Uncategorized

عطر وياسين ملك ابراهيم

مريح. قال فجأة: – عارفة؟ أنا غلطت لما سيبتك. رفعت عينها: – الاعتراف متأخر. – بس صادق. سكتت. القلب خان العقل لحظة. ابتدت تفتكر: هو مش دايمًا كان وحش… يمكن كان تايه… يمكن أنا استعجلت. وهو كان شايف ده في عينيها. ابتسامة صغيرة ظهرت: – أنا مش مستعجل على حاجة. خدي وقتك. اللين كان أخطر من القسوة. وفي أوضتها، قبل ما تنام، عطر مسكت الموبايل، فتحت صور قديمة. صورة فرحها. هي صغيرة… وهو مبتسم. همست لنفسها: – يمكن…

يمكن نقدر نبدأ من جديد؟ لكن في العمق… كان في صوت صغير بيحذرها: خلي بالك… مش كل اللين أمان. — الفصل الثامن عدّى شهر. شهر كامل وياسين كل يوم أحسن من اللي قبله. كلامه هادي، ضحكته دافية، وجوده ما بقاش خانق. بقى يسمع. بقى يهتم. بقى يسأل عن يومها بجد. وعطر؟ قلبها… خانها. كانت بتقول لنفسها: يمكن اتغير. يمكن الوجع اللي فات كان سوء تفاهم. يمكن أنا ظلمته. الليل كان هادي. قاعدين قصاد بعض، نور خافت،

كلام بسيط عن الدراسة، عن الشغل، عن ذكريات قديمة. ضحكت. ضحكة طالعة من القلب. ياسين بصّ لها بنظرة مختلفة: – وحشتيني… حتى وأنا جنبك. القلب دق. قرب. وعطر ما بعدتش. ما قالتش لأ… ولا قالت آه. سابت اللحظة تمشي… وسابت نفسها تصدّق. ولأول مرة، حست إنها زوجة بجد. مش مفروضة… مختارة. نامت وهي مبتسمة. — الصبح… صحيت بهدوء. مدّت إيدها… السرير فاضي. قعدت. لفّت تبص. على الكومودينو… ورقة. قلبها شدّ. مسكتها، قرت: “بقيتي مراتي رسمي يا عطر.

وخدت منك اللي أنا عايزه. مش ياسين الهلالي اللي واحدة زيك تعصي عليه.” الإمضا: ياسين الورقة وقعت من إيدها. الدنيا سكتت. لا عياط. لا صريخ. بس إحساس تقيل نزل في صدرها. إحساس إنها اتخدعت. اتسرق أمانها… مش بس ثقتها. همست بصوت مكسور: – إنت لعبت بيا… الحنان كان تمثيل. اللين كان فخ. والقرب… كان وسيلة. قامت ببطء. بصّت لنفسها في المراية. وش شاحب… بس العين فيها حاجة جديدة. مش ضعف. غضب هادي. مسحت دمعة نزلت غصب: – خلاص يا عطر…

اللي جاي مش حب… اللي جاي حساب. — الفصل التاسع عطر كانت لسه ماسكة الورقة… لسه الكلمات بتوجع. قامت بسرعة. لبست. قررت تمشي. قربت من الباب، لفّت المفتاح… ما اتفتحش. حاولت تاني. ولا حركة. شدّت المقبض بعصبية: – إيه ده؟! قلبها بدأ يدق بسرعة. قربت من الشباك… السور عالي. الباب مقفول من برّه. همست بخوف: – ياسين…؟ مفيش رد. قعدت على الكنبة، الوقت بيمشي تقيل. لحد ما سمعت المفتاح. الباب اتفتح… وياسين دخل. وقفت قدامه فورًا: – إنت قافل عليّا من برّه ليه؟!

