دلفت بخطواتٍ متعثرة عندما استقبلتها رائحته تحتضن صدرها، تنفست بتثاقل حتى تتمتع برائحته الندية لقلبها، اتجهت إلى فراشه تتحسسه بأناملها، لأول مرة تجلس عليه..
تسطحت تضع رأسها على وسادته تستنشق رائحته العبقة وتضم الوسادة مع هطول عبراتها على وجنتيها وهي تهمس باسمه..
وضعت كفيها على أحشائها:
-تفتكر هيكون عندنا ولد، النهاردة عندي إحساس كبير هكون حامل، خايفة قوي ياراكان، خايفة من إلي جاي، يرجعوا يلوموني ويقولوا أخدت الأخين..آهة خفيضة خرجت بنيران العشق..
رفعت سترته تستنشق رائحته كمدمن:
-بعشق الريحة دي، سحبت كمًّا كبير تملأ رئتيها ثم ضمتها لأحضانها..
ظلت لبعض الدقائق بنفس الحالة، ثم توقفت تجلس أمام مرآته تحمل عطوره واحدةً تلو الأخرى تستنشقها حتى تعبئ رئتيها منهم..
ظلت تتجول بغرفته تتمنى أن يخرج من أي ركنٍ بها حتى وصلت إلى غرفة ثيابه..
دلفت بهدوء ونبضات قلبها تتسارع بالنبض..
فتحت الخزانة بهدوء تنظر بعينيها على جميع ثيابه وتتلمسهم بأناملها، وصلت عيناها لتلك النوتس الموضوعة بجانب علبةٍ مخملية مزخرفة بنقوش ماسية..
حملتهما واتجهت للأريكة تجلس عليها، فتحتها بهدوء ورغم هدوء تحرك أناملها إلا أن هناك تدفق بأوردتها وتسارع بنبضاتها..
فتحت العلبة أولًا وجدت بها كارت به رائحته..
ويكتب عليه:
“ليلى راكان البنداري”..تاريخه منذ سنتين ونصف.
فتحته وقرأت مابداخله:
-آسف كان لازم أعمل كدا عشان نتقابل..
قطبت مابين جبينها بتساؤل:
-يقصد ايه؟!
وضعت الكارت وقامت بفتح تلك العلبة الصغيرة..تحتوي على خاتم ألماسي به فص من الأحجار الكريمة ويُنقش بداخله اسمها واسمه، وتاريخ صناعته..
توسعت عيناها حينما وجدت الخاتم، رجعت بذاكرتها لذاك اليوم، اليوم الذي قبلت به زواجها من سليم..
تنهدت متألمة وأنفاسها المرتفعة، أطبقت على جفنيها بحزن وهمست:
-غبية أنا واحدة غبية، كنت حاسة ورغم كدا كذبت إحساسي..
فتحت النوتس ونظرت بداخلها:
-مولاتي..بل حبيبتي وزهرة حياتي، معرفش هتشوفي كلماتي البسيطة دي ولا لأ، ولا هنتقابل في يوم يجمعنا ولا لأ..
سميتك مولاتي لأنك تحكمتي في عرش قلبي واخترقتي الفوارق..
-ليلي وسماي بل قمري المنير في دنيا ظلام حياتي..
كلماتي ماهي إلا وصف لحالتي..
-فأنتِ الحب والعشق والغرام..
بدأت تقرأ كلمات مابين السطور وعبراتها تسبق شفتيها التي تنطق كلماته، وكل صفحة بها صورة لخروجها من إحدى الشركات، صورة تلو الأخرى بمختلف الأماكن..
لمست أناملها صورته التي توضع بآخر صفحاته، ويكتب بجوارها:
“من يطرق باب العشق ويدخله بإرادته، ياإما أن يعود طفلًا بحبه للحياة أو يخرج منه إلى منفى
أسيرًا للمماتِ”
أمسكت صورته تطالعها بعينيها التي انهمرت عبراتها ممزوجةً بنزيف قلبها بظلم قدرها..
احترق قلبها من غبائها وتهورها بعدما اتضح كل شيءٍ أمامها، نعم عشقها مثلما عشقته، كان خلفها بخطواته وروحه وقلبه النابض ، ولكن ماذا فعلت..هي من أدمت قلبه لينزف جراح ويحترق..
نهضت تجمع الأشياء وتضعها بصندوقها، ثم قامت بترتيب الخزانة وتاركةً لنفسها مساحةً لثيابها، كانت تلمس كل شيء باشتياق..كمغترب يعود لوطنه بعد سنين يتلهفه الشوق والاشتياق..
مرت قرابة الساعة ثم اتجهت إلى هاتفها الذي يوضع على الشاحن، وفتحته وقامت الاتصال بأختها:
-درة صباح الخير..أجابتها درة التي تحمل طفلها وتطعمه:
-صباح الخير حبيبتي..راكان سافر؟..
تنهيدة حارة خرجت من جوفها مع غصة تشكلت به قائلةً بعين مترقرقة:
-سافر من ساعة ونص، وأنا كنت جاية أخد شوية هدوم عشان نقعد كام يوم عند بابا..
قاطعتها درة سريعًا:
-ليلى مينفعش تسيبي بيت جوزك في غيابه، مهما كانت الظروف وكمان بابا هيسافر بكرة بليل يعني وجودك هنا زي عدمه..
ضيقت ليلى عيناها متسائلة:
-إنتِ بتطرديني يابت ولا إيه، ماهو ماما موجودة هقعد معاها.
نهضت درة بعدما وضعت الطفل وحاولت أن تتحدث معها لإقناعها:
-براحتك بس أنا شايفة لازم تفضلي عندك، عشان الكل يفهم إنك مراته فعلًا مش مجرد أرملة.
زفرت ليلى بضيق وهي تشعر بأن هناك شيئًا، ورغم ذلك نفضت حديث درة واتجهت إلى غرفتها وهي تتحدث:
-أمير صحي ولا لسة؟..
أجابتها بتنهيدة وهي تنظر إليه وهو يلعب بألعابه:
-صحي بعد ماراكان كلمني بنص ساعة، ماما أخدته غيرتله وعملت أكله، وأنا أكلته ودلوقتي بيلعب.
ارجعت خصلاتها للخلف:
-آسفة يادرة عارفة تعبتك معايا إمبارح بس حقيقي كنت محتاجة أفهم حياتي هتكون إزاي..
تنفست درة بتثاقل كلما تذكرت ماصار إلى سيلين ثم زفرت الهواء على دفعات وأجابتها:
-المهم تكوني انبسطي ياليلى، ياله تعالي عشان ابنك زهق مني، وكمان لازم أنزل عندي مشوار مهم.
أنهت اتصالها، ثم استمعت لطرقات على باب غرفتها..
-دلفت زينب إليها تنظر بالغرفة، ثم اتجهت تجلس بمقابلتها حينما شعرت بألمٍ يخترق قلبها:
-سيلين مرجعتش لحد دلوقتي كنت مفكرة إنها معاكي، وبما إنك هنا يبقى هتكون فين؟..
فغرت شفتيها مصدومةً من حديث زينب فتساءلت:
-يعني سيلين برة من إمبارح، لسة مارجعتش؟!