_ صعقت نادرة مما سمعته لتوها، فهي استنجدت به ليكون عوناً لها وحماية لولدها من شر نفسه والآن هو من يصرح بأخذه لثأر صغيرها، حركت رأسها في استنكار تام وهدرت به شزراً:-
بجولك احمي ولدي وامنعه من اللي ناوي عليه تجوم تجولهم هناخدو بالتار!! _ بهلجة غير سامحه للنقاش أردف بصرامة:-
ديه تارنا كلاتنا ولازمن نخدوه _ أولاها ظهره ثم هم بالمغادرة في إحدى السيارات ومن ثم تبعاه رجاله في سيارات عدة قاصدين منزل حمدان..
_ لم تقدر ساقي نادرة علي حملها وخارت قواها ما ان اختفوا من أمامها، همت صفية بالإسراع نحوها مساعدة إياها على صلب قامتها التي انحنت مرددة:-
تعالي ندخلوا جوا يا ست نادرة _ أبت نادرة الدخول قبل أن يأتيها خبر ما تخشى سماعه أو ربما يعدلها الله دون تدخل ولدها في الأمر ووقوعه في التهلكة، رافقتها صفية ولم تتوقف عن ترديد الكلمات الطيبة على أملاٍ أن تهدي من روعها. ______________________________________
_ اقتحم الغرفة بصورة غير لائقة، بحث في جميع أرجائها عن مراده ولم يصل في النهاية إليه، فتح الخزانة وألقى ما بها من ثياب ومستلزمات أخرى أرضاً ربما يلقى ما يبحث عنه، خلع جميع الأدراج الموجودة في الغرفة والنتيجة ذاتها دون جدوى _ رفع بصره على تلك الجامدة التي تتوسط الفراش ولا تشعر بوجوده، اقترب منها متسائلاً بنبرة محتقنة:-
فين الحبوب اللي كانت في الحمام؟ _ طالعته بلا مبالاة وبفتورٍ قالت:-
مخابراش _ تجهمت تقاسيمه فلم يقنعه ردها، انحنى عليها جاذباً إياها من ذارعها مجبرها على الوقوف أمامه، وبإنفعال واضح هتف:-
لا خابرة انطجي يا ثريا وجولي فينها الحبوب
_ حررت ذراعها بقوة معنفة إياه ببغض في لهجتها:-
بجولك مخابراش الجرف اللي بتتعطاه ديه فين ؟ _ صفعها بعنف دوت قوته على وجهها، دفعته ثريا بشجاعة تحلت بها حينها ولم تخشاه تلك المرة بل صلبت قامتها وأردفت بإزدراء:-
يا أخي داني بكرهك كره العمى، داني أطيج العمى ولا أطيجكش، جرفت منيك ومن عمايلك السودة _ أزفرت بعض العبرات بمرارة ووصلت عتابها متسائلة:-
عملت لك ايه عشان تعاملني بالجسوة ديي، خلجات وأحسنهم كنت بلبسلك، اهتمام ومفيش واحدة في عمري بتعمل اللي أني بعمله ديه ولا كاني بت ١٦، ليه يا حمدان ليه؟
_ أجابها بعدم رأفة لمشاعرها:-
مبحبكش ولا عمري حبيتك، جلبي مبيسكنوش غير واحدة وبس عنيا التنين مبتشوفش غيرها لكن أنتِ ولا عمري شوفتك ست من أساسه، مهما عملتي عمرك ما جدرتي تملي عيني _ قاطعته بقولها:-
لان عينك فارغة يا حمدان وتحب الرمرمة _ رمقته بنظرات احتقارية، شعرت بالنفور المختلط بالتقزز منه، لم يتحمل حمدان كلماتها المهينة وانقض عليها كمن أنقص على فريسته ولن يتراجع قبل اقتلاع روحها في يديه ..
_ لم تصرخ ثريا مستعينة بطاهر تلك المرة وكأن مقاومتها قد انهارت وحلقت في الهواء، تحملت وتحملت دون أن يصدر منها أنين حتى شعر حمدان بالتعب فتوقف من تلقاء نفسه وانسحب إلى الخارج دون أن يلتفت إليها _ لم ترفع ثريا بصرها عن الباب الذي اختفى خلفه حمدان، كزت على أسنانها حاسمة أمرها بفعل ما يحثها شيطان أفكارها على فعله، شهيقاً وزفيراً فعلت ثريا ثم توجهت إليطى الأمام ودلفت للخارج بخطى متمهلة، وقفت أمام النافذة التي تتوسط الممر لوقت قبل أن ينضم إليها طاهر متعجباً من وقوفها بمفردها:-
صباح الخير ياما واجفة عندك بتهملي إيه؟
_ حركت رأسها للخلف وطالعته بملامح جامدة، اقتربت منه وسمحت ليدها في التسلل إلى وجهه ومسلت عليه بنعومة شديدة وقد ارتخى جمود ملامحها ولانت، تقوس ثغرها بإبتسامة لم يستطع طاهر فهم ما خلفها فبدت مريبة بعض الشيء ناهيك عن تصرفها التي تفعله لمرتها الأولى _ خرج عن صمته بسؤالها في قلق قد سيطر على مشاعره:-
مالك ياما فيكي حاجة غريبة؟! _ ابتلعت ريقها وردت عليه بنبرة خافتة حنونة:-
مفيهش يا حبيبي، رايدة أوصيك وصية يا طاهر اوعدني أنك تنفذها
_ لا يعلم لما تسلل الخوف إلى داخله كما خفق قلبه بصورة مضطربة وكأنها تودعه، حاول فهم ما ترمي إليه بنبرة قلقة:-
وصية ايه عاد ياما في إيه وبتتحدتي أكده ليه؟ _ أخفضت يدها من على وجهها وربتت على ذراعه متابعة حديثها المسترسل:-
اسمعني لاول يا طاهر، خلي بالك من اختك واوعاك تزعيلها حابي عليها يا ولدي هي عجلها كيف البُلغة بس ديه ميمنعش أنها أختك وواجب عليك حمايتها _ كان يطالعها وداخله غير مطمئن بالمرة، رمش بأهدابه عدة مرات متتالية وأعاد سؤالها بتوجس شديد:-
ياما أنتِ بتخوفيني بحديتك ديه، ريحي جلبي وجولي لزمته ايه؟
_ أزفرت الأخرى أنفاسها بتمهل مُشكلة بسمة على محياها وحاولت طمأنته:-
مش لازم يكون في حاجة عشان أوصيك على اختك، حبوا بعض يا ولدي أنتوا اللي باجين لبعض من بعدنا _ شدت على ذراعه بقوة وواصلت مضيفة:-
واوعاك يا طاهر تبص وراك، عيش حياتك مع مرتك واملوا الدار عيال كاتير هما اللي هيكونوا عزوتك يا حبيبي _ أخرجت تنيهدة حارة ثم أعادت يدها إلى جوارها وأجبرت شفاها على رسم ابتسامة زائفة حتى لا تخيفه ناهية الحوار:-
كنت رايدة افضفض معاك شوية يا طاهر، يلا روح يا ولدي لمرتك ربنا يخليكم لبعض
_ غادرها طاهر حين فشل في فهم حالتها المريبة بينما عادت ثريا إلى النافذة ومدت يدها على الحجر الذي سبق ورأت طاهر يدس خلفه سلـ,ـاح والده واحتـ,ـضنته بيدها وهي تطالع الخارج بذهن لا يتردد فيه سوى شيء واحد فقط… ______________________________________
_ وصلا مصطفى إلى منزل حمدان، سحب سـ,ـلاحه من أمامه وترجل من السيارة دون أن يغلق بابها، ركل باب الحديقة الصغير بقدمه حتى خلعه من مكانه، تابع سيره للداخل ثم وقف في منتصف الحديقة ورفع ذراعه للأعلى وضغط على زناد مسدسه فدوى صوت الرصاص في الهواء وبنبرة مشحونة من الغضب صاح عالياً:-
أخرجي لي يا حمدان، مصطفى الجبلاوي جاي ياخد بتار خوه منيك!!
_ هنا كانت الصاعقة التي انسدلت على مسامع من في المنزل ألجمت ألسنتهم، تجمعوا في ردهة المنزل إلا من ثريا التي لم تحضر، كاد أن يخرج له طاهر لكن والده منعه بدافع الخوف:-
لاه خليك أنت إهنه هو مشايفش جدامه ممكن يصيبك عيار _ توجه حمدان إلى شرفة المنزل ورمق خارجه بخوف عارم فانتبه على صوت مصطفى الساخر:-
هتجف تبص عليا من ورا الشبابيك كيف الحريم _ أعاد مصطفى إطلاق الرصاص في الهواء مردداً:-
لو مخرجتش دلوك هطربج الدار بلي فيها ومهسميش على أيتها حد
_ لم يتحمل طاهر كلمات مصطفى وهرول إلى الخارج فدوت صراخات مروة وصباح عالياً متوجسين خيفة عليه حيث قلن:-
لاه يا طاهر بلاها خروج
إوعاك تخرج يا طاهر _ لم يكترث لهم وظهر أمام مصطفى بقامة منتصبة فسخر منه الآخر بحنق:-
خايف يخرج لي فبعتك انت!! _ دنى منه طاهر إلى أن ألتصق في سـ,ـلاحه المصوب عليه وبلا مبالاة همس:-
أنت فاكر إنك هتخوفنا بسـ,ـلاحك ديه؟ _ كز مصطفى على أسنانه وبهدوء حذر هتف:-
غور من جدامي إما أخليكم تحصلوا بعض!!
_ تفاجئ طاهر بدفعه للجانب فالتف ليري من الفاعل فإذا به والده يقول وعينيه يتأجج بهما الندم المصحوب بالشجن:-
خليك باعيد يا طاهر ديه تاره ولازمن ياخده _ وجه حمدان بصره علي مصطفي وببرود تصنع ثوبه أردف :-
أني جدامك اهاه خد تارك مني _ هتفت صباح صارخة من خلفه:-
لاه يا أبوي لاه _ رمقه مصطفى بنظرات احتقارية مشتعلة وهو يتذكر حالة أخيه حينذاك، ازدرد ريقه بصعوبة وهدر به شزراً:-
عملت أكده ليه، هلال عملك ايه عشان تجتله، كنت متفج مع بت أخوك انكم تجتلوه عشان تخرجوا من وراه بشوية فلوس ولا كان ايه اللي نواياكم وانتوا بتجتلوه!!
_ تدخل طاهر مدافعاً عن ورد بشهامة:-
ورد ملهاش دخل باللي بتجوله ديه، ورد أشرف وانقى منيكم اتنيناتكم، محدش عارف جيمتها والكل بياجي عليها من أول عمها لحد جوزها!! _ لكمه مصطفي بكل قوته حين لم يتحمل حديثه على ورد، فمن يكون حتى ينطق بحروف إسمها بتلك الأريحية والأدهى دافعه عنها!!، وقع طاهر أرضاً إثر قوة لكمة مصطفى، كاد أن يهم بالوقوف ليرد له الصفعة بأضعاف لكنه فؤجي برجال السرايا التي حاصرت المكان من حولهم ناهيك عن الرجال التي منعت وقوفه والوصول إلى مصطفى مرة أخرى ..
_ شعر مصطفى بسيطرته على الوضع عند وصول رجاله الداعمين له، حان الأن فرض جبروته والقصاص لاخيه من ذلك الحقير، أمسكه مصطفى من تلابيب جلبابه هاتفاً آخر ما يدور في جوفه :-
هلال لما انجتل الخلج دعت له بالرحمة لكن أنت لما تتجتل بيجولوا الله يلعنه مطرح ما راح وديه بالظبط اللي رايده أنك تتعذب دِنِيا وآخره _ بهدوء تام وجه سـ,ـلاحه على قلب حمدان ولازال ممسكاً بتلابيبه حتى دوي في المكان صوت تلك الرصاصة التي اخترقت جسد حمدان وسالت دمائه بغزارة…
______________________________________ _ الصدمة دون غيرها حلت على وجوهم، ثوانٍ قليلة مرت والجميع في حالة صمت مريبة يستوعبون فيها هول الموقف، طالعتها نادرة لوقت والذهول مسيطر على نبرتها التي علقت بها متسائلة:-
حمدان اللي جتل ولدي!! _ ازدردت ورد ريقها رعباً مما هي مقبلة عليه، توجهت إليها نادرة فأسرعت صفية التي كانت برفقتها في اللحاق بها قبل أن ما تتصرف بتهور:-
اهدي ياست نادرة _ دفعتها نادرة بعيداً عنها وتابعت سيرها إلى أن وقفت مقابل ورد ورددت متسائلة:-
ليه يعمل أكده، ولدي كان آذاه في ايه عشان يجتله!
_ نكست ورد رأسها فهي المتسبب الأساسي في قـ,ـتل هلال، ترقرقت العبرات في عينيها وأجابتها بندم مختلط بالحزن الذي تبدد داخل قلبها:-