمساعدة أختها:
-أنا هكشف مبدئي ضغط، ونبض، لكن طبعًا بكرة لازم تروحي تراجعي سونــ . ــار..
بعد قليل انتهى من كشفه قائلًا:
-عال العال، نسيت أسألك ناوية تسمي زعبولة إيه؟..تساءلت درة بابتسامة:
-هي هتجيب ولد؟..هز رأسه بابتسامته الخلابة ونظر بالخارج إلى راكان الذي ينفث تبغه بغضــ . ــب:
-أيوة هتجيب ولد، وأتمنى مايكونش نرفوز زي عمه..
اتجهت بنظهرها سريعًا إلى يونس :
-وهو يطلع شبه عمه ليه، وصل راكان على حديثها فابتسم بسخرية وأجابها:
-لا طبعا لازم يطلع محترم لأبوه، معقول بعد سليم الباشمهندس المحترم هيطلع لعمه الحقير بتاع الستات..
اقترب يرمقها بنظراتٍ لو تقــ . ـــتل لأوقعتها صريعة قائلًا:
-صدقيني لا إنتِ ولا ابنك حتى تهموني، وخليكي فاكرة إن وقوفي معاكي ومع ابنك عشان خاطر أخويا وأمي، أما لو عليا مش هبص في وشك، مش عشان الجميلة معجبتنيش..لا عشان تفضلي ليلى هانم المحترمة اللي مبتعرفش غير المحترمين، أما أنا واحد حقير وزي ماقولتي كل حياتي باطل في باطل يامدام.
اقترب يونس حينما وجده خرج عن سيطرته:
-راكان اهدى، إحنا بنهزر.
دفع يونس بعيدًا عنه قائلًا بصوت جهوري حتى وصلت والدته على أثره:
-إيه شايفني مجــ . ــنون، أنا برد على المدام مش أكتر، متحاولش تقرب مني ولا ليها دعوة بحياتي، بدل حياتي هتفضحها..
قطع حديثه على صوت والدته:
-راكان..صاحت بها زينب.
تحرك متجهًا لوالدته وجلس بمقابلتها ثم رفع كفيها يقبله:
– ماما عاملة إيه، نظرت إليه بتقييم، ثم رفعت نظرها إلى ليلى:
-بتزعق ليه مع ليلى؟! توقف يضع يديه بجيب بنطاله قائلًا بهدوء:
-آسف ياستِّ الكل، مش هقدر أحقق لك رغبتك، وأتجوز أرملة أخويا، شوفي حد تاني، يونس مش غريب عن العيلة، وحتى لو يونس موافقش، متخافيش محدش يقدر يقرب من حفيدك ويحرمك منه، لكن أنا هتجوز واحدة تانية..
قالها ثم نهض سريعًا متجهًا للخارج، صاحت زينب تناديه، ولكنه اختفى:
-الحق ابن عمك ياحبيبي، معرفش إيه اللي حصل معاه..
أما هي، فشعرت وكأن روحها خرجت من جسدها بسبب ماقاله، وتذكرت ماقالته إلى سيلين فهمست لنفسها:
-معقول سمعنا، أطبقت على جفنيها بقوة، اقتربت زينب منها تطالعها متسائلة:
-راكان طيب يابنتي، بلاش تقسي عليه بالكلام، ميغركيش قسوته، لكن جواه طفل محتاج الإحتواء، زعلتيني ياليلى، آه إنت غالية عليا، بس مش أغلى منه.
قالتها وخرجت متجهةً لغرفتها بمساعدة الممرضة..
ارتفعت دقات قلبها وارتجف جسدها، عندما تحدثت درة قائلة:
-حبيتي راكان واتجوزتي سليم، ودلوقتي إيه اللي بيحصل، هو إنتِ مين!!. أنا معرفكيش..
فرت دمعة من عينيها تسيل فوق وجنتيها ببطء، فوضعت كفها المرتعش تزيلها:
-أنا أكتر واحدة ظلــ . ــمت نفسي، أنا اللي كسرت قلبي وقلب واحد مالوش ذنب، ومات ومفكرني زعلانة منه، شهقة خرجت من جوفها ثم رفعت نظرها إلى أختها:
-أنا ضعت يادرة، ومش لاقية نفسي، ليلى القوية ضاعت، تفتكري دا ذنب سليم، عشان اتجوزته وقلبي مع حد تاني؟..
انتفض جسدها وازداد احمرار وجهها من البكاء:
-والله ماكان قصدي أوجع حد، حتى لما قولت لراكان عشان أوجع قلبك كان مجرد كلام، ماهو مفيش حد بيتمنى لحبيبه الوجع، قالتها بصوتٍ مفعمٍ بالبكاء..
جلست أمامها درة تنظر إليها بذهول، فجذبتها لأحضانها عندما ارتفع صوت بكاءها:
-ليلى حبيبتي اهدي، أنا مش هلومك على اللي عملتيها، لكن ليه راكان بيقول هيتجوز واحدة تانية، وهو فعلًا بيحبك ولا إيه مش فاهمة حاجة..
-درة ممكن تنامي جنبي أنا محتاجة أشعر بالراحة وللأسف مش لاقياها، للأسف قلبي وجعني على الشخص الغلط..
مسدت درة على خصلاتها وتسطحت بجوارها، وظلت تمسد على خصلاتها حتى غفت، ثم توقفت وتحركت للشرفة وقامت بمهاتفة والدتها:
-ماما، ليلى تعبانة للأسف، ونفسيتها مش تمام، هقعد معاها لبليل، وهكلمك تبعتي آسر ياخدني..
-أختك تعبانة قوي يادرة، أنا مش عارفة أسيب باباكي تعبان وآجي أشوفها..
أخذت عدة أنفاس لعلها تهدئ من حالة والدتها المرتابة:
-لا ياماما، هي كويسة حبيبتي وكمان الدكتور يونس بيقول هجيلك حفيد زي القمر، وأه ياست ماما متنسيش إن درة هتتجوز، يعني بلاش الحب كله لسيادة حفيدك..
بعد فترة أنهت اتصالها، وأجابت على حمزة الذي هاتفها عدة مرات:
-“حمزة”..قالتها بصوتها الهادي..
كان جالسًا على مكتبه يتابع قضيةً له، ولكنه أغلق ملفه وتحدث:
– عرفت الأخبار عندك مش تمام..
شعرت بوجعٍ حاد في كامل جسدها، والألم الذي بصدرها فأجابته:
-جدًا ياحمزة، راكان صرخ في ليلى ومعرفش ليه، وكمان قال كلام مفهمتوش، إنه هيتجوز واحدة تانية..
نهض حمزة من مكانه يجمع أشيائه:
-هعرف كل حاجة حبيبي وأقولك، أنا رايح لعنده النيابة، هضطر أقفل دلوقتي ومتمشيش لما أعدي عليكي أوصلك.
هزت رأسها رافضة:
-لا، آسر هيعدي عليا، أنا قولت لماما،
قاطعها حمزة بصوتٍ صاخب:
-قولت هعدي عليكِ، واعملي حسابك بعد كدا، لا آسر ولا غيره له حكم عليكي، وأنا هتكلم مع باباكي ونشوف هنعمل إيه..
سلام بهدوء دلوقتي يادرة مش عايز اتعصب عليكِ..
باليوم التالي، ذهبت أسما لزيارة ليلى، قصت لها ليلى ماصار..
جلست ليلى بمحاذاتها:
-يبقى كلام نورسين مش صح، وأي راجل طبعًا هيسمع الكلام دا هيعمل أكتر من كدا.
قفلت جفونها بشدة تحاول أن تستوعب كلمات أسما، فهمست لها:
-هو قالي هيتجوز نورسين، يعني حقيقة ياأسما..
-وهتسيبيه يتجوزها؟..
فتحت عينيها تطالع أسما بصمت:
-عايزة مني أعمل إيه؟..أنا واحدة لسة جوزها ميت من كام شهر، وعمال يضغطوا عليها عشان تتجوز أخوه، اللي معرفش أصلًا نيته إيه، وأنا عند رأيي لو هو آخر راجل مستحيل أوافق عليه، أنا عايزة ابني وبس.
-ليلى لازم تتكلمي مع راكان، لازم تعرفي آخر اللي أنتوا فيه دا إيه، قاطع حديثهما طرقات على باب الغرفة، دلفت العاملة:
-غداكي ياهانم، وحضرة المستشار بيقولك اجهزي عشان هتروحي تكشفي.
أومأت برأسها بابتسامةٍ هادئة:
-تمام ياهدى، ممكن تحضريلي الحمام..
أومأت العاملة برأسها متجهةً لمرحاضها..
ابتسمت أسما على صديقتها بسخرية:
-ايوة فعلا باين إنك مش طيقاه، ولو آخر راجل مش هتوافقي..
توقفت أسما وسحبت طاولة الطعام:
-اتغذي حلو حبيبتي عشان متوقعيش من طولك وتضطري التنين الوحش اللي مش طايقة تشوفيه، واللي مش هتمــ . ــوتي وتشوفيه.
ربتت على كتفها بسخرية رافعةً حاجبها:
-يابت دا وشك ردت فيه الدموية مجرد ماعرفتي إنه هياخدك للدكتور، أومال لو اتجوزك هتعملي إيه؟..
شردت بكلمات أسما، نعم أسبوع بعيدًا عنها لم تلمحه وكأنها جسدًا بلا روح، ولكن كيف تغفر له مافعله معها، كيف تفعل لرجل مثله تعشقه تريده ولا تريده، كان شعور متقلب لا تعلم ماذا عليها فعله..
رجل رغم صلابته إلا أنه متهاون في بعض المواقف، ينهزم أمامه أعتى الرجال، ذكاء يكلله بعض الدهاء، تذكرت ماصار بينهما في المشفى، فابتسمت بغرور وتوقفت متجهة لمرحاضها..
كانت أسما تراقبها ، فتحدثت متسائلة:
-الضحكة دي وراها حاجة، ناوية على إيه، بس قبل أي حاجة عايزة أقولك الكلام اللي قولته يوم فرحك كان كله كذب، بالعكس راكان جه المزرعة وشرب كتير ليلتها، وكانت حالته صعبة جدًا، لدرجة ضــ . ـرب نوح..
اقتربت منها..
أنا معرفش ليه عايز يتجوز نورسين، بس اللي متأكدة منه، إنه مجروح ومكسور من جوا ياليلى، وأوعي تفكري إني غبية ومعرفش نظرة الحب بتكون إزاي، ممكن هو عايز ياخد حق قلبه اللي كسرتيه، فبكدا يقرب من نورسين، ويعيش يومين انتقام لكرامته مش أكتر..
كانت الغيرة تتشعب بداخلها، كالنيران التي تلتهم أحشائها فابتسمت بمكر قائلة:
– تمام ياأسما.
ضيقت أسما عينيها متسائلة:
-ناوية على إيه؟!
مش حضرة المستشار خطب، مش الواجب أباركله، ولازم هدية كمان..
أطلقت أسما ضحكةً مرتفعة:
-أيوة ياواد ياجامد، أيوة كدا، مش عايزة ليلى الضعيفة محبتهاش، خدي حقك ياقلبي، وحياة ربنا ياليلى راكان بيحبك..
بعد قليل هبطت للأسفل بمساعدة أسما، تبحث عن سيلين:
-سيلين لسة مرجعتش من الجامعة؟!
تساءلت بها أسما للعاملة، قاطعهما وصول زينب:
-الله أكبر ياحبيبتي إنتِ شكلك كويس، أومأت لها بابتسامة:
-أيوة، الحمد لله خلاص ياماما دخلت في التامن اهو، ربنا يعدي الشهرين دول بسرعة..
خرج من مكتبه وهو يتحدث بهاتفه:
-قدامي ساعتين تلاتة كدا، مش عايزه يبعد عن عينك، بغضــ . ــب لون ملامحه وامتزج صوته الفظ:
-لا متعملش حاجة بغباء، قول لجاسر وهو هيتصرف، تحرك أمامها بعدما رمقها بنظرةٍ متجاهلًا وجودها، فأشار للعاملة:
– هاتي للمدام شال على كتفها، لتتعب وطبعًا التعب يأثر على الولد، عايزين الولد يجي بصحة كويسة، مش كدا ياماما؟..
تشعب الغضــ . ــب بجوفها فأجابته:
-محدش هيخاف على ابني أكتر مني..
تحرك للخارج وهو يبتسم بسخرية:
-أيوة طبعًا، ماهو من ريحة الغالي، حياته بتساوي حياتك..
امشي يامحمود، وكلم رئيس الحرس ياخدوا بالهم، وضعت رأسها على النافذة وهي تضع يديها على أحشائها وتنظر للذي بجوارها، ولكنه كان مشغولًا بما يفعله..
مرت عدة دقائق على الطريق، إلى أن أوقفه اصطدام سيارة الأمن أمامه، وإطلاق النيران بعشوائية حولهم..
أغلق جهازه سريعًا يتساءل:
-إيه اللي بيحصل يامحمود؟!..
استدار محمود يتحدث في سماعته:
-تمام أنا هحاول أحمي الباشا، وأنتوا اتعاملوا..
صرخ راكان عندما وجد تلك المنكمشة بجواره تناظره بخوف:
-فيه إيه يابني؟!
حرك السيارة بالاتجاه المعاكس قائلًا:
-سطو علينا ياباشا، متخافش حضرتك، إحنا بنحاول نتعامل معاهم..
طلقات عشوائية حولهم بكل مكان، وتساقط جرحى ومــ . ــوتى بين الفريقين، وتوقفت السيارت على الطريق..
لم يشعر بنفسه وهو يجذبها لأحضانه صارخًا:
– اتحرك بسرعة، مسح على وجهها الغارق بالدموع:
-ليلى اهدي، متخافيش أنا معاكي..
دفــ . ــنت رأسها بأحضانه وهمست وهي تمسك أحشاءها:
-راكان مين الناس دي أنا خايفة، انتفض ذعرًا عندما شعر بجسدها يرتعش بين يديه..
همس بجوار أذنها:
-ليلى اهدي، خلاص بعدنا عنهم، لم يكمل حديثه، إذ وجد طلقات تخترق زجاج السيارة فضمها بكامل جسده.. حتى اخترقت رصاصة كتفه وأصيب السائق بطلقٍ نــ . ــاري بصدره، أما الضابط المسؤول عن حمايته، تحكم بالسيارة التي بدأت تخترق السرعات..
مرت دقائق صعبة عليهم حتى تحكم فريق أمنه بالسيطرة، وتحكم الضابط بالسيارة وإيقافها ينظر للسائق الذي تم قــ . ـــتله بدمٍ بارد من الخارجين عن القانون..
ثم اتجه إلى راكان:
-حضرتك كويس؟..كان يطالع التي تضمه ببكاء وتنظر إليه بخوف، فهمس إليها وهو يبحث بعينيه عن شيء أصابها:
-ليلى إنتِ كويسة فيه حاجة بتوجعك؟..
كانت تناظره فقط، كان قريبًا منها جدًا حتى شعرت باختلاط أنفاسهم، فانسدلت عبراتها..
هز رأسه حتى لا يشعرها بالذعر قائلًا:
-أنا كويس، اعتدل واستند بظهره للخلف..
-راكان إنت كويس مش كدا؟..شعر بآلام بكتفه فهز رأسه:
-أنا كويس، نظر لبطنها:
-الولد، حاسة بحاجة؟! قالها وهو يغمض عينيه بألم، فهمس وهو يحتضن كفها:
-أنا كويس طول ماإنتِ كويسة، قالها ثم غاب عن الوعي..
جحظت عيناها من حالته فصرخت بمحمود:
-دا اتصاب!!. ودينا المستشفى بسرعة.