بص لها بهدوء مستفز: – علشان ما تمشيش. – إنت حابسني؟! – لأ… أنا بحمي بيتي. ضحكت ضحكة مخنوقة: – بيتك؟ وأنا إيه؟ – مراتي. – مراته؟! ولا سِجنه؟ قرب منها، صوته واطي: – اسمعي كويس يا عطر. من النهارده… مش هتخرجي تاني. جسمها اتجمد: – إيه؟ – هتعيشي هنا. بيتك، وجوزك، وخدمته. الكلمة وقعت عليها زي الطوبة. – إنت بتتكلم عني كأني حاجة! – كزوجة. وده دورك. قالها ببرود: – وأنا عايز عيال… كتير.

وده هيبقى شغلك. عطر رجعت خطوة، عينها اتوسعت من الصدمة: – إنت مجنون؟! أنا عندي جامعة! مستقبلي! ابتسم: – كان. مش هيبقى. – إنت ما تقدرش! – أقدر. وانتي شايفة. صوتها ك.سر: – إنت بتق.تلني بالحيا! – لأ… أنا برسم حياتك. السكوت نزل. عطر حست فجأة إن الهوا تقيل. إن الحيطان قربت. إن كل صورة حلمتها بتقع واحدة واحدة. المستشفى… الجامعة… الطموح… اسمها على البالطو الأبيض. كلهم بيبعدوا. دموعها نزلت أخيرًا: – ليه؟ عملتلك إيه؟

بص لها ببرود قاسي: – لأنك فكرتي إنك تقدري تعصي ياسين الهلالي. سكتت. وفي اللحظة دي… مش بس عرفت إنه لعب بمشاعرها، لا… عرفت إنها دخلت حرب. بس وهي واقفة مكسورة، كان في حاجة لسه ما ماتتش جواها. وعد. مش هخلص هنا. — الفصل العاشر عطر ما هربتش في لحظة تهوّر. هربت في لحظة وعي. استنت اللحظة اللي ياسين خرج فيها، خدت شنطة صغيرة، ولا ورقة… ولا أثر. مشيت من البيت وكأنها بتطلع من حياة كاملة.

اختفت. لا موبايل مفتوح، ولا حد يعرف مكانها غير شخص واحد… حد وثقت فيه. — ياسين جنّ. لفّ عليها في كل حتة. سأل في المستشفى. سأل في الجامعة. راح بيت عمها. حتى زملتها. ولا حد نطق. اسمها بقى صدى من غير عنوان. — بعد أسابيع… دخل أبوه. الحاج حمدان الهلالي راجل تقيل، كلامه محسوب. قعد قدام ياسين وقال: – خلص الليلة دي يا ياسين. ياسين بصله بعصبية: – خلص إيه؟ – تطلّق عطر. وقف: – مستحيل.

– ده طلبها. الكلمة خبطت فيه. – فينها؟ – مش مهم تعرف. المهم تعرف إن اللي عملته… ما يتسكتش عليه. – أنا عايز أقابلها. – هي مش عايزة تشوفك. ياسين حس لأول مرة إن الأرض بتنسحب من تحت رجله. – أنا جوزها! – كنت. دلوقتي؟ إنت سبب هروبها. سكت لحظة، وبعدين قال: – لو طلقتها… هترجع؟ أبوه بصله بحسم: – لأ. الضغط زاد. البيت كله عليه. اسمه بدأ يتلطخ. وفي الآخر… وقّع. الطلاق تم. من غير ما يشوفها.

من غير ما يسمع صوتها. من غير ما يقول كلمته الأخيرة. ودي كانت أقسى حاجة عليه. — عطر رجعت. رجعت الجامعة. رجعت البالطو الأبيض. رجعت تحلم… بحذر. كانت أهدى. أنضج. وفي عينها وجع قديم. لكن جسمها بدأ يتغير. إرهاق. دوخة. تأخير. وقفت قدام التحليل… وإيدها بترتعش. خطين. قعدت على الكرسي وكأن الدنيا وقفت. همست: – لأ… مش خوف. صدمة. هي حرّة. مطلّقة. راجعة حياتها. … وحامل. قلبها اتشد بين حاجتين: وجع اللي فات وروح لسه ما شافتش الدنيا.

مسكت بطنها بإيد مرتعشة: – إنت مالكش ذنب…

انت في الصفحة 3 من 5 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